المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثورنة الثقافة وثقافة الثورنة


Eng.Jordan
12-17-2012, 10:23 PM
الكاتب : سهام القحطاني- جدة - المجلة العربية

قديماً برر ابن رشد حرق كتبه (لقلة جدواها وضنا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته)، أما هلال الصابئ الذي طلب منه أن يكتب تاريخ بني بويه قال «أباطيل ننمقها وأكاذيب نلفقها».
وما بين المثقف المتعالي الذي لا يثق في قدرة المتلقي على الفهم وتقدير القيمة الفكرية لمنتجه الثقافي وعدم قدرة ذلك المتلقي على الاستفادة من قيمه الفكرية في تطوير وعيه وإعادة إنتاج مجتمعه، و(المثقف الانتهازي والمنافق) وصوت السلطة المزيِف (للقيمة الفكرية) الذي يؤثر بدوره على تزييف الوعي الفكري للجماعة ومرجعياته، يمكن تصنيف المثقف العربي مع مراعاة اختلاف الفروق الفردية، والتدرج والنسبية في وجهات النظر وصياغتها ومواقفها وقربها وبعدها من مركز السلطة، وتوفر روافع الحرية والديمقراطية من عدمها، وشساعة وضيق وعي المثقف بأهميته للمجتمع لكل منتمٍ للقسمين الرئيسين.
ولاشك أن الحديث عن مستقبل الثقافة العربية في ضوء الثورة العربية النشطة اليوم يتضمن بالضرورة الحديث عن وظيفة المثقف وأثر تلك الثورة النشطة على تلك الوظيفة ومسؤولياتها، إذ أن الثقافة من (صناعة المجتمع) ومن (صياغة المثقف).
وقد يرى البعض أن العبارة السابقة تنقص من حق المثقف إذا تحصره في وظيفة الصياغة من خلال (المدون للحالة) أو (كاتب محضر) للحدث أو (محلل لقيمة الفعل وحاصله) دون أن يكون له دور تحريضي في إنشاء الفعل أو التحكم في تحركاته ونتائجه.
أولاً: الصياغة عادة ليست -بالضرورة- فعل مساند وفق جملة من الشروط، منها: مفهوم المثقف لوظيفته ومسؤولياته، مدى التزام المثقف بتمثيل المجتمع، مدى تأثير المثقف على الوعي الاجتماعي، وهذا التأثير بدوره يتضمن علاقة الثقة بين المتلقي والمثقف، وهي علاقة لا تكتمل إلا في ضوء توفر مبدأ الصدق عند المثقف، ومبدأ الجدية في تبني المشروع النهضوي، ومبدأ مراعاة المصلحة العامة للمتلقي، ومبدأ احترام معتقداته؛ بما يعني التخفيف من النفعية المفرطة التي يسعى إليها المثقف العربي عبر الضغط على مواطن خصوصية المتلقي والتحرش بها وإثارتها، وهو بهذا السعي النفعي يفقد احترام المتلقي له ويضر بسلطته القيادية، وبذلك يصبح الفعل الصياغي في ظل تحقيق تلك الشروط فعلاً منتجاً للمشروع النهضوي للمجتمع.
ثانياً: إن هذه إشكالية أولى لها تأثيرها على صناعة الثقافة العربية بوجه عام والسعودية على الخصوص وأقصد (ماهية وظيفة المثقف العربي)؟.
وسؤال الماهية هنا ليس قاصراً على المثقف دون المتلقي، ولا على المتلقي دون المثقف، بل هو شأن يخص الطرفين، لذلك فالوعي بمحتوى هذا السؤال وتشابكات إجابته واجب على كلا الطرفين لا فرض كفاية إذا اختص به طرف رفع التكليف عن الآخر؛ لأن الثقافة هي (مشروع نهضوي مشترك) بين المثقف والمتلقي والمشاركة هاهنا تبادلية نفعية تفاعلية بين الطرفين، وفي ضوء هذه الشراكة فسلطة الثقافة مناصفة بين المثقف والمتلقي، لا تراتبية أو خطيّة كما يتوهم المثقف، فالمثقف لا يملك حق السلطة الثقافية الكاملة التي بموجبها يمارس على المتلقي والمجتمع وصاياه، ولا أحد ينكر أن المثقف العربي ما بعد عصر الاستعمار ثم عصر الانهزامات العربية بدأ يمثل دور الوصي على ثقافة المجتمع مما فصله تدريجياً عن الواقع الاجتماعي وأفرغ مكانه، وهو فراغ استغلته فئات محددة من المجتمع، وبذلك امتلأ الفراغ الذي سببه انسحاب المثقف العربي من مكانه أو استقالته من وظيفته ليبرر ذلك بأنه (فقد الأمل) في أي إصلاح سياسي أو اجتماعي، وفقد الأمل في (إيجابية المواطن العربي) الذي حطم طموحه النهضوي الفقر والظلم والفساد والبطالة والاضطهاد وسوء التعليم وغياب الحرية والديمقراطية، ومثلما فعل ابن رشد عندما أحرق كتبه لأن المجتمع لا يستحقها، انسحب المثقف من هذا الوضع مترفعاً عنه لأن المجتمع لا يستحق وجوده، وظل يراقب المجتمعات العربية وضلوعه تتكسر تحت أثقال تلك الهموم، وترك الساحة للمثقفين الذين يتاجرون بهموم المجتمعات العربية تارة ويزيفون الوعي العربي (بأباطيل منمقة وأكاذيب ملفقة) تارة أخرى، من خلال زراعة اليأس داخل قلوب وعقول المجتمعات العربية وترويج مصطلحات بأنهم مجتمعات متخلفة لا يملكون مقومات النهضة والحرية.
أليس هذا ما قدمه لنا الأدب العربي خلال خمسين عاماً؟!. مجرد تكريس للنظرة السوداوية لأحوال المجتمعات العربية وعيوبه وفضح مستوراته وكشف عوراته، فأصبحت القصائد والروايات (تندب حظ المجتمعات العربية العاثر) وأن (القادم ليس أفضل مما كان)، ولم يدرك مثقفو العرب أن (اللحظة السيكولوجية) في حياة المجتمعات أمر حتمي مرتبط بلحظة التنوير التي يفجرها صراع (الوجود). وفي كلتا الحالتين كان على المجتمعات العربية أن تعتمد على نفسها للتخلص من ظلم أنظمتها الظالمة والمستبدة من خلال استثمار طاقة الشباب والتقنيات الاتصالية التي صنعت من العالم الافتراضي عالماً نضالياً، وبذلك خرج المثقفون من لحظة التبوء بالثورة والمحرض عليها، أما مشاركتهم فيها فهي (إجبارية) وليست (اختيارية). ولذا يبقى لهم هذا السؤال: كيف سيتفاعل المثقف العربي مع مستقبل الثقافة في ظل الثورة العربية؟!
أعتقد أنها وظيفة متعددة المهام أو الأدوار فوظيفته في وقت الثورات تختلف عن وقت الحروب والسلم والتحولات والتغييرات.
الاختلاف لا أقصد به (تغيير الجلد الثقافي) للمثقف، إنما التفاعل المستمر مع الحدث الاجتماعي وتوجيهه من جانب وقيادة الوعي النهضوي للمتلقي من جانب آخر، ودسترة مدونة التغيير، طبعاً لا أقصد الدسترة بمفهومها القانوني إنما بمفهومها الثقافي أي تحويلها إلى منظومة نسقيه ينبني عليها الوعي الاجتماعي، فهو يمثل وظيفة دورين (مرسِل ومرسل إليه)، وتفعيل تلك الوظيفة تحتاج إلى (ذكاء ثقافي).
والعبارة السابقة لا تنقص من دور المثقف بل تزيد من مسؤوليته؛ لأن المثقف (آلة قياس) للمجتمع في ثوراته وحروبه وسلمه وتحولاته وتطوراته. في المبتدأ أعتقد أن الثقافة العربية تعيش الآن في ظل الثورة العربية (أزمة) وفق تفكير أولي قابل للمراجعة والتيقن. يمكنني القول إن الثقافة العربية ما قبل الثورة التونسية والمصرية والليبية والسورية كانت تخضع لقوى الأحزاب السياسية في الوطن العربي وما بعد الثورة أصبحت تخضع لقوى المنطق الجماهيري أو الشعبي، والثقافة في كلتا الحالتين هي ممثلة لردة الفعل لا قائدة للفعل. والثقافة العربية منذ عصر الشعر الجاهلي حتى يومنا كانت (تابعاً) لقوى السلطة بصرف النظر عن نوع تلك السلطة ومرتبتها، وحتى على المستوى التقني الأكاديمي رسخ الأدب بأنه (مرآة المجتمع) أو محاكاة للفعل الحاصل لا الفعل الاستحقاقي، لا صانع للمجتمع. وهذا استلاب مستمر لقيمة تأثير الثقافة في صناعة التغيير الاجتماعي والسياسي.
ولاشك أن الحديث عن مستقبل الثقافة العربية في ضوء الثورة العربية النشطة اليوم يتضمن بالضرورة الحديث عن وظيفة المثقف وأثر تلك الثورة النشطة على تلك الوظيفة ومسؤولياتها، إذ أن الثقافة من (صناعة المجتمع) ومن (صياغة المثقف).
وقد يرى البعض أن العبارة السابقة تنقص من حق المثقف إذا تحصره في وظيفة الصياغة من خلال (المدون للحالة) أو (كاتب محضر) للحدث أو (محلل لقيمة الفعل وحاصله) دون أن يكون له دور تحريضي في إنشاء الفعل أو التحكم في تحركاته ونتائجه.
أولاً: الصياغة عادة ليست -بالضرورة- فعل مساند وفق جملة من الشروط، منها: مفهوم المثقف لوظيفته ومسؤولياته، مدى التزام المثقف بتمثيل المجتمع، مدى تأثير المثقف على الوعي الاجتماعي، وهذا التأثير بدوره يتضمن علاقة الثقة بين المتلقي والمثقف، وهي علاقة لا تكتمل إلا في ضوء توفر مبدأ الصدق عند المثقف، ومبدأ الجدية في تبني المشروع النهضوي، ومبدأ مراعاة المصلحة العامة للمتلقي، ومبدأ احترام معتقداته؛ بما يعني التخفيف من النفعية المفرطة التي يسعى إليها المثقف العربي عبر الضغط على مواطن خصوصية المتلقي والتحرش بها وإثارتها، وهو بهذا السعي النفعي يفقد احترام المتلقي له ويضر بسلطته القيادية، وبذلك يصبح الفعل الصياغي في ظل تحقيق تلك الشروط فعلاً منتجاً للمشروع النهضوي للمجتمع.
ثانياً: إن هذه إشكالية أولى لها تأثيرها على صناعة الثقافة العربية بوجه عام والسعودية على الخصوص وأقصد (ماهية وظيفة المثقف العربي)؟.
وسؤال الماهية هنا ليس قاصراً على المثقف دون المتلقي، ولا على المتلقي دون المثقف، بل هو شأن يخص الطرفين، لذلك فالوعي بمحتوى هذا السؤال وتشابكات إجابته واجب على كلا الطرفين لا فرض كفاية إذا اختص به طرف رفع التكليف عن الآخر؛ لأن الثقافة هي (مشروع نهضوي مشترك) بين المثقف والمتلقي والمشاركة هاهنا تبادلية نفعية تفاعلية بين الطرفين، وفي ضوء هذه الشراكة فسلطة الثقافة مناصفة بين المثقف والمتلقي، لا تراتبية أو خطيّة كما يتوهم المثقف، فالمثقف لا يملك حق السلطة الثقافية الكاملة التي بموجبها يمارس على المتلقي والمجتمع وصاياه، ولا أحد ينكر أن المثقف العربي ما بعد عصر الاستعمار ثم عصر الانهزامات العربية بدأ يمثل دور الوصي على ثقافة المجتمع مما فصله تدريجياً عن الواقع الاجتماعي وأفرغ مكانه، وهو فراغ استغلته فئات محددة من المجتمع، وبذلك امتلأ الفراغ الذي سببه انسحاب المثقف العربي من مكانه أو استقالته من وظيفته ليبرر ذلك بأنه (فقد الأمل) في أي إصلاح سياسي أو اجتماعي، وفقد الأمل في (إيجابية المواطن العربي) الذي حطم طموحه النهضوي الفقر والظلم والفساد والبطالة والاضطهاد وسوء التعليم وغياب الحرية والديمقراطية، ومثلما فعل ابن رشد عندما أحرق كتبه لأن المجتمع لا يستحقها، انسحب المثقف من هذا الوضع مترفعاً عنه لأن المجتمع لا يستحق وجوده، وظل يراقب المجتمعات العربية وضلوعه تتكسر تحت أثقال تلك الهموم، وترك الساحة للمثقفين الذين يتاجرون بهموم المجتمعات العربية تارة ويزيفون الوعي العربي (بأباطيل منمقة وأكاذيب ملفقة) تارة أخرى، من خلال زراعة اليأس داخل قلوب وعقول المجتمعات العربية وترويج مصطلحات بأنهم مجتمعات متخلفة لا يملكون مقومات النهضة والحرية.
أليس هذا ما قدمه لنا الأدب العربي خلال خمسين عاماً؟!. مجرد تكريس للنظرة السوداوية لأحوال المجتمعات العربية وعيوبه وفضح مستوراته وكشف عوراته، فأصبحت القصائد والروايات (تندب حظ المجتمعات العربية العاثر) وأن (القادم ليس أفضل مما كان)، ولم يدرك مثقفو العرب أن (اللحظة السيكولوجية) في حياة المجتمعات أمر حتمي مرتبط بلحظة التنوير التي يفجرها صراع (الوجود). وفي كلتا الحالتين كان على المجتمعات العربية أن تعتمد على نفسها للتخلص من ظلم أنظمتها الظالمة والمستبدة من خلال استثمار طاقة الشباب والتقنيات الاتصالية التي صنعت من العالم الافتراضي عالماً نضالياً، وبذلك خرج المثقفون من لحظة التبوء بالثورة والمحرض عليها، أما مشاركتهم فيها فهي (إجبارية) وليست (اختيارية). ولذا يبقى لهم هذا السؤال: كيف سيتفاعل المثقف العربي مع مستقبل الثقافة في ظل الثورة العربية؟!
أعتقد أنها وظيفة متعددة المهام أو الأدوار فوظيفته في وقت الثورات تختلف عن وقت الحروب والسلم والتحولات والتغييرات.
الاختلاف لا أقصد به (تغيير الجلد الثقافي) للمثقف، إنما التفاعل المستمر مع الحدث الاجتماعي وتوجيهه من جانب وقيادة الوعي النهضوي للمتلقي من جانب آخر، ودسترة مدونة التغيير، طبعاً لا أقصد الدسترة بمفهومها القانوني إنما بمفهومها الثقافي أي تحويلها إلى منظومة نسقيه ينبني عليها الوعي الاجتماعي، فهو يمثل وظيفة دورين (مرسِل ومرسل إليه)، وتفعيل تلك الوظيفة تحتاج إلى (ذكاء ثقافي).
والعبارة السابقة لا تنقص من دور المثقف بل تزيد من مسؤوليته؛ لأن المثقف (آلة قياس) للمجتمع في ثوراته وحروبه وسلمه وتحولاته وتطوراته. في المبتدأ أعتقد أن الثقافة العربية تعيش الآن في ظل الثورة العربية (أزمة) وفق تفكير أولي قابل للمراجعة والتيقن. يمكنني القول إن الثقافة العربية ما قبل الثورة التونسية والمصرية والليبية والسورية كانت تخضع لقوى الأحزاب السياسية في الوطن العربي وما بعد الثورة أصبحت تخضع لقوى المنطق الجماهيري أو الشعبي، والثقافة في كلتا الحالتين هي ممثلة لردة الفعل لا قائدة للفعل. والثقافة العربية منذ عصر الشعر الجاهلي حتى يومنا كانت (تابعاً) لقوى السلطة بصرف النظر عن نوع تلك السلطة ومرتبتها، وحتى على المستوى التقني الأكاديمي رسخ الأدب بأنه (مرآة المجتمع) أو محاكاة للفعل الحاصل لا الفعل الاستحقاقي، لا صانع للمجتمع. وهذا استلاب مستمر لقيمة تأثير الثقافة في صناعة التغيير الاجتماعي والسياسي.