المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البيئة الأندلسية .. فضاء للإبداع


Eng.Jordan
12-17-2012, 10:19 PM
الكاتب : أحمد الدمناتي - المغرب


ضافرت العديد من العوامل الأساسية لتصبح البيئة الأندلسية فضاء إبداعياً، جمالياً، يتحف المكتبة العربية بروائع الأشعار التي جادت بها قرائح الشعراء، ومن بين هذه العوامل التي ساهمت في خلق نهضة شعرية بالأندلس:
- الشخصية الأندلسية.
- المرأة ودورها في النتاج الشعري.
- الطبيعة.
الشخصية الأندلسية كانت دوماً ميالة إلى الأناقة في اللباس، والاعتناء بالمظاهر الخارجية للأزياء، والإشراف بحيوية على الحدائق الغناء، والرياض الفيحاء، لأنها كانت المكان المفضل للجلوس لدى الشاعر الأندلسي لما تثيره في نفسيته من راحة وهدوء واستقرار، سيما وأن المجتمع الأندلسي كان في كثير من مراحله وعهوده مجتمعاً تكثر فيه الهزات والثورات، وللطبيعة دور في صقل شخصية الأندلسي، فـ(الطبيعة نفسها فرضت سلطانها في تكوين هذه الشخصية).
وفي هذا الجو من الاستقرار تبقى الطبيعة آنذاك بما فيها من رياض فسيحة، وبساتين عريضة، وأطيار مغردة، وأشجار مظللة، وأنهار رقراقة عذبة تهدئ ولو نسبياً من ذلك القلق الذي يعيشه الشاعر الأندلسي في أعماق نفسه، وداخل ذاته.
وكانت ميزة الترفع والإعراض عن التكسب هي الميزة الطاغية لدى بعض الشعراء الأندلسيين، فكانوا يعبرون من خلال الشعر عن خلجاتهم وذواتهم، وما تجيش به أنفسهم، وخير مثال على ذلك صنوبري الأندلس ابن خفاجة. أو يتخذون من القريض لساناً ناطقاً يعبر عن آلام الشعب الأندلسي وآماله، وخير من مثل هذا الاتجاه إسحق الألبيري.
ومادامت الطبيعة الأندلسية خلابة وفاتنة فلابد أن يكون الفرد الذي ينتمي إلى هذا الفضاء المكاني أنيقاً في ملبسه، طريفاً في حديثه، حلو المعاشرة في مجالسة الأصدقاء، صادقاً في نظمه القريض والتغني به في الليالي المقمرة، و(لاشك في أن للطبيعة الأندلسية أثرها في صقل هذه الشخصية وجعلها تتلاءم مع الأرض والمحيط).
كما أن نزعة القلق التي كانت تسود المجتمع الأندلسي في بعض فتراته دفعت الإنسان الأندلسي للتردد على مجالس اللهو والموسيقى والغناء، مع نوع من الحرية للمرأة الشيء الذي يتماشى مع حالتهم النفسية.
والأندلسي ميال إلى التعلم والأخذ من الفقهاء والعلماء في شتى فنون المعرفة، بالإضافة لذلك البداهة والقريحة المتميزة والذكاء والفطنة، والذاكرة التي يمكن الاعتماد عليها في حفظ أشعار القدماء أو المعاصرين على السواء، ويذكر المقري في الجزء الثاني من (نفح الطيب) بأن سكان الأندلس (هنديون في إفراط عنايتهم بالعلوم وحبهم إياها وضبطهم لها وروايتهم).
ومن ناحية الأزياء هناك مخالفة الأندلسيين للمشارقة فيما يتعلق بلباس الحداد، فكانوا يتخذون اللون الأبيض رمزاً للحداد والحزن، وفي هذا الصدد قول الشاعر أبي الحسن الحصري:
إذا كان البياض لباس حزن
بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي
لأني قد حزنت على شبابي
كما أن الاختلاف العنصري للمجتمع البشري، ساهم بدوره في تكوين الشخصية الأندلسية بسبب التمازج الذي حصل بين البرابرة والصقالبة وغيرهم، وتبقى (الشخصية الأندلسية إذاً موجودة ضمن هذا الاختلاف العنصري).
وإذا انتقلنا إلى المرأة الأندلسية ودورها في النتاج الشعري وجدنها تختلف اختلافاً واضحاً عن شقيقتها المشرقية نظراً لأن الحضارة الاجتماعية منحت المرأة مكانة متميزة داخل المجتمع، وأعطتها الحق في التعليم والتثقيف، وما هذا بشيء غريب عن مجتمع أراد أن يشارك المرأة في مضمار الإبداع والفكر، و(قد نالت المرأة في الأندلس قسطاً وافراً من التعليم في الوقت الذي كانت المرأة الأوربية فيه تعد مخلوقاً من الدرجة الثانية طبقاً للمذهب الكاثوليكي، ولهذا قلما كانت تنال حظاً من الثقافة إلا في طبقات النبيلات).
ومن أجل هذا الإبراز للمكانة المهمة التي حظيت بها المرأة في الأندلس فإن الناصر شيد مدينة الزهراء، وأنفق عليها الأموال الكثيرة إرضاء لإحدى زوجاته، وما هذه الإضاءة إلا لمحة عن المكانة المرموقة التي احتلتها المرأة الأندلسية في كيان ووجدان الإنسان العربي.
فالمجتمع الأندلسي وهب للمرأة أن تعبر عن آهاتها الداخلية، وعن خلجاتها جراء الحب والشوق، حتى غذت سمة الحب الصادق والعاطفة الرقيقة لها حضور مميز في كثير من قصائدهن، وما تحرر المرأة إلا صورة صادقة لمجتمع حارب التقاليد والعادات المعهودة، وأصبح اختلاط الرجال بالنساء أمراً عادياً على مستوى المنتديات الأدبية، ومجالس الأنس. إلا أن الأمر تطور لينجب لنا شعراً مكشوفاً وغزلاً يطبعه الفسق والمجون. و(لعل حركة المرأة في الأندلس قد زادت بعض الشيء عما ينبغي لها أن تكون، فقد روي شعر مكشوف لبعض الشاعرات الشهيرات، مليء بأسباب البذاءة وألفاظ السوقة وأسماء عورات الجنسين على السواء، وكان هذا الشعر النسائي ينشد في المجتمعات ويحفظ ويذاع، ولعل من أفحش هذا الشعر ما روي لنزهون القليعية الغرناطية ولولادة بنت المستكفي ولمهجة بنت التياني القرطبية).
وربما كان لدخول زرياب الأندلس تأثير على الحياة العادية الأندلسية وعاداتها، وهذا ما جعل وضع المرأة كذلك يعرف هو الآخر تغييراً، خصوصاً إذا علمنا أن الأدب كان يتطلع إلى أفق شعري مشرق ومزدهر، وأن المدن الأندلسية الكبرى كقرطبة وأشبيلية والزهراء كانت مركز إشعاع فكري وحضاري مهماً لما احتواه من معاهد للعلم، ومجالس للعلماء التي برزت فيها المرأة الأندلسية كقوة مبدعة فعالة في تشييد وبناء صرح الأدب بحيث (إن المرأة الأندلسية الحرة لعبت في الأدب الأندلسي دوراً يشبه في بعض الوجوه دور المرأة في الأدب الفرنسي).
ففي التراث الإبداعي الإنساني كانت المرأة ملهمة ومحركة للهواجس والعواطف والرؤى، فكانت المرأة في الشعر الغربي ملهمة لبودلير ودي موسيه، وفي الشعر العربي هناك نماذج كثيرة (عنترة وعبلة، جميل بثينة، قيس بن الملوح..)، لأن من خصوصية الشاعر العربي الحس المرهف، والعاشق المعذب، فقد كانت مي زيادة على سبيل المثال لا الحصر ملهمة للعديد من الإبداعات والكتابات والرسائل الجبرانية العاطفية.
ويمكن القول إن تأثير المرأة الأندلسية على النتاج الشعري كان مزدوجاً، تأثيرها على المستوى الإبداعي حيث بارزت بشعرها الشعراء في ميدان القريض، وتأثيرها على قلب الشاعر وكيانه، بحيث كانت وراء تفجير ينابيع الشعر في ذاته، فهي ملهمة تارة، وتارة أخرى منافسة للرجل في الإبداع. ومن منا ينكر الدور الذي لعبته ولادة بنت المستكفي بنتاجها الشعري في العلاقة العاطفية التي كانت تربطها بابن زيدون، وما تركت هذه العلاقة من أشعار تنبض بحرارة العاطفة، وبصدق الشوق إلى تلك الأنثى التي سهرت أجفانه في الليالي المطيرة، وأدمت كيانه بالجراحات الدفينة، وأرغمته على نظم القريض لإرضائها، والتنفيس شيئاً عن آهاته وجراحاته وأشجانه. (إن الأدب العربي قد أفاد كثيراً من ولادة بنت المستكفي الخليفة الأموي، وابن زيدون شاعر الأندلس المشهور، فقد مثلا معاً نموذجاً للحب لعله الأول من نوعه حين كان الجانب الفكري والاجتماعي يمثلان جانبا مهماً من الجوانب التي كانت تشد ابن زيدون إليها. فليس حب ابن زيدون حب الجسد للجسد كما كان عند امرئ القيس، ولا الروح للروح بعد أن حيل بين الأجساد كما هو الشأن عند العذريين، ولا حب الترف من أمثال أبي ربيعة الذي هو إلى اللهو أقرب منه إلى شيء آخر؛ ولكنه اهتمام الفكر بالفكر).
فإذا كانت الصورة المشرقة والزاهية للمرأة الأندلسية في الحياة الفكرية تمثلها ولادة بنت المستكفي في قرطبة، فهناك صورة أخرى تمثلت في الندوات من صخب وغناء ومجون كانت تقيمها نزهون بنت القلاغي في غرناطة، وكانت هيفاء حسناء، تمتلك جمالاً فائقاً، وذات ذاكرة شعرية بارعة، تحفظ الأشعار والأمثال، وتتميز بعاطفة جياشة، وقريحة فياضة، وبديهة يقظة.
أما إذا انتقلنا إلى دور الإماء في الأندلس ومدى تأثيره على التجارب الشعرية الأندلسية، نجد أن القصائد الغزلية ذات الطابع الحسي التي قيلت فيهن هي المسيطرة والمهيمنة على تجربة الشعراء لكثرتهن -أعني الإماء- وتبذلهن، واختلاطهن السافر في مجالس اللهو والطرب والغناء، فلم يجد الندامى إلا طريقة إنشاد الشعر فيهن، فصوروا الفتاة الأندلسية ترقص للطرب، وتلاطف الندماء، فوصفوا ملابسها، وتقاسيم وجهها، وبياض بشرتها، ومفاتن جسدها.
ويطالعنا ابن حمديس الصقلي بمقطوعاته الشعرية التي تخالف النسق التقليدي للغزل المشرقي الحسي في بعض ملامحها:
وراقصة ب***** في حركاتها
تقيم به وزن الغناء على حد
وتحسبها عما تشير بأنمل
إلى ما يلاقي كل عضو من الوجد
وقد اشتهر من النساء عدد كبير كن يتساجلن مع الرجال في الفنون والآداب وفي ميادين الشعر، وكان لبعضهن صالونات أدبية ساهمت في الإشعاع الفكري والثقافي الذي عرفته الأندلس.
تأسيساً على ما سبق، نلمس بأن المرأة الأندلسية استطاعت أن تفرض مكانتها في الإلهام الفني للشعر، وأن تقوم بدور فعال في إثراء النتاج الشعر وقتئذ.
ونخلص أن الإبداع النسائي في الشعر الأندلسي كان مرحلة مهمة في تاريخ الشعر العربي امتدت إلى وقتنا الحاضر، بحيث من ذاك العهد بدا النتاج النسائي ينتعش ويعرف نوعاً متميزاً من الحضور في الساحة الأدبية إلى جانب الرجل الذي احتكر الإبداع زمناً طويلاً، فمروراً بمي زيادة، فدوى طوقان، نازك الملائكة.. وأخريات ممن سجلن حضوراً مكثفاً ولافتاً على الساحة الشعرية العربية.
والطبيعة بدورها ساهمت في جعل البيئة الأندلسية فضاء للإبداع، خصوصاً وأن الأندلس بقعة أرضية أكرمها الله بجمال الطبيعة وفتنة الجداول، والخمائل والأنهار، فيها تفتقت مخيلة الشاعر والمبدع، بين أحضانها تربت رهافة الحس، فجاد خلده بروائع الأشعار والقصائد، وإذا كان فيلسوف العقلانية الفرنسية ديكارت يقول: (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، فالشاعر الأندلسي بدوره قال للعالم: (أنا أعشق الطبيعة، إذن أنا موجود). الأندلسي دائماً مجنون بعشق الطبيعة، ويذوب في حبها، ويحاول أن يتقمصها، ويتوحد فيها لحد الجنون والعشق الصوفي.
كل شيء في طبيعة الأندلس يوحي بالجمال، ويوقظ في النفس شعلة عاطفية، وشرارة وجدانية، تندفع لتحتك بالمجال الإدراكي ناسجة من دموع اليراع لوحات شعرية صادقة تعبر عن خلجات النفس وأعماقها، ومدى تعلق الذات بجمال الطبيعة ومباهجها.
فالطبيعة فضاء مكاني يتميز بالجمال الفاتن، والروعة النادرة، والطبيعة الأندلسية كانت كما هي دائماً فاتنة، رائعة، تتصدى لعيون الشعراء، وتلهم مخيلتهم الإبداعية. إنها ملهمة ومسيطرة في آن معاً على وجدان الشاعر وكيانه، تشحذ خيالهم بما هو جيد وجديد، وتلهمهم لوحات شعرية صادقة، مسكونة بتباريح الحب، ناطقة بخير ما خطت به أقلام الأندلسيين، وأروع ما نسجته أخيلتهم، وهي مترنحة ببهاء فتنتها، متعجرفة بمناظرها الخلابة. يخصصون بعض أشعارهم فيها مما كان يخالطها من حديث عن الخمر واللهو والغزل، وصاروا يجعلون في بعض الأحيان موضوع الطبيعة في كثير من قصائدهم موضوعا مستقلاً، يقصد لذاته، ويتحدث عن الطبيعة حديثاً خالصاً مفعماً بالشفافية والجمال.
فالشاعر الأندلسي يتفاعل ويتعايش مع الطبيعة، ويؤثر فيها وينفعل بها كذلك، فهناك جدلية تأثير وتأثر، ولنتمعن في هذا البيت الشعري الرائع والراقي والعميق الذي وهبته لنا مخيلة الشاعر الأندلسي ابن الساعاتي:
والطير تقرأ والغدير صحيفة
والريح تكتب والغمامة تنقط
هذه الصورة الشعرية الرائعة المستوحاة من أحضان الطبيعة العذراء تثير في النفس الإنسانية إحساساً جميلاً، ويكون أجمل لو جُسِّدَ هذا المشهد الشعري التصويري في ذهن القارئ أو المتلقي مثل لوحة تشكيلية راقية تماماً، وتعبر عن الطبيعة. (إن الشاعر الأندلسي تغلب عليه الذاتية، وهو في ذلك متجاوب مع بيئته الواضحة، وظروفه التي كانت تحتم عليه أن ينفعل بمناظر الطبيعة من حوله، وقد تسمح له بمزيد من التأمل الوجداني، وتشجعه على الغوص وراءها بالفكر أو الطيران خلفها على أجنحة الخيال).
ويتوق الشاعر الأندلسي إلى معانقة الطبيعة في شعره، فيراهن على تجسميها بخياله، وتصويرها بلوحاته الشعرية فيجيد الصياغة ويحسن الصناعة، ويتخذ موقفاً من الطبيعة، ويتعامل معها بعشق، كما يتأثر بالموروث الشعري القديم الذي استطاع هو الآخر التغني بالطبيعة وجمالها لأن ( الموقف من الطبيعة والمكان مرتبط بنوعية التعامل مع الأرض، لكنه يتأثر إلى حد كبير بالموقف الذي يحمله الموروث الثقافي).
ولنا أن نميز بين طبيعة طبيعية متمثلة في الأزهار والأطيار والأنهار والأمطار والرياض والخمائل والربى، وبين طبيعة صناعية عمرانية اهتدت إليها عبقرية الإنسان، فزين القصور والمساجد والمنازل الفاخرة، وما إلى ذلك من الأمور الجميلة التي تثير في النفس حساسية الإبداع، يقول ابن خفاجة في بعض مقطوعاته الشعرية:
يا أهل أندلس لله دركم
ماء وظل وأنهار وأشجار
ما جنة الخلد إلا في دياركم
ولو تخيرت هذا كنت أختار
فالأندلسي متعلق ببيئته، شغوف بطبيعته، فهي غنية بالماء العذب، والأشجار المظللة، والأنهار المنسابة، فهي جنة الخلد في بقاع الأندلس. وقصيدة الجبل لابن خفاجة تعبير صادق عن مدى تعلق الشاعر الأندلسي بالطبيعة وبجمالها، ويمكن اعتبار هذه القصيدة ذات بعد تأملي وجودي فلسفي قبل أن تكون كتابة شعرية للتعبير عن مكنونات ودواخل النفس الشاعرة، حيث من خلال مساءلة الجبل/القوة يتبين الجُهد التخييلي والرؤيوي، والتعلق مع الكائنات والوجود، يقول:
وقور على مر الليالي كأنما
يصيخ إلى نجوى وفي أذنه وقر
ولاذ به نسر السماء كأنه
يحن إلى وكر به ذلك النسر
ويرى الدكتور شوقي ضيف أن وصف ابن خفاجة للجبل مجرد تقليد لقيس في مناجاة جبل التوباد، وشتان بين الأمرين، فوصف الجبل إحساس بقوة الطبيعة، ونظرة متأملة للوجود، بل ربما قصيدة الجبل السالفة الذكر فاقت بها التجربة الشعرية الأندلسية المشرق، لأنها لم تتناول كلون شعري مستقل بذاته، بل حالة وجودية تتلاقح وتتفاعل فيها الذات الشاعرة والطبيعة/الجبل، واللغة/ القصيدة. وهذا شاعر أندلسي آخر يصور الطبيعة تصويراً جميلاً على نحو إنساني تملؤه الحركة والنشاط هو أبو عبد الله بن إدريس المعروف بموج الكحل، يقول:
والزهر يضحك من بكاء غمامة
ريعت لشيم سيوف برق تلمع
والنهر من طرب يصفق موجه
والغصن يرقص والحمامة تسجع
فالشاعر ببراعة فنية، وشاعرية عميقة أضفى على الزهر صفة الضحك، وعلى الغمامة صفة البكاء، والغصن صفة الرقص. أعطى لهاته اللوحة الشعرية الرائعة سمة الصدق في تعامل الذات المبدعة مع محيطها وطبيعتها. و(هكذا بقي شاعر الطبيعة الأندلسي، على رغم حسه العميق، وحبه للطبيعة، يصورها، ويزخرفها ببصره، ويجسمها، ويجملها بخياله، فأجاد الصناعة، ولم ينفح فيها دائماً الروح).
تلك بعض مظاهر افتتان واحتفاء الشاعر الأندلسي بالطبيعة، ومدى تأثيرها في العملية الإبداعية، وقد اقتصرنا على بعض النماذج الشعرية، والأمثلة كشواهد، لأن سرد كل النماذج يتطلب دراسة مسهبة وطويلة. ويبقى الشاعر الأندلسي مخلصاً للطبيعة يُذيب فيها همومه وأحزانه وأشجانه، مُنفعلاً بمحيطه وفاعلاً فيه من خلال قصائده الراقية العميقة.