المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدنيا دار ظعن، وليست بدار إقامة


Eng.Jordan
12-22-2012, 03:17 PM
(كتب الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز عندما ولي الخلافة يذكره ألا يركن على الدنيا، ولا يؤثر ما يبقى على ما يفنى فقال :

"أما بعد:
اعلم يا أمير المؤمنين أن الدنيا دار ظعن، وليست بدار إقامة. وإنما أهبط إليها آدم من الجنة عقوبة، وقد يحسب من لا يدري ما ثواب الله أنها ثواب، ومن لم يدر ما عقاب الله أنها عقاب. ولها في كل يوم صرعى، وليست صرعة كصرعة.

هي تهين من أكرمها، وتذل من أعزها، وتصرع من آثرها. ولها في كل حين قتلى، فهي كالسم يأكله من لا يعرفه و فيه حتفه. فالزاد منها تركها، والغنى منها فقرها، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه، يصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا.

فإن أهل الفضائل كان منطقهم فيها بالصواب، ومشيهم بالتواضع، مطعمهم الطيب من الرزق، مغمضي أبصارهم عن المحارم، فخوفهم في البر كخوفهم في البحر، ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضراء، لولا الآجال التي كتبت لهم ما تقاوت أرواحهم في أجسادهم خوفا من العقاب، وشوقا إلى الثواب. عظم الخالق في نفوسهم، فصغر المخلوق في أعينهم .

واعلم يا أمير المؤمنين أن التفكير يدعو إلى الخير والعمل به، وأن الندم على الشر يدعو إلى تركه. وليس ما يفنى وإن كان كثيرا بأهل أن يؤثر على ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا. واحتمال المؤنة المنقطعة التي تُعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تُعقب مؤنة باقية وندامة طويلة. فاحذر الدنيا الصارعة الخاذلة القاتلة التي قد تزينت بخدعها وقتلت بغرورها وخدعت بآمالها، فأصبحت الدنيا كالعروس المجلية، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبر، و لا الآخر لما رأى من أثرها على الأول مُــزدَجَر، ولا العارف بالله المصدق له حين أخبر عنها مدَّكر. فأبت القلوبُ إلا لها حبا، و أبت النفوسُ إلا لها عشقا، ومن عشق شيئا لم يلهم نفسه غيره، ولم يعقل شيئا سواه، مات في طلبه وكان آثر الأشياء عنده، فهما عاشقان طالبان مجتهدان:
فعاشق قد ظفر منها بحاجته فاغتر، وطغى، ونسي، ولها، فغفل عن مبتدأ خلقه، وضيع ما إليه معاده، فقلَّ في الدنيا لبثه حتى زالت عنه قدمه، وجاءت منيته على شر ما كان حالا، وأطول ما كان فيها أملا، فعظم ندمه، و كثرت حسرته مع ما عالج من سكرته، فاجتمعت عليه سكرة الموت بكربته، وحسرة الفوت بغصته، فغير موصوف ما نزل به.
و آخر ميت مات من قبل أن يظفر منها بحاجته، فمات بغمه وكمده، ولم يدرك فيها ما طلب، ولم يرح نفسه عن التعب والنصب واللعب.

فخرجا جميعا بغير زاد، وقدما على غير مهاد، فاحذرها الحذر كله، فإنما مثلها كمثل الحية لين مسها تقتل بسمها، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، و ضع عنك همومها لما قد أيقنت به من فراقها، واجعل شدة ما اشتد منها رجاء ما ترجو بعدها، و كن عند أسرِّ ما تكون منها أحذر ما تكون له.
فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور صحبته من سرورها بما يسوؤه، وكلما ظفر منها بما يحب انقلبت عليه بما يكره، فالسار منها لأهلها غار، والنافع منها غدا ضار، وقد وصل الرخاء منها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى الفناء، فسرورُها بالحزن مشوب، والناعم فيها مسلوب.

وانظر يا أمير المؤمنين إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر المبتلى العاشق الوامق. واعلم أنها تُـزيل الثاوي بالساكن، وتفجع المترف فيها بالآمن، ولا ترجع فيها ما تولى منها وأدبر، ولا بد مما هو آت منها ينتظر، ولا يتبع ما صفا منها إلا كدر. فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وعيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة فادحة، وإما منية قاضية.

فلقد كدرت المعيشة لمن عقل، فهو من نعيمها على خطر، ومن بليتها على حذر، ومن المنية على يقين. فلو كان الخالق تبارك وتعالى اسمه لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت الدنيا قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل. فكيف وقد جاء عن الله عز وجل منها زاجر وفيها واعظ !؟ فما لها عنده قدر، ولا لها عنده وزن من الصغر. فلهي عنده أصغر من حصاة في الحصى، ومن مقدار نواة في النوى. ما خلق الله عز وجل خلقا فيما بلغنا أبغض إلى الله تبارك وتعالى منها. ما نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه سلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله عز وجل جناح بعوضة فأبى أن يتقبلها. وما منعه من القبول لها – مع ما لا ينقصه الله عز وجل شيئا مما عنده كما وعده – إلا أنه علم أن الله عز وجل أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره. ولو قبلها كان الدليل على محبته قبوله إياها. ولكنه كره أن يخالف أمره، أو يحب ما أبغض خالقهن أو يرفع مما وضع مليكه.

ولا تأمن من أن يكون هذا الكلام عليك حجة.

نفعنا الله وإياك بالموعظة، والسلام عليك ورحمة الله."