المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرهانات التركية على التحالف مع مصر بعد الثورة


Eng.Jordan
12-21-2012, 06:37 PM
تنافس أم تكامل؟:
الرهانات التركية على التحالف مع مصر بعد الثورة
محمد عبد القادر خليل

راهنت تركيا على مصر ما بعد ثورة 25 يناير من أجل تأسيس نظام إقليمي جديد، ودفعها ذلك للانخراط في الشأن الداخلي المصري، من خلال مطالبة الرئيس السابق حسنى مبارك بالتنحي استجابة لأصوات شعبه، التي تطالبه بالرحيل. تبع ذلك مواقف تركية بدت غير متوازنة ومنحازة إلى حركة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة التابع لها، وهو ما تجلى في سلسلة من التعليقات والتصريحات السياسية التي صدرت عن القيادة التركية، سواء خلال مرحلة الانتخابات الرئاسية، أو ما بعدها.
http://www.siyassa.org.eg/Media/News/2012/10/8/2012-634853036390578186-57.jpg
وعلى الرغم من أن ذلك تسبب في انتقادات عديدة للحكومة التركية من قبل الكثيرين داخل الأحزاب المصرية وكذلك التركية، فإنها رأت أن تحالف مع مصر يحكمها نخبة سياسية منتخبة ديمقراطيا يمكن أن يعيد تشكيل المنطقة بالكامل. وهى في ذلك تعتقد أن مصر تحظى بسمات جيوبوليتيكية وديموغرافية لا يمكن أن تضاهيها فيها أي دولة عربية أخرى، وأن انتقال مصر إلى نظام ديمقراطي حقيقي لا يشكل عودة للنظام السلطوي بإصلاحات شكلية، يمكن أن يؤسس لتحالف أحزاب "الإسلام السياسي المعتدل" في المنطقة، بما جعل الحركة الدبلوماسية والسياسية التركية حيال مصر من حيث المستوى والكثافة في مرحلة ما بعد الثورة لا تنازعها فيها دولة أخرى.

ولذلك، لم تكن زيارة الرئيس المصري محمد مرسي إلى تركيا في سبتمبر 2012 وحضوره للمؤتمر الرابع لحزب الحرية والعدالة وإلقاؤه خطابا كأرفع مسئول أجنبي يحضر هذا المؤتمر، إلا تأكيدا على حقيقتين أساسيتين:

أولاها أن تركيا راهنت على نجاح حزب الحرية والعدالة، وأمدته باستشارات سياسية وانتخابية تجلت في زيارات متبادلة على المستوى الحزبي، وتوقيع فرعى الحزبين في اسطنبول والإسكندرية "اتفاق شراكة" لتبادل الخبرات، وتكثيف الزيارات وتعميق التعاون.

ثانيتهما: إن تعليقات أردوغان وإعلان استغرابه من عدم إعلان الفائز بالانتخابات الرئاسية لمدة خمسة أيام، ثم تهليله لفوز مرسى بالانتخابات، يوضحان أن الرئيس مرسي ذهب إلى تركيا لتأكيد أن مساندة تركيا لمصر في المرحلة الانتقالية ولشخصه في المرحلة الانتخابية تستحق الإشادة علنا في مؤتمر الحزب، الذي هنأ فيه الشعب التركي بقيادته السياسية، والذي دعاها للعمل معه على تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.

دوافع مشتركة

يتأسس تحرك مصر وتركيا حيال بعضهما على اعتبارات اقتصادية وسياسية وأيديولوجية. تركيا، من جهتها، ترى حزب الحرية والعدالة باعتباره حزبا مدنيا بمرجعية إسلامية يمكن أن يستفيد من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في التعامل مع الوضع الاقتصادي الداخلي المضطرب، والحياة السياسية الشائكة، وذلك من خلال التحلي بدرجة عالية من البراجماتية، والانفتاح على كافة القوى السياسة داخليا، وعلى سائر القوى الإقليمية والدولية خارجيا.

وفي المقابل من ذلك، يعتقد حزب الحرية والعدالة في مصر أن التجربة التركية الأهم تتمثل في الجانب الاقتصادي، وأن الاستفادة المصرية الحقيقية يجب أن تتمثل في هذا الجانب.

لذلك، تجلت النتائج الاقتصادية للعلاقات المشتركة سريعا، حيث توالت الزيارات المتبادلة، وعلى مستويات متعددة، لتعميق العلاقات الاقتصادية، حيث قامت تركيا بالإعلان عن منح مصر ملياري دولار كوديعة لمدة خمس سنوات بفائدة 1 % ، وفترة سماح ثلاث سنوات، على أن يخصص منها مليار دولار لدعم الاحتياطي النقدي، فيما يوجه المليار الآخر كاستثمار تركي في مشروعات البنية التحتية، ودعم المشرعات المتوسطة والصغيرة في مصر.

كما أعلنت تركيا أن استثماراتها في مصر قد ازدادت خلال الفترة الأخيرة لتصل إلى زهاء 1.5 مليار دولار، وأنه خلال الفترة المقبلة في ظل اتجاه البلدين لتوثيق العلاقات الاقتصادية ستبلغ 20 مليار دولار، كما ارتفع التبادل التجاري ليصل خلال الأشهر التسعة الأولى من 2012 نحو 3.8 مليار دولار، وذلك بزيادة تقدر بـ27 في المائة. ومن المرجح أن يصل حجم التبادل التجاري بين البلدين بنهاية العام الحالي (2012) لنحو خمسة مليارات دولار، وتخطط الدولتان لأن يصل خلال السنوات المقبلة لنحو 15 مليار دولار.

المدخل الاقتصادي

وترى تركيا أن المدخل الاقتصادي لدعم العلاقات مع مصر، في ظل الوضع الاقتصادي الهش الذي تعانيه، قد يشكل خطوة تاريخية تمنح تركيا مصداقية، مقارنة بالعديد من الدول العربية التي اتسم تحركها لمساندة مصر اقتصاديا بالتردد والتلكؤ. كما ترى أن مصر يمكن تشكل بوابة العالم العربي وإفريقيا اقتصاديا بالنسبة لتركيا، فيما تعمل لأن تغدو تركيا بوابة مصر إلى أوروبا. وتراهن في هذا الإطار على خط "RORO" الملاحي بين ميناءي مرسين التركي، والإسكندرية المصري، والذي تم تدشينه في فبراير 2012.

ويهدف هذا الخط الملاحي إلى تسهيل خطط نقل البضائع التركية وعمليات الترانزيت عبر الأراضي المصرية، لتكون بوابة تركيا إلى دول الخليج وآسيا وإفريقيا، حيث تتجه البضائع إلى الإسكندرية، ثم تقوم الشاحنات بنقله لميناء سفاجا على البحر الأحمر، ثم للعديد من الدول الخليجية والآسيوية والإفريقية، وذلك من خلال اتفاقية تحدد رسوم نقل وعبور الشاحنات، ومحاسبة تلك الشاحنات بالسعر الفعلي للوقود دون دعم الدولة.

وكذلك تراهن تركيا على النتائج الاقتصادية التي ستترتب على تدشين برامج سياحية مشتركة، تنهى حالة التنافس السياحي بين الدولتين لصالح "التكامل السياحي"، من خلال تدشين رحلات جوية بين اسطنبول ومدينة شرم الشيخ في مصر، ثم تتوسع لتشمل العديد من المدن السياحية المصرية، وذلك في إطار برامج سياحية مشتركة.

تنافس أم تكامل؟

وفيما يتعلق بالمستوى السياسي للعلاقات، تدرك أنقرة أن فكرة أن تغدو "دولة فوق الخلافات" قد فشلت، وأنه الآن يجمعها بأغلب دول الجوار الجغرافي صراعات ونزاعات، بعضها مرتفعة الحدة. لذلك، فهي ترى أن العلاقات مع مصر يمكن أن تعوض اضطراب علاقات تركيا مع إيران والعراق وسوريا بسبب تباين المواقف حيال الثورة الشعبية في السورية.

وترى تركيا أن تحالف "الأسد– نجاد– المالكي" لا يمكن أن تواجه سياساته ذات الصبغة الطائفية إلا من خلال تعاون تركي وثيق مع كل من مصر والسعودية، ومسعود بارزاني رئيس إقليم شمال العراق. كما ترى تركيا، في هذا الإطار، أن مصر أهم حليف إقليمي، استنادا إلى عدد من الحقائق، أهمها أن مصر تشكل ثقلا ديموغرافيا كبيرا، وتحظي بدور استراتيجي مهم، كما أنها تحظي بأحد أهم الجيوش المحترفة في المنطقة، وتتمتع بدور تاريخي يؤهلها لدور إقليمي مقبول ومعترف به من كافة القوى الإقليمية والدولية. فضلا عن أن مصر تشاطر تركيا المواقف حيال العديد من القضايا الإقليمية، مثل الأزمة السورية، والصراع العربي-الإسرائيلي، وأمن منطقة الخليج، والبرنامج النووي الإيراني.

وترتبط أهمية ومحورية دور مصر في الاستراتيجية التركية بقناعة، مؤداها أن تحول مصر ديمقراطيا من شأنه أن يعظم من مصالح تركية الدائمة، وليس المؤقتة، وهى في ذلك تستفيد من خبرة "سياسة الجوار" التي اتبعتها مع الأنظمة العربية السلطوية، بما أدى إلى تعرض مصالحها للاهتزاز والتضرر، بعد سقوط هذه الأنظمة.

لذلك، فإن مصر قوية ومستقرة وديمقراطية أفضل من مصر مضطربة وغير ديمقراطية، من وجهة نظر تركيا. وعلى الرغم من أن "مصر مستقرة" قد تعني منافسة إقليمية بين البلدين، و"مصر ضعيفة" ومضطربة قد تزيد من "هيبة تركيا" إقليميا، فإن الأخيرة ترى أن مصر تعاني مشكلات داخلية، في ظل الأوضاع الإقليمية الراهنة، الأمر الذى يؤدى إلى مزيد من الأزمات والتوترات التي يعانيها مسرح عمليات الإقليم. وبدلا من أن تستغرق تركيا بالتعاون مع مصر في عمليات ومشروعات التنمية المستدامة، وبناء القدرات الإقليمية، وبالنهاية بناء نظام إقليمي جديد، فإنها قد تضيع عقدا آخر من الزمان في محاولة تهدئة وإنهاء الصراعات الإقليمية دون جدوى.

وفي هذا الإطار، ترى تركيا أن التعاون مع مصر قد يعظم من شأن السياسات التركية، وأن الخطوات التركية الكبيرة، في ظل معارضة مصر، لن تحظي بتأييد إقليمي. كما ترى أن مصر قد تواجه مشكلات مستجدة لممارسة دور إقليمي يتسم بفاعلية حيال بعض القضايا، ويمكن لتركيا أن تعوض ذلك والعكس. ومن الأمثلة على ذلك أن مصر لا بد أن ينضبط توتر واهتزاز تفاعلاتها مع إسرائيل بعدم تهديد اتفاقية السلام بين البلدين، بما يمنح تركيا حرية حركة أكبر في هذا الإطار.

هذا بالإضافة إلى أن مصر قد تواجه مشكلات في دعم عمليات التحول الديمقراطي في العديد من الدول العربية، لما قد يترتب على ذلك من مشكلات وحساسيات إقليمية. غير أن تركيا تستطيع ممارسة هذا الدور بفاعلية أكبر. كما أن لدى تركيا ميزة التعامل مع فصائل وطوائف مختلفة، وترتبط مع بعضها بعلاقات سياسية، مثل الأكراد والشيعة في العراق، والمسيحيين في لبنان.

وعلى الرغم من ذلك، فإن تركيا لا تستطع أن تقود الدول العربية، وإنما مصر هى الدولة المؤهلة لذلك، لاعتبارات القومية العربية التي تثار من قبل بعض التيارات السياسية العربية في مواجهة القوى الخارجية، خصوصا دول الجوار الجغرافي، هذا بالإضافة إلى أن محاولة تركيا للعب أي دور إقليمي على حساب مصر ستجعل مصر تحاول إفشال وإحباط السياسات التركية. وترى بعض الاتجاهات في بعض الأدبيات أن أحد أهم أسباب عدم حماسة مصر ما قبل الثورة إلى السياسات التركية، ليس فحسب لأنها تأتي على حساب مصر، ولكن لأنها حاولت أن "تستخدم مصر" لخدمة مصالحها، وهى شبهة تحاول تركيا دائما أن تنفيها.

وترى تركيا أن فاعلية الدور المصري تجلت في قدرتها بعد نجاح الثورة مباشرة على الجمع بين قادة حركتي فتح وحماس في القاهرة في مايو 2011 من أجل التوصل إلى تسوية بين الطرفين، وفي نجاح مصر في التوصل إلى صفقة الإفراج عن الجندي الأسير لدى حركة حماس جلعاد شاليط مقابل ألف أسير فلسطيني، وفي الاعتذار الإسرائيلي لمصر بعض حادثة مقتل عدد من الجنود المصريين على الحدود المشتركة، وهى مجالات واجهت فيها تركيا جميعا الفشل، وإن في سياقات مختلفة نسبيا.

لذلك، فإن تركيا تتجه إلى توثيق العلاقات المشتركة مع مصر، من خلال تكثيف الزيارات عالية المستوى مع مصر، ومن المتوقع أن يقوم الرئيس المصري محمد مرسي بزيارة تركيا مرة أخرى خلال الشهور القادمة، فيما من المتفق عليه أن يقوم كل من رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس الجمهورية، عبد الله جول، بزيارة مصر قبل نهاية عام 2012.

والهدف من ذلك تفعيل المجلس الأعلى للحوار الاستراتيجي الذي كان قد اتفق عليه عام 2007، ولم ينجز ما هدف منه بسبب عدم تحمس النظام المصري السابق لتكثيف العلاقات مع تركيا. ومن المرجح أن تتوثق العلاقات العسكرية، في ظل اتجاه مصر لشراء عدد من الطائرات من دون طيار من تركيا، بدلا من الولايات المتحدة الأمريكية، واتجاه الدولتين لبحث أوجه التعاون العسكري، بعد المناورات البحرية المشتركة التي أجريت في ميناء أكساز الحربي في تركيا "بحر الصداقة 2011"، سواء من خلال إجراء مزيد من المناورات المشتركة، أو بحث عمليات التصنيع العسكري المشترك، في ظل توسع تركيا في هذا المجال لتبلغ صادراتها العسكرية هذا العام (2012) مليار دولار.

ومن ثم، يمكن القول إن تركيا- في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية، ومصر بقيادة حزب الحرية والعدالة- ستكون سياسات التكامل بينهما أكبر وأوضح من مجالات التنافس. هذه الحالة سيظل بقاؤها متعلقا بقدرة الطرفين على إقناع القوى الداخلية والإقليمية والدولية بأنها تستهدف أولا خدمة مصالح الدولتين، وثانيا تحقيق الاستقرار والسلام الإقليمي، وثالثا أن التعاون المشترك بين البلدين غير موجه لأي من الدول الأخرى. وهى رسائل تم تبنيها من قبل الطرفين في آن معا في كافة اللقاءات المشتركة، بما يوضح أن ثمة اتفاقا على ذلك.
تعريف الكاتب:
باحث بوحدة العلاقات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتجية، متخصص في شئون تركيا والمشرق العربي، وله العديد من الدراسات والمقالات باللغة الإنجليزية والتركية.