المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإخوان المسلمون والفشل الإستراتيجي! .. بقلم: د. أحمد عثمان


Eng.Jordan
12-24-2012, 11:41 AM
لا جدال في أن حركة الإخوان المسلمين في المنطقة العربية قد أصبحت ذات حضور مؤثر في الساحة السياسية، حيث صنفت مؤخراً كإسلام معتدل مرتبط إرتباطاً عضوياً بمحور الإعتدال العربي. وهي كحركة بشكل عام ودون إغفال لخصوصية بعض مكوناتها في بلدان بعينها، إنتهجت نهجاً تصالحياً مع فكرة الدولة المدنية ودولة سيادة حكم القانون، في مقاربة تطمينية للديمقراطيات الغربية والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد. ولعلنا نصيب في حال إستنتجنا أن هذا الموقف الذي بدا وكأنه وليد الربيع العربي، له تاريخ أبعد من ذلك بكثير والشاهد على ذلك دراسات معهد السلام الأمريكي ومؤسسات البحث الفاعلة في صنع القرار الأمريكي منذ فترة بوش الرئاسية. فالإتجاه العام الذي ساد هو النقد المؤثر للحرب على الإرهاب التي اتخذت من القوة العسكرية وحدها آلية للتصدي للإسلام السياسي المتطرف، والمناداة بفهم أفضل لطبيعة المنطقة والتمييز بين هذا الإسلام والإسلام المعتدل، الذي لديه نفوذ مقدر ووجود إجتماعي مؤثر، يؤهله أن يكون بديلاً للأنظمة الديكتاتورية الفاسدة الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية، وحليفاً مقتدراً لمحاربة الإسلام الأصولي المتطرف الجهادي المعادي للولايات المتحدة الأمريكية. هذا الإتجاه لم يغفل امكانية تحول الإسلام المعتدل لإسلام جهادي متطرف آخذاً في إعتباره تجربة أفغانستان، ولكنه غلب القدرة على إحتواء مؤشرات التطرف بالإمكان عبر الضغوط والآليات المتاحة مستشهداً بالتجربة السودانية ومعولاً على ماتم من إتصالات سرية طويلة الأمد مع حركات وثيقة الصلة بحركة الإخوان المسلمين وبرموزها ذوي العلاقة العضوية المؤثرة مع الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي بالمنطقة.

• العامل الإقتصادي كأداة للتحكم:
بما أن الولايات المتحدة الأمريكية تقيم جميع تحالفاتها أو إن شئنا الدقة تنتقي أدواتها إستناداً لمدى إنخراطها وإبتعادها عن مشروعها بالمنطقة المتمثل في الحفاظ على منابع الطاقة وضمان الأسواق وإلحاق إقتصاديات المنطقة بإقتصادها من مواقع التبعية مع حماية دولتها الوظيفية المسماة إسرائيل بالمنطقة، فإنها لا تمانع في أن تكون أدواتها ذات لبوس علماني عسكري أو ديني أو حتى ماركسي. وهي في سياق حماية مشروعها ذاك، لا تستنكف من دعم حركة الإخوان المسلمين للوصول إلى السلطة بوصفها أكثر قوى الإسلام المعتدل تنظيماً وجماهيريةً وفاعلية، طالما أنها تستطيع لجم الإسلام الجهادي المتطرف الذي يخرج عن دائرة التوظيف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية عرابته وقابلته، مع إلتزامها بتحجيم حالة العداء العامة للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، والتخلي عن شعاراتها فيما يخص الكيان الصهيوني الغاصب، والقبول بدولة مدنية بخلفية دينية لا تدعو لتطبيق فوري وعاجل للشريعة الإسلامية وتنادي بالتدرج في التطبيق. ويبدو أن حركة الأخوان المسلمين قد قبلت الصفقة بدلالة الرضا الأمريكي الواضح عنها وإجتهاد القوى الإقليمية المنخرطة في المشروع الأمريكي في دعمها من أجل قلب الحكومات حتى ولو بالقوة العسكرية المدمرة للبلاد المستهدفة ، ودون الجميع تجارب مصر وتونس وليبيا وسوريا. ولعل الحركة تتوهم أن وصولها للسلطة في مرحلة للتمكين ، سوف يمكنها لاحقاً وبعد ترسيخ أقدامها من فرض برنامجها المضمر على الولايات المتحدة الأمريكية ، والعودة مجدداً للحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية والتخلي عن الدولة المدنية لصالح المشروع الأصلي بما يعيد مصداقيتها إليها، وأن تسفر عن وجه آخر فيما يخص موقفها من الإحتلال الإسرائيلي، وهذا الوهم ربما يصح في جزئه الأول حيث من الممكن أن تساند الولايات المتحدة الأمريكية ديكتاتورية دينية مقدسة بإسم الشريعة الإسلامية، طالما أن مصالحها مؤمنة وطالما التزمت الحركة بعدم معارضة جوهر مشروعها.

وحتى يكون الأمر واضحاً، لن يكن مسموحاً للحركة بالحديث مجرد الحديث عن إستقلال إقتصادي، ولا وضع برامج للعدالة الإجتماعية هي بالأساس تفتقر إليها، ولا الإعتراض على التدخل الأمريكي السافر في شؤون المنطقة، ولا بناء قوات مسلحة مستقلة عن مركز التحكم الأمريكي، ولا نقد إسرائيل ولو لفظياً ، ولا التحكم في ثروات الأمم التي تحكمها وفصمها من المشروع الأمريكي وإخراجها من دائرة التبعية. فهي شاءت أم أبت ستظل أثيرة شعارات طهرانية بائسة، لن تصمد كثيراً في ظل سلطة مفسدة مربوطة بمركز الإفساد المالي والإقتصاد إقليمياً ودولياً، ولن يسمح لها بأن تحولها من يوتوبيا إلى واقع بأي صورة من الصور. وبما أن برنامج الحركة الإقتصادي من حيث محدداته العامة هو برنامج رأسمالي في جوهره بغطاء إسلامي، يتركز في القطاع المالي بصورة عامة وفي النشاطات الطفيلية لا القطاعات المنتجة، فهو بالحتم وبطبيعته يقود للتبعية للمتروبول المتحكم عالمياً ويصب الفائض الإقتصادي في خزائنه. وبما أن إستلامها للسلطة قد أعقب صعوداً ثورياً في بعض الأماكن كانت هي جزءاً منه منذ البداية أو إلتحقت بركابه وقطفت ثماره، في بلدان تعاني عجزاً إقتصادياً وفساداً مؤسسياً وسوء إدارة، تصبح الأزمة الإقتصادية في تلك البلدان أحد العوامل الرئيسية التي سوف تعطي المتروبول وممثلي مشروعه بالمنطقة القدرة على التحكم في الحركة وسلطتها ومنعها - حتى إن أرادت - من الخروج عن السقوف المحددة لها والتي بلاشك تخدم المشروع الإستعماري بالمنطقة. وسوف يظل العامل الإقتصادي واحتياجات الدولة التي تديرها الحركة ، أمراً حاسماً في توجيه سياساتها ومصر الدكتور محمد مرسي خير مثال.

• الجيوش تحت السيطرة:
الأداة الأخرى للتحكم بسلطة الأخوان المسلمين، هي الجيوش والأجهزة الأمنية المرتبطة إرتباطاً عضوياً بالولايات المتحدة الأمريكية، من حيث التسليح والتدريب والدعم والعقيدة العسكرية الممنوع أن تحول ضد المحتل الغاصب للأراضي الفلسطينية المحتلة. هذه الجيوش التي بنتها ديكتاتوريات فاسدة تابعة تبعية مطلقة للولايات المتحدة الأمريكية، لا تساوي شيئاً دون تسليح وتدريب ودعم أمريكي، مع ملاحظة أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بتسليحها أو تدريبها أو تمويلها من أي جهة أخرى. ومثل هذه الجيوش ولاؤها من ناحية عملية هو للمشروع الأمريكي في المنطقة، ولن تستنكف عن القيام بإنقلاب على سلطة الإخوان في حـال تعارضت مصالحها ومشروعها مع مشروع هذه السلطـة في أي لحظـة كانت. ونحن إذ نعمم هذهالقراءة، لاننسى أن نؤكد بأن هذا الإتجاه العام، لايمنع وجود وطنيين كثر داخل هذه الجيوش، لا أحد يضمن عدم قيامهم بإنقلاب ذو توجه مضاد لسلطة الحركة والمشروع معاً، وفي كل الأحوال لن يقدم الإنقلاب العسكري حلاً لمشاكل الشعوب بالمنطقة، و سوف يخدم الإستعمار في نهاية المطاف. عموماً المؤسسات العسكرية التي تم أمركتها مبكراً وعملت الولايات المتحدة الأمريكية بجد وسط ضباطها وكادرها كالجيش المصري مثلاً، تمثل مع العامل الإقتصادي ضمانة ثانية لضبط حركة الإخوان المسلمين ومنعها من الخروج عن النص أوالتحول إلى مخرج بدلاً من الإكتفاء بدور الممثل في مسرح العبث الأمريكي. ويلاحظ حيثما كانت الجيوش غير مسيطر عليها أمريكياً يتم التخلص منها. ومثال لذلك حل الجيش العراقي وتسريحه، ضرب كتائب القذافي وتشتيت شملها واستبدالها بمليشيات أصولية تابعة للحركة والدول المنخرطة بالمشروع في المنطقة والمنسقة مع الناتو، وإستنزاف الجيش السوري ومحاولة تقسيمه وتشجيع وحداته على الإنشقاق مع الإستمرار في بناء مليشيات موازية تستميت قوى المشروع الأمريكي في محاولة توحيدها، لتنصيبها لاحقاً جيشاً بديلاً أسمته منذ الآن الجيش الحر في مقابل الجيش الوطني الذي أصبح إسمه كتائب أو قوات الأسد.

• نفوذ الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي:
الضمانة الثالثة لمنع حركة الإخوان المسلمين من التململ أو الخروج عن قواعد الصفقة التي ارتضتها للوصول إلى السلطة، هي الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي والداعمة للحركة مالياً وعسكرياً والمتبنية لمشروع إيصالها للسلطة. هذه الدول تمتلك أدوات متعددة للضغط على الحركة، منها إيقاف الدعم المالي والعسكري، والضغط الإعلامي الهائل والمؤثر عبر الأدوات الإعلامية المملوكة لها،وتوظيف الحركات السلفية التابعة لها والمؤثرة في المشهد السياسي ضد حركة الأخوان المسلمين في حال تمردها، بالإضافة للحصار الدبلوماسي الإقليمي والدولي الذي تستطيع هذه الدول تنفيذه في مواجهة أي بوادر تمرد. الأهم من ذلك هو أن هذه الدول لديها سيطرة مباشرة على المليشيات المنخرطة في عملية إسقاط الأنظمة والتي سوف تشكل بديلاً للجيوش النظامية بالبلدان المستهدفة، مما يعطيها سطوة ونفوذ غير مسبوق في تقرير السياسة الداخلية والخارجية لاحقاً. وتعويل الحركة على إخلاص عضويتها العاملة في هذه المليشيات وولائها للتنظيم في حالة الإختلاف مع الدولة الراعية للمليشيا، لايعدو حالة كونه وهم لا علاقة له بالمجرى العملي والطبيعي للأمور. ولا شك أن الدول المذكورة ليست منظمات خيرية، بل مؤسسات لها مصالح مباشرة وغير مباشرة، لا تتعاطى السياسة بخفة ودون نظر لموقعها في خارطة الصراع العالمي والإقليمي. فهي تعي دورها في سياق الإنخراط الكلي والمندفع في المشروع الأمريكي الذي لاتعتبر نفسها مجرد خادم أمين له، بل شريك أصيل لاوجود له في غياب هذا المشروع. فهي تتعاطى مع المشروع المذكور على أنه مشروعها الذي يكفل لها الإستمرارية والتحكم والإزدهار، ولا تنفق عليه من باب التبعية والغباء السياسي، بل تموله بوعي ومعرفة تامة للأثمان التي سوف تدفعها في حال فشله، مايجعلها تستميت في الدفاع عنه. والناظر لحركة الإخوان المسلمين وإمكانياتها في كل بلد على حدة أو في حال تجمعها كجسم متعد للحدود الإقليمية، يجد أن حاجتها للدول المنخرطة في المشروع الأمريكي لإدارة دول لا حركات سياسية تمارس العمل الخيري لأهداف سياسية ، امراً بادياً للعيان. خصوصاً وانها لا تمتلك إعلاماً مؤثراً كتلك الدول، ولا مركزاً مالياً يسمح لها بالإستقلال، ولا تجربة في السلطة وخبرة تتيح لها مجالاً للمناورة السياسية. فالنماذج التي أمامها لإسلام سياسي سني في السلطة، هي تجربة طالبان الأفغانية والتجربة السودانية وليس فيهما مايعين على إدارة دول في ظل واقع متعدد ومتجدد وشديد التعقيد. فللخروج من نفوذ الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي بالمنطقة لابد أولاً من مصالحة شاملة مع شعب كل دولة على حده، وإنجاز تحالف واسع يضم كل القوى الوطنية ليس لأسباب تكتيكية بل إستراتيجية، وإنجاز تحالف إقليمي ودولي مع دول مناوئة للمشروع قادرة على دعم وحماية سلطة الإخوان . وهذا مالا تستطيع الحركة إنجازه لإنعدام الثقة بينها وبين القوى الوطنية أولاً، ولتجارب الدول الممانعة بالمنطقة معها وتعارض مصالح بعض أطرافها بالمنطقة مع مصالح تلك الدول، بعد أن قصرت هذه الأطراف همها الأوحد في الوصول للسلطة بأي ثمن دون النظر للمآلات، متوهمة إن مجرد وصولها للسلطة يتيح لها سيطرة شاملة على المجتمع تمكنها من تنفيذ رؤيتها، إعمالاً للمبدأ الأصولي "إن الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن". ولسنا في حاجة للقول أن سكرة الفرح التي تنتاب الحركة نتيجة لدعم الدول المؤثرة والنافذة المنخرطة في المشروع، سوف تزول سريعاً عندما تعارك السلطة وتجد ألا مناص أمامها من تنفيذ المشروع شاءت أم أبت.

وبالطبع ليس أمام الحركة من سبيل للفكاك من هيمنة الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي بعد أن تصبح سلطة، إلا في حال ما إذا قررت تلك الدول أن تتحول فجأة إلى منظمات خيرية، أو أن تتخلى بلا مبرر عن المشروع الذي تعتبره أصل وسبب إستمراريتها ومفتاح نجاحها، أو أن تحدث تحولات داخل تلك الدول تسمح لحركة الإخوان المسلمين أو حلفائها بإستلام السلطة في تلك الدول، أو بخروج تلك الدول والإمبريالية الأمريكية من المعادلة السياسية بالمنطقة عبر هزيمة واضحة أمام المعسكر المعادي لها سواء أكان ذلك سلماً أوحرباً. والواضح ان الرهان على أن هذا الأمر حتى في حال حدوثه، يستلزم أن تقبل القوى المنتصرة الحركة كشريك أو على أقل التقدير جهة غير معادية حتى تستطيع الإستمرار في سلطتها ناهيك عن النجاح في إدارة البلدان التي تحكمها بفاعلية تكرس وجود حكم رشيد يؤسس لعدالة إجتماعية مفقودة.

• النفوذ الإمبريالي والعقوبات:
الضمانة الرابعة لإستيعاب الحركة الكلي في المشروع الأمريكي قدرة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوربيين على الضغط على الدول الضعيفة التي تحكمها الحركة عبر الطرق الدبلوماسية والمنظمات الدولية والإقليمية المنخرطة في مشروعها كالجامعة العربية، مع التلويح بالعقوبات الإقتصادية وربما التدخل العسكري لاحقاً. كذلك توظيف الدولة الوظيفية المسماة إسرائيل والمرشحة لقيادة المنطقة كمصدر للتهديد والوعيد ووضع الدول المستهدفة في محيطها في حال من القلق الدائم من حروب مكلفة ودمار مؤثر. يلاحظ أن الحركة عبر فرعها حماس مدعوة الآن لإنجاز تسـوية تاريخــية مع الكيان الإسرائيلي لتصفـــية القضــــية الفلسطينية عبر إنشاء دويلة مستوعبة إسرائيلياً في القطاع وجزء من الضفة الغربية، وربما يضاف إليها الأردن بالتنسيق مع حركة الإخوان المسلمين هناك، لإنجاز وطن بديل للفلسطينيين الذين يطالبون بحق العودة.

النفوذ الإمبريالي المؤثر والقادر على عزل الدول إقتصادياً بهدف تركيعها، يبني تكتيكاته وإستراتيجيته على فهم عميق لدور العقوبات الإقتصادية ومدى أهمية جماعيتها. فالذي لاحظ أن العقوبات الإقتصادية المنسوبة لمبادئ ويلسون ذات تأثير مدمر على الشعوب لا الحكومات كان جون فوستر دالاس ورأيه معلوم لكل الإدارات الأمريكية. ولكن هذه الأخيرة تستخدم هذه العقوبات بوعي وتدبر، لإحداث أكبر ضرر ممكن بالشعوب حتى يصبح الضغط على السلطة المستهدفة خارجياً ناشئاً عن العزلة الدبلوماسية والإقتصادية، وداخلياً من تملل الشعوب المتأثرة بالحرب الإقتصادية المسماة عقوبات إقتصادية دولية، غالباً ماتسعى الإمبريالية لإعطائها طابعاً دولياً جماعياً عبر علاقاتها المالية والإقتصادية المتشعبة، وفرض العقوبات على من لا يلتزم بتلك العقوبات ويصر على التعامل مع الدولة المستهدفة . فالمعلوم هو أن جماعية العقوبة في القانون الدولي والتزام المجتمع الدولي بها، يعطيها بعدها القانوني المتنازع فيه عند بعض المنظرين، ويجعلها ذات أثر وفاعلية ويخرجها من دائرة رد الفعل والإنتقام إلى رحاب المشروعية والقبول.

وفي حال فشل العقوبات الإقتصادية والحصار الإقتصادي المفروض على الدولة المستهدفة، يبقى دائماً خيار الحرب الذي لاتتوانى الإمبريالية في اللجوء إليه حتى ولو بالمخالفة الصريحة لأحكام القانون الدولي وتجربة العراق شاهدة على ذلك. فالحرب التوسعية كالحروب المتنقلة ونشر التوتر، تبقى دائماً خياراً قائماً بالنسبة للإمبريالية. وذلك لأن الإمبريالية تحمل دائماً جوهراً عدوانياً محصلته حروباً توسعية حتى ولو بالوكالة. والناظر لخارطة الشرق الأوسط يرى أنها استخدمت العدوان المباشر والإحتلال بوصفها كدول أو عبر أداتها المتمثلة في حلف شمال الأطلسي العدواني وذلك في العراق وأفغانستان وليبيا، كما أنها تمارس حرباً بالوكالة الآن في سوريا عبر دعم المعارضة المسلحة المسنودة بمرتزقة من كافة دول العالم.

والمتأمل في طبيعة حركة الإخوان المسلمين بصفة عامة وسماتها المشتركة، لا يجد لديها برنامجاً إقتصادياً معارضاً من حيث الجوهر لبرنامج الإمبريالية الإقتصادي، كما لايجد لديها مقومات ذاتية أو تحالفات إقليمية ودولية، تسمح لها بالصمود في مواجهة هجمة أي عقوبات إقتصادية أو تساعدها في صد أي هجوم عسكري مباشر أو بالوكالة. وهذا بالطبع يجعلها لقمة سائغة للإمبريالية العالمية في جميع الأحوال، ويركنها بين خيارين أحلاهما مر هما: التبعية والإستسلام، أو الإستعداد لمفارقة مقاعد الحكم والتحول لمعارضة هي زاهدة فيها بعد أن أينعت لها السلطة وحان القطاف. فالأمر الذي دفعها للمساومة منذ البداية والقبول بصفقة السلطة مع هدنة طويلة على الأقل، هو رغبتها الجامحة في الوصول للسلطة دون إدراك لتعقيدات ماتتطلبه هذه السلطة وفي غياب تام للتجربة والدراية بشؤون الحكم. وهذا لا يؤهلها لرؤية المخاطر الإستراتيجية على مشروعها إن كانت جادة في دعوتها لإحياء دولة المدينة وإن كان هذا الإحياء ممكناً بالأساس. فقبول الحركة بالصفقة مع الإمبريالية وإن كان تكتيكياً في نظرها، يحتم القول بأن تحويل وهم إحياء دولة المدينة لواقع في ظل التحكم الإمبريالي هو الإستحالة بعينها لا أكثر ولا أقل.

• نذر الفشل الإستراتيجي:
الأدوات أو الضمانات الأربع المنوه عنها أعلاه، تعني ببساطة أن صعود حركة الإخوان المسلمين لايعني بأية حال أنها مطلقة اليد في تنفيذ إستراتيجيتها المزعومة الملخصة في شعار "الإسلام هو الحل"، بل هي مقيدة بنمط إسلام معين لا يتجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وهذه الخطوط أهمها عدم الإقتراب من التبعية الإقتصادية أو البحث عن إستقلال إقتصادي يعد شرطاً لازماً لتحقيق العدالة الإجتماعية، والمحافظة على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والإنخراط في مشروعها لإستمرار توفير الطاقة الرخيصة والمحافظة على الأسواق بالمنطقة، وتقديم التنازلات المطلوبة في مواجهة الكيان الصهيوني التي تقود لتصفية القضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات لتمكين الكيان من قيادة المنطقة، ومحاربة الإسلام الجهادي المنفلت الخارج من عباءة الجهاد الموظف أمريكياً. والواضح هو أن الحركة ليس أمامها في ظل تعقيدات الحكم وضرورات السلطة في دول العالم الثالث المشدود وثاقها، إلا أن تنخرط في المشروع الأمريكي وفقاً لشروطه، أو أن تستعد لمجابهة هذا المشروع في حال أن لديها إستراتيجية بديلة. فإذا كانت إستراتيجيتها هي الإستراتيجية الغارقة في أحلام البرجوازية الصغيرةالرامية لإعادة بعث دولة المدينة بعدالتها الإجتماعية وإستقلال قرارها السياسي ونزوعها التوسعي عبر الفتوحات ، فإن مصيرها الحتمي هو الفشل أو التفشيل من قبل المشروع الأمريكي، خصوصاً وأن نفوذها الجماهيري قد قيض لها سيطرة ولم يمكنها من الهيمنة الإجتماعية. أما إذا كانت قابلة للمساومة على مبادئها وتصورها المبذول بمحددات عامة منذ زمان طويل، والتخلي عن جوهر دولة المدينة لصالح دولة الإخوان المسلمين، فالولايات المتحدة الأمريكية لن تمانع في تركها تطبق مشروعها لأسلمة القطاع المالي مثلاً بصورة تدريجية، وتطبيق بعض العقوبات الحدية مستقبلاً، أو حتى إقامة دولة دينية متنكرة في زي دولة مدنية مع إقرار شكلي بالتعددية وبقبول الدولة المدنية، يفضحه الحديث عن التطبيق المتدرج للشريعة الإسلامية ورفض العلمانيين والعلمانية في الجلسات المغلقة مثلما فعل المفكر راشد الغنوشي مؤخراً. وسواء أكان الغنوشي يقصد من حديثه مجاراة ممثل السلفيين الذي كان يتحدث إليه ومخاطبته وفقاً لوسعه وماعونه حتى يستقطبه لنظرية التدرج في تطبيق الشلايعة الإسلامية بدلاً من نظرية التطبيق الفوري السلفية تخفيفاً من غلواء الأخيرة ولا منطقيتها، أو أنه كان يعني مايقوله بإعتباره موقفاً إستراتيجياً من القوى العلمانية يعكس إزدواجاً في خطاب حركة النهضة بإعتبارها الأكثر تطوراً من صويحباتها، فإن الضرر الكبير الذي لايمكن تلافيه قد وقع. فهو قد ملك المشككين في مواقف الإسلام السياسي من الدولة المدنية القائمة على المواطنة والتي تسع جميع مواطنيها من مسيسي الإسلام والعلمانيين، سلاحاً مؤثراً لن يزول بالمحاولات التصحيحية. وفي نفس الوقت قرع الأجراس لمن ينظرون للتحالف مع الإسلام السياسي في الغرب الذين لم يستفيقوا حتى اللحظة من صدمة إغتيال السفير الأمريكي في بنغازي حاضرة الثورة المحمولة على أكتاف الأطلسي والمدعومة من الدول المنخرطة في المشروع الأمريكي.


• إختيار الرضوخ للتحكم:
في تقديرنا أن حركة الإخوان المسلمين ليست ذاهلة عن المخاطر الإستراتيجية التي تقودها إلى التخلي عن أحلامها أو أوهامها في إستعادة دولة المدينة مستحيلة العودة، ولكنها راغبة في إحداث تحول عميق في فكرها السياسي دون أن تدفع ثمن هذا التحول بإعلان القطيعة مع الماضي. فهي بوعي منها أو إن شئنا الدقة بوعي من قياداتها الفاعلة، إختارت التخلي عن الأوهام والتعامل بواقعية تسمح لها بالوصول للسلطة كهدف مركزي ووحيد، حتى وإن كان هذا الوصول يحتم التخلي عن الرؤية الإستراتيجية لصالح دولة تتعايش مع المشروع الأمريكي وتقدم التنازلات على مستوى برنامجها الإستراتيجي. وربما أن بعض قطاعاتها ترى أن هذه التنازلات مؤقـتة ومحكومة بشـروط هي إلى زوال يوماً ما، وعلـيه من الأفضــل القبول بالشـروط مع الصعود للسلطة والتقدم لموقع الهجوم لحين حدوث تحول يتيح العودة للبرنامج الإستراتيجي . ولكن هذا التصور يتجاوز ما سيخلفه الصعود للسلطة مع الفشل في معالجة مشكلات الجماهير والتخلي عن الوعود والشعارات التي حملت الحركة للسلطة من مشكلات مستعصية على الحل، وفشل حتمي فيما إذا بقيت الحركة وفية للتحول في خطابها وقبولها بالدولة المدنية وصناديق الإقتراع كوسيلة وحيدة للوصول للسلطة.

وربما لا ترى الحركة أن رضوخها المرحلي سوف يقودها حتماً إلى فشل إستراتيجي، وذلك تعويلاً على مقدرتها في الصعود بنفسها أو عبر قوى متحالفة معها للسلطة في الدول المنخرطة في المشروع، بحيث تصبح قادرة على دعم الحكومات التابعة للحركة التي تحكم بعض البلدان الآن، وتنفك من الضغط الإقليمي ويصبح تأثيرها كبيراً بحيث ترتضي الإمبريالية العالمية بصفقة أكثر فائدة لها تسمح لها بتنزيل تصورها وشعاراتها التاريخية لأرض الواقع. ولكنها تنسى أن الإمبريالية لن تسمح لها بإنجاز مثل هذا التغيير دون التأكد من إنصياعها التام لمشروعها حيث أنها متواجدة عسكرياً في تلك الدول وتستطيع أن تحسم أي محاولة للوصول إلى السلطة من أي جهة لا ترضى عنها. أو ربما تكون الحركة تراهن على إنهيار سريع للدول الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية آخذة في إعتبارها الأزمة الرأسمالية الراهنة والركود غير المسبوق لإقتصاديات المتروبول، وهذا الرهان الذي يتبناه البعض لايأخذ في إعتباره تعقيد العامل الإقتصادي ولا تداخل الإقتصاد العالمي ولا أثر هذا الإنهيار الذي لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها. فالأمر له جدليته الخاصة ولا تكفي نذر أو شواهد دورية في القول بحتمية حدوثه الآن أو في فترة قصيرة المدى. وخلاصة الأمر هي أن الحركة قد إستكانت للرضوخ لنفوذ المشروع الأمريكي والتعايش معه كسلطة مكسورة الجناح في مواجهته، لا مناص من أن تستقوي به في مواجهة شعبها، بل لامناص أمامها من أن تنصاع له إذا أرادت أن تدير بلادها في حدود كفاءة الإدارة الفاسدة التي سبقتها وكنستها الإنتفاضات لا أكثر.



• المأزق وحتمية الفشل:

من وجهة نظرنا، الحركة في مأزق كبير وفي وضع لاتحسد عليه. فهي حديثة عهد على سلطة سياسية في بلدان بمنطقة مستهدفة من المركز الإمبريالي صاحب المشروع الإستغلالي المدعوم محلياً، مما يجعلها بين مطرقة ذلك المشروع وسندان الحركة الجماهيرية صاحبة الطموح المشروع في التحرر من الإستعمار الحديث وإنجاز عدالة إجتماعية وسياسية تقيض لحياة كريمة لشعوب المنطقة. فهي إستعجلت الوصول للسلطة بأي ثمن حتى وإن كان الوقوع في براثن المشروع الأمريكي والتحول لجهة جديدة منخرطة في مشروع لطالما ادعت محاربتها له ووقوفها في وجه توسعه واستبداده، بغض النظر عن صدق هذا العداء من عدمه. والمحصلة التي لامناص منها هي الفشل في تنفيذ أياً من وعودها وشعاراتها التاريخية، مع الفشل في تقديم إجابات على الأسئلة الأساسية التي تهم الجماهير . والنتيجة هي أن الصدام بين الحركة و الحركة الجماهيرية قادم وربما بسرعة لاتتوقعها حركة الإخوان المسلمين. فالدعم الذي تحصل عليه من المشروع الأمريكي وأنصاره هو دعم ذو سقوف وليس مجانياً، يستلزم إنخراطاً تاماً في ذلك المشروع المعادي موضوعياً لمصالح الجماهير، مما يحتم وقوع الصدام.

د. أحمد عثمان
18/10/2012م

Ahmed Omer [abusaeeda@yahoo.co.uk