المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العرب والمعاجم اللغوية


Eng.Jordan
12-17-2012, 10:14 PM
حاجتنا إلى معجم لغوي تاريخي
الكاتب : د. إبراهيم شعلان - مصر




حاول العرب منذ القدم إيجاد معاجم لغوية، لحصر ألفاظ اللغة العربية، وذلك عندما شرعوا في التصنيف والتدوين في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة (الثامن الميلادي)، وكان هدفهم من التدوين ضبط القرآن الكريم، والحديث الشريف، فأخذوا في جمع شتات اللغة، وألفوا الكثير في جميع مواد اللغة: فجمع بعض العلماء رسائل في موضوعات معينة، ومنها مثلاً كتاب (الوحوش) للأصمعي (122-216هـ) حشر فيه أسماء الوحوش، وصفاتها، والحيوانات كالبقر، والذئاب، وصفاتها، وأسماء الضباع، وصفاتها، وأسماء الثعالب، وأسماء الأرانب.
كما نجد كتاب (الدارات) للأصمعي أيضاً، جمع فيه دارات العرب المعروفة في بلدانهم وأشعارهم، وهي ست عشرة دارة.
وهناك كتاب ألفه الأصمعي عن النبات والشجر، ذكر فيه ما ينبت في السهل، أو الرمل. وهناك كتاب المطر لأبي زيد، سعيد بن أوس الأنصاري (119–215هـ). وهناك كتاب (الرحل والمنزل)، وينسب ما فيه إلى أبي عبيد (المتوفى سنة 224هـ)، ويتضمن الألفاظ التي يستعملها العرب في أسفارهم ومنازلهم، وأسماء الأواني التي يستعملونها في سفرهم وحضرهم، ودورهم وبيوتهم، وأخبيتهم وأبنيتهم. كما ألف أبو حنيفة الدينوري (المتوفى سنة 282هـ) كتاب (النبات)، جمع فيه ما قيل عن النبات وحياته، وأسماء الأمراض التي تسببها تلك النباتات للحيوانات عندما تأكلها.
ولقد كان كثير من اللغويين يجمعون الكلمات الصعبة المعاني -في نظرهم- في كتيبات ليشرحوها، وقد عرف هذا اللون من المفردات باسم (الغريب)، كما فعل أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي المعروف بكراع النمل، (المتوفى سنة 310هـ) في كتاب (المنتخب من غريب كلام العرب). وكما فعل محمد بن القاسم الأنباري (271-328هـ) في كتاب رسالة (في غريب اللغة)؛ لفهم الغامض البعيد عن الفهم، والكتاب نظم في غريب اللغة، وحشد ما يربو على سبع وتسعين وأربعمائة كلمة، ثم شرحها. وكما فعل عيسى بن إبراهيم الربعي (المتوفى سنة 480هـ) في كتابه (نظام الغريب في اللغة) الذي اقتصر فيه على المستعمل من غريب اللغة، وما قالته العرب، وتداولته في أشعارها وخطبها.
وينسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (100-175هـ) وضع معجم في اللغة العربية، وهو كتاب (العين)، وقد رتبت حروفه على حسب مخارج الحروف، وقد تأثر فيه الخليل بنظام الأبجدية السنسكريتية عن طريق (خراسان) التي كان لها صلة وثيقة بالهند. كما ألف ابن فارس (المتوفى سنة 395هـ) كتابه (معجم مقاييس اللغة)، وحاول فيه إرجاع مواد اللغة إلى قدر مشترك يجمع بينها. وألف ابن منظور (630-711هـ) كتابه (لسان العرب)، وكان هدفه استقصاء ألفاظ اللغة، وجمع منها ثمانين ألف مادة. وكان البخاري أبو عبدالله إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، (المتوفى سنة 256هـ) من أوائل الذين رتبوا الأسماء ترتيباً أبجدياً كالترتيب الذي نعرفه الآن في كتاب (التاريخ الكبير).
ولما كانت اللغة العربية لغة القرآن الكريم والسنة الشريفة؛ أولاها علماء الشرع عنايتهم، وصرفوا فيها جهودهم وأوقاتهم؛ لاصطياد شاردها، وتقييد آبدها، وجمع نادرها.
ونجد في صحيفة ابن عباس، رضي الله عنه، -وأتت رداً على أسئلة نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر- محاولة لتفسير بعض ألفاظ القرآن الكريم، والإتيان بما يدلل على معانيها من كلام العرب.
ونجد كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (110-210هـ) يدور حول تفسير بعض الألفاظ القرآنية مستخدماً ألفاظاً مثل: (مجازه كذا)، و(تفسيره كذا)، و(معناه كذا)، و(غريبه)، و(تقديره)، و(تأويله)، وكلها تدور حول تفسير بعض الألفاظ القرآنية.
كما اهتم المسلمون بمحاولة فهم بعض الألفاظ القرآنية التي تحتاج إلى بعض العناء في شرحها، فوضعوا بعض الكتب التي تشرح تلك الألفاظ، ومن بينها (معاني القرآن) للفراء، يحيى بن زياد (144-207هـ).
كما قام ابن اليزيدي (أبو عبدالرحمن عبدالله بن يحيى بن المبارك العدوي البغدادي، المتوفى سنة 237هـ) بتأليف كتاب (غريب القرآن وتفسيره). وألف ابن قتيبة (213-276هـ) كتابه في (تأويل مشكل القرآن). كما ألف العرب في بيان معاني (غريب الحديث)، كما فعل ابن الأثير (544-606هـ) في كتابه (النهاية في غريب الحديث والأثر) معتمداً على كتاب أبي عبيد الهروي (154-224هـ) (غريب الحديث). وكتاب (المغيث في غريب القرآن والحديث) للحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصفهاني (المتوفى سنة 581هـ).
ولقد قام مجمع اللغة العربية بالقاهرة بجهد غير منكور في خدمة اللغة العربية منذ افتتاحه عام 1352هـ (1943م)، ونص المرسوم القاضي بإنشائه على أن يقوم المجمع بوضع معجم تاريخي للغة العربية.
وفي (المعجم الكبير) يبدأ أعضاء المجمع بذكر كل مادة، وأصولها في اللغات السامية، ورتبت المواد حسب المعاني الكبرى لها، مع التدرج من المدلولات المادية إلى المعنوية، كما ترد الكلمات المأخوذة من لغات أجنبية إلى أصولها الأجنبية.
وما دمنا في بداية القرن الحادي والعشرين الميلادي، فإن إنساناً بمفرده لا يمكنه أن يقوم بعمل معجم للغة العربية نظراً لتشعب المعارف وكثرتها، فلا بد من اجتماع هيئات علمية متخصصة كالمجامع اللغوية التي في استطاعتها وحدها أن تقوم بذلك العبء الذي لا بد أن تتصدى له تلك المجامع في العصر الحديث حيث نجد أن هناك تقدماً هائلاً في المواصلات السلكية واللاسلكية، والطيران، والسينما، والراديو، والتلفزيون، والبرق، والهاتف. وفي الميدان الطبي والعلوم المتصلة بل هناك أكثر من 2.000.000 حشرة، عينت أنواعها، وأطلق عليها علماء الحشرات أسماء محدودة، في حين أن أسماء المركبات الكيميائية والأدوية يمكن أن تكون وفيرة أيضاً.
ونحن -من الناحية اللغوية- في أشد الحاجة إلى تمحيص كلمات اللغة من حيث تهجئتها، وصورها الشائعة وغير المهملة، واشتقاقها من أصلها، وتاريخها، وعصرها، ودلالاتها المختلفة مرتبة ترتيباً تاريخياً مع التدليل ببعض الشواهد التي تحدد تطور الدلالات نفسها لدرجة تجعلنا نكون صورة واضحة عن التطور الاجتماعي لمتكلمي اللغة عبر العصور.