المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ألا لله الدين الخالص


جاسم داود
12-25-2012, 01:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ألا لله الدين الخالص

حصول الإخلاص في قلوب المؤمنين كان مطلبا صعبا على أهل السبق والفضل من القرون الأولى، ذلك أن العمل إذا لم يكن صوابا خالصا لم يقبل عند الله سبحانه وتعالى، والمسلم العامل لا يزال يعاتب نفسه ويجاهد هواه حتى يخلص نيته لله رب العالمين فينجو حينا ويكبو أحيانا ، وهكذا هي حياة المسلم، وقد جاهد الصالحون جهادا مريرا بغية استخلاص العمل من الشوائب وتقديمه لله رب العالمين رجاء القبول حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه : لو أعلم أن الله قبل مني ركعتين لاسترحت فهو على وجل وحذر من الله بأن لا يقبل منه صالح عمله، فهم قوم لا يضيرهم أداء الطاعات والقربات إلى الله بقدر ما كان حرصهم على قبول هذه الطاعات عند الله سبحانه وتعالى.

طريقك إلى الإخلاص
وكما أن لكل داء دواء فإن لمرضى الرياء أدوية كذلك، غير أنه مما لاشك فيه أن علاج أمراض القلوب أشد على الإنسان من علاج أمراض الأبدان، فهذا هو سفيان الثوري رحمه الله يقول: ما عالجت شيئا أشد علي من نيتي لأنها تتقلب علي ، لذلك رسم الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله لنا علاج الرياء والطريق إلى تمثل الأخلاق قولا وعملا في حياة المسلم فقال: ،لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء، والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار، والضب والحوت .
فإذا طلبت الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.
لذا فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يكثر في دعائه من قول: اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهك خالصة ولا تجعل لأحد منها شيئا . فإصلاح النيات وتحقيق الإخلاص هو غاية العمل وأساسه وإذا انهار الأساس انهار العمل وباد، ولولا شعور الصالحين بعمق هذا المفهوم لما كان هاجسهم وشدة إلحاحهم بالدعاء بأن يحقق الله لهم الإخلاص، بل تفننوا في تعميق هذا المفهوم الأصيل في قلوبهم استيثاقا من قبول العمل الصالح لله رب العالمين .

إنما يتعثر من لم يخلص
يقول الإمام ابن الجوزي : إن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام وإنما يقطع بالقلوب، والشهوات العاجلة قطاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم ، غير أن عين الموفق بصر فرس، لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء، والصدق في الطلب إينار، أين وجد يدل على الجادة وإنما يتعثر من لم يخلص وإنما يمتنع الإخلاص ممن لا يراد (صيد الخاطر).
إن كثيرا من عثرات السير مرد ها إلى هؤلاء أهل الشوائب الذين امتزجت نفوسهم بحظوظ الدنيا فبنوا بنيانهم على شفا جرف هار فانهار بهم، وتحقق الفشل وتبدد الخير وتشوهت الصورة ونزعت البركة وقل التوفيق.
إن السير إلى الله سبحانه وقوده الإيمان ودليله القرآن ونبراسه الإخلاص وإلا فإن العثرات كثيرة والعقبات كؤود وما توفيق السائر إلا بحسن المسير لله رب العالمين، قال تعالى(( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم )) (الملك:22).
إن المخلص هو من يكره أن يطلع الناس على حسناته بقدر ما يكره أن يطلعوا على سيئاته قال تعالى (( ألا لله الدين الخالص )) (سورة الزمر: 3).
وقال تعالى (( من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين )) (سورة النحل : 66)، فكما أن اللبن ينزل خالصا من بين الفرث والدم فكذلك العمل الصالح يخلصه صاحبه دون أن يخالطه هوى النفس أو رياء الناس، فيكون العمل بذلك نقيا صافيا من كل شائبة وكدر، ففرث الرياء ودم الشهوة وحب المدح والثناء ينساب بينهما العمل الخالص سائغا للقبول عند الله سبحانه وتعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا يارسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال : الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس أعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء .

دمتم برعاية الرحمن وحفظه