المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الثقافة العربية الإسلامية في داغستان


Eng.Jordan
12-17-2012, 10:18 PM
باب الأبواب .. حيث تطل الثقافة العربية


الكاتب : أشرف كامل - روسيا - المجلة العربية

جمهورية داغستان، أكبر الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد الروسي تقع بين جبال القوقاز وساحل بحر قزوين، منها بدأت الثقافة العربية الإسلامية أولى خطواتها جنوب روسيا، عُرفت بـ(بلد الجبال) حيث الجبال المرتفعة، وذُكرت بـ(جبل اللغات) حيث يعيش على أرضها ما يربو على ثلاثين قومية متمسكة باللغة الأم.. هي جزء من أرض (الرحاب) التي ضمت قديماً أرمينيا وأذربيجان.
ومع تعدد الثقافات والقوميات في هذا البلد الإسلامي، تظل للثقافة العربية مكانتها في قلوب الداغستانيين، فالتراث الثقافي يبقى شاهداً على دور العرب والمسلمين الأوائل، واحتفاظ اللغة العربية بدورها، يظل عنواناً لإرث ثقافة أمتزجت بنمط حياة شعوب تعتز بتاريخها، وإسلام تجذر في القلوب، ولغة قرآن جمعتهم على قلب رجل واحد.
باب الأبواب
وتعتبر مدينة (دربنت) الواقعة جنوب داغستان، واحدة من أقدم المدن الروسية، وقد أضيفت إلى قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتشير الحفريات التي بدأت عام 1971 إلى عراقة مدينة بُنيت قبل 5000 عام، ذات تاريخ يروي ثقافة عصور مختلفة مرت عليها حين اعتبرت ممراً فاصلاً بين بحر قزوين وسلسلة جبال القوقاز، ومركزاً اقتصادياً وعسكرياً للمنطقة، حملت العديد من الأسماء، وكانت للعرب المسلمين باباً فتحت منه أبواب كثيرة أمام الإسلام وثقافته فكانت عندهم (باب الأبواب).
والتراث الثقافي لـ(دربنت) فيه نبأ شعوب وإمبراطوريات قديمة، سارعت إلى ضم المدينة ذات الموقع الإستراتيجي، كالفرس والخزر والروس والأتراك والعرب، وفي عهد الفاروق عمر بزغ فجر الإسلام على المنطقة في العام العشرين من الهجرة، لتصبح المدينة نموذجاً للتمازج الثقافي بين العرب وأعراق منطقة القوقاز تحت مظلة الإسلام.
مسجد الجمعة
وكان لبناء المساجد والمدارس أثره في أن يكون الكتاب بديلاً عن السيف، ومسجد الجمعة الذي بناه مسلمة بن عبدالملك، واحد من أقدم المساجد في تاريخ الإسلام، ظل يؤدي رسالته في نشر الثقافة العربية الإسلامية، وكان بمثابة شعاع الثقافة والعلوم الذي طل على المنطقة، وفيه كانت علوم القرآن والسنة النبوية والتاريخ والرياضيات والفلك، إلى جانب اللغة العربية التي لم تطو صفحتها في القوقاز.
وتنشر شجرات معمرة لأكثر من سبعمائة عام، ظلالها على باحة المسجد الذي قسم إلى جزأين، الأول مستطيل يمتد من الشرق نحو الغرب، وآخر مربع يحمل قبة قطرها تسعة أمتار، ويبلغ طول المبنى من الداخل 67 متراً وعرضه 17 متراً، تزين جدرانه آيات من القرآن الكريم، وتفترش أرضه قطع من السجاد المنقوش.
قلعة (نارين)
والموقع الإستراتيجي للمدينة كان سبباً في بناء قلعة (نارين) التي كانت بمثابة جزء من النظام الدفاعي في القرون الوسطى، حيث التحصينات المتينة والحواجز الصعبة، وتشغل القلعة مساحة 4.5 هكتار من الجزء الجبلي للمدينة، فيها أبراج محصنة بمسافات تتراوح ما بين 20-30 متراً، إلى جانب التلال ذات الانحدار الشديد لتعطي مزيداً من الحماية للحصن.
وكانت القلعة تُشرف على كل الطرق الجبلية، ومنها تمتد أسوار وبوابات مرتفعة وصلت إلى بحر قزوين حتى أطلق عليه البعض (سور القوقاز العظيم). وتقف المدينة القديمة شامخة بين سوري القلعة الممتدان إلى بحر قزوين تباركها صلوات ودعوات تنطلق من سبع مساجد تنتشر بين جدرانها الحصينة، وتتناثر على تلال القلعة مقابر قتلى وشهداء معارك دارت بين الإمبراطوريات خارج أسوارها.
ويفوح من جدران المدينة القديمة عبق تاريخ العرب المسلمين في شوارع ضيقة وجمال هندسة معمارية عريقة، تقرأ فيها قصة شعب مازال متمسكاً بثقافته وعقيدته الإسلامية رغم كل ما واجهه على مر التاريخ.
مرقد الأصحاب
ويواري تراب هذه البقعة من الأرض، أجساد أربعين صحابياً من أصحاب الرسول الكريم، يقول عنهم سكان المدينة هم الذين عايشوا الرسول الكريم وأخذوا منه تعاليم الإسلام وجاؤونا ليخرجونا من ظلمات الجهل إلى نور الثقافة والعلم والإيمان، وأن ذكراهم باقية في قلوبهم فهم قضوا نحبهم بعيداً عن ديارهم إما في معارك الفتوحات الإسلامية، أو أثناء جهودهم لنشر تعاليم الإسلام وثقافته الحميدة.
ومن أبرز هؤلاء، الصحابي الجليل (حبيب بن مسلمة الفهري)، الذي كان أحد رواة الحديث، وكان قائداً عسكرياً فذاً، وهو من تولى قيادة الجيوش الإسلامية إلى آسيا الوسطى والقوقاز، وعبدالرحمن بن ربيعة وسلمان بن ربيعة الباهلي وغيرهم.
المخطوطات العربية
وتعتبر (رسالة أهل الثغر) واحدة من أهم الآثار الفكرية الإسلامية المرتبطة بالمدينة، وهي عبارة عن رسالة وجهها أحد فقهاء المسلمين إلى أهل (دربنت) يشرح فيها مفهوم العقيدة وفق القرآن الكريم والسنة النبوية، وعلى الرغم من المناقشات الكثيرة إلا أن مصدر هذه الرسالة لم يحسم بعد، وإن أشار بعض العلماء إلى أبو الحسن الأشعري.
وتبقى المخطوطات العربية التي تقف شامخة في متحف المدينة، يفوح منها عبق تاريخ الثقافة العربية الإسلامية دليل اعتزاز سكان دربنت وتمسكهم بهذه الثقافة، وإن ارتبطوا وطنياً بروسيا.
ومع تراجع سيطرة العرب على المدينة عسكرياً، ساعد استقرار الآلف من الأسر العربية في المدينة على خلق تمازج ثقافي فريد، تظهر ملامحه في عادات وتقاليد سكان المدينة حتى اليوم، كما شهدت المدينة نهضة أخرى لسنوات تحت ظل الإمبراطورية العثمانية التي تهاوت أمام الضربات الروسية المتلاحقة، رغبةً في السيطرة على المدينة التي لفتت معالمها التاريخية، انتباه القيصر الروسي (بطرس الأكبر) فأمر العلماء الذين كانوا بصحبته اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على التراث الثقافي للمدينة.
وفيما تواجه الثقافة العربية الإسلامية، حالياً، الكثير من التحديات في مدينة باب الأبواب، فما زالت مركزاً من مراكز الثقافات العربية الإسلامية المهمة في روسيا، وأن رياح الزمن العاتية عاجزة على تغيير عقيدة شعب رضي بالثقافة العربية الإسلامية دليل حياة، محافظاً على إرث الأجداد.