المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عنترة الآخر.. العاشق الرقيق


Eng.Jordan
12-25-2012, 12:29 PM
الدكتور عارف الكنعاني
عنترة بن شداد مرة أخرى.. فلم يُروَ الغليل منه ولن نستطيع طيّ صفحات ديوانه دون أن نسجل حكاية أخرى لإحدى قصائده.
لم يمر ذلك الشاعر الفارس مروراً عابراً في تاريخنا الأدبي وسجلنا الشعري، بل استطاع بما حازه من صفات الفارس أن يكون شاعراً متميزاً.
من ينظر إيه فيرى ذلك الليل الذي صبغ جلده وذلك الشعر الأشعث، وتلك الشفاه الغليظة لن يتخيل مطلقاً أنه شاعر رقيق يخفض جناح الذل لحبيبته ويبكي لفراقها ويتحسر على لقائها.



اسمعه وهو يقول:دموعٌ في الخدود لها مَسيلُ
وعينٌ نومَها أبداً قليلُ
وصبٌّ لا يقرُّ له قرارٌ
ولا يسلو ولو طال الرحيلُ
فكَمْ أُبْلى بإبعادٍ وبينٍ
وتشجيني المنازلُ والطلولُ
وكم أبكي على إلفٍ شجاني
وما يغني البكاء ولا العَويلُ
تلاقينا فما أطفى التلاقي
لهيباً لا ولا بَرَدَ الغليلُ
طلبتُ من الزمان صفاء عيش
وحَسْبُكَ قَدْرُ ما يُعطي البخيلُ
وها أنا ميّتٌ إن لمْ يُعِنّي
على أسرِ الهوى الصبرُ الجميلُ
لماذا إذا ذكر عنترة ذكرت فروسيته وشجاعته وقوته وقتله العشرات والمئات؟
لماذا لا تذكر رقته وعاطفته الجيّاشة؟
ظلم الرواة عنترة، حين حفظوا قصائده التي تجسد قوته وجبروته، وأهملوا أجمل قصائد الحب والغرام..
لقد عانى عنترة من الرق في حياته، وعلى ما يبدو ظلت نظرة المؤرخين إليه نظرة عنصرية بعيدة عن الإنسانية التي ترفض الاستعباد وتدين حرمان أي مخلوق من حريته التي هي منحة الله للإنسان على الأرض.
كان شعر عنترة في الحب أرق من شعر جميل وكثير وقيس، فلماذا حفظت قصائد أولئك الشعراء ولم يحفظ إلا القليل من شعر عنترة العاطفي؟
لنصغ إليه وهو يقف على أطلال عبلة بوادي الرمل يقول:
لِمَنْ طَللٌ بوادي الرمل بالي
مَحَتْ آثارَهُ ريحُ الشمالِ
وقفتُ به ودَمعي من جفوني
يفيضُ على مغانيهِ الخوالي
أسائلُ عن فتاة بني قرادٍ
وعنْ أترابِها ذات الجَمالِ
وكيف يُجيبُني رسمٌ مَحيلٌ
بعيدٌ لا يردُّ على سؤالي
بحق أبيك داوِ جراحَ قلبي
وروّحْ نارَ سِرّي بالمقالِ
وخبِّرْ عن عُبيلة أين حَلّتْ
وما فعلَتْ بها أيدي الليالي
لقد وعده عمه أن يزوجه ابنته عبلة. وكان ذلك الوعد في الوقت الصعب، حيث وقع العم وعائلته كلها أسرى في أيدي الغزاة. وكان يمكن لولا وصول عنترة أن تتحول عبلة إلى مسبية يتمتع بها واحد من فرسان طي. أما هو فما كان يعلم أحد ماذا سيفعلون به.
وكان عنترة يستحق ذلك الوعد، فهو يحب عبلة، وقد صرح بذلك الحب حتى قبل ذلك الحدث، ولكن بسبب لونه الأسود وعدم اعتراف أبيه به رفض بل كان طلبه مستنكراً.. وحبه مستغرباً.. وكأن مشاعر الحب حكر على الأحرار البيض لا حق للسود أو للعبيد فيه.
عاد عنترة بجميع أفراد قبيلته وبكل ما سلبه الغزاة، وانتظر المكافأة، أما الحرية فقد حققها بسيفه وفروسيته وشجاعته.. لكن الوعد الذي قدمه عمه لم يرَ النور..
ماكاد أبو عبلة يتنفس هواء الأمن ويرجع إلى مضارب القبيلة حتى بدأ يتنصل من وعده ويماطل عنترة..
وكي تكتمل مأساة الشاعر يقوم مالك بن قراد العبسي وهو شقيق والده شداد بتزويج عبلة لرجل آخر من عبس وكأنه يغلق الباب نهائياً أمام عنترة..
ولكن إغلاق الأبواب وبناء السدود لم يزد عنترة إلا حباً، وظل شعره يخاطب عبلة حتى وهي متزوجة:
سَلي يا عبلة الجَبلين عَنّاوما لاقَتْ بنو الأعْجام مِنّا
خلقتُ من الجبالِ أشدُّ قلباً
وقد تفنى الجبالُ ولستُ أفنى
شبيهُ الليلِ لَوْني غيرَ أنّي
بِفعلي من بياضِ الصُّبح أَسْنى
جوادي نسبتي وأبي وأمي
حسامي والسنان إذا انتسَبْنا
حمل عنترة همه ومأساته منذ كان طفلاً وحتى يوم وفاته فهو كرّس نفسه لقضيتين أساسيتين. الأولى: الدفاع عن قبيلته عبس، والثانية حبه لعبلة.
وعاش عنترة بسيفه حتى شاخ. ومن اعتمد على السيف في شبابه لن يجده في شيخوخته، فكل سيف يحتاج ليد قوية تحمله فإذا شاخت اليد ووهن عزمها. لم يعد السيف لها إلا عبئاً قد لا تستطيع حمله. وهذا ما حدث.. فقد روى الأصفهاني: أغار عنترة على بني نبهان وهو شيخ كبير، وكان وزر بن جابر النبهاني الملقب بالأسد الرهيص، في مقتبل العمر وفي قمة قوته وشبابه.. فرماه صارخاً:
ـ خذها وأنا ابن سلمى.
فشق ظهره، فتحامل عنترة حتى جاء إلى أهله وهو جريح ينزف وقال:
وإن ابن سلمى فاعلموا عنده دمي
وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي
يحل بأكفان الشعاب وينتمي
مكانَ الثريّا ليْسَ بالمُتهضِّمِ
رماني ولم يدهش بأزرق لهدمِ
عشية حَلّوا بين نعفٍ ومخرمِ
وكان واضحاً أن عنترة بذلك القول يسجل بوضوح أنه عندما يموت فلن يأثر له أحد، لأن قبيلته لم تعطه حياة الحر إلا بقوته وسيفه. وظلت نظرة أبناء القبيلة له نظرة استعلاء فهو ليس منهم ولونه ظل حاجزاً بينه وبين أبيه وعمه، وإن كانت ابنة عمه عبلة ضحية مثله لغطرسة أبيها وعمها، فتزوجت من لا تحب وحرمت من ابن عمها وفتى أحلامها عنترة.
فقالها عنترة بحسرة ليدين بقوله هذا ذلك الكبرياء وتلك العنجهية التي كان عليها العرب قبل الإسلام.. واستمر عليها البعض رغم إسلامهم ورغم أن الدين الإسلامي قال بوضوح: أنه لا فرق بين أبيض وأسود ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
وهيهات.. لا يرجى ابن سلمى ولا دمي..
عاش عنترة مأساة الغربة عن أبيه والقبيلة، قد أخذ لون أمه ولم يستطع أن يأخذ الحنان من أبيه ولم تقدم له القبيلة ما يجعل الحياة بالنسبة إليه مرغوبة أو ذات قيمة..
ولقد ناضل عنترة وسعى بكل ما ملك من قوة الجسد وعبقرية الفكر أن ينتمي إلى القبيلة بتحليه بفضائل وصفات لا يحوز عليها إلا الفرسان الأشدّاء والرجال الصناديد.
وسجلت المراجع كلها أن عنترة بطل شجاع، جريء الفؤاد، حليم الطباع، رقيق القلب، دقيق الإحساس، رحب الصدر، سمح المخالقة، عفيف النظر واللسان، كريم جواد.. وهو إلى ذلك عاشق محروم ممن يحبه، يتألم ويشكو من حظه العاثر في الحب ومن ظلم قومه له وإنكارهم جميل فعله نحوهم.
مات عنترة مقتولاً.. ولم نسمع بأن أحداً من قبيلته قام يطالب بثأره، أو حتى تقبَّل العزاء فيه.. لم نسمع قصيدة رثاء واحدة..
وكأن عنترة لم يكن وليوم واحد قبل وفاته محط أنظار الجميع، تتوق لسماع أخباره الآذان، وتطرب لقصائده القلوب..
أثارت هذه المعاني في نفسي تلك القصيدة التي تشرح بالتفصيل من كان عنترة؟ أي فارس؟ وأي عاشق؟
قال عنترة:
يا عبلُ أين مِنَ المنِيّة مهْربي
إن كان ربّي في السماء قضاها
وكتيبة لبستها لكتيبة
شهباءَ باسلةً يخافُ رَداها(1)
خرساء ظاهرة الأداة كأنها
نارٌ يشب وقودها بلظاها(2)
فيها الكُماةُ بنو الكُماةِ كأنهم
والخيل تعثر في الوغى بقناها(3)
شهب بأيدي القابسين إذا بدت
بأكفّهم بهرَ الظلامَ سَناها(4)
صبراً أعدّوا كلّ أجرَدَ سابِحٍ
ونجيبةٍ ذبلتْ وخفّ حَشاها(5)
يحملنَ فِتياناً مداعسَ بالقِنا
وقراً إذا ما الحربُ خَفّ لواها(6)
من كل أروع ماجدٍ ذي صَوْلَةٍ
مَرِسٍ إذا لَحِقَتْ خُصىً بكُلاها(7)
وصحابةً شُمّ الأنوفِ بَعَثَتْهم
ليلاً وقدْ مالَ الكرى بِطُلاها(8)
وسَرَيْتُ في وعثِ الظلامِ أقودُهُم
حتى رأيتُ الشمسَ زالَ ضُحاها(9)
ولقيتُ في قُبُلِ الهجيرِ كتيبةً
فطعنتُ أولَ فارسٍ أُولاها(10)
وضربْتُ قرني كبشها فتجدّلا
وحملتُ مُهري وسْطها فمضاها(11)
حتى رأيتُ الخيلَ بعدَ سوادِها
حمرَ الجلودِ خُضبنَ مِنْ جَرْحاها
يَعْثُرْنَ في نقع النجيعِ جوافل
ويطأنَ من حميِ الوغى صرْعاها(12)
فرَجعتُ محموداً برأسِ عظيمها
وتركتُها جَزَراً لمْنْ ناواها(13)
ما اسْتَمتُ أنثى نفسها في موطنٍ
حتى أوفي مهرَها موْلاها(14)
ولما رزأتُ أخا حِفاظٍ سِلْعةً
إلا له عندي بها مثلاها(15)
أغشى فتاةَ الحيِّ عندَ حَليلها
وإذا غزا في الجيشِ لا أغشاها(16)
وأغضُّ طرْفي ما بَدَتْ لي جارتي
حتّى يواري جارتي مأواها(17)
إني امرؤٌ سمحُ الخليقةِ ماجدٌ
لا أُتبعُ النفسَ اللجوجَ هَواها(18)
ولئِنْ سألتَ بذاكَ عَبلة خبَّرتْ
أنْ لا أريدُ من النساءِ سِواها
وأُجيبُها إمّا دَعَتْ لِعَظيمةٍ
وأغيثها وأعفُّ عما سَاها(19)
شرح المفردات:
1 - لبستها: أي غشيتها. شهباء: بيضاء لكثرة سلاحها المصقول. الباسلة: الكريهة المنظر
2 - خرساء: لا يتبين منها صوت لكثرة ***تها. ظاهرة الأداء: كاملة السلاح
3 - الكماة: الشجعان. الوغى: الحرب وجعل الخيل تعثر بالقنا لكثرة ما يكسر منها
4 - شبّه الأبطال تحت الغبار في الحرب بشعل أضاءت بأيدي قابسيها في الظلام
5 - أجرد سابح: فرس قصير الشعر. النجيبة: الفرس ضمر لحم أحشائها
6 - مداعس: كثير الطعن. وُقُراً: الثابتين في الحرب
7 - الأروع: المعجب المنظر. الماجد: الشريف. المرس: الثابت
8- شم الأنوف: أعزاء لا يحتملون ضيماً. طلاها أعناقها
9 - وعث الظلام: شدته. زال: ارتفع
10 - قُبُل الهجير: أوله والهجير شد الحر. أول فارس أولاها: أول فارس من مقدمتها
11 - الكبش: سيد القوم. تجدل: سقط على الأرض
12 - النجيع: الدم الطري. الجوافل: المسرعة. حمي الوغى: شدتها
13 - الجزر: اللحم. المناوأة: المعاداة
14 - ما استمت أنثى أي لم أراودها. مولاها: وليها
15 - رزأت: أصبت. أخو الحفاظ: المحافظ على حسبه. السلعة: ما كان من المال غير عين
16 - يقول: أزور جارتي مادام معها حليلها فإذا ذهب للحرب لا أدخل منزلها
17 - يقول: أكف بصري إذا بدت لي جارتي حتى تدخل منزلها فيواريها ولا أتبعها نظري
18 - سمح الخليقة: سهلها
19 - ساها: مسهل ساءها
المراجع والمصادر:
1 - ديوان عنترة/ كرم البستاني
2 - الأغاني/ أبو الفرج الأصفهاني
3 - لسان العرب/ ابن منظور