المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لغز فرط (ارتفاع) ضغط الدم لدى الأمريكيين من أصل إفريقي


Eng.Jordan
12-23-2012, 07:17 PM
لغز فرط (ارتفاع) ضغط الدم لدى
الأمريكيين من أصل إفريقي(*)
غالبا ما اتُّهمت الجينات بأنها المسؤولة عن سبب شيوع ارتفاع ضغط الدم بين
الأمريكيين المتحدّرين من أصل إفريقي، ولكن معدلاته مازالت منخفضة
بين الإفريقيين. إن هذا التباين يوضح الكيفية التي تتآثر فيها الجينات والبيئة.
<S.R.كوپر> ـ<N.C.روتيمي>ـ<R.وورد>

مع التقدم في السن، يعاني معظم الأمريكيين ارتفاعا مطردا في ضغط الدم blood pressure. ويجتاز نحو 25 في المئة منهم الحد الفاصل ويصلون إلى حالة فرط ضغط الدم hypertension، وهو الاصطلاح المعتمد لارتفاع ضغط الدم المزمن(1). ويمكن لهذه الحالة بدورها أن تسهم في صمت في إحداث أمراض القلب والسكتة الدماغية stroke والفشل الكلوي renal failure؛ ولهذا فهي السبب في وفاة نحو000 500 شخص كل عام. وبالنسبة إلى الأمريكيين السود، فالصورة أشد كآبة؛ إذ يعاني 35 في المئة منهم فرط ضغط الدم. والأسوأ من ذلك أن هذا الاعتلال مميت على نحو واضح بين هذه الجماعة السكانية؛ لأنه المسؤول عن 20 في المئة من الوفيات بين السود في الولايات المتحدة ـ أي ضعف النسبة الموجودة بين البيض.

إن أحد التفسيرات الشائعة لهذا التباين بين السود والبيض يعتبر أن لدى المتحدرين من أصل إفريقي «استعدادا بحكم طبيعتهم» لارتفاع ضغط الدم بسبب ناحية غير محددة تماما في تكوينهم الجيني (الوراثي)، بيد أن هذه النتيجة غير مقنعة. وفي الواقع، إن إجابة كهذه تثير الانزعاج؛ لأنها ـ كما سنبين ـ لا تعكس الأدلة المتاحة بدقة. وعوضا عن ذلك، يبدو ذلك التفسير نابعا من التحيّز الجنسي الذي أضحى سِمةَ كثير من بحوث الصحة العامة التي تقع أحيانا في فخ التفسيرات التبسيطية التي تركز على أهمية الصفات الجنسية أو الجينية. وبهذا يصبح الجنس race السبب الضمني لحدوث داء ما، أكثر من كونه واحدا من المتغيرات الأخرى (ومنها على سبيل المثال الوضع الاقتصادي الاجتماعي(2)) الذي يؤثر في سير الاضطراب المرضي.

ونحن نرى أن المقاربة المثمرة لفهم المستويات العالية لفرط ضغط الدم بين الأمريكيين من أصل إفريقي يجب أن تتخلى عن النظريات العرقية التقليدية. ولا بد من التسليم بأن ارتفاع ضغط الدم ينشأ من خلال مسارات عديدة مختلفة، تشمل التآثر المعقد بين العوامل الخارجية (كالكرب stress أو نوعية الطعام)، وفيزيولوجية الجسم الداخلية (الأجهزة البيولوجية التي تنظم ضغط الدم)، والجينات التي تشترك بالتحكم في ضغط الدم. ولا يمكن للعلماء أن يفهموا حقا كيفية نشوء فرط ضغط الدم إلا بتحديد الارتباطات بين هذه العوامل الثلاثة وفهمها. وستسمح مثل هذه المعرفة للباحثين أن ينجحوا في فهم السبب الذي يجعل هذا الاضطراب سائدا بين الأمريكيين من أصل إفريقي، وفي تعرف أفضل سبل معالجة المرضى كافة.

إن إحدى الاستراتيجيات الرامية إلى إيضاح الأهمية النسبية للعوامل البيئية المختلفة، هي أن نثبِّت عامل الخلفية الجينية(3) لجماعة من البشر يعيشون في بيئات متباينة، ونركز على دراسة الاختلافات في ظروف حياتهم وعاداتهم السلوكية. ومن المستحيل إجراء هذه التجربة على الوجه الأكمل، ولا سيما عندما يكون لدى أعداد هائلة من الأمريكيين عامل واحد ـ على الأقل ـ وغالبا عدد من عوامل الخطورة السلوكية المعروفة المؤهبة لحدوث ارتفاع في ضغط الدم، مثل: زيادة الوزن، وتناول أغذية تحوي قدرا كبيرا من الملح، والمعاناة النفسية الطويلة الأمد، وانعدام النشاط الجسمي، والإفراط في تعاطي المشروبات الكحولية. وبشكل ما فهذه الحالة شبيهة بمحاولة تعرُّف أسباب سرطان الرئة في مجتمع يدخّن جميع أفراده. وما لم يتوفر للباحثين مجموعة مقارنة من غير المدخنين فإنهم لن يعرفوا ما إذا كان التدخين يسهم إلى حد كبير في إحداث سرطان الرئة.

http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008201.jpg
قام المؤلفون بقياس معدل حدوث فرط ضغط الدم (أو ضغط الدم المرتفع المزمن) بين الإفريقيين وكذلك بين الأفراد الذين هم من أصل إفريقي ويعيشون في الولايات المتحدة وجزر البحر الكاريبي. ووجدوا أن هذا المعدل قد هبط بشكل مذهل مع الانتقال من الولايات المتحدة عبر المحيط الأطلسي إلى إفريقيا (الأعمدة البيانية). وظهر الاختلاف على أشده بين الأمريكيين السود الذين يعيشون في المدن (الأسفل في اليمين) وبين النيجيريين الذين يسكنون الأرياف (الأسفل في اليسار). وتوحي هذه النتائج بأن فرط ضغط الدم قد يكون إلى حد كبير أحد أمراض الحياة العصرية، وأن الجينات وحدها لا تكفي لتعليل ارتفاع معدلات هذا المرض بين الأمريكيين من أصل إفريقي.


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008202.jpghttp://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008203.jpg
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008204.jpg


http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008205.jpg


دروس من الماضي
وتَمَثَّلَ الحل الذي قدمناه لهذه المشكلة في أن نتجه إلى إفريقيا للعثور على المجموعة الضابطة (الشاهدة). وفي عام 1991 بدأنا مشروع بحث ركَّز على المغتربين الإفريقيين الذين هُجِّروا عنوة من غرب إفريقيا بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر. ففي تلك الحقبة المخجلة من تاريخ العالم قام تجار الرقيق الأوروبيون على الشاطئ الغربي من إفريقيا بشراء أو اختطاف ما يقدر بنحو عشرة ملايين شخص، وتم نقلهم إلى جزر البحر الكاريبي وإلى القارة الأمريكية حيث اختلطوا تدريجيا بالأوروبيين وبسكان أمريكا الأصليين، وتعيش ذرياتهم اليوم في أرجاء نصف الكرة الغربي كله.

لقد عرف العلماء منذ مدة أن معدل فرط ضغط الدم في ريف غرب إفريقيا هو أقل منه في أي مكان آخر في العالم، باستثناء بعض أجزاء من حوض الأمازون وجنوب المحيط الهادي. وعلى نقيض ذلك، إن الأشخاص ذوي الأصل الإفريقي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، هم من بين أكثر الناس تعرضا لأعلى معدلات فرط ضغط الدم في العالم. ويوحي هذا التغير في الاتجاه بأن شيئا ما في البيئة، أو في طريقة حياة الأمريكيين والأوروبيين السود، هو السبب الأساسي في تغير استعدادهم للإصابة بارتفاع ضغط الدم وليس العامل الجيني الوراثي.

ولإيضاح السبب الذي كان يثير فرط ضغط الدم بين هؤلاء الناس، هيأنْا تسهيلات بحثية في مجتمعاتٍ في نيجيريا والكاميرون وزيمبابوي وسانتالوسيا وبربادوس وجامايكا والولايات المتحدة. ومع تقدمنا في البحث كثَّفنا انتباهنا تدريجيا على نيجيريا وجامايكا والولايات المتحدة على أنها الدول الثلاث التي تتيح لنا إلى حد ما دراسة التأثيرات الطبية التي نجمت عن انتقال الإفريقيين من مواطنهم الأصلية واتجاههم نحو الغرب. وأجرينا الاختبارات على عينات عشوائية أُخذت من كل موقع لتحديد الانتشار العام general prevalence لكل من فرط ضغط الدم والعوامل المسببة له، كتناول غذاء غني بالملح والسِّمنة وقلة النشاط الجسمي.

وكما هو متوقع، إن الاختلافات بين هذه المجتمعات الثلاثة كبيرة. فالمجتمع النيجيري الذي درسناه بمساعدة زملاء في كلية طب جامعة إبادان Ibadan هو مجتمع ريفي يقطن مقاطعة Igbo-Ora، وتعدد الزوجات عادة شائعة فيه؛ ولهذا تميل الأسر إلى أن تكون معقدة وكبيرة، وتعيل كل امرأة خمسةَ أطفال في المتوسط. وسكان هذه المقاطعة بصفة عامة ناحلون، ويمارسون أعمالا زراعية تؤمّن لهم القوت وتتطلب جهودا عضلية. ويتألف غذاؤهم التقليدي من الأرز والدرنات tubers والفواكه.

إن البلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى لا تتوافر فيها سجلات تبين نسبة الوفيات والأجل المتوقع(4). ولكن بالاعتماد على الدراسات المحلية افترضنا أن العداوي (الأخماج) وبخاصة الملاريا (البرداء)، هي السبب الأول للوفيات. وأظهرت بحوثنا أن البالغين في مقاطعة Igbo-Ora معرضون لخطر الموت سنويا بمعدل 2-1 في المئة؛ وهو معدل عال بالمقاييس الغربية. أما الذين يكتب لهم البقاء حتى أعمار متقدمة فهم عادة في صحة جيدة. ويلاحظ على وجه الخصوص أن ضغط الدم عندهم لا يرتفع مع تقدم السن. وتعتبر حالات فرط ضغط الدم أمرا نادرا. (لقد أسعدنا أن ننسق أعمالنا مع جميع العاملين في المجال الطبي في ذلك الإقليم من أجل معالجة أولئك المرضى الذين عانوا بشدة فرط ضغط الدم).

وعلى نقيض ذلك نرى الأمر في جامايكا التي تسير على طريق الاقتصاد الصناعي وتنخفض فيها أخطار الأمراض المعدية إلى درجة كبيرة؛ إلا أن مستويات الأمراض المزمنة فيها أعلى مما هي في نيجيريا. وقد اتخذ فريقنا من Spanish Town قاعدة لعملياته، وهي العاصمة القديمة لجامايكا في عهد الاستعمار. وتوفر هذه المدينة النابضة بالحركة والتي يبلغ عدد سكانها000 90نسمة، مثالا نموذجيا للمجتمع الجامايكي. وقد قام على تنفيذ المشروع باحثون من «وحدة بحوث الاستقلاب (الأيض) للبلدان الحارة التابع لجامعة جزر الهند الغربية في مونا كامپس Mona Campus.»

لقد ابتعدت بنية الأسرة في جامايكا عن النظام الأبوي السائد في إفريقيا؛ إذ تقوم النساء بإعالة عدد كبير من الأسر الصغيرة عموما والمجزأة غالبا. وقد مالت البطالة المزمنة إلى جعل دور الرجال هامشيا وإلى الإقلال من مكانتهم الاجتماعية. وتشيع هناك الأعمال الزراعية والأعمال الأخرى التي تتطلب قوة عضلية. ويتضمن قوت السكان مزيجا من الأطعمة المحلية التقليدية والمنتجات التجارية الحديثة. وعلى الرغم من الفقر الواسع الانتشار، فإن الأجل المتوقع في جامايكا أطول بست سنوات مما هو بين السود في الولايات المتحدة؛ والسبب في ذلك هو انخفاض معدلات الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وبالسرطان.

ماذا تعني قراءات ضغط الدم
يتم معرفة ضغط الدم بمقياس خاص يعطي رقمين يبينان الضغط الانقباضي والضغط الانبساطي(5). وتدل قراءة رقم الضغط الانقباضي البطين على الضغط الأعظمي الذي يمارسه الدم على جدران الشرايين، وهو يتوافق مع انقباض البطين الأيسر للقلب الذي يدفع الدم في الشرايين. أما الضغط الانبساطي فهو قياس الضغط الأصغري على جدران الأوعية الدموية، ويحدث حينما يسترخي البطين الأيسر ويستعيد امتلاءه بالدم. ويعتبر الضغط الانقباضي السليم حول 120 ملّيمترًا زئبقيًا، كما يعتبر الضغط الانبساطي السليم حول 80 مليمترا زئبقيا (ويقال للدلالة عليهما عادة 80/120).
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008206.jpg
ويصادف كثير من الناس ارتفاعات مؤقتة في ضغط الدم، ولا سيما تحت وطأة حالات الكرب. ويشخص الأطباء الإصابة بفرط ضغط الدم عندما يكون الضغط عادة فوق 90/140 بشكل مستمر. ويمكن معالجة هذا الاضطراب بصفة عامة باتباع نظام غذائي خاص وبالمثابرة على تمارين رياضية معينة وتناول الأدوية الملائمة.


وفي منطقة قرب شيكاگو درسنا السكان الأمريكيين من أصل إفريقي في مدينة Maywood. إن عددا كبيرا من المتقدمين بالسن في هذا المجتمع وُلدوا في القسم الجنوبي من الولايات المتحدة، وعلى الخصوص في ولايات مسيسيپي وألاباما وأركنسو. ويلفت الانتباه أن الهجرة نحو الشمال قد أسهمت إلى درجة كبيرة، على ما يبدو، في تحسين الوضعين الصحي والاقتصادي لدى هؤلاء الناس. إن الأعمال الخاضعة لقوانين نقابية في مجال الصناعة الثقيلة تؤمّن أفضل الفرص للرجل؛ في حين انضمت النساء إلى القوة العاملة عبر سلسلة من الأعمال المختلفة. والقوت السائد هو الطعام الأمريكي النموذجي، وهو غني بالدهون والملح. ويلاحظ أن الجيل الذي يصل الآن إلى المراحل المتقدمة من العمر قد تمتَّع بزيادات واضحة في الأجل المتوقع، مع أن التقدم لم يكن منتظما في العقد الماضي.

أوجه التشابه والاختلاف
وفيما كنا بصدد استقصاء هذه الأمثلة الآتية من ثقافات متباينة، حرصنا على التأكد من أن الناس الذين درسناهم لهم موروثات جينية متماثلة. وتبيَّن لنا أن الأمريكيين والجامايكيين الذين اشتركوا في الدراسة كانوا في المتوسط متشاركين مع النيجيريين في 75 في المئة من إرثهم الجيني. إلا أن عددا من الاختلافات المهمة ظهرت مقابل هذا الموروث الجيني المشترك.

أولا، فيما يتعلق بمعدلات فرط ضغط الدم، وجد أن 7 في المئة فقط من مجموعة نيجيريا الريفية كانت ذات ضغط دم مرتفع، مع تزايد واضح في هذه المعدلات في المناطق الحضرية. كما ظهر أن 26 في المئة من السود في جامايكا و33 في المئة من الأمريكيين السود الذين خضعوا للدراسة كانوا إما يعانون فرط ضغط الدم أو أنهم تحت المعالجة لخفض ضغط الدم لديهم. وعلاوة على ذلك، أضحت بعض عوامل الخطورة المؤهِّبة لارتفاع ضغط الدم أكثر شيوعا مع الانتقال عبر المحيط الأطلسي من إفريقيا إلى أمريكا. فمؤشر كتلة الجسم، وهو قياس الوزن نسبة إلى الطول، ارتفع على نحو ثابت من إفريقيا إلى جامايكا إلى الولايات المتحدة؛ كما ارتفع متوسط استهلاك الملح. ويشير تحليلنا لهذه البيانات (المعطيات) إلى أن زيادة الوزن، وما يصاحبها من نقص في التمارين الرياضية ومن سوء في الغذاء يعلل 40 إلى 50 في المئة من زيادة أخطار الإصابة بفرط ضغط الدم التي يواجهها الأمريكيون من أصل إفريقي مقارنة بالنيجيريين. إن التفاوت في مقدار ملح الطعام يُحتمل أن يسهم أيضا في ازدياد أخطار التعرض لارتفاع الضغط.

لقد تبين أن الاغتراب الذي تعرض له الإفريقيون وسيلة قوية لتقييم تأثيرات تغير المجتمع والبيئة في موروث جيني ثابت نسبيا. وتثير دراستنا أيضا التساؤل عما إذا كان ضغط الدم المرتفع خطرا لا مفر منه تقريبا، ملازما للحياة العصرية الحديثة التي يحياها الناس مهما تكن ألوان بشرتهم. إن جهاز القلب والأوعية الدموية البشري نما وتطور في الإطار الجغرافي لإفريقيا الريفية التي لم تكن السمنة شائعة فيها، وكان تناول ملح الطعام معتدلا، كما كان الغذاء قليل الدهون (الدسم)، والمستويات العالية من النشاط الجسمي مطلوبة. ولم يطرأ على حياة مزارعي الكفاف الذين يعيشون في إفريقيا اليوم تغير كبير، من هذه النواحي على الأقل. ومن وجهة نظرنا، فبالنسبة إلى أشخاص هذا هو نمط حياتهم، لا يكاد ضغط الدم يرتفع مع التقدم في العمر، والتصلب الشرياني atherosclerosis غير معروف في الواقع. ونتيجة لذلك، فالمزارعون الأفارقة يزودون إخصائيي الأوبئة بمجموعةِ مراقبةٍ يمكن مقارنتها بالسكان الذين يعيشون في مجتمعات متقدمة.

ومما يقلق البال إدراكُنا أن الانتقال البسيط من هذه الظروف الحياتية الأساسية يؤدي إلى تغيرات محسوسة في أخطار التعرض لفرط ضغط الدم. ونذكر على سبيل المثال أن أرقام ضغط الدم في مدينة إبادان بنيجيريا أعلى بشكل واضح مما هي عليه في المناطق الريفية القريبة منها، على الرغم من الفروق الضئيلة في المستويات العامة للسمنة ومقادير الصوديوم في الطعام. وكذلك قد تساعد على تفسير هذه الزيادة عوامل أخرى، كالكرب النفسي ونقص النشاط الجسمي.

من العسير جدا قياس أنواع الكرب النفسي والاجتماعي وبخاصة في ثقافات متباينة. ولكن مما لا جدال فيه أن السود في أمريكا الشمالية وأوروبا يواجهون نوعا فريدا من الكرب هو التحيز العِرقي. إننا نجهل التأثيرات التي ستظهر على المدى البعيد والتي ستخلفها العنصرية في ضغط الدم. ومع ذلك، فمما يستحق الذكر أن السود في بعض جزر البحر الكاريبي، بما فيها ترينيداد وكوبا والمناطق الريفية من پورتوريكو، لديهم متوسط ضغط دموي يساوي تقريبا متوسط ما هو عليه في المجموعات الجنسية الأخرى. ولربما كانت العلاقات بين الأجناس (الأعراق) المختلفة في تلك المجتمعات تشكل إهانات أقل، ولذا توفر على الجهاز القلبي الوعائي إيذاء أقل مما هو في الولايات المتحدة الأمريكية، وإن لم يكن هذا إلا ضربا من الحدس.

دور البيئة
إننا ـ كعاملين في مجال الوبائيات ـ نحرص على التوصل إلى ما هو أبعد من هذه النتائج الوصفية، بحثا عن العوامل التي قد تزيد من مخاطر حدوث فرط ضغط الدم. كما نريد أن نتفحص بدقة أكبر كيف تتآثر عوامل الخطورة البيئية والبيولوجية لتؤدي إلى حدوث المرض. وحتى الآن لم يكتشف الفيزيولوجيون كافة التفاصيل المتعلقة بكيفية تنظيم الجسم لضغط الدم. ولكنهم يعرفون أن الكِلى تقوم بدور أساسي عن طريق ضبطها تركيز أيونات (شوارد) الصوديوم (المستمدة من ملح الطعام، أي كلوريد الصوديوم) في مجرى الدم. وتؤثر هذه الأيونات بدورها في حجم الدم وضغطه.

لقد تبين أن الاغتراب الذي تعرض له الإفريقيون
أداة قوية لتقييم تأثيرات مجتمع وبيئة متغيرين.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008207.jpg
يقيس مؤشر كتلة الجسم **** mass index (BMI) نسبةَ الوزن إلى الطول. فإذا زاد هذا المؤشر على 25 اعتُبر عموما أنه إشارة لفرط الوزن. وفي دراسة أجراها المؤلفون عن الأفراد ذوي الأصل الإفريقي، وُجد أن المتوسط المنخفض لمؤشر كتلة الجسم في جماعة سكانية ما تَوافق مع انخفاض معدل الإصابة بفرط ضغط الدم في تلك الجماعة. وعندما ارتفع هذا المؤشر، ارتفع أيضا معدل انتشار فرط ضغط الدم. وتدعم هذه النتيجة وجهة النظر القائلة إن السمنة تسهم في رفع ضغط الدم.


وبما أن الكليتين تطورتا في بيئة كان فيها غذاء الإنسان فقيرا بالصوديوم بصفة اعتيادية، فقد اكتسبتا قدرة هائلة على الاحتفاظ بهذا الأيون الحيوي vital. وفي أثناء قيام الكليتين بعملية الترشيح الرامية إلى تخليص الدم من الفضلات، تحتفظان عادة بما يصل إلى 98 في المئة من الصوديوم الذي يمر عبرهما، ثم تعيدان هذا الأيون في النهاية إلى مجرى الدم. ولكن عندما يرتفع مقدار الصوديوم في الكليتين إلى حد كبير جدا فإنهما تفرغان الكميات الزائدة في الدم، مما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. ويمكن للزيادة الكبيرة للملح في الكليتين أن تؤذي أيضا آلية الترشيح الداخلية، مما يفضي إلى ارتفاع مزمن في ضغط الدم.

وابتغاء معرفة مدى حُسْن قيام الأعضاء بتعديل توازن الصوديوم في أجسام مرضانا، قررنا أن نقيس فاعلية (نشاط) مسار حيوي كيميائي مهم يساعد على تنظيم ضغط الدم. إن هذا السبيل المعروف بالمنظومة رينين-أنجيوتنسين-ألدوستيرون(6) (أو اختصارا RAAS)، والذي هو سلسلة معقدة من التفاعلات الكيميائية (المسماة باسم ثلاثة من المركبات التي تدخل فيها) هو ذو تأثير نهائي في ضبط مقدار البروتين أنجيوتنسين II في الدم. ويؤدي الأنجيوتنسين II عدة وظائف، منها حث انقباض الأوعية الدموية؛ الأمر الذي يسبب ارتفاعا في ضغط الدم. كما أنه ينشط انطلاق مادة كيميائية أخرى مهمة هي الألدوستيرون التي تستحث زيادة في قبط (إعادة امتصاص) reuptake الصوديوم من قِبَل الكليتين. وبالاختصار، حينما يتصف مسار المنظومة رينين-أنجيوتنسين-ألدوسيترون (المنظومة RAAS) بزيادة النشاط، فلا بد من أن يترافق هذا بضغط دم مرتفع.

ووجدنا الطريقة الملائمة لاقتفاء نشاط المنظومة RAAS في مرضانا بقياس كمية المركَّب المولِّد للأنجيوتنسين angiotensinogen الموجود في عينات الدم. وهذا المركب هو أحد المواد الكيميائية التي لها دورها في المرحلة الأولى للمنظومة RAAS [انظر الشكل في الصفحة في هذه الصفحة]. إن إحدى مزايا قياس مولّد الأنجيوتنسين هي أن له مستو ثابت نسبيا في الدم، خلافا للمركبات السريعة الزوال في هذه المنظومة.

تُعقِّد التأثيرات الهدامة للتمييز العرقي أي دراسة تتناول أثر
مرض كفرط ضغط الدم في مجموعة الأقليات.
وكما هو متوقع، فقد وجدنا على وجه العموم، أنه كلما ارتفعت مستويات مولّد الأنجيوتنسين زاد احتمال ارتفاع ضغط الدم، على الرغم من أن هذا الارتباط ليس قويا لدى النساء (يبدو أن التحولات في الإستروجين تؤثر كذلك في ضغط الدم عند المرأة). ويضاف إلى ما سبق، أن متوسط تركيز مولّد الأنجيوتنسين في كل مجموعة دُرست قد ارتفع بشكل واضح مع انتقالنا من نيجيريا إلى جامايكا ومن ثم إلى الولايات المتحدة، تماما كارتفاع معدل فرط ضغط الدم؛ وقد تساوى في ذلك الرجال والنساء معا.

وتوحي نتائجنا أن بعض عوامل الخطورة، التي تؤدي إلى ظهور فرط ضغط الدم، قد تسبب حدوث هذا الاضطراب عن طريق رفعها مستويات مولد الأنجيوتنسين في الدم. وهذا هو شأن السِّمنة بخاصة، إذ قد تساعد باتباع هذا النحو على إحداث ضغط دموي مرتفع مزمن؛ فقد تبين أن فرط دهون (شحوم) الجسم مثلا يقابله ارتفاع في مستوى مولد الأنجيوتنسين الجائل في الدم. وقد ارتفع تقريبا معدل حدوث السِّمنة بشكل مواز لمستويات فرط ضغط الدم ومولد الأنجيوتنسين في مجموعتنا الدراسية. والخلاصة فإن هذه الارتباطات لا تبرهن بالضرورة على السببية؛ إلا أن مجموع النتائج يشير إلى أن السِّمنة تعزز فرط الضغط ـ ولو جزئيا على الأقل ـ وذلك حينما تؤدي إلى زيادة إنتاج مولد الأنجيوتنسين.

دالاّت في الجينات
يبدو أن نتائج الدراسة الجينية تقدم بعض الدعم للدور الذي يقوم به الارتفاع الشديد لمستوى مولد الأنجيوتنسين في إحداث فرط ضغط الدم. وقد وجد العلماء أن بعض الأفراد يحملون اختلافات في الجينة التي تنتج مولد الأنجيوتنسين (وتعرف هذه الاختلافات في الجينات باسم الألائل alleles)، وهي تؤدي إلى ارتفاع في مستويات البروتين. ومما يثير الاهتمام أن الأشخاص الذين يحملون هذه الألائل يميلون إلى أن تزداد لديهم خطورة الإصابة بارتفاع ضغط الدم.

وقبل بضع سنوات أورد الباحثون (من جامعة يوتا Utah والكوليج دو فرانس في باريس) أن ألِّيليْن في الجينة المولدة للأنجيوتنسين معروفين باسم 235T و 174M قد ارتبطا بمستويات مرتفعة من الأنجيوتنسين الجائل ـ وكذلك بفرط ضغط الدم ـ بين سكان من أصل أوروبي. إلا أن العلماء يجهلون ما إذا كان هذان الأليلان يقومان بدور في تنظيم مستويات مولد الأنجيوتنسين أو أنهما مجرد واسمات (مؤشرات) markers موروثات في الوقت نفسه مع ألائل أخرى ذات تأثير وظيفي كبير.

وعلينا أن نؤكد أن تعرُّف جينة مرتبطة باستعداد أكبر للإصابة بفرط ضغط الدم ليس مكافئا لإيجاد سبب المرض. كما لا يصح القول إن قَدَر المجموعات، التي لديها هذه الجينة، أن تصاب بفرط ضغط الدم. ولقد قدَّر الباحثون أن العوامل الجينية مسؤولة عن 40-25 في المئة من تغيرات ضغط الدم بين الناس، وأن عددا من الجينات ـ ربما وصل إلى10أو15 جينة ـ يمكن أن يقوم بدور في هذا التغير. إذًا، تشير هذه الأرقام إلى أن الجينة الواحدة المستفردة تسهم بمقدار 4-2 في المئة فقط من اختلافات ضغط الدم بين الأفراد. أما فيما يتعلق بقدرة هذه الجينات على تعزيز ظهور فرط الضغط فهو أمر يعتمد إلى حد كبير على توافر التأثيرات البيئية الضرورية «للتعبير» عن تلك الصفات (الخِلال) traits المسببة لفرط الضغط.

ويبدو أن نتائج دراساتنا الجينية توضح هذه النقطة. ففي اكتشاف محير تماما تبيّنا أن الأليل 235T موجود عند الأمريكيين من أصل إفريقي بتواتر يساوي ضعف ما هو عليه بين الأمريكيين من أصل أوروبي. ولكن بالمقارنة لا يبدو أن أخطار الإصابة بفرط الضغط لدى السود الذين يحملون هذا الشكل الجيني أعلى مما هي لدى غيرهم من السود الذين لا يحملونه. وفعلا لاحظنا بين النيجيريين الذين شملتهم دراستنا ارتفاعا بسيطا في مستويات مولد الأنجيوتنسين بين من يحملون الشكل (المتغاير) الجيني (أي الأليل) 235T؛ ولكن هذا العامل لم يترجَم إلى زيادة في أخطار التعرض لفرط ضغط الدم. ونضيف إلى ما سبق أن 90 في المئة من الإفريقيين الذين اختبرناهم حملوا الأليل 235T، ومع ذلك ـ وكما ذكرنا من قبل ـ فمعدل الإصابة بفرط ضغط الدم في هذه المجموعة منخفض إلى حد كبير. (إن تواتر الأليل 174M كان متساويا في المجموعات كلها).

سبيل المنظومة رينين-أنجيوتنسين-ألدوستيرون (RAAS)
إن هذا السبيل الكيميائي الحيوي، الذي يعرف أيضا بالمنظومة رينين-أنجيوتنسين-ألدوستيرون، يؤثر في ضغط الدم. وحينما تكون هذه المنظومة شديدة النشاط فإن أصحابها يعانون ارتفاعا في ضغط الدم.
يحث الألدوستيرون الكليتين على امتصاص الملح والماء من مجرى الدم، وبذلك يرتفع ضغط الدم.
4يَنتج الأنجيوتنسين II من تفاعل الأنجيوتنسين I مع إنزيم تحويل الأنجيوتنسين (ACE). وللأنجيوتنسين II تأثيران أساسيان؛ فهو يحث غدتي الكظر على إطلاق الألدوستيرون، ويسبب تقلص العضلات المبطنة للأوعية الدموية مما يرفع ضغط الدم.
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008208.jpg



وقد لا تكفي مستويات مولد الأنجيوتنسين المرتفعة وحدها لإحداث فرط ضغط الدم في الأفراد المتحدِّرين من أصل إفريقي؛ فهناك عوامل أخرى ـ جينية وفيزيولوجية وبيئية ـ ربما كانت ضرورية أيضا لإحداث الاضطراب. وبدلا من ذلك يمكن القول إن هذا الأليل بالذات قد لا تكون له الأهمية نفسها في إحداث فرط ضغط الدم عند المجموعات العرقية (الأثنية) ethnic كلها.

عناصر لغز مشكلة فرط ضغط الدم على الرغم من أن نتائجنا تبين مظهرا واحدا على الأقل لكيفية إمكان تآثر البيئة (بما فيها من عوامل تربية وغذاء) والطبيعة (التي تمثل الموروث الجيني) من أجل تغيير فيزيولوجية الشخص، ومن ثم تيسير ظهور فرط ضغط الدم، فإن هذه النتائج تسلط الضوء أيضا على مخاطر إجراء تعميمات سريعة. ومن الواضح أنه لا يمكن لأليل واحد أو لعامل بيئي واحد أن يفسر سبب حدوث فرط ضغط الدم وسبب شيوعه الواسع بين الأمريكيين من أصل إفريقي. فالفرد الذي يحمل مزيجا معينا من الألائل قد يكون ذا استعداد لضغط دم مرتفع. ولكن، كما تؤكد أبحاثنا على الإفريقيين المغتربين، لن يصاب ذلك الفرد بفرط ضغط الدم إلا ضمن بيئة معينة. والتحدي المستمر الماثل أمام الباحثين هو في عزل (استفراد) عوامل بيئية وجينية معينة تؤثر في فرط ضغط الدم، ومن ثم إعادة تركيب قِطَع لغز هذه المشكلة بعضها مع بعض لتحديد العديد من الطرق المتنوعة التي يمكن من خلالها لهذه العوامل أن تتضافر جهودها لتسبب ارتفاعات مزمنة في ضغط الدم.

إن فرط ضغط الدم مسؤول اليوم عما يقرب من 7 في المئة من الوفيات في أرجاء العالم. ولا شك في أن هذا الرقم سيرتفع مع ازدياد المجتمعات التي تتبنى عادات الدول الصناعية وأسلوب معيشتها. ولا رجعة إلى أصولنا إطلاقا؛ ولذا فواجب العلم أن يأخذ بأيدينا إلى حل آخر. لقد وُلدت الثورة الصحية نتيجة إدراك آليات العدوى، وغدت أمراض القلب مشكلة يمكن تفهمها حينما عرف الباحثون أهمية العادات الغذائية وأثرها في استقلاب (أيض) الكولستيرول. وستتطلب الوقاية من فرط ضغط الدم ومعالجته فهما أكثر عمقا للطرق التي تتآزر فيها قوى الجينات والبيئة لتفسد انتظام ضغط الدم.

http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008209.jpg
إن معدلات وجود شكل (متغاير) جيني خاص ـ هو الأليل 235T ـ ومعدلات فرط ضغط الدم في مجموعات عرقية (أثنية) مختلفة تقدم صورة محيّرة. فلقد توقع العلماء أن الأشخاص الذين يحملون الأليل 235T سيرتفع لديهم معدل حدوث فرط ضغط الدم. ولكن ذلك الارتباط لم تثبت صحته بوجه عام. فمثلا، إن الأليل 235T شائع جدا بين النيجيريين مع أن ارتفاع ضغط الدم نادر بينهم. وتوحي هذه النتائج بأنه لا يمكن لجينة واحدة أن تتحكم في ظهور ضغط الدم المرتفع.


ونعتقد كذلك أن الفهم الأفضل لفرط ضغط الدم بين الأمريكيين من أصل إفريقي يوجب على العاملين في المجال العلمي إعادة تقييم معنى التقسيمات العرقية ethnic والجنسية racial 1 في نوعنا البشري. وهناك مدارس عديدة ترى أنه لا يوجد أساس بيولوجي لمفهوم الجنس، وبدلا من ذلك يرونه انعكاسا لتحيّزات مجتمعية أكثر من كونه أمورا علمية واضحة المعالم. فمثلا، لقد توقف الأنثروبولوجيون منذ زمن عن محاولة تصنيف الإنسان العاقل (الحالي)Homo sapiens إلى أجناس (أعراق)مختلفة أو إلى أنواع فرعية. ومع ذلك، فبعض الأطباء وعلماء الوبائيات مستمرون في إلصاق معنى بيولوجي بالتسميات الجنسية، وحجتهم في ذلك أن فائدة التقسيم الجنسي غير مقصورة على التمييز بين المجموعات البشرية فحسب، بل تفسر أيضا انتشار بعض الاضطرابات المرضية. ولكن هذا لا يمنع من القول إن التصنيفات الجنسية التي يدخلونها في دراساتهم غير مبنية على معايير علمية دقيقة، بل على أسس بيروقراطية كتلك المستعملة في حصر تعداد سكان الولايات المتحدة.

وفيما يتجادل الباحثون في المعنى العلمي للجنس، من الواجب ألا يُنسى معناه المجتمعي. فنحن نعيش في عالم تتخذ فيه التسميات العرقية دلالة مخزية. وتقوم التأثيرات الهدامة للتحيز الجنسي racism بتعقيد كل دراسة حول كيف يمكن لمرضٍ كفرط ضغط الدم أن يؤثر في الأقليات. ولكن عندما نستمر في استكشاف التآثرات المعقدة بين عوامل الخطورة الخارجية (كالكرب والسمنة) وبين الجينات المتعلقة بتنظيم ضغط الدم، فإن النتائج لا بد وأن تقدم معلومات ترشدنا وتفيدنا جميعا بغض النظر عن ألوان بشرتنا.

ارتفاع ضغط الدم وتجارة العبيد
http://www.oloommagazine.com/images/Articles/15/SCI99b15N10_H07_008210.jpg

إن أحد التفسيرات التي كثيرا ما يُستشهد بها ـ مع أنها خلافية ـ حول تفشي ارتفاع ضغط الدم المزمن بين الأمريكيين السود، يرتبط بالرحلة من إفريقيا إلى أمريكا على متن سفن العبيد، تلك الرحلة المعروفة «بالممر الأوسط» Middle Passage. فخلال مثل هذه الرحلات ـ وفقا لذلك التفسير ـ كان العبيد يوضعون في وضع دارويني «البقاء للأصلح»، حيث يعتمد البقاء على قيد الحياة على تملك الجينات المناسبة ـ الجينات التي ربما تسبب الآن ارتفاع ضغط الدم.
وغالبا ما يورد العلماء النظرية التطورية لتعليل سبب أن جماعة عرقية ethnic أو جنسية racial معينة تبدو أكثر عرضة لحالة مرضية خاصة. وعادة ما تُطرح حجة ذلك كما يلي: تتعرض الجماعة لضغط انتقائي selective pressure يفضل بقاء بعض أفراد المجموعة (وجيناتهم) في حين يُسقط آخرين. فإذا لم يتسنَّ للباقين من الجماعة أن تختلط جيناتهم بجينات جماعات عرقية أو جنسية أخرى، فقد تبدأ بالظهور بتواتر متزايد صفة (خلّة) جينية معينة. وبفرض أن لدى الأمريكيين من أصل إفريقي تأهبا جينيا(8) لفرط ضغط الدم، يتساءل التطوريون النظريون، ماالضغط الانتقائي الأعظم الوحيد الذي أدى إلى أن تصبح هذه الصفة المؤذية كثيرة الشيوع؟
ويقترح بعض الباحثين أن تلك الرحلة القاسية على متن سفن العبيد، كانت تماما هذا النوع من الحدث. وليس من المستغرب بأن معدل وفيات السود ـ قبل وأثناء وبعد وصولهم إلى المزارع الأمريكية ـ كان غاية في الارتفاع. والكثير من هذه الوفيات ذو صلة بما يطلق عليه الأطباء حالات فقدان الجسم للملح(9): الإسهال والتجفاف dehydration وحالات عدوى (أخماج)معينة. لذا فقد كان للقدرة على احتفاظ الجسم بالملح دور أساسي في الحفاظ على حياة الإفريقيين الذين جيء بهم إلى أمريكا. أما في الظروف الحديثة، فإن القدرة على الاحتفاظ بالملح قد تؤهب أحفاد هؤلاء لفرط ضغط الدم.
وعلى الرغم من جاذبيتها المباشرة، فإن فرضية العبودية هي، في نظرنا، عويصة تماما ولقيت، لسوء الحظ، قبولا من دون تمحيص. وقد ارتاب في صحة الإطار التاريخي لهذه الفرضية باحثون في التاريخ الإفريقي. وعلى سبيل المثال، ليس ثمة دليل تاريخي بيّن على أن حالات فقدان الملح هي التي كانت، في واقع الأمر، السبب الرئيسي للوفيات على متن سفن العبيد. فالإفريقيون على متن هذه السفن كانوا يموتون لأسباب متعددة، من بينها داء السلّ (وهو عدوى غير ناتجة من فقدان الملح) والعنف.
كما أن الأساس التاريخي للنظرية هو أيضا ضعيف إلى حد ما. فالإسهال وغيره من أمراض فقدان الملح، وبخاصة لدى الأطفال، كانت من بين أكثر الأمراض المميتة في كل تجمع سكاني على امتداد التاريخ التطوري البشري كله. وعلى هذا فما ينتج من ضغوط انتقائية تسببها مثل تلك الظروف ينطبق على الجماعات الجنسية والعرقية جميعها. وعلى الأقل في المنطقة الكاريپية Caribbean خلال القرن 18، كانت معدلات البقيا للبيض أفضل قليلا من تلك التي كانت للسود، وهذا ما يشير ثانية إلى أن أية ضغوط انتقائية لم تكن مقتصرة على الإفريقيين. وأخيرا، تشير البيانات الحالية إلى أن الإفريقيين الذين رحلوا إلى أوروبا خلال العقود الماضية كانت لديهم أيضا معدلات ضغط دم عالية مقارنة بما كان لدى الناس البيض، الأمر الذي يدل على أن سبب ذلك إما التأثيرات البيئية أو شيء ما عام في الخلفية الجينية الإفريقية.
ولمّا يعرف الباحثون بعد ما يكفي حول حساسية الجينات للملح لكي يتحققوا مباشرة من فرضية «الممر الأوسط». ولكن ثمة شواهد غير مباشرة مفيدة في هذا المضمار. فإذا كان «الممر الأوسط»بمثابة عنق زجاجة تطوري، كان عليه أن يخفض من كل من حجم المجموعات السكانية والتفاوت الجيني لدى هذه المجموعات؛ لأنه لن يبقى على قيد الحياة سوى الناس الذين لديهم تركيبة جينية معينة، في حين أن البيانات المتوافرة تبين أن ثمة تنوعا جينيا إلى حد كبير ـ وليس تماثلا ـ لدى الأمريكيين من أصل إفريقي.
إن مشكلة فرضية العبودية أنها توفر مدخلا مقصرا(10): إلى نظرية جينية وجنسية عن سبب ارتفاع معدلات فرط ضغط الدم لدى السود. فالوتر الحساس الذي تعزف عليه هذه الفرضية لدى الباحثين والجمهور عامة، يعكس استعدادا لقبول التفسيرات الجينية حول الفروق بين البيض والسود من دون تقويم تام للدلائل المتوافرة. وهذا الموقف هو بوضوح عقبة ذات شأن في وجه البحوث المُحْكمة، غير المتحيزة. وعندما تصبح البحوث الجينية أكثر موضوعية، مع القدرة على قياس الاختلافات الفعلية في التسلسلات الدناوية DNA sequences. فإن ذلك قد يدفع المجتمع إلى التخلي عن التحاملات الجنسية والعرقية، أو قد يوفر شرعية جديدة. وما سيتوصل إليه الأمر في هذا الصدد، يعتمد على مدى دقة العلماء في تفسير الاكتشافات ضمن سياق يأخذ في الاعتبار تعقدات المجتمع والتاريخ.


المؤلفون
Richard Cooper-Charles Rotimi-Ryk Ward
عملوا معا في دراسة فرط ضغط الدم مدة ثمانية أعوام. حصل كوپر على شهادة الطب من جامعة أركنساس وأتم تدريبه في طب القلب السريري في مستشفى مونتفيوري Montefiore بولاية نيويورك، وكتب كثيرا عن دلالة الأعراق في البحوث الطبية الحيوية. ويعمل كوپر وروتيمي في كلية طب ستريتش Stritch بجامعة لويولا في شيكاگو. ودرس روتيمي الكيمياء الحيوية بجامعة بينين Benin في وطنه نيجيريا قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة، وهو يعمل مستشارا للمعهد القومي لبحوث الجينات البشرية ويدير برنامج بحوث ميدانية حول الداء السكري وفرط ضغط الدم في نيجيريا؛ وهو برنامج ترعاه جامعة لويولا والمعاهد القومية للصحة. أما وارد فهو أستاذ ورئيس معهد الأنثروپولوجيا البيولوجية في جامعة أكسفورد، وقد أتم تدريبه في نيوزيلندا كعالم أنثروبولوجي واختصاصي في علم الوراثة البشرية.

مراجع للاستزادة
FAMILIAL AGGREGATION AND GENETIC EPIDEMIOLOGY OF BLOOD PRESSURE. Ryk Ward in Hypertension: Pathophysiology, Diagnosis and Management. Edited by J. H. Laragh and B. M. Brenner. Raven Press, 1990.
MOLECULAR BASIS OF HUMAN HYPERTENSION: ROLE OF ANGIOTENSINOGEN. X. Jeunemaitre, E. Soubrier, Y. V. Kotelevtsev, R. P. Lifton, C. S. Williams, A. Charu et al. in Cell, Vol. 71, No. 1, pages 169-180; October 1992.
THE SLAVERY HYPOTHESIS FOR HYPERTENSION AMONG AFRICAN AMERICANS: THE HISTORICAL EVIDENCE. Philip D. Curtin in American Journal of Public Health, Vol. 82, No. 12, pages 1681-1686; December 1992.
HYPERTENSION IN POPULATIONS OF WEST AFRICAN ORIGIN: IS THERE A GENETIC PREDISPOSITION? Richard S. Cooper and Charles N. Rotimi in journal of Hypertension, Vol. 12, No. 3, pages 215-227; March 1994.
HYPERTENSION PREVALENCE IN SEVEN POPULATIONS OF AFRICAN ORIGIN. Richard S. Cooper, Charles N. Rotimi, Susan L. Ataman, Daniel L. McGee, Babatunde Osotimehin, Solomon Kadiri, Walinjom Muna, Samuel Kingue, Henry Fraser, Terrence Forrester, Franklyn Bennett and Rainford Wilks in American Journal of Public Health, Vol. 87, No. 2, pages 160-168; February 1997.
Scientific American, February 1999

(*) The Puzzle of Hpertension in African-Americans
(1) chronically high blood pressure
(2)socioeconomic status
(3) genetic background
(4) systolic and diastolic pressure
(5) life expectancy؛ وهو متوسط عدد السنوات التي يُتوقع أن يعيشها أفراد جيل واحد وُلدوا في سنة معينة. وتستعمل جداول نسب الوفيات الخاصة بفئات الأعمار لحسابه. (التحرير)
(6) renin-angiotensin-aldosterone system
(7) الجنس هو مجموعة من البشر تشترك في صفات جسدية موروثة كلون البشرة وشكل الشعر؛ في حين أن العرقية (الأثنية) إشارة إلى مجموعة من البشر تشترك في صفات لغوية أو دينية أو ثقافية أو جنسية racial. (التحرير)
(genetic predisposition (8
(salt-wasting conditions (9
(10) short-cut




http://www.oloommagazine.com/Images/none.gif