المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرط الحداثة الأدبية


Eng.Jordan
12-17-2012, 10:29 PM
الكاتب : أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري
المجلة العربية


الحداثة الأدبية وجوداً -اعتداداً بالمستجد التاريخي- هي آخر مرحلة استقرت أصولها، وغطت النماذج الأدبية مطالبها، ولم يستجد ما ينسخها؛ وبهذا يكون الفرق بين المعاصرة والحداثة؛ فالرومانسية والحداثة تشتركان في صفة المعاصرة، ولكن الحداثة آخر ما هو جديد؛ ولهذا تخصصت بمصطلح الحداثة.. هذا من ناحية المستجد التاريخي، وأما من ناحية الحكم المعياري المعتد به فكل حداثة تنفصل عن الجذور جمالاً وحقاً وخيراً عبث وعداء ولغو وتضليل، بل المشترط فيما هو حداثة أن يكون مزيداً من استثمار تلك القيم.. أي زيادة بشرية في الإحساس الجمالي، وزيادة بشرية إلى خبرة العقل والتجربة الخلقية (العقل العملي)، ولعلي ألامس عناصر هذه القيم المعيارية من رصد شاعر حداثي هو الحيدري.. قال الشاعر بلند الحيدري عن عناصر حداثية مضيئة (وهو يتحدث عن الشعراء العراقيين الشبان الذين كان على أيديهم التجديد الحداثي): «كان الطابع المميز لشعرهم (والذي ظهر جلياً في المجاميع الشعرية التي صدرت ما بين عامي 1946-1947م) رومانسياً ذا حضور واقعي، وجنوح رمزي.. على شيء من تبني الصورة الغريبة المدهشة، وإيلاء الأهمية الخاصة للحدث النفسي الداخلي عند الشاعر.. مع تقييم جديد للكلمة والبيت في القصيدة؛ فشاعرنا الحديث ميال إلى تجنب القصيدة الطويلة؛ لأنه يتجنب التكلف والبحث عن المفردات التي تصلح أن تصير قوافي تمد بعمر قصيدته، ولأنه غير راغب إلا في الكلمة المأنوسة والمألوفة والتي لها أن تنقل القارئ من قطب في السلب إلى قطب في الإيجاب من العمل الشعري.. كما أنه بدأ يتململ من سيطرة القافية ذات النغم المكرور، وتحولت الصورة على أيدي هؤلاء من مجالها العيني إلى مجال حسي مشحون بالإيحاء بدلاً من الوصف والتقرير».
قال أبو عبدالرحمن: الحداثة المعيارية لا تجعل التجديد بديلاً عما هو معياري قديم، وإنما تجعل المعياري القديم مستريحاً بدافع الملل، وتسترجعه تذكراً أو إبداعاً بدافع الحنين؛ فدفع الملل والحنين قيمتان جماليتان.. كما أن المعياري الجديد استصلاح لما هو غير معياري قديم؛ لأن التراث البشري غير معصوم ولا مطلق ولا نهائي؛ فالرومانسية ضرورة في أدب الحداثة؛ لأن الأدب وجداني ولا سيما الشعر فهو من الشعور، ولأن هوية الأدب لا تتميز إلا بالقيم الجمالية.. والأديب ليس آلة ناطقة بهموم أمته من غير انفعاله هو النفسي الوجداني؛ وإنما هو معبر عن آمال وآلام أمته بأرقى أداء جمالي يحرك السلوك من مشاعر المرسل والمتلقي معاً.. والرومانسية في أظهر ما يؤخذ عليها من الانغلاق على هموم الفرد النفسية تثير مشاعر الآخرين بلا ريب؛ فكيف بالرومانسية ذات الأداء الأرقى حينما يمزج الأديب الرومانسي همومه الفردية بما انفعل به من هموم أمته؛ وبهذا يكون الحضور الواقعي الجماعي في مراوحة بينه وبين حضور الهموم الرومانسية الفردية بلا حيف.. والرمزية لها حضور ساذج في تراثنا باستثناء الرموز الصوفية؛ فتلك رموز دينية وضعية ترتد إلى المعجم اللغوي؛ لأنها إضافة إلى حقل (المصطلحات العلمية) التي هي تكملة للمعجم اللغوي؛ فالرمزية إضافة تجديدية في الأدب الحداثي إذا لم يقبلها أدبنا العربي أصبح أدباً جامداً لا شأو له بين الآداب العالمية، ولكن التجديد الرمزي مشروط بالمعيارية، ومن القيم المعيارية الغيرة على الكيان مما هو نزيه متألق في عطاء التراث، ومما هو معصوم وهو شرع الله، ومما هو شرط لوجودنا لغة وتاريخاً وتركة؛ فإذا جاء شاعر حداثي بقناع مثل (مهيار الدمشقي) صنو (مهيار الديلمي)، وكلاهما طائفيان قذران ضد كياننا وديننا ووحدتنا وطموحنا.. إذا جاء هذا القناع حافلاً برموز الإيعاد والشماتة والسخرية: فذلك مردود معيارياً غير رافض الرمز، بل هو باعث لأديب الحداثة أن يبدع في روعة الرمز وشموله من حيث يغمر العمل الظلامي الطائفي؛ فنستعير مثلاً اسم أبي بكر وعمر وعلي وعثمان وسعد والمثنى وأبي عبيدة وخالد وصلاح الدين ومحمد الفاتح.. إلخ رضي الله عنهم قناعاً واسع الدلالة الرمزية لطموحنا المستقبلي وماضينا الجهوري، ونضيف أبو لؤلؤة والطوسي وابن العلقمي ومهيار الديلمي ومهيار الدمشقي من الأوجه المجوسية القبيحة أقنعة واسعة الدلالة على العدوان والخرافة والظلامية والعمالة للأغيار.. إلخ؛ فنرد الشماتة والسخرية على الحداثي الطائفي بما هو أصح وأمتع، ونوقظ عقول أمتنا أن تجعل لشاعر الحداثة الطائفية العدوانية حضوراً مضمونياً في أدبنا، وأما التجديد في الشكل فنفرح به من المجدد وإن كان عدواً لنا في الملة أو النحلة.. ومن المعيارية أن لا يكون الرمز عبثاً لا يعني شيئاً بعد استحضار كل وسائل الفهم العلمية والعقلية ومعاودة القراءة أكثر من مرة، وهكذا كل ما يوسع الدلالة كمعاني المسمى بتداعي المعاني أو الأفكار أو الأخيلة، واقتران المسميات في الزمان والمكان مما ينتج عنه دلالة رمزية على مذهب التصويريين الطبيعيين، ودلالات السيمياء مع مراعاة ما لا يصح تفسير النص القديم به؛ لأن الدلالة قبل بعض المستجدات الدلالية مرتبطة باللغة ومراد المتكلم بدليلـي تصحيح وترجيح.. وأما ما سماه الحيدري (الصورة الغربية المدهشة)، و(الحدث الداخلي عند الشاعر)، و( تقييم جديد للكلمة والبيت في القصيدة): فكل ذلك مراعى في النقد التراثي والنماذج الأدبية التراثية؛ وإنما التجديد في كل جزئية؛ فذلك إبداع مطلوب إذا كان جمالياً معيارياً، وقد خاض النقاد في مسألة العاطفة فجعلوها مقسومة بين عاطفتي المرسل والمتلقي؛ فذلك هو النموذج الأعلى، وما كان مثيراً لانفعال المتلقين ولم يصدر عن انفعال من المرسل كمرثية المتنبي لأخت سيف الدولة؛ فهي مثيرة مع أنه لم يتقرح للمتنبي جفن.. وإصرار الحيدري على الكلمة (المأنوسة والمألوفة) ليس قيمة جميلة بإطلاق؛ لأن تلك الكلمة تكون على المدى مبتذلة مملة، بل استحياء غير المألوف من جماليات المفردات اللغوية هو المطلب الأولى جمالياً وعلمياً، كما أن لكل مفردة جماليتها في السياق.. وشعر التفعيلة كما أسلفت إضافة ومراوحة وليس بديلاً، بل القصيدة العمودية تفرض وجودها في ميدان الحماسة مثلاً.. وأما انتقاد التنقير في معجم اللغة عن مفردة لتكون قافية؛ ولينتج عن ذلك أن المعنى تفرضه القافية: فذلك عيب في النقد التراثي وليس من إبداع النقد الحداثي، ووجدت العصماوات الجميلة التي فرض فيها المعنى وجود القافية لا العكس.. والإيحاء من غير وصف تقريري قمة المطالب في النقد التراثي، وهو داخل فيما يسمونه (النماذج اليتيمة)، ولكن المطلب كثرة النماذج الإيحائية.. ثم قال الحيدري: «ولم يكن في الكثير من هذه المحاولات ما يميزها عن كل ما كان موجوداً في الشعر العربي خارج العراق؛ ففي لبنان يحاول سعيد عقل أن يكثف إيحائيته الصوتية وجرسه الموسيقي، وفي سورية يسعى عمر أبو ريشة لتمكين الشكل الهرمي للقصيدة المنتهية إلى ذروة تلتم فيها كل أطرافها، وفي مصر كان علي محمود طه ومحمود حسن إسماعيل يغذيان شعرهما بغنائية ظاهرة.. إلى جانب أسماء أخرى لها أهميتها في هذا المجال كأبي شبكة، والمعلوف، والشابي، ونعيمة، وغيرهم ممن كان يدور شاعرنا العراقي في بعض أفلاكهم؛ فالمحاولات التي كانت تجري في العراق كانت مألوفة في شعر هؤلاء الشعراء حتى لترى مجلة كالكاتب المصري (في التحدث عن نتاج شعر العراق في مجلات لبنان) لوناً من ألوان داء الجار لا غير؛ ولعل هذا الصوت الجديد الذي لم يكن قد سمع من قبل في شعر العراقيين السابق هو الذي دفع بتلك الصحافة للتحدث عنه والإشارة إليه مما عده مارون عبود وثبة شعرية في العراق يجري في حلبتها النساء والرجال.. ويحدد بعض سماتها ناقد آخر في مجلة لبنانية؛ فيقول: (من الجلي أن إطلاق اسم الحركة هنا من قبيل التوسع لا غير؛ فليست هناك حركة تقارب بينهم أرض واحدة في عصر واحد؛ فأوحت إليهم شعراً متوافقاً في سمائه متبايناً في أصواته ونغماته)، بينما اعترفت مجلة مصرية بأن المدارس الأدبية أخذت طريقها في أدب العراق.. وقد كان لهذا التتبع والاهتمام بما صدر عن شبابنا الشعراء أنه شد من أزرهم، وخلق لديهم حافزاً على البحث والدراسة والاستقصاء لإيجاد أشكال تعبيرية أخرى تيسر لهم ضروباً أدائية تبسط تعقيداتهم، وتعقد بساطتهم، وتعمق جذور تجاربهم».
قال أبو عبدالرحمن: كل من ورد في سياق سعيد عقل فشعرهم تجديد في الشعر المعاصر لا الحداثي، وفي بعض نماذجهم عناصر إبداعية أراد بعض الحداثيين تطويرها كرمزية سعيد عقل، وفيه عناصر جمالية إبداعية رفضها بعض الحداثيين كالغنائية والرومانسية عند مثل علي محمود طه.. وأختم حديثي بأن شعر الحداثة العربية تبلور من العراق على خطى غربية بالغين المعجمة، والله المستعان.