المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحولات صناعة النفط من الشركات الأجنبية إلى الشركات الوطنية اقرأ المزيد : المقال كامل - سيرة ذاتية


Eng.Jordan
12-25-2012, 12:34 PM
عماد جانبيه - عن الاتحاد الاماراتية

فاليري مارسيل مؤلفة كتاب «عمالقة النفط/ شركات النفط الوطنية في الشرق الأوسط» (بالاشتراك مع جون ميتشل) الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، تذكر بأن النفط لعب دوراً في نثر بذور التطور المستقبلي في ما يتعلّق بالنشوء التاريخي للدولة الحديثة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وهذا النشوء هو بالنسبة إلى بعض البلدان، قصة تحكم استعماري مارسته شركات نفط أجنبية تدعمها قوى استعمارية دبلوماسياً وعسكرياً، وكانت بحاجة إلى تزويد اقتصادياتها الصناعية بالوقود. وهي، بخلاف ذلك، قصة تحرير وطني أدّى إلى استرجاع النفط من الأجانب واستخدامه لدعم تطور الاقتصاد الوطني، وشراء الولاء للدولة الجديدة.
http://www.alittihad.ae/assets/images/Thaqafi/2012/12/20/320x240/13a-na-98670.jpg

تقول المؤلفة، انه لم يكن التخلص من الهيمنة الأجنبية المباشرة على صناعة النفط مخرجاً لها بقدر ما كانت مراقبة تأثير القوى الخارجية في المنطقة وفي الشأن النفطي العالمي. حتى في البلدان التي لم تخضع للحكم الاستعماري بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية عام 1918، كان للحالة شبه الاستعمارية التي شهدتها المنطقة تأثير هو من أكثر التأثيرات العديدة أهمية. وكان نشوء دول طموحة ومستقلة في الشرق الأوسط مرتبطاً إلى حدّ بعيد بالتأكيد على السيادة على الموارد الطبيعية.

من جهة ثانية ايضاً، تذكر ان القوى الصناعية والعسكرية العظمى في العالم قد سعت إلى التحكم في الموارد الاستراتيجية الحساسة كميزة تفوّق على منافسيها في الميدان الجيو سياسي والاقتصادي. كان التحكم في الموارد النفطية في الخليج العربي وشمال أفريقيا ذا أهمية قصوى بالنسبة إلى فرنسا وبريطانيا العظمى بعد الحرب العالمية الأولى، وبالنسبة إلى الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية.

قومية الموارد

وبالرغم من أن اكتشاف احتياطيات نفطية ضخمة في الشرق الأوسط جعل من منتجي النفط محط اهتمام، فقد ظهرت قومية الموارد في المكسيك أولاً، وفي تصرف مفاجئ ومثير دعمه كل مكسيكي عملياً، صادر الرئيس كارديناس ممتلكات معظم شركات النفط الأجنبية في البلد عام 1938 وأسس شركة النفط الوطنية المكسيكية، بيميكس، بهدف وضع اليد على ممتلكات تلك الشركات وإدارتها. لقد تبرّع كل المكسيكيين من كافة الطبقات بالمال للمساعدة على دفع تكاليف المصادرة، وقد اتّقدوا حماسة قومية.

بصورة مماثلة، عندما انبثق القوميون قوة محركة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، احتلّت استقلالية التحكم في الموارد الطبيعية (المورد الاقتصادي الهام والوحيد في بلدانهم) مركزاً محورياً في التحرّر السياسي، بدءاً بتأميم شركة النفط الإنجليزية ـ الإيرانية عام 1951. واستمرت المحاولات الأجنبية للتحكم في الدول المنتجة للنفط، أو أقلّه حماية الوضع الراهن في المنطقة، خلال العقود التالية، ويبقى التدخل الخارجي حافزاً للمشاعر القومية. لقد أظهرت ردات الفعل الشعبية على الاجتياح الأميركي والبريطاني للعراق عام 2003 حساسية كبيرة حيال جولة جديدة من تعدّي قوى خارجية على صناعة النفط في المنطقة.

مع مرور الأيام، تطوّرت المواقف الشعبية، والسياسات الرسمية، والأداء الصناعي في الشرق الأوسط حيال التأكيد على التحكم في الموارد النفطية الوطبية، وشهدت تبدلاً. فبالنسبة إلى العديد من الدول المصدّرة، كانت الأولوية الطاغية في السنوات الخمس والسبعين الأولى من القرن العشرين نَيل استقلال الدولة من الحكومات الاستعمارية الأجنبية أو السابقة، أو تعزيز هذا الاستقلال، واستقلال قطاع النفط الوطني عن الشركات الأجنبية المنتمية إلى القطاع الخاص. لم تتحكم الدول المنتجة في عملية إنتاج النفط، والمبيعات والأسعار؛ فقد كان ذلك ممنوعاً عليها بموجب الاتفاقيات التي منحت الامتيازات لشركات النفط الأجنبية الخاصة. وسيتمّ خرق هذا النظام في نهاية المطاف بعد صدور “البيان الإعلاني للسياسة النفطية للدول الأعضاء” لمنظمة أوبك (OPEC) عام 1968.

برّر هذا البيان دوراً متزايداً للدولة في القطاع النفطي، ولا سيما من خلال نشاطات الشركات التابعة للدولة، إضافة إلى نظام تنظيمي أكثر إحكاماً في ما يتعلّق بالحصول على المساحة الأكريّة للتنقيب، وإطار الضرائب والحصص. بحلول العام 1980، كان قد تم تحقيق أهداف السيادة والاستقلال إلى حدّ كبير. يتتبّع هذا الفصل الخطوط العريضة لانبثاق شركات النفط الوطنية وتطورها، والتي تعود في الأصل إلى أيام الامتيازات الأولى. وما يزال تاريخها يلازم منتجي النفط في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويلقي بثقله عليهم في بعض الأحيان.

هيمنة الشركات

في النصف الأول من القرن العشرين، تشير الكاتبة مارسيل الى إن شركات النفط الأميركية والأوروبية كانت تهيمن على قطاع النفط الدولي. وكانت هذه الشركات قد نمت من الجذور في جوّين سياسيّين مختلفين تماماً. أولاً، تملّكت ستاندارد أويل، ونوبل، والروثسيلدز ممتلكات نفطية في الولايات المتحدة، وروسيا (قبل العام 1917) ورومانيا (قبل العام 1914) وتوسّعت ما وراء البحار من خلال تصدير النفط الذي يتمّ إنتاجه في تلك البلدان بواسطة أنظمة التسويق ذات التركيز الفائق، وخطوط أنابيب النفط، وشبكات الشحن. ثانياً، وبخلاف الشركات المذكورة أعلاه، قامت شركة النفط الإنكليزية ـ الفارسية ورويال داتش (حتى بعد اتحادها بشل عام 1907) بمعظم أعمالها خارج دولها الأم. فقد اسّسها مقاولون حصلوا على امتيازات واسعة النطاق لدى قيامهم بتطوير البلدان متّكلين بشكل كبير على دعم حكوماتهم الأم.

كان للحرب العالمية الأولى أثر حاسم على الشرق الأوسط نتيجةً لهزيمة الإمبراطورية العثمانية وانحلالها. ووُزّعت أراضيها بين فرنسا وبريطانيا، باستثناء تركيا، واليمن، وما سيصبح المملكة العربية السعودية، حيث أصبحت هذه المناطق الثلاث دولاً مستقلة. وفقاً للتفويضات بالانتداب الصادرة عن عصبة الأمم، تسلّمت فرنسا مهمّة إدارة شؤون سوريا ولبنان بينما تولّت بريطانيا إدارة شؤون العراق والأردن وفلسطين. على صعيد النفط، فقد دعمت الحكومة البريطانية شركة النفط الإنكليزية – الفارسية للحصول على امتيازات. لقد أُنشئت عام 1924 انطلاقاً من مبادرة الحكومة تلك، ولكن المصالح الخاصة كانت تديرها بشكل كامل.

دخلت الحكومة الأميركية من الخطوط الجانبية تحت شعار الباب المفتوح لضمان معاملة مماثلة لشركاتها. لقد أُطلق هذا الهجوم الدبلوماسي استجابةً لمخاوف من حدوث نقص في الوقود، وفي مواجهة ما اعتُبر إمبريالية بريطانية وفرنسية مفتوحة. كان الأمر ناجحاً بسبب القانون الذي يتيح استئجار (استثمار) المعادن بصفة خاصة العائد للعام 1920، والذي جعل الاستثمارات الأجنبية في الأراضي الأميركية العامة مشروطة بمعاملة الشركات الأميركية في الخارج بالمثل.

كان نفط بلاد ما بين النهرين ساحة القتال الحاسمة للمصالح البريطانية والفرنسية والأميركية المنافسة. كانت الحكومتان البريطانية والألمانية قد وافقتا قبل الحرب العالمية الأولى على التوفيق بين المصالح التنافسية لشركاتهما في العراق من خلال إنشاء مجموعة شركة البترول التركية (TPC).

أسّس كالوست غالبنكيان هذه الشركة، وهو تاجر أميركي ولد في إسطنبول وأصبح معروفاً بالسيد خمسة في المئة لأن هذه النسبة كانت الحصة التي ربحها مقابل جمع الفرقاء في شركة النفط التركية. وبعد الحرب، اشترى الفرنسيون كامل حصة الألمان ولم يتركوا مكاناً للشركات الأميركية. وقد أقصتهم (أي الأميركيون) التدابير التي اتُخذت في مرحلة ما بعد الحرب عن العراق، وكذلك عن إيران والكويت ودول الخليج الأخرى التي كانت تحت الحماية البريطانية. فاعترضت واشنطن على المصادقة الرسمية على امتياز (TPC) في العراق. وفي العام 1928، أدّى هذا الخلاف عبر الأطلسي إلى إنشاء شركة البترول العراقية (IPC)، وذهبت 23.75 في المئة من الأسهم لكلّ من الشركة الإنجليزية ـ الفارسية، وشل، وسي.إف.بي، ومجموعة أميركية تتزعّمها ستاندارد أويل من نيوجرسي. احتفظ غلبنكيان بحصته البالغة 5 في المئة بعد نضال عسير، وكان مساوماً مشهوراً بحزمه. كان هذا التدبير هاماً لأن كل الشركات التزمت عدم التنافس للحصول على امتيازات في أي مكان آخر من الإمبراطورية العثمانية السابقة. عُرف الاتفاق باتفاق الخط الأحمر. استعمل غالبنكيان قلماً أحمر لرسم خطّ عريض على امتداد الحدود العثمانية السابقة.

تخفيف الوطأة

هكذا، لم تقرّر الحكومات الأجنبية وشركات النفط بنية صناعة النفط في العراق فحسب، بل أوجدت أيضاً اتحاداً للتخفيف من وطأة التنافس في مابينها في شبه الجزيرة العربية. واستخدمت بريطانيا نفوذها السياسي في هذه المنطقة لتشجيع منح امتيازات كبيرة تسهّل عملية وضع مهمة التحكم المركّز بين أيدي شركات أجنبية قليلة عوضاً عن تشجيع المنافسة في ما بينها. أصرّت بريطانيا أيضاً على أن يمنح حكام هذه المنطقة امتيازات في التنقيب للشركات الخاضعة للهيمنة البريطانية فقط، إلى أن حملها الضغط الأميركي على سحب فقرة الجنسية عام 1930.

في الداخل من شبه الجزيرة العربية، كان الأساس السياسي لوجود شركة نفط أجنبية مختلفاً عما كانت عليه الحال في سائر منطقة الشرق الأوسط. فلم تحكم قوة استعمارية أخرى أجزاء من شبه الجزيرة العربية كانت تحت الحكم العثماني. فقد أسّس عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، المعروف بابن سعود، مملكة مستقلة وقوّاها بجهود عسكرية وتحالفات في ما بين أفراد السلالة الحاكمة في الفترة الممتدة بين عامي 1914 و 1930. وإبّان هذه الفترة، كان هناك اهتمام قليل حيال قيام شركة نفط أجنبية بالتنقيب عن النفط على أراضي المملكة. وتبدّل هذا الأمر بعد إنشاء المملكة العربية السعودية رسمياً عام 1932.

في أماكن أخرى من العالم أيضاً، كأميركا اللاتينية، حيث كانت الولايات المتحدة قوة خارجية مهيمنة، كان يتحكّم في الامتيازات النفطية عدد قليل من الشركات الأجنبية. وكثيراً ما تدخلت الدول الأوروبية والأميركية في الشؤون الداخلية للمستعمرات الإسبانية المستقلة السابقة. وفي فترة من فترات، سمحت عملية تحديث الحكومات في فنزويلا والمكسيك بتملّك خاص للمواد المعدنية الواقعة في باطن الأرض.

وفي الثلاثينيات من القرن العشرين، تذكر الكاتبة ايضاً بأن الخريطة الشاملة للامتيازات أظهرت شبكة من مصالح متقاطعة للشركات تدعمها صناعة نفط مركّزة. كان بالإمكان حدوث تنافس بين الدول المصدّرة فقط من خلال التنافس بين شركات النفط الدولية. ووجدت الشركات وسيلة لتفادي تطوّر سوق دولية مفتوحة للنفط الخام تنخفض فيها الأسعار بزيادة الإنتاج في العراق وإيران وفنزويلا وفي أي مكان آخر. في العام 1928، وإدراكاً منهم لمشاكل الإفراط في الإنتاج، والإفراط في طاقة الإنتاج، وما يليهما من عدم استقرار في الأسواق، التقى بائعو النفط الرواد في ذلك الوقت لتأسيس تفاهم يقضي بالتنصّل من أي مسؤولية قانونية حيال المواد التي يتمّ بيعها ويحدّد كوتا لكل شركة في أسواق متنوعة، ويضع سعر مبيع منتظم.

وأصبح هذا اللقاء معروفاً باتفاقية أكناكاري، وكانت تهدف إلى تثبيت عملية التسعير وزيادة الفعالية. انتهت الشركات أيضاً إلى مبيعات طويلة الأمد لمقادير ضخمة من النفط الخام بأسعار ثابتة أو معيارية كما حدّدت نسبة الاستثمار في طاقات إنتاج جديدة.

إن ازدياد أهمية النفط في اقتصاديات التصدير عن أن الشركات حدّدت بالفعل نموّ الاقتصاد وميزانية الحكومة: يمكن للحكومات المضيفة مناقشة الأمر دون أن يكون بإمكانها اتخاذ قرار في شأن الأسعار والإنتاج. وباتت هذه الشركات تعرف بالشقيقات السبع، وما زال لهذا الاسم وقعٌ على مسامع المنتجين. فقد حدّدوا قواعد لعبة النفط، مقيّدين حريّة الاختيار في منح التراخيص، والإنتاج، والتسعير، وهي من مهام حكومات الدول المنتجة. ومن جهة ثانية، فقد أدّى تقاطع ممتلكات الشركات إلى اتصالات بين الحكومات المضيفة كانت إحدى الخطوات في اتجاه إنشاء أوبك عام 1960.

ختاماً نرى ان هذا الكتاب يحاول شرح العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع وشركة النفط الوطنية، وتوفر المؤلفة للمطلعين دليلاً حول الثقافة الفريدة لهذه الشركات، وتثبت في الوقت نفسه الدور الهام الذي تلعبه الشركات لتطوير الرفاه الاقتصادي لبلدانها والمحافظة عليه.