المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما بعد الكولونيالية.. من الهامش إلى المركز


Eng.Jordan
12-22-2012, 02:49 PM
الباحثة والناقدة غزلان هاشمي
يشير مصطلح ما بعد الكولونيالية إلى حقل من حقول الدراسات الثقافية المنتجة في زمن ما بعد الحداثة، حيث اعتمدت على دراسة أدب الحداثة بالنظر إلى محتواها الثقافي وكشف تجلياتها الامبريالية، وكذا رد الاعتبار إلى الحواف والهوامش التي سعت في نضالها إلى خلق مكانة ودور جديدين بزحزحة المركز وإعادة تشكيله أو إلغائه، وهذا بالحكم على الأمور وفق نظرة متزحزحة عن المعايير التي أنتجتها ثقافة المركز، التي تروم خلق هوية للمغاير مطابقة لمعايير الذات ومستمرة للحظاتها التاريخية. إن هذه النظرية ترفض الصياغة الغربية وتسعى لرسم حدود المختلف، بحفاظها على هوية إنسانية واسعة تتلاقى فيها جميع الثقافات، أو كما اصطلح عليه ادوارد سعيد في الإستشراق بـ"الهجنة"، التي تعني الرفض التام لمبدأ الهوية النقية التي صاغها الغرب، وقام بصناعتها من أجل جعل باقي الثقافات تسعى لتبنيها من منطلق رد الفعل.
يعتبر ادوارد سعيد وغاياتري سبيفاك وهومي. ك. بابا الثالوث المقدس لهذه النظرية، بحكم أنهم هاجروا من بلاد الهامش إلى بلاد المركز، مما جعلهم يحتفون بالهجنة في عالم جديد أرادوا فيه البحث عن صورتهم بدلا عن ثقافاتهم الوطنية.
تسعى ما بعد الكولونيالية إلى نقد الفرضيات التي تقوم عليها رؤى المركزية الأوربية، على اعتبار أنها مصطلح أطلق على كل ثقافة تأثرت بالوجود الامبريالي الذي أنتج أيديولوجيا غربية متعالية، ومجد صفة الإنكار لكل ماهو طرفي أو هامشي، وكانت البداية مع اللغة التي اعتبرت أداة للسلطة من خلال تمسك الذات بلغة المركز، وتأسيس خطاب يكيف ليلائم المكان المستعمر. تتحقق هذه الكتابة بالنظر إلى عمليتين أساسيتين تتمثلان في الإقصاء ـ أي إنكار تميز اللغة الاستعمارية والتمرد على المفاهيم المعيارية التي تحدد ماهو صحيح في هذه اللغة ورفض سلطتهاـ، والاستيعاب أي محاولة فهم لغة المركز ثم إعادة بنائها وتشكيلها من خلال توسيع نطاقها، حتى تتمكن من استقبال استخدامات جديدة تكون رمزا للانفصال عن الامتياز الكولونيالي. من هنا اتجهت هذه الكتابة إلى تفكيك أفكار المركز، وإنتاج فكر يجادل في أصالته ويحكم عليها بالتزييف، إذ أن ماهو أصيل في الحقيقة هو ما بدا لنا هامشيا. إن مهمة تفكيك الخطابات الاستعمارية تهدف القضاء على الاختلاف والتمايزات التي ساقتها الممارسات الخطابية الغربية، والتي أنتجت في جو من القوة والسلطة والمعرفة المحتكمة إليهما، وتحاول التخلص من الممارسات المعقدة التي أنتجها التخييل، لتعبر عن هوية هاربة من حدود اللااعتراف، بل وتحاول التوقف عند حدود التمثيل المؤدلج الذي يحتكم لمنطق السيطرة.
تمثل كتابات ادوارد سعيد اتجاها جديدا يروم البحث عن إشكالات التمثيل الذي تمارسه الخطابات الغربية الاستشراقية، والتي أسهمت في بلورة تصور استعار نموذجه لا من حقيقة التمثيل والتصوير نفسه، ولا من إرادة الذات في الكشف عن العوالم المغيبة بطريقة علمية موضوعية، وإنما من رغبة دفينة في موضعة الآخر المتمثل في الشرق في إطار من التهميش والانتقاص، بل وإعادة تشكيله في المتخيل الغربي بطريقة تستبعد هويته وتطمس حقيقته، حيث يصبح معه الشرق صنعا غربيا، يتم إدراكه بوصفه عالما عجائبيا، ومكونا تتجمع فيه الذكريات والغرائبية وكل ماهو استثنائي، مما يتيح لفكرة التراتب والتمايز أن تظهر بين شرق وغرب، حيث بين في كتابه الإستشراق"كيف أن الصورة الغربية عن الشرق، تلك الصورة التي صاغتها أجيال من المشتغلين بالعلم، تنتج أساطير عن كسل الشرقيين وخداعهم ونزعتهم اللاعقلية"(1). درس سعيد الإستشراق بوصفه أسلوبا غربيا من أساليب السيطرة على الشرق، عن طريق تفكيك خطابه وإبراز تناقضاته، فبين أنه ـ أي الإستشراق ـ"ليس مجرد موضوع أو ميدان سياسي ينعكس بصورة سلبية في الثقافة، والبحث، والمؤسسات، كما أنه ليس مجموعة كبيرة ومنتشرة من النصوص حول الشرق، كما أنه ليس معبرا عن، وممثلا لمؤامرة امبريالية غربية شنيعة لإبقاء العالم الشرقي حيث هو بل انه، بالحري، توزيع للوعي الجغراـ سي إلى نصوص جمالية، وبحثية، واقتصادية، واجتماعية، وتاريخية، وفقه لغوية، وهو أحكام لا لتمييز جغرافي أساسي وحسب [العالم يتألف من نصفين غير متساويين، الشرق والغرب] بل كذلك لسلسلة كاملة من المصالح التي لا يقوم الإستشراق بخلقها فقط، بل بالمحافظة عليها أيضا بوسائل كالاكتشاف البحثي، والاستبناء فقه اللغوي، والتحليل النفسي، والوصف الطبيعي والاجتماعي"(2)، وهو فوق ذلك إرادة للسيطرة والتحكم.
من خلال النص السابق يتضح سعي سعيد لإبراز فوقية الفكر الإستشراقي، الذي أنتج ضمن سياقات سياسية واجتماعية وعقائدية محددة، حيث عبر هذا الفكر عن مركزية الغرب وتفوق العرق السامي، برسم العالم المضاد عالم الشرق بطريقة تنزع إلى موضعته في حدود المهمش والمنتقص "وإعادة كتابة التاريخ الثقافي الأوربي بصورة تحقق له الوحدة والاستمرارية من جهة، وتجعل منه التاريخ العام للفكر الإنساني بأجمعه من جهة أخرى"(3)، ومن ثمة إبراز امبريالية هذا الاتجاه بكشف اختلاقاته التمثيلية، المنساقة نحو تركيب عوالم مزيفة تخضع للرغبة وتحيزاتها، وتنساق نحو تصورات الذات وموجهاتها السياسية، إذ تركزت أهداف الإستشراق "في خلق التخاذل الروحي وإيجاد الشعور بالنقص في نفوس المسلمين والشرقيين عامة، وحملهم من هذا الطريق على الرضا والخضوع للتوجيهات الغربية"(4). إن هذه الدراسة هي مناقشة للآليات التي تستخدمها المعرفة من أجل بسط قوتها، واستبصار لما تخلقه الثقافة والأدب من تمثيلات غير بريئة، امتدت حدودها لتشكل الوعي المعاصر، ضمن معايير تقوم برسم صورة نموذجية ونمطية عن الذات والآخر، بل إنها محاولة لإدانة الاعتراف حينما يكون منجزا خطابيا من الآخر، وليس خلقا لأسئلته الخاصة حول الهوية والعالم المشترك والمساواة المفترضة، هذا الاعتراف الملتبس بفعل التحقير هو ما خلقته بؤر الصراعات من أجل تعزيز هيمنة الغرب..، أو هو ما خلقه ذلك الموقف اليائس من الذات التي تعيش مكانتها وفق موقع متسم بالغموض والتغييب، ويبين سعيد هذه الصورة من خلال توضيحه لدوافع كتابه المؤلف عن الإستشراق في قوله:"إن تجاربي الشخصية لهذه القضايا هي ما دفعني جزئيا لكتابة هذا الكتاب. فحياة الفلسطيني العربي في الغرب، وبشكل خاص في الولايات المتحدة، تبعث اليأس في النفس. إذ يوجد هنا إجماع كلي تقريبا على أن الفلسطيني غير موجود سياسيا، وحين يتسامح فيعترف بوجوده، فبوصفه إما أمرا مزعجا، أو شرقيا"(5). يلحظ ادوارد سعيد أن العلاقة بين الشرق والغرب أظهرت ملمحين أساسيين، أولهما تنامي المعرفة الأوربية بالعالم الشرقي والتي دعمتها المواجهات الاستعمارية، والاهتمام بالوجود الأجنبي حيث غذت عدة علوم نامية كالتشريح المقارن وفقه اللغة والتاريخ..، إضافة إلى ما أنتجه روائيون وشعراء ورحالة.. وثانيهما ظهور أوربا في موضع قوة وسيطرة. مما أنتج معها أحكاما تموقع الآخر بشكل مبتذل، وذلك تمهيدا للسيطرة عليه بدوافع مقنعة، إذ"الشرقي لا عقلاني، فاسق، طفولي، مختلف، وبالمقابل فان الأوربي عقلاني، متحل بالفضائل، ناضج، سوي"(6). ويواصل سعيد تأمله لفعل الاستشراق، حيث يجد أن موضوعه هو الشرقي الذي يوضع في قاعة التدريس، في محاولة لتصحيح مساره الإنساني من طرف الغرب، ومن ثمة أصبح مؤسسة تمارس سلطتها المعرفية تأكيدا لمركزية الغرب وهامشية ما عداه، و إنشاء لوضع مبني على التمايز، هذا الوضع غذي برؤيا سياسية وخلق تفاضلا بين عالمين:عالم مألوف هو عالم الغرب وعالم غريب مخالف هو عالم الشرق، وقد أسهمت الجغرافيا التخيلية في تقديم هذه الصورة القائمة على التراتب بين عالمين متضادين، إذ استغلت آليات التمثيل لرسم فوقية الغرب عن طريق وسمه بصفات متعالية، تبرز ايجابياته بشكل واضح وتطمس في المقابل ميزات الشرق، عن طريق تقديم صورة نمطية تمتثل لمعايير الغرب، وتمثل الشرق لا كما هو موجود بل كما هو مأمول في المتخيل الغربي، "ولا يقتصر الأمر على أن الشرق يعدل بحيث يستجيب للضوابط الأخلاقية للمسيحية الغربية، بل إن الشرق يحاط بسلسلة من الآراء والأحكام التي تدفع العقل الغربي لأغراض التصويب والتحقيق"(7)، ومن ثمة إنتاج أيديولوجيا إقصائية تحاكم الشرق واختلافه، وتعاقبه لخروجه عن حدود المجتمع الأوربي، حيث تصبح شخصياته مخلوقات منتجة بفعل الفهم الغربي اللامتجانس.
إن المواجهة بين الإسلام والغرب هدد مركزية الأخير وزحزح مكانته، مما جعل اللغة تتلاعب بالحقيقة المنتجة، وتؤسس عوالم واهمة عن الذات وعن الآخر المختلف، ومن هنا كانت جهود الإستشراقيين موجهة لخدمة فكرة التمركز، بوضع أحكام إنتقاصية إزاء الآخر ومن ثمة إعطاء الشرعية لاستعماره والتحكم فيه بدافع تخليصه من بربريته وجهله، هذا الأمر وجده ادوارد سعيد بشكل واضح في حملة نابليون على مصر وما حمله مشروع المعرفة التي برر وجوده بها، إذ كانت مهمة هذا المشروع تتمثل في"أن يصوغ الشرق، يعطيه شكلا وهوية، وتحديدا يصحبه اعتراف كامل بمكانته في الذاكرة، وبأهميته بالنسبة للإستراتيجية الإمبراطورية، وبدوره الطبيعي من حيث هو ملحق لأوربا"(8). إذن أنتج الإستشراق معرفة متواطئة تحول معها إلى مؤسسة امبريالية تتحيز في رؤيتها للآخر الشرقي إلى الذات، حيث وجد سعيد أن الجغرافيا التخيلية وأدب الرحلات أسهما في تعزيز المركزية الأوربية وفي التعامل بنوع من الاصطفاء العدواني الذي يلغي الآخر ويقصيه، ومن ثمة تصوير الشرق على أنه موجود لأجل الغرب ولأجل تعزيز مكانته، أو هو اكتشاف من اكتشافات الذات الغربية تحول إلى مكون غربي، وإلى رمز لسيطرة هذه الذات على العوالم المجهولة، هذا" الشرق الذي يتجلى في الإستشراق، إذن هو نظام من التمثيلات مؤطر بطقم كامل من القوى التي قادت الشرق إلى مجال المعرفة الغربية، والوعي الغربي"(9). وقد وجد عبد الله إبراهيم أن هذه التمثيلات موجودة في ثنايا الخطابات الفلسفية الغربية، التي تحتفي بنوع من التعالي إزاء الآخر.
كانت كتابات ادوارد سعيد تمثيلا لصراع مركز مع هامش، صراع خطابات، حيث مثل جيلا من الكتاب يسعى لخلق المختلف وخلخلة الثابت، فادوارد سعيد "ذلك المفكر الذي تأبى نتاجاته التشرنق أو التخندق أو القولبة أو الاصطفاف في أي من أبواب المنهجيات والشعاب الأيديولوجية، أو أشكال الانتماء الموحدة انه نموذج الانتماء الحواري الذي يختلف ويتنوع، ويتطابق ويختلف، ففي تطابقه اختلاف، وفي اختلافه تعدد.."(10)، وفي كتاباته تلمس لذلك التعدد واحتفاء بكل الأدوار المحقرة. لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل استطاع سعيد التحرر من نطاق الهيمنة الغربية بعد كشفها في الخطابات الاستشراقية؟، ألا يعد الاعتماد على مناهج الغرب في دراسته وفضح أساليبه، من باب الاعتراف بهيمنة الآخر على عقولنا وكل طرق تفكيرنا؟، أليس من الأولى أن نفكر كيف نؤسس نظرة مغايرة تؤمن بحدود المختلف، وتحتفي بهويتنا وتفكيرنا المتحرر من قيود الإتباع؟.
يعد فرانز فانون أحد رواد مابعد الكولونيالية، إذ نشر كتابا بعنوان"المعذبون في الأرض" عام1961، تضمن مقالا تحت مسمى"حول الثقافة الوطنية"، حاول من خلالها إرساء دعائم النظرية النقدية المتجهة إلى الاستعمار بالنقد والمساءلة، "في تعاطف شديد مع الدول المستعمرة التي لم يكتف الأوربيون، كما يقول فانون بتخريب حاضرها وإنما اتجهوا إلى ماضيها أيضا، وسعوا إلى هدمه أو تشويهه بالقدر نفسه من الشراسة"(11)، من أجل ذلك سعى مثقفو هذه البلدان المستعمرة للعودة إلى ثقافاتهم الوطنية من أجل استعادتها.
وأما المفكروالفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي والذي كان أحد قياديي الحزب الشيوعي الفرنسي في سبعينيات القرن العشرين، فقد ظل يهاجم الصهيونية رغم ما وجده من معارضة شديدة من الإعلام الغربي، ورأى أن مهمة المفكر هي تحطيم كل الأغلال والأصنام والأساطير التي تحكم العالم خاصة الخرافات اليهودية. وصدرت له العديد من المؤلفات في هذا الموضوع منها "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"، والذي كان سببا في تقديمه للمحاكمة والسجن مع إيقاف التنفيذ. وكذا كتاب "أمريكا طليقة الانحطاط".
في كتابه "الإرهاب الغربي" الصادر عن دار الأمة الجزائرية، تناول المفكر جذور الإرهاب الثقافي والسياسي والاجتماعي منذ ثلاثة آلاف سنة قبل ظهور الحضارة الأمريكية الحديثة، وهذا المصطلح الذي تستعمله أمريكا الآن لمحاربة الإرهاب. وأما في كتابه "الأصوليات المعاصرة أسبابها ومظاهرها" يتعرض غارودي للأصوليات المنتشرة في الغرب والشرق، إذ يجد أن الأصوليات لها فكر متعالي ومركزي، حيث ترى نفسها أنها خلاص للبشرية كلها، وتدعي امتلاك الحقيقة المطلقة للدين والفكروتحتكرها لتمثيل ذلك، وهذا ما يجعلها ذات منحى اصطفائي معاد للديمقراطية، ومهمش للآخر ومبرز للعنف ضده ومقصي له، مما دعاها لاختراع العدو والعيش في الماضي، واستحضاره في صيغة جواب عن إشكالات الحاضر، ويميز جارودي بين هذه الأصوليات، فبالنسبة للأصوليات الغربية يرى أن أولها الأصولية العلمية، التي تنطلق من اعتبار العلم مبدأ النظام الجديد على أساس أنه وقائع ثابتة، إذ تستند في رؤيتها إلى التفوق الغربي علميا وتقنيا في العالم أجمع، ومن هنا فالعلم قادر على حل كل مشكلات البشرية من هذا المنظور، وهذا ما حوله إلى أصولية قامت بتوظيف منجزات العلم في الإقصاء والتصفية والتهميش والإبادة..، واستبعاد كل قيم الحب والإيمان والإبداع الفني في الوقت ذاته. النوع الثاني من الأصوليات الغربية "الأصولية الستالينية" إذ اعتبرها انحراف عن الماركسية التي في جوهرها فلسفة نقدية تختلف عن كل مذهبة أصولية، فالثورة البلشفية انحرفت منذ لينين وخاصة في عهد ستالين، وحولت الحزب إلى بديل عن الطبقة ومتكلم باسمها، وصار الجهاز يتكلم باسم الحزب والقادة باسم الجهاز إلى أعلى سلم فيه، والذي يتحدث باسم الجميع، مما حوله إلى نظام متسلط طاغ لا يسائل الواقع ولا يستجوبه، وهذا ما حولها إلى لاهوت يحتفي بالنموذجية المتعالية، وصار معها النموذج السوفياتي هو النموذج الأوحد للاشتراكية وأقصيت كل النماذج الأخرى. النمط الثالث هو الأصولية الفاتيكانية ومثلت سلطة الكنيسة بكل مكوناتها الهرمية، إذ قامت بفرض قانونها والعودة إلى الماضي لإبراز الإيمان المسيحي في شكل غربي، مما يسمح بصفة الاصطفاء لأن تظهر على اعتبار أن جميع تلامذته ومريديه هم الحاملون للحقيقة المطلقة للبشر، والنمط الرابع هو الأصولية اليهودية التي برزت أكثر في القرن العشرين مع المشروع الصهيوني لإقامة دولة لليهود في فلسطين، ونجح الأخير بفضل الدعم الغربي بعد أن استند إلى مرتكزات عنصرية ومذهبية.
فإسرائيل تحولت إلى نموذج كبير للأصولية بإلغائها الآخر وإقصاء حقه في الأرض. أما الأصوليات الإسلامية فيتوقف غارودي عند ثلاثة أنماط الأول الاسلاموية الجزائرية التي قمعت الآخر وحاربت المجتمع، وتخفت تحت عباءة الدين وتغذت من موروث استعماري فرنسي مقصية كل تفكير ديني تقدمي. النمط الثاني الاسلاموية الإيرانية حيث كانت ثورة عكس التاريخ، إذ رفضت الحضارة الغربية رفضا مطلقا فكانت ضد الحضارة وتقدم الإنسان وقيم الغرب، واعتمدت على تراث ديني متمثلا في مبدأ الإمامة الشيعية، أو كما ترجمها الخميني في نظرية"ولاية الفقيه"، والتي توازي في مضمونها ماكان سائدا في القرون السابقة في اعتبار البابا ظل الله على الأرض. النمط الثالث الأصولية السعودية وأصولية الإخوان المسلمين، والتي انطلقت من شعار الإسلام هو الحل، ودعت للعودة إلى التراث والذي ترجمته السعودية في طاعة الحاكم تنفيذا لمشيئة الله، والإخوان المسلمين في دعوتهم لنظام الخلافة الإسلامية على اعتبار أن الخليفة وكيل الله. وهنا يرى غارودي أن التصدي للأصوليات يشكل تحديا كبيرا من أجل بناء النظام الديمقراطي.
ومن أجل خلق علاقات حوارية في عالم يعترف بالهويات المتجاورة، يدعو غارودي إلى احترام الآخر وحضارته بعيدا عن كل الممارسات الاقصائية أو أي فكرة تبيت التنافس والسيطرة، وفي هذا الصدد يقول:"ومن الواجب أن نتعلم من الحضارات الأخرى، بصورة أساسية، المعنى الحقيقي لعلاقة المشاركة الإنسانية التي تجد كل فاعلية ذاتها وهي تنهض بعبء من أعباء المجتمع المسؤول"(12). وذلك ما يؤصل لمبدأ الشراكة والتفاعل الايجابي.
قدم المفكر الأوربي تزفيتان تودوروف قراءة في الفكر الغربي، إذ قام بمساءلته بعيدا عن قيود العقائدية الفكرية، وسوق في كتابه "روح الأنوار" تصورا جديدا حول رؤية الفكر الغربي وتناقضاته الخاصة بالإنسان المعاصر، وقد راجع فيه مدى فاعلية الأنوار وتأثيره على حياة المجتمعات، حيث رأى فيه مولدا للإقصاء والتهميش ولكل نظام شمولي وأيديولوجيا استعمارية، إذ أعلى من شأن الإنسان وقيم الحرية والمساواة، لكنه أدى لعكس ذلك أي لسحق الإنسان.
قام تودوروف بنقد التوظيف الغربي السيئ وغير البريء للعقلانية والاختلاف الذي احتفت به فلسفة الأنوار، وشخص كل الممارسات السياسية الغربية ليصل إلى أنها أساءت لهذه الأفكار. لقد حاول تودوروف في هذا الكتاب أن يراجع التقبل الغربي لعصر الأنوار، إذ تحرر من النظرة التاريخية لينظر في مدى فعالية الأنوار وقدرته وتأثيره على حياة المجتمعات، إنه تشريح للواقع الراهن واتهام لهذا العصر بأنه مولد للنظام الشمولي والأيديولوجيا الاستعمارية، وإحراج للسلطة السياسية الغربية بفضح ممارساتها التي كانت في عمقها خيانة لروح الأنوار.
دعا تودوروف إلى إعادة التفكير في روح التنوير ووجد أنه مشاعا إنسانيا لا احتكارا غربيا، وأيضا دعا إلى المساءلة والتشكيك والى رفض كل نظرة تقديسية لأي عقيدة أو مؤسسة. وفي الفصل الثاني من هذا الكتاب أبرز أهم الانتقادات الموجهة لفكر الأنوار، إذ وجد أن الدول الأوربية رأت نفسها أرقى من كل الأمم، وأن قيمها هي القيم المثلى التي يجب على باقي الأمم التمثل بها، مما هيأ لفكرة الاحتلال وشكل سندا لتبرير الاستعمار، بوصفه حاملا لقيم التقدم التي على أوربا أن تنشرها في العوالم المغايرة لتخليصها من التخلف.
قام تودوروف بدراسة الآلية التي تستخدم من طرف الغرب لإقصاء الآخر وتهميشه، ففي الثمانينات انكب على دراسة الظواهر الاستعمارية الاستشراقية، وماهية التصور الغربي للآخر أثناء اكتشاف أمريكا. في كتابه"نحن والآخرون" ركز على ماطال الذاكرة من تخريب بفعل آليات مختلفة استعملها الاستعمار.
فكك تودوروف الخطاب وتشكيلاته المتخيلة والتي تحوي نبذا للآخر وإقصاء له، وقد عمق قراءته في مشروع ادوارد سعيد بل قدمه في تصديره لكتاب الاستشراق بالفرنسية إلى القراء الفرنسيين، وناصر القضية الفلسطينية، بل حتى أنه حضر آخر حفل شعري قدمه محمود درويش في آرل جنوب فرنسا.
ولأجل وضع علاقة الذات بالآخر موضع المساءلة، قدم عبد الوهاب المسيري قراءته لتعرية الأيديولوجية الصهيونية في موسوعة"اليهود واليهودية والصهيونية"، وكتابه"الأيديولوجية الصهيونية 1983، كما استطاع المفكر المصري حسن حنفي أن يمثل الوجه المضاد للاستشراق في كتابه"مقدمة في علم الاستغراب"1991، وذلك بجعل الغرب موضوعا للدرس بعد أن كان دارسا في الدراسات الاستشراقية.
والتساؤل الذي يطرح نفسه:ألا تعد دراسات ادوارد سعيد للاستشراق وللمعرفة الغربية، بمثابة بحث عن البديل العلمي، إذ جعل الخطاب الغربي موضع البحث والمساءلة؟ ألا يعد ذلك تأسيسا لخطاب الاستغراب الذي دعا إليه عبد الملك أنور وحسن حنفي؟.
الهوامش:
1 ـ رامان سلدن:النظرية الأدبية المعاصرة. ص156.
2 ـ ادوارد سعيد:الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت/لبنان، ط4، 1995. ص47.
3 ـ محمدعابد الجابري:التراث والحداثة، مركزدراسات الوحدة العربية، بيروت/لبنان، ط2، 1999. ص27.
4 ـ محمد البهي:الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، دار الفكر، بيروت/لبنان، ط6، 1973. ص534.
5 ـ ادوارد سعيد:الإستشراق. ص59
6 ـ ادوارد سعيد:الاستشراق. ص71.
7 ـ المرجع نفسه. ص95.
8 ـ ادوارد سعيد:الاستشراق. ص112.
9 ـ المرجع نفسه. ص214.
10 ـ بشرى موسى:نظرية التلقي أصول.. . وتطبيقات، المركز الثقافي العربي، المغرب/ لبنان، ط1، 2001 ص 79.
11 ـ د ميجان الرويلي د سعد البازغي:دليل الناقد الأدبي. ص160.
12 ـ روجي غارودي:حوار الحضارات، ترجمة:عادل العوا، عويدات للنشر والطباعة، بيروت/ لبنان، ط5، 2003 ص162.