المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العولمة الثقافية وأثرها على الوطن العربي


Eng.Jordan
12-22-2012, 02:28 PM
المبحث الأول : تعريف العولمة ومفهومها وأسباب ظهورها

المطلب الأول: تعريف العولمة غة واصطلاحاً

وتعرضت فيه لتعريف العولمة في الّلغة وبينت أن مصطلح العولمة مصطلح حديث مشتق من الفعل عولم يعولم عولمة
ثم عرفت العولمة في الاصطلاح وبينت أن الآراء تباينت حول تعريف مصطلح العولمة، وأن المرادف الذي اعتمده أغلب الكتاب العرب للفظ(Globalism) أو(Globalization) هي: " العولمة"، واللفظ مشتق من لفظ: "عالَم"

العولمة الثقافية وأثرها على الوطن العربي
د. محمد مصلح الزعبي
كلية الدراسات الفقهية والقانونية - جامعة آل البيت


ملخص:
بادئ ذي بدء أشكر الأمانة العامة للمنتدى العربي للتربية والتعليم على دعوتها لنا لحضور هذا المؤتمر المتعلق بالتعليم في الوطن العربي والعولمة، كما أشكر اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وقد تناولت في بحثي هذا: "العولمة وأثرها على المجتمع العربي والإسلامي" لما لهذا الجانب من أهمية بالغة بحيث يشكل أهم جوانب العولمة تأثيراً في مجتمعاتنا؛ إذ تسعى العولمة إلى محاولة الحدّ من المظاهر الإنسانية وإزالة الخصوصيات وإدخال العالم وتراثه وحضارته تحت سلطة واحدة، وإشاعة متعة زائفة وفق مفهوم شمولي يشمل الطعام والشراب واللباس وأدوات الترفيه الأخرى بأسلوب مصمم ومدروس يؤدي إلى التبعية للغرب، والأهم من ذلك كله ما يسعى إليه من نشر الأفكار التي تبثها مئات القنوات الفضائية الموجهة، وكذلك الترويج لثقافة الاستهلاك في محاولة لتعميم الثقافة الفردية بغض النظر عن موافقتها لديننا وعقيدتنا أو انسجامها مع قيمنا وعاداتنا.
وقد نجحت هذه المحاولات إلى حدّ كبير بسبب ضعف البنية الثقافية العربية والإسلامية وعدم تغلغل الإيمان في نفوس المسلمين كما ينبغي.
ولذلك كان لا بدّ من تكاتف الجهود المخلصة للوقوف صفاً واحداً في مواجهة خطر العولمة، والمحافظة على الهوية العربية والإسلامية التي نعتز بها.
وقد جعلت هذا البحث في مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة على النحو الآتي:

المبحث الأول: تعريف العولمة ومفهومها ونشأتها
المبحث الثاني: العولمة الثقافية، مفهومها وأهدافها وتحدياتها
المبحث الثالث: آثار العولمة الثقافية وطرق التحصن ضدّها
الخاتمة: وذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها.

المبحث الأول: تعريف العولمة ومفهومها ونشأتها
المطلب الأول: تعريف العولمة لغة واصطلاحاً
أولا: تعريف العولمة لغة: لم أجد ذكراً لهذه الكلمة في معاجم الّلغة العربية المعروفة، وهذا المصطلح هو مصطلح حديث مشتق من الفعل: "عَوْلَمَ" يعولم عولمة.
ثانياً: تعريف العولمة اصطلاحاً: تباينت الآراء حول تعريف مصطلح العولمة، "وتجدر الإشارة إلى أن المرادف الذي اعتمده أغلب الكتاب العرب للفظ (Globalism) أو(Globalization) هي: "العولمة"، واللفظ مشتق من لفظ: "عالَم"([1]).
ومعلوم أن الذين كتبوا عن العولمة انقسموا بين مؤيد ومعارض للعولمة، فيما وقف فريق ثالث موقغ الحياد والتردد، وقد ذهب كلّ فريق في تعريف العولمة بحسب موقفه منها، ولكن القاسم المشترك بين هذه الآراء جميعها أن العولمة هي: " محاولة جهة ما تعميم تطبيق أمر ما على العالم كله" وبتعبير أدق: محاولة إحدى الدول الكبيرة فرض سياستها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية على العالم بأسره من دون اعتبار الحدود أو خصوصيات الدول الأخرى([1]).

المطلب الثاني: مفهوم العولمة ونشأتها:
ظهر مصطلح العولمة وانتشر بعد ظهور النظام العالمي الجديد([1])؛ أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم باعتبارها أقوى دولة فيه، وأكثر دول العالم تفوقا في المجال العلمي والتقني مما أصابها بنوع من الغرور جعلها تسعى إلى السيطرة على جميع دول العالم الأخرى، وبخاصة الضعيفة منها في شتى المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية بدعوى النهوض بهذه الدول ورفع مستواها المعيشي، ومساعدتها على التنمية الشاملة وتحقيق العدالة بين أفرادها، وإتاحة فرص الاستثمار وتوفير الرفاه للجميع.
إلا أن البعض يرى أن العولمة ليست مبتكرة، أو وليدة الوقت الحاضر، وإنما هي قديمة جداً، ولها جذور راسخة في التاريخ "وهي عملية جارية على نحو واعٍ أو غير واعٍ منذ بداية تاريخ الإنسان على الأرض، ويقدّم لنا تاريخ البشرية أعداداً كبيرة من نماذج العولمة، منها: استقرار السومريين جنوبي بلاد الرافدين القادمين من أواسط أو من شرقي آسيا، والسبي البابلي، واحتلال الآشوريين، لمصر، وتوسع الامبراطورية الرومانية، وحلم الإسكندر الكبير بتأسيس امبراطورية"عالمية" تضم قارات العالم القديم في كينونة واحدة، وطريق التوابل بين أوروبا وآسيا"([1]).
كما أن الامبراطوريات الفارسية والرومانية واليونانية وغيرها حاولت فرض ثقافتها على باقي شعوب الأرض ولو بالقوة، وتعددّت وسائل تطبيق هذه الأهداف بالاحتلال العسكري حيناً، وبالاستعمار حيناً آخر، أو اللجوء إلى استنزاف الموارد، ومن خلال هذه الوسائل تمكن الاستعمار من احتلال كثير من البلدان الفقيرة بحجة التنمية والتطوير وتحقيق العدالة وتطبيق حقوق الإنسان ظاهراً، وبهدف استنزاف الموارد والتحكم بمقدرات هذه البلاد وغرس ثقافة البلد المستعمِر في البلاد المستعمَرة باطناً، وهذا الفعل يشبه إلى حد كبير ما تفعله العولمة هذه الأيام([1]).
ولعل الجانب الاقتصادي هو أول الجوانب التي بدأ تطبيق العولمة عليه، ثم تبعه باقي الجوانب، فقد هيمن المفهوم الغربي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي على العالم، وفرض عليه كلّ ما يتعلق بالتخطيط للتنمية وإنشاء البنى التحتية والخدمات الأساسية، وكذلك البنى الثقافية والحضارية، بحيث أوجدت الدول الغربية آليات اقتصادية وأسواق عالمية، وأصبحت رؤوس الأموال تجول في أرجاء العالم بحرية، وهذه القوة المندفعة الهادمة للحدود والقيود تمثّلت أولاً في الشركات العملاقة العالمية المتعدّدة الجنسيات، وكان الإطار القانوني الحامي والمنظم لها هو اتفاقية التجارة العالمية، وما تبعها من اتفاقيات، أدت إلى هدر سيادة الدولة ومصلحة الفرد لحساب السيطرة الاقتصادية، مما أدى إلى التصادم مع التراث الثقافي لمختلف الشعوب من خلال إيجاد ثقافة كونية هددت الخصوصية الثقافية للمجتمعات الأخرى([1]).

المطلب الثالث: أسباب نشوء ظاهرة العولمة:
1. انفراد أميركا بزعامة العالم بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي الذي كان يشكل القطب الثاني في زعامة العالم، وانتهاء سباق التسلح، ممّا ألغى الرغبة في التفوق العسكري لحساب التفوق الحضاري في مجالات تبدو أقل كلفة وأكثر جاذبية.
2. ظهور التكتلات الإقليمية وإيجاد أسواق مشتركة لهذه التكتلات تنساب فيها التجارة، مما حدا بدول المعسكر الرأسمالي الالتفاف على المكتسبات الاقتصادية التي حققتها التكتلات الإقليمية من خلال ما اصطلح على تسميته بالعولمة الاقتصادية.
3. وجود فائض من الإنتاج العالمي في الدول الصناعية، والحاجة القصوى إلى تسويقه خارج حدود هذه الدول، فكان لا بدّ من التفكير في منهج إنتاج جديد يفرض نفسه على الدنيا، فلم يجدوا أفضل من العولمة الاقتصادية التي فتحت الأسواق أمام الشركات العملاقة لتسويق منتجاتها بالنظر إلى قدرة هذه الشركات على المنافسة.
4. تطور وسائل الإعلام، ووسائل الاتصال ونقل المعلومات مما أدى إلى تقصير المسافات بين الدول بحيث أصبح العالم قرية صغيرة مناسبة للعولمة.
5. إبرام إتفاقية الجات للتعرفة والتجارة التي تقضي بتحرير تدريجي للتجارة العالمية في السلع والخدمات والملكية الفكرية.
6. الرغبة في تنقل رؤوس الأموال بحرية بين الدول دون قيود بحثاً عن الاستثمار والربح المضمون حيث وجدت ضالتها في آسيا وأفريقيا حيث اليد العاملة الرخيصة والسوق الاستهلاكي الكبير، مما يحقق أعلى نسبة من الأرباح.
7. رغبة الدول الكبرى ومؤسّسات التمويل الدولية فيها إلى تحويل ديونها على الدول النامية إلى استثمارات في هذه الدول، وبذلك لا تسترد أموالها فقط بل تستثمرها أيضاً وتحقق أرباحاً طائلة من وراء ذلك([1]).
وهذه العوامل أدّت إلى ظهور العولمة الاقتصادية أولاً-كما أشرت آنفاً- ثم امتدت لتُدْخِلَ العولمة في كل شيء، وقد ظهرت مؤخراً مصطلحات مرافقة للعولمة مثل: العولمة السياسية، والعولمة الاقتصادية، والعولمة الدينية، والعولمة الاجتماعية، والعولمة الثقافية وغيرها.
وما يهمنا في هذا البحث هو العولمة الثقافية.

المبحث الثاني: العولمة الثقافية(مفهومها وأهدافها، وتحدياتها)

المطلب الأول: مفهوم العولمة الثقافية
قد يبدو للوهلة الأولى أن العولمة الثقافية هي ترك الحرية المطلقة للثقافات الأخرى أن تعبّر عن نفسها وتنتقل من نطاقها الضيق إلى آفاق رحبة وواسعة من العالم وفق فرص متكافئة بحيث تتفاعل الثقافات في ما بينها في ظلّ ثورة الاتصالات التي تسهل من نقل الأنماط الحضارية والثقافية من منطقة إلى أخرى([1]).
ولكن الواقع يخاف ذلك وينقضه، لأن تدفق المعلومات يجري باتجاه واحد من الغرب إلى الشرق، وهناك عدم تكافؤ نتيجة التفّوق الإعلامي بالإضاة إلى تحصن الغرب ضد التأثيرات الثقافية العربية والإسلامية من خلال تشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر المواطن الغربي قد سبق القول في تعريف العولمة أنها: " محاولة جهة ما تعميم تطبيق أمر ما على العالم كله"، ويمكن أن نستثمر هذا التعريف لتحديد مفهوم العولمة الثقافية فنقول: هي محاولة مجتمع ما تعميم نموذجه الثقافي على المجتمعات الأخرى من خلال التأثير على المفاهيم الحضارية، والقيم الثقافية، والأنماط السلوكية لأفراد هذه المجتمعات بوسائل سياسية مختلفة وتقنيات متعدّدة"([1]).

المطلب الثاني: أهداف العولمة الثقافية:
إن الهدف المعلن للعولمة هو خدمة البشرية عامة، وذلك بتوحيد المصير، وإزالة الحواجز الجغرافية، وإشاعة القيم الإنسانية وحمايتها، وتوحيد الجهود لتحسين حياة الإنسان عن طريق نشر التقنية الحديثة من مراكزها في العالم المتقدّم إلى أقصى أطراف الأرض، والمساعدة في حلّ مشكلات جميع الدول حباً في الخير للإنسانية.
وهذه الأهداف هي أقصى ما يتمنّى المرء، ولكن ما خفي كان أعظم، فأهداف العولمة الحقيقية هي رغبة المجتمع الغربي وعلى رأسه أميركا في محو الهويات المختلفة للمجتمعات وتكريس الهوية الغربية بعجرها وبجرها([1]).

ومن أهم أهداف العولمة الثقافية:
1. اختراق المجتمعات العربية والإسلامية، وزرع القيم والأفكار الثقافية للقوى المسيطرة في أبناء العالم العربي والإسلامي.
2. التأسيس لهوية ثقافية وحضارية للمجتمعات العربية والإسلامية بعد إسقاط عناصر الممانعة والمقاومة لديها
3. فرض سياسة إعلامية قادرة على إعادة صياغة الأخلاق والقيم والعادات وفرض هيمنة ثقافية جديدة تصبّ في مصلحة الدول الغربية.

ثالثاً: موقف المثقفين من العولمة:
تباينت آراء واجتهادات المثقفين تجاه العولمة المعاصرة؛ فبعضهم يرى أن العولمة تهدد الهوية العربية والإسلامية، وينبغي رفضها جملة وتفصيلاً، فيما يرى فريق آخر أن الخير كل الخير في هذه العولمة القادمة إلينا من مجتمعات متقدمة، وفيها أحدث ما وصل إليه العلم من وسائل الاتصال والتقنيات الحديثة، وينبغي أن نغتنم هذه الفرصة، ونواكب التطورات للاستفادة من ثمراتها، فيما يرى فريق ثالث أن نمسك العصا من الوسط؛ فلا نوصد الأبواب أمام العولمة بالكلية، ولا نفتح لها الأبواب على مصراعيها، بل نأخذ منها ما يناسبنا من دون المساس بديننا، أو التخلي عن هويتنا، ونترك ما يمكن أن يؤثر سلباً على ثقافتنا العربية والإسلامية([1]).

المطلب الثالث: الفرق بين العولمة والعالمية:
يخلط بعض الناس بين العولمة والعالمية ظناً منه أنهما وجهان لعملة واحدة، وهذا خطأ جسيم، فهنالك فرق كبير وواضح بين العولمة والعالمية.
فالعولمة هي إكساب الشيء طابع العالمية وجعل نطاقه وتطبيقه عالمياً، وفيها تداخل بين الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسلوكية دون اعتداد بذكر الحدود السياسية للدول ذات السيادة، أو الانتماء إلى وطن محدّد أو لدولة معينة.
فالعولمة هي بمعنى القولبة بحيث تضع الناس في قالب واحد وتختصرهم على منهج واحد من دون اعتبار للفروق الفردية أو العادات والتقاليد أو الأفكار المختلفة والثقافات المتباينة أو الخصوصيات الاجتماعية.
أما العالمية فهي منهج عالمي شامل لجميع مجالات الحياة مع مراعاة خصوصيات الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، والعمل على الارتقاء بالشعوب إلى مستوى عالٍ من الحرية والعدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع الواحد، وإعطاء الفرد جميع حقوقه الإنسانية، ومنحه حرية العبادة والتعبير وحقه في الاختيار.
فالعالمية هي تعبير عن التنوّع الثقافي، والاعتراف بالتبادل وانفتاح الثقافة الخاصة على الثقافات الأخرى بحيث يكون العالم منفتحاً على بعضه مع الاحتفاظ بتنوعاته، وهذه هي السمة البارزة للثقافة الإسلامية؛ إذ هي تعترف بالآخرين، وتحترم خصوصياتهم الثقافية، منطلقها في ذلك قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا([الحجرات: من الآية13]([1]).
وقد تفضل الله جل وعلا بأن جعل رسالة الإسلام رسالة عالمية ليست مقصورة على المسلمين فحسب، وإنما عامة لكلّ الناس، قال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( [سـبأ:28]، وقال -أيضاً-: )قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ([لأعراف:158]
وقد ظهرت عالمية الإسلام منذ أن بدأت الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة، فمن الذين أسلموا في بدايات الدعوة من غير العرب: بلال الحبشي، وصهيب الرومي، ثم بعد ذلك عداس النصراني من بلاد نينوى، ثم سلمان الفارسي، وعبد الله بن سلام اليهودي.
وعندما وصل رسول الله إلى المدينة كان من أوائل الأعمال التي قام بها: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وانصهرت جميع فوارق العرق واللون والجنس في بوتقة واحدة هي الأخوة الإسلامية عن رضى وطيب خاطر.
هذا على مستوى الأفراد أما على مستوى الجماعة، فقد أبرم النبي مجموعة من المعاهدات التي تنظم علاقة المسلمين مع غيرهم، وكان أول هذه الاتفاقيات وثيقة المدينة مع اليهود المقيمين في المدينة المنورة، ثم صلح الحديبية مع قريش، ثم باقي الدول التي فتحها المسلمون تباعاً.
وقد سلك الإسلام مسلكاً حضارياً في الدعوة لعالميته، والدليل على ذلك تلك الخطابات التي وجهها رسول الله (ص) إلى ملوك الروم والفرس والحبشة والبحرين ومصر وغيرها، فقد كانت هذه الخطابات تدعو للإيمان الملوك والأمراء والحكام إلى الإسلام أو تحمّلهم مسؤولية بقاء شعوبهم على الكفر إن لم يستجيبوا لدعوة الإسلام.
وتابع الخلفاء الراشدون ما بدأه النبي(ص) من دعوة الحكام وأقوامهم لدين الإسلام؛ لأن التبليغ برسالة الإسلام جزء لا يتجزأ من عالمية الإسلام باعتباره الرسالة الخاتمة.
من أجل ذلك كانت رسالة الإسلام رسالة عالمية، وأمة الإسلام تمتاز بالوسطية، وهي شاهدة على غيرها من الأمم، وقد جاء الخطاب الإلهي يؤكّد على هذه المسألة في كثير من الآيات، قال تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً([البقرة: 143]، كما أن النبي شهيد على أمته، وأمته شاهدة على الناس من غيرها، قال تعالى: )وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ([النحل: 89]، وهو شاهد على أهل الكتاب يوم القيامة، قال تعالى: )وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً([النساء:159].
وهذه الآيات الكريمة فيها دلالة واضحة على عالمية الإسلام، ووجوب تبليغ الإسلام إلى الناس كافة، وإن يكون المسلمون شهوداً على هذا، قال تعالى: ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ( [سـبأ:28]، ووجوب التبليغ وتخيير أهل الكتاب بين الإيمان أو الجزية أو القتال ليس فيه إجبار على اعتناق الإسلام أو إكراه في الدين كما يتوهم البعض، ولا يتعارض مع قوله تعالى: )لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ([البقرة: 256]؛ فإن الهدف من الفتوحات الإسلامية هو توفير حرية الاختيار للشعوب التي ترزح تحت جور الحكام، ولا يملكون حق الاختيار في اتباع الدين الذي يريدون، فقد "خلق الله الإنسان ليقيم دولة الله في الأرض بقوله تعالى: )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة...( [ البقرة:30]، وفلسفة هذه الدولة قائمة على العبودية لله وحده ونظامها قائم على الإذعان بأن الحاكمية لله وحده، فهل يعقل أن يحق لدولة أن تجبر رعاياها وهم عبيد لله أن يعبدوا غيره، ويقيموا نظاماً غير نظامه، ولا يحقّ لخالقهم ومالكهم أن يجبرهم على ذلك؟ وهذا الإلزام يكون للمشركين والملحدين أما أهل الكتاب فلا يلزمون إلا بالخضوع لنظام المجتمع الإسلامي وتوفير الحرية للأفراد باعتناق الدين الإسلامي أو البقاء على دينهم"([1]).

المطلب الرابع: تحديات العولمة الثقافية
شئنا أم أبينا فإن العولمة بمفهومها الشامل هي الأساس الذي سوف يحدّد شكل النظام العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين، وهناك مجموعة من التحديات التي تواجه العالم العربي والإسلامي من أهمها:
1. الثورة الإعلامية المتمثلة بشبكة الإنترنيت والقنوات الفضائية التي تروج للثقافة الغربية، وتدعو إلى أنماط جديدة للحياة، وزرع القيم والأفكار الغربية في المجتمعات العربية والإسلامية والترويج لثقافة الاستهلاك بعيداً عن القيم السامية والمثل العليا.
2. الدعوة لحرية التعبير المطلقة التي تؤدّي في بعض الأحيان إلى الكفر، وخير مثال على ذلك؛ الرسوم المسيئة للنبي، وبعض الكتب التي تجاوزت جميع الخطوط من جميع الألوان.
3. انتشار بعض القيم الغريبة عن مجتمعاتنا؛ كالاختلاط والإجهاض، والاستنساخ، وبيع الأعضاء وغيرها.
4. تهديد الّلغة العربية من خلال التركيز على استخدام الّلغة الإنجليزية في الجامعات والمعاهد، والمدارس، وحتى في التعاملات التجارية بين الدول العربية والإسلامية وداخل الدولة الواحدة نفسها، كما أن لغة التخاطب في الشبكة الدولية(الإنترنت) هي الّلغة الإنجليزية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن شيوع الّلغة العامية أصبح يهدد بقاء الّلغة العربية لدرجة أن من يتكلم الفصحى يلقب بـ: "النحوي" على سبيل التهكم.
5. الاختراق الثقافي للعالم العربي والإسلامي من قبل الدول الغربية من خلال السيطرة على وسائل الاتصال وقنوات الإعلام المختلفة، وتأثر وسائل الإعلام العربية والإسلامية بمثيلاتها الغربية ومحاولة تقليدها، ممّا أدّى إلى طمس الهوية الثقافية-جزئياً- للأمة ومحاولة طمس معالم الدين من خلال بثّ الشبهات والشهوات، وإشاعة الأنماط السلوكية والمفاهيم الغريبة على ثقافتنا.
6. الدعوة إلى فصل الدين عن الأمور الأخرى وإهمال الجوانب الروحية وتهميشها، والتركيز على الجوانب المادية، والحيلولة دون عودة الإسلام إلى واقع الحياة من خلال تصويره بالرجعية، ووسمه بالإرهاب، وأنه عدو التقدم والعلم، ومن أراد السير في ركب الرأسمالية فلا بدّ له من أن يتخلص من أوهام الماضي على حدّ زعمهم([1]).
وهناك تحديات أخرى كثيرة تواجه المثقفين ودعاة الإصلاح من العالم العربي والإسلامي تستدعي منهم وضع خطة عمل محكمة وإيجاد مشروع ثقافي وطني لمجابهة هذه التحديات وردّ كيد الأعداء إلى نحورهم، وهذا لن يتحقق إلا بتكاتف الجهود المخلصة وتشكيل جبهة قوية ضد التيار الجارف الذي يتستر وراء العولمة.

المبحث الثالث: آثار العولمة الثقافية وطرق التحصن ضدها

المطلب الأول: آثار العولمة:
إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا فلا بدّ من أن نكون منصفين ونعترف بأن العولمة الثقافية مثلما خلفت آثاراً سلبية على المجتمع العربي والإسلامي، فإنها لم تخل من بعض الآثار الإيجابية المتمثلة بـ: تنمية الثقافة العربية والإسلامية من خلال تبادل المعرفة والخبرات، وتحرير المواطن العربي من قيود الإعلام الرسمي، ونشر الثقافة العربية والإسلامية- ولو بشكل محدود- في المجتمعات الغربية من خلال قنوات الاتصال المختلفة.
أما الآثار السلبية فهي كثيرة أذكر منها:
1. انتشار بعض الثقافات الغريبة على مجتمعنا العربي والإسلامي التي تتنافى مع القيم العربية والإسلامية؛ كالتفكك الأسري، الذي أضعف سلطة الآباء على الأبناء، و احترام الزوجة لزوجها، والحرية اللامسؤولة للبنين والبنات.
2. التقليد الأعمى للغرب واللهث وراء ما يسمى بالموضة لمواكبة التطور واللحاق بركب الحضارة الغربية الموهومة.
3. التقليل من شأن التراث العربي والإسلامي وقطع صلة الأجيال بماضيها.
4. تعظيم شأن ثقافة السوق وسلب الخصوصيات الثقافية والوطنية.
5. التركيز على قضايا هامشية تخص الطفل والمرأة وحقوق الإنسان في دول العالم الثالث وتعظيم قدرها من أجل الانشغال بها عن القضايا الوطنية.
6. التركيز على الحرية الإعلامية والانفتاح وإنهاء الرقابة على وسائل الإعلام من أجل نشر الإباحية التي تؤدي إلى فساد الأخلاق والبعد عن الدين([1]).

المطلب الثاني: التحصن ضد العولمة الثقافية:
غني عن القول إن العولمة الثقافية هي أكثر وجوه العولمة خطراً على الإسلام والمسلمين، وقد عرضت في المطلبين السابقين بعض تحديات العولمة الثقافية، وجانباً من سلبياتها، ومع علمنا الأكيد أنه ليس هناك وصفة سحرية تنهي خطر العولمة وتبعد شبحها عنا، إلا أننا لا بدّ من التحصن ضدّ أخطارها للمحافظة على الهوية العربية والإسلامية، وحماية مجتمعاتنا من التفكك، وإبعاد شبابنا عن الضياع والفراغ الروحي، وعدم المسؤولية.
ولمجابهة تحديات العولمة الثقافية والوقاية من خطرها فإنني أقترح اتباع الخطوات التالية:
1. تحسين مستوى التعليم لجميع مستويات الشعب، وعلى كافة الأصعدة، والتركيز على غرس القيم السامية والمثل العليا؛ المستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف في نفوس أبناء الأمة الإسلامية، فقد امتدح الله جل جلاله هذه الأمة وفضلها على جميع الأمم الأخرى بقوله تعالى:)كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ([آل عمران:110]، فهذه شهادة من الخالق عز وجل بأن هذه الأمة هي خير الأمم، والخير كل الخير باتباع أوامر الله ونشر الفضيلة بين الناس بعكس العولمة التي تنادي بأعلى صوتها بالتحرر من جميع القيود الأخلاقية.
2. التركيز على الحوار الهادف والبنّاء في حلّ مشكلات الأمة، والتمرن على قبول الرأي والرأي الآخر من أجل التقريب بين المذاهب الإسلامية وتعظيم نقاط الاتفاق، وتضييق الخلاف إلى أقصى درجة ممكنة، لننطلق بعدها إلى محاورة قوى العولمة بصوت واحد.
3. إيجاد مشروع ثقافي شامل يحدد العلاقة الثقافية بين المسلمين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى من خلال إجراء حوار الحضارات مستغلين اندفاع العولمة نحو فرض القيم الغربية على الشرق بغض النظر عن العرق أو الدين مما يجعل الأمة الإسلامية وباقي الحضارات غير الغربية في خندق واحد في مجابهة مخططات الغرب.
4. استغلال وسائل الإعلام وتكنولوجيا المعلومات في نقل صورة الإسلام الصحيحة، وتغيير النظرة السوداوية عن العرب والمسلمين في عيون الغرب.
5. تأسيس برلمان عربي-إسلامي موحد يتمتع بصلاحيات واسعة تجتمع فيه نخب المثقفين والمفكرين، يقدّم المشورة للقيادات السياسية وأصحاب القرار في سبيل النهوض بالثقافة العربية والإسلامية للمستوى المطلوب([1]).
وخلاصة القول: إن الحل الأمثل في مواجهة خطر العولمة الثقافية هو التحصن من الداخل، بحيث نعمل على تسليح أبنائنا وبناتنا بالقيم الإسلامية، وذلك بتنويرهم وتبصيرهم بأن العزة والفلاح والسؤدد هو بالمحافظة على هذه القيم، وأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صَلُحَ به أولها، وأن أسلافنا ما كانوا ليبلغوا ما بلغوا لولا تمسكهم بأهداب دينهم ومحافظتهم على القيم العربية والإسلامية.
كما لا بدّ من استنهاض همم الشباب ومنحهم دوراً أكبر في المجتمع وإتاحة الفرصة لهم للتغيير؛ فهم فرسان التغيير، وبهم تنصر الأمة بعد توفيق الله، وهذا يسهم بشكل كبير في تمسك الشباب بدينهم، وسعيهم إلى تقديم ما بوسعهم من أجل النهوض بأمتهم واستعادة دورها في قيادة الأمم، والله من وراء القصد.
الخاتمة: إن موضوع العولمة موضوع طويل لا يمكن أن نوفيه حقه في هذه العجالة، ولكن ما لا يدرك كله، لا يترك جله، وقد خلصت إلى بعض النتائج من أهمها:
1. أن العولمة الثقافية هي أخطر أنواع العولمة ولا بدّ من اهتمام الباحثين بهذا الجانب، وبخاصة أن جل اهتمامهم ينصب على الجانب الاقتصادي في العولمة.
2. أن هنالك فرقاً كبيراً بين العولمة المعاصرة والعالمية التي جاء بها الإسلام، فالعولمة تلغي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والدينية في حين أن عالمية الإسلام تراعي خصوصيات الشعوب وعاداتهم وتقاليدهم، وتعمل على الارتقاء بهم إلى مستوى عال من الحرية والعدل والمساواة بين جميع أفراد المجتمع الواحد، وإعطاء الفرد جميع حقوقه الإنسانية، ومنحه حرية العبادة والتعبير وحقه في الاختيار.
3. أن الحوار هو الوسيلة الأمثل لنشر الثقافة الإسلامية عن طريق مخاطبة العقل ومقارعة الحجة بالحجة
4. أن التحصن من الداخل هو السبيل الوحيد للوقاية من مخاطر العولمة الثقافية















جميع حقوق النشر محفوظة - مؤسسة الفكر العربي - 2010