المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خط نابوكو للغاز. بين السياسة والاقتصاد


Eng.Jordan
12-19-2012, 02:25 PM
http://digital.ahram.org.eg/getsubpic.ashx?eassyid=96396&picno=1
تركيا استضافت زعماء من دول عدة للاحتفال باتفاق نابوكو



المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى
بقلم: أحمد دياب (http://digital.ahram.org.eg/makalat.aspx?eid=35)



فى العاصمة التركية أنقرة، وقع قادة كل من بلغاريا ورومانيا والنمسا والمجر وتركيا، فى 13 يوليو 2009، وفى حضور رئيس المفوضية الأوروبية جوزيه مانويل باروزو ورئيس الوزراء العراقى نورى المالكى والرئيس الجورجى ميخائيل ساكاشفيلي، وممثل عن أذربيجان والمبعوث الأمريكى لشئون الطاقة فى أوراسيا ريتشارد مورننجستار، اتفاقاً لتنفيذ مشروع خط أنابيب الغاز"نابوكو"، الذى يستهدف تقليص تبعية أوروبا لروسيا فى مجال الطاقة.
ويقضى المشروع المدعوم من الولايات المتحدة، ببناء خط للأنابيب لنقل كمية من الغاز ستصل تدريجياً إلى 31 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من تركمانستان وأذربيجان وإيران والعراق ومصر (سيصدر الغاز من الدولتين العربيتين المشاركتين عبر"خط الغاز العربي") إلى تركيا ورومانيا والمجر والنمسا، حيث ستُزود هذه الدول بنحو 50% من الإمدادات، وستُوزع الكمية المتبقية على دول أوروبية أخري. ويُتوقع أن يبدأ تشغيل خط " نابوكو" فى 2014، وتقدر كلفة المشروع الذى أُطلق عام 2002 بـ 7.9 مليار يورو (11 مليا ر دولار). يذكر أن تسمية هذا الخط، اشتقت فى الأصل من "أوبرا فيردي" إذ تعنى كلمة nabucco "التحرر من القيود". لكن ثمة مسائل لا تزال عالقة: الأولى بشأن التمويل، خاصة فى ظل الأزمة المالية العالمية، والثانية بشأن إمدادات الغاز للخط البالغ طوله 3300 كلم.
- دوافع وفرص
تعد القارة الأوروبية أكبر مستهلك عالمى للغاز الطبيعي، ويرجح لها أن تظل على هذه الحال لعدد من السنين المقبلة. وفى الوقت الحالى تحصل أوروبا على نسبة تصل إلى 55% من حاجتها للغاز الطبيعى من الحقول الأوروبية، لاسيما حقول بريطانيا وهولندا والنرويج، مع توقعات بارتفاع معدلات الإنتاج الأوروبية هذه قريباً جداً. أما ما تبقى من حاجتها من منتجات الغاز الطبيعي، فتستورده أوروبا من روسيا بصفة خاصة، إلى جانب كميات قليلة أخرى تستوردها من شمال أفريقيا. وفيما لو تواصل ارتفاع الطلب الأوروبى على الغاز الطبيعي، فإنه سوف يتعين عليها رفع وارداتها منه إلى معدل الضعف على أقل تقدير بحلول عام 2020. إذ ستحتاج أوروبا ما بين‏25‏ و‏30‏ مليار متر مكعب سنويا. وسترتفع حصة الغاز الطبيعى كمصدر للطاقة الأولية فى أوروبا من‏23‏% حالياً إلى ‏34‏% مستقبلاً.
ويشكل النزاع المتكرر مع روسيا بشأن إمدادات الغاز إلى أوروبا، دافعاً للاهتمام ببناء خطوط بديلة لأنابيب الغاز، بحيث تتدفق هذه الإمدادات إلى أوروبا من كل من تركيا وبحر قزوين، دون المرور بالأراضى الروسية. وفى هذا السياق يُتوقع أن يكون خط " نابوكو" قادراً على توصيل إمدادات الغاز من كل من أذربيجان وتركمانستان وغيرهما من دول آسيا الوسطى والقوقاز. والواقع أن الاتحاد الأوروبى يشعر بضغوط قوية من أجل التحرك باسم أعضائه بعد شتاء قارس جداً واجهت خلاله الكثير من مناطق البلقان وجنوب أوروبا مدناً ومنازل متجمدة بسبب خلاف حول الغاز أو خلاف سياسى بين روسيا وأوكرانيا. ومن المتوقع أيضاً أن ينافس مشروع خط نابوكو مشروع خط أنابيب الغاز "ساوث ستريم" الذى تبلغ كلفة إنشائه 10 مليارات يورو (نحو 13.9 مليار دولار)، والذى سيمر أيضا تحت بحر قزوين، بعيداً عن أوكرانيا، والذى أعدته المجموعتان الروسية العملاقة "غاز بروم" والإيطالية "إينى"، وسيربط بين روسيا وبلغاريا عبر البحر الأسود، ويمكن أن يكون جاهزا فى 2015، أى فى العام نفسه الذى من المفترض أن تنتهى أشغال إنشاء نابوكو. ويرى خبراء الطاقة أن من شأن وجود خط أنبوب طاقة تنافسى أن يشكل أداة سياسية استراتيجية مفيدة بقدر ما يمكن أن يكون مصدرا للطاقة بخصوص التعامل مع موسكو، وفى إرغام أوكرانيا وروسيا على تسوية نزاعاتهما.
- مكاسب تركية
يشكل مشروع خط "نابوكو" نجاحاً كبيراً لتركيا، إذ يحقق لها عدة مكاسب سياسية واقتصادية. فخلال توقيع الاتفاق، صرح رئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوجان الذى تسعى بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بأن خط أنابيب الغاز " نابوكو" سيضع تركيا فى موقع مهم فيما يتعلق بأمن الطاقة فى أوروبا، كما سيساعد بلاده فى جهودها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وأعلنت وزارة الخارجية التركية "أن المساهمة فى أمن الطاقة فى أوروبا. يشكل عنصراً جوهرياً فى استراتيجيتنا فى مجال الطاقة"، مؤكداً رغبة تركيا فى إنجاز المشروع على رغم تباطؤ عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبى بسبب معارضة بعض الدول.
فى المقابل اعتبر رئيس المفوضية الأوروبية أن المشروع "قد يفتح الباب أمام عهد جديد فى العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي".
وقد أُرجئ توقيع اتفاق خط "نابوكو" عدة مرات خصوصاً بسبب مطالبة تركيا، البلد الذى يفتقر لموارد الطاقة، بـ 15% من الغاز الذى ينقل عبر الأنابيب مروراً بأراضيها، إلا أن أنقرة تراجعت فى نهاية المطاف عن هذا المطلب؛ ولكنها وافقت على رسوم عبورٍ نقدية مهمة (400 مليون يورو). وصرح وزير الطاقة التركى تانر يلدز أن الغاز الأوروبى سيكون فى متناول تركيا بموجب اتفاق خط " نابوكو"، موضحاً أن الخط، الذى سيصل بين تركيا ومركز توزيع رئيسى للغاز الطبيعى فى النمسا، سيبنى بحيث يمكن أن يضخ الغاز من الغرب إلى الشرق إضافة إلى الاتجاه الأصلى من الشرق إلى الغرب، مما يسمح لتركيا بالحصول على الغاز من أوروبا، مشيراً إلى أنه يحق لتركيا تأمين حصة من 15 بليون متر مكعب أو نصف الغاز المتدفق عبر الخط البالغ فى مجمله 31 بليون متر مكعب. إذ ينص أحد بنود الاتفاق على أن تحصل الدول الست الشريكات فى المشروع على 50% من الغاز إذا أرادت، مضيفاً " كنا نتفاوض للحصول على 15% من الغاز المتدفق أو 4،5 مليار متر مكعب. الآن ندرس أمر الغاز الذى سنحصل عليه من نسبة الـ 50% وليس 15%". وتجدر الإشارة إلى أن الغاز يدخل الأراضى التركية عبر ثلاث نقاط حدودية.
- مشكلات التمويل والإمداد
هناك هواجس حول مدى توفر كميات تجارية كافية من منتجات الغاز الطبيعى فى منطقة بحر قزوين وغيرها لعدد من السنين، بما يبرر بناء خط "نابوكو" ويضمن استمرار تدفق الغاز، حتى يكون المشروع ناجحاً من الناحية التجارية الاقتصادية. وفى الوقت الحالى يعتمد الخط على الدعم الحكومى للاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة. وقد خصص الاتحاد الأوروبى 200 مليون يورو (278 مليون دولار) لتمويل بداية الأشغال، على أن يأتى المزيد فى إطار حزمة تحفيز توزَّع فى 2009 و2010. وفى هذا الإطار يقول بول ستيفنس، الباحث المتخصص فى شئون الطاقة بمؤسسة "شاتام هاوس" فى لندن: "إن نابوكو سيقلب القواعد الاقتصادية لأنابيب الغاز رأسا على عقب"، مضيفاً "فعادة يُفترض أن تجد الغاز أولا، ثم تنشئ خط أنابيب غاز؛ ولكن مشروع نابوكو يقضى ببناء خط الأنابيب أولا، ثم البحث عن الغاز لاحقا".
ومؤخراً وقعت أذربيجان اتفاقاً مع روسيا تشترى بموجبه الثانية غازاً من الأولى اعتباراً من عام 2010، ولكنها أعلنت فى الوقت نفسه أنها ستبيع الغاز لنابوكو. كما أعلنت تركمانستان من جانبها خلال اجتماع فى براج بجمهورية التشيك فى مايو2009 أنها لن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو، ولكنها عادت فى يوليو 2009، وأعلنت أنها ستفعل. ولا يزال الأوروبيون ينتظرون موافقة دول أساسية مثل تركمانستان وكازخستان وأوزبكستان. وبدون البلدان الثلاثة تكون أذربيجان أكبر بلد مزود للخط بالغاز لكنها لا تملك ما يكفى لملء الأنبوب، إذ تُقدر صادرات أذربيجان من الغاز من حقل "شيخ دنيز"، بنحو 4 مليارات متر مكعب، تكفى بالكاد لتزويد المرحلة الأولى من الخط. وهذه الكمية ليست كافية، واحتمال تزويد دول أخرى مثل إيران والعراق أو مصر يبقى غير قابل للتصديق فى الوقت الراهن، رغم تصريحات وزير الطاقة التركى تانر يلدز بأن تركيا لا تزال تسعى لرفع واردات الغاز من أذربيجان من 6 مليارات إلى 14 مليار متر مكعب، وهو أمر مشكوك فيه حاليا بسبب هواجس أذربيجان الأمنية وتوجسها من دفء العلاقات بين أرمينيا وتركيا.
- رفض أمريكى لروسيا وإيران
من ناحية أخري، قال المبعوث الأمريكى الخاص المكلف بالطاقة ريتشارد مورنينجستار عشية الاتفاق إن روسيا حرة فى تزويد خط أنابيب نابوكو بالغاز إذا قبلت بها البلدان المشاركة فى المشروع كشريكة؛ ولكنه أعاد التأكيد على معارضة واشنطن لاستعمال الغاز الإيراني. وفى المقابل أعلن المدير التنفيذى لـ"الشركة الوطنية لتصدير الغاز" الإيرانية رضا كسائى زاده، أن شركات من بلغاريا وتركيا وألمانيا وإيطاليا والنمسا تقدمت بطلبات لشراء غاز من إيران، لكن إيران اختارت خط الأنابيب "بارس" كمسار لصادراتها من الغاز إلى أوروبا، معتبراً أن خط أنابيب "نابوكو" غير مجد اقتصادياً. ومثلما حدث من تراجع كبير لأسعار النفط، بسبب تراجع الطلب عليه فى السوق العالمي، فإن المتوقع لأسعار الغاز الطبيعى كذلك أن تشهد انخفاضاً مماثلاً وبذات الحجم والخطر. ومما يجدر ذكره أن هناك صيغة معقدة تربط أسعار النفط بأسعار الغاز الطبيعي، يتم بموجبها تعديل الأسعار بمعدل كل ستة أشهر تقريباً. وفيما لو حدث انخفاض كهذا فى أسعار الغاز الطبيعي، فإن ذلك يعنى تراجع العائدات النقدية لصادرات روسيا من الغاز الطبيعى إلى أوروبا، بقدر ما يعنى تراجع تدخلها فى هذه الصادرات لأسباب ودوافع سياسية مثلما تفعل حالياً. وفى المقابل، فإن انخفاض أسعار الغاز الطبيعى فى السوق العالمي، يشكل تحدياً كبيراً على طريق المضى قدماً فى بناء خط "نابوكو"، ما لم تطغ الاعتبارات والأهداف الاستراتيجية، وتبدى الدول المنتجة والمستهلكة معاً من العزم والجدية، ما يدفعانها إلى ضخ رؤوس أموال طائلة فى بناء خطوط الأنابيب البديلة. وهو أمر يبدو صعباً فى الوقت الحاضر بسبب الأزمة المالية العالمية وانخفاض أسعار النفط والغاز. غير أن الكثير من المحطات المهمة لمشروع "نابوكو" تظل ضمن اللعبة الجيو- ياسية الكبرى حول الطاقة من القوقاز ووسط آسيا، والكثير منها له علاقة بالدب الروسي.