المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل السعودية أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية المالية الأمريكية؟


Eng.Jordan
12-28-2012, 11:27 PM
الاقتصادية
هل السعودية أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية المالية الأمريكية؟ (1)

http://www.aleqt.com/a/714489_241058.jpg

أ.د. محمد إبراهيم السقا
طالعتنا صحيفة ''الاقتصادية'' يوم السبت الماضي بتحقيق بعنوان ''السعودية أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية المالية الأمريكية''، الذي حذر من تداعيات سقوط الولايات المتحدة في فخ الهاوية المالية على المملكة وعلى دول الخليج بشكل عام، مؤكدا أن السعودية تعد أكثر دول العالم انكشافاً على السوق الأمريكية لما تملكه من استثمارات واحتياطيات في السندات والعملة الأمريكية تزيد على تريليوني دولار، ومشيرا إلى أن ذهاب الأمريكيين إلى ''الهاوية'' سوف يعني ذهاب الاستثمارات السعودية والخليجية معها إلى ''الهاوية'' أيضا، منوها إلى أن كل المستثمرين الدوليين شرعوا في التحوط من هذا ''المخاض الصعب''، حيث عملت الصين أخيرا على خفض محفظتها من السندات الأمريكية بواقع 29 في المائة وأن المملكة قد تواجه مخاطر قيام واشنطن بإعادة هيكلة ديونها الخارجية، أو أن تصبح مسألة تسييل السندات الأمريكية أكثر تعقيدا، ولقد علقت على التقرير باختصار بأن ''جانبا كبيرا من التحليل غير صحيح''، اليوم أتناول هذا الموضوع بالتفصيل للإجابة عن السؤال الأساسي وهو، هل السعودية هي أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية الأمريكية؟ وهل بالفعل إذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق برنامج الهاوية المالية سوف يتعرض الاقتصاد السعودي لكل هذه المخاطر التي أشار إليها التقرير؟
بداية لقد تناولت موضوع الهاوية الأمريكية في مقالين هنا على ''الاقتصادية'' تحت عنوان المنحدر المالي الأمريكي، أوضحت فيهما أن المنحدر المالي الأمريكي هو ببساطة شديدة برنامج للإصلاح المالي، يهدف إلى خفض عجز الميزانية الأمريكية وذلك للسيطرة على نمو الدين العام الأمريكي من خلال قانون أصدره الكونجرس إبان الخلاف على تسوية مشكلة رفع سقف الدين الأمريكي، والذي يقضي بخفض النفقات من جانب، وزيادة الضرائب من جانب آخر بشكل أوتوماتيكي، وذلك إذا لم يتفق الحزبان الديمقراطي والجمهوري على خلطة أخرى مقبولة من الطرفين للسيطرة على عجز الميزانية. الأمر الأساسي الواجب التنبيه له هو أنه من المؤكد أن الحزبين سوف يجدان طريقة للالتفاف حول المنحدر المالي، فجميع التجارب السابقة تقريبا للحزبين تشير إلى حدوث ارتفاع في درجة التجاذب بين الحزبين حول الموقف المالي للدولة، ولكنهما في النهاية يصلان إلى اتفاق.
فهل ذهاب الأمريكيين إلى الهاوية سوف يعني ذهاب الاستثمارات السعودية معها إلى الهاوية؟ للإجابة عن هذا السؤال دعونا نفترض عدم التوصل إلى اتفاق بين الحزبين، وبأن المنحدر المالي سوف يعمل بصورة أتوماتيكية في يناير القادم، فما هي آثاره المرتقبة في الاقتصاد الأمريكي؟ لقد ذكرت في مقالي عن المنحدر الأمريكي أنه حتى ولو لم يتفق الحزبان، وتم بالفعل تطبيق المنحدر المالي الأمريكي، فإن الآثار المتوقعة من التطبيق على النمو وفقا لتقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس سوف تتمثل في خفض معدل نمو الناتج في 2013م بنحو نصف في المائة. بعض المراقبين يبالغ في تأثير انخفاض معدل النمو بنصف في المائة، باعتبار أنه من الممكن أن يؤدي إلى عودة الاقتصاد الأمريكي مرة أخرى إلى الكساد، شخصيا أعتقد أن هذا الرأي فيه قدر كبير من المبالغة، فانخفاض النمو بنصف في المائة لا يرسل الاقتصاد الأمريكي إلى مربع الكساد مرة أخرى، خصوصا أن آخر التقديرات المتاحة حاليا تشير إلى عودة معدلات النمو التي يحققها الاقتصاد الأمريكي إلى الارتفاع أخيرا، فوفقا للمراجعة الثانية لمعدلات نمو الناتج في الربع الثالث من 2012م حقق الاقتصاد الأمريكي معدل نمو 2.7 في المائة، وهو معدل أعلى بكثير مما كان متوقعا، وتراجعت بالتالي نبرة الحديث عن عودة الكساد.
من ناحية أخرى يتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس أن تطبيق المنحدر المالي سوف يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة بنسبة 1 في المائة، ليصل إلى 9.1 في المائة بحلول الربع الرابع من 2013م، وذلك نتيجة لفقدان سوق العمل الأمريكي نحو مليوني وظيفة، ومرة أخرى لا يتوقع أن يترتب على ارتفاع معدلات البطالة بنسبة 1 في المائة هذه الآثار الكارثية التي يشير إليها التقرير، فمنذ بداية الأزمة المالية العالمية في 2008م، والاقتصاد الأمريكي يعيش مع معدلات بطالة مرتفعة، ولم تنخفض معدلات البطالة عن معدل 9 في المائة إلا أخيرا، معنى ذلك أنه حتى ولو لم يتفق الحزبان على إيقاف العمل بالمنحدر المالي الأمريكي فإن الآثار المتوقعة لن تكون خطيرة على هذا النحو الذي قد يفهم من التحليل الذي قدم في التقرير.
يشير التقرير أيضا إلى أنه ووفق تقديرات شبه رسمية فإن حجم الاستثمارات السعودية بما في ذلك استثمارات الحكومة والمؤسسات شبه الحكومية والقطاع المصرفي في السندات والأصول الدولارية الأمريكية يصل إلى نحو تريليوني دولار، وهذه تقديرات في نظري مبالغ فيها جدا، فوفقا لآخر تقرير أصدرته مؤسسة النقد السعودي عن صافي وضع الاستثمار الدولي للمملكة تم تقدير تلك الاستثمارات بنحو 1813 مليار ريال، وهو ما يعادل 484 مليار دولار تقريبا في عام 2010م.
نظرا لأنه لم يتم تحديث تقارير الاستثمار الدولي من جانب مؤسسة النقد السعودي، فإننا سنلجأ إلى تقديرات المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية، والذي يوضح الجدول المرفق تقديراته للأصول الخارجية لدول مجلس التعاون وفقا لآخر التقديرات المتاحة. ومن الجدول يتضح أن معهد صناديق الثروة السيادية الدولي يقدر أصول صندوق الثروة السيادي السعودي بنحو 538 مليار دولار، هذا هو إجمالي الأصول الخارجية الرسمية للمملكة، والذي من المتوقع أن يتأثر نتيجة تدهور أوضاع الاقتصاد الأمريكي، مصدر الخطر الرئيس على هذه الأصول هو من احتمال تراجع قيمة الدولار، ومرة أخرى الدولار الأمريكي يتراجع منذ بداية الأزمة، وتراجع قيمة الدولار ليس شيئا جديدا، ومع ذلك وعلى الرغم من تراجع قيمة الدولار فإن دول العالم التي لديها فوائض دولارية مثل المملكة لا تجد سبيلا أفضل للاحتفاظ بهذه الاحتياطيات سوى بشراء سندات الدين الأمريكي، فهي أكثر الأدوات المالية أمانا في العالم اليوم، وأن المملكة عندما تشتري السندات الأمريكية فإنها تفعل ذلك من منطلق الحفاظ على الاحتياطيات الدولارية في أكثر مواضع استثمارها أمانا، وهو الدين الأمريكي، على عكس ما يعتقد الكثيرون.
الخلاصة هي أن الآثار المتوقعة للمنحدر المالي الأمريكي ليست بهذا القدر من الضخامة الذي يمكن أن يؤثر في الاقتصاد السعودي على النحو الذي يشير إليه التقرير، وأن المملكة لا تفعل شيئا مختلفا عما تفعله دول العالم التي لديها فوائض دولارية عند الاستثمار في السوق المالي الأمريكي.



http://www.aleqt.com/a/small/70/709ea67b424bf217b27648b4b944bb7b_w576_h0.jpg

أ.د. محمد إبراهيم السقا
تناولنا في الحلقة السابقة من هذا المقال تحليل الآثار المتوقعة للمنحدر المالي الأمريكي وتقديرات الأصول الخارجية للمملكة، وأنه حتى على افتراض حدوث المنحدر المالي الأمريكي فإن الآثار المتوقعة له على المملكة لن تكون على هذا النحو الجوهري المشار إليه مسبقا، والآن هل صحيح أن كل المستثمرين الدوليين شرعوا في التحوط من المأزق الذي يمكن أن تقع فيه الولايات المتحدة بالتحول عن الأصول المالية الأمريكية أو الدولار؟ إجابتي عن هذا السؤال هي أنه غير صحيح أن دول العالم قد تحولت عن السندات الأمريكية أو عن الدولار، بل على العكس نجد أن دول العالم التي تتزايد احتياطياتها الدولارية مثل المملكة، تجد في تزايد عجز الميزانية الأمريكية ومن ثم في الدين العام الأمريكي الملجأ المناسب لتوظيف هذه الاحتياطيات، حيث تجد مزادات الاكتتاب في السندات الأمريكية طلبا كبيرا يغطي الكميات المطروحة من السندات في كل مرة، بل إنه في بعض الحالات، ونظرا لارتفاع مستويات المخاطر المحيطة بأدوات الاستثمار السيادي الأخرى في العالم، تحولت معدلات الفائدة المطروحة على أذون الخزانة الأمريكية إلى معدلات اسمية سالبة، بمعنى أن المقرض للولايات المتحدة يدفع لها فائدة في مقابل شراء السندات الأمريكية، هذا بالطبع لا يحدث سوى في الأحوال غير الطبيعية التي ترتفع فيها معدلات المخاطر وتقصر فيها تواريخ الاستحقاق، فيضطر الدائن للولايات المتحدة أن يدفع لها فائدة في مقابل تأمين استثماراته.
من ناحية أخرى فقد أدى تراجع معدلات الفائدة على السندات الأمريكية بعد الأزمة إلى تحول العائد الحقيقي على هذه السندات (معدل الفائدة مطروحا منه معدل التضخم) إلى مستويات سالبة، بمعنى آخر فإن المقرض للولايات المتحدة يخسر في هذه الاستثمارات من الناحية الحقيقية، ومع ذلك فإن الطلب على السندات الأمريكية من كافة دول العالم ما زال مرتفعا.
وللتدليل على ذلك فإن الجدول رقم 1 يوضح تطور الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي منذ بداية هذا العام، وأن الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي في تزايد مستمر، وأن أكبر دول العالم إقراضا للولايات المتحدة قد زادت من حجم مشترياتها من السندات الأمريكية خلال السنة، حيث تزايد ما تحتفظ به دول العالم من سندات أمريكية من 5064 مليار دولار في كانون الثاني (يناير) الماضي إلى 5455 مليار دولارا في أيلول (سبتمبر) الماضي، أي قبل شهرين فقط من الآن. لاحظ أيضا أن هناك مبالغة في وصف الدور الذي تلعبه المملكة ودول الخليج في شراء السندات الأمريكية، فمن الجدول يتضح أن إجمالي أصول الدين الأمريكي التي تحتفظ بها الدول النفطية (وتشمل هذه الدول المملكة العربية السعودية وفنزويلا وليبيا وإيران والعراق والإمارات والبحرين والكويت وعمان وقطر والإكوادور وإندونيسيا والجابون والجزائر) بلغ 268 مليار دولار في كانون الثاني (يناير) 2012 وظل على نفس مستوياته تقريبا في أيلول (سبتمبر) من نفس العام، حيث بلغ 267 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 4.9 في المائة فقط من إجمالي الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي، أما مساهمة الدول النفطية في إجمالي الدين العام الأمريكي فلا تزيد على 1.6 في المائة.
أما القول إن الولايات المتحدة قد تعيد هيكلة دينها العام أو أن يطلب الأمريكيون من دائني الولايات المتحدة المشاركة في سد العجز الأمريكي الهائل فهو أمر غير صحيح على الإطلاق، حيث لا يفعل ذلك سوى الدول المفلسة، والولايات المتحدة، على الرغم من المستويات الهائلة للدين العام الأمريكي حاليا لا يمكن أن نطلق عليها لقب دولة تواجه مخاطر الإفلاس، ببساطة شديدة لأن الدين العام الأمريكي مقوم بالدولار، أي بالعملة المحلية للدولة المدينة، وأنه في حال تعرضها لمخاطر الإفلاس يمكنها تجنب ذلك من خلال طبع الدولار لخدمة الدين في مقابل تحمل بعض التضخم كتكلفة لدفع مخاطر الإفلاس.
بالطبع لا يتوقع أن تلجأ الولايات المتحدة إلى ذلك في المدى الزمني المنظور. فعلى الرغم من هذا النمو الكبير في الدين، فإن الاقتصاد الأمريكي ما زال قادرا على خدمته، وكما سبق أن أشرنا مرارا إلى أن مشكلة الدين العام ليست في حجمه من الناحية المطلقة، وإنما في نسبته إلى الناتج ومعدلات خدمة هذا الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من أن الدين العام الأمريكي يمثل حاليا نحو 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن تكلفة خدمته كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تعتبر محدودة، وهي نقطة في غاية الأهمية. فمن المعلوم، وفقا للنظرية الاقتصادية، أنه إذا كانت معدلات خدمة الدين إلى الناتج أكبر من معدلات النمو الاقتصادي الذي تحققه الدولة، فإن الدين العام للدولة سوف يميل إلى التزايد على نحو غير مستدام، خصوصا إذا كانت الدولة تحقق عجزا في ميزانيتها، والولايات المتحدة لم تصل بعد إلى هذه الحالة، على العكس فإن معدلات خدمة الدين العام الأمريكي إلى الناتج المحلي ما زالت عند مستويات منخفضة جدا قياسا إلى حجم الدين بسبب انخفاض معدلات الفائدة عليه، وكذلك بمعدل النمو الحقيقي المحقق في الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم لا خطر يذكر على الاستثمارات السعودية في الدين العام الأمريكي.
الخلاصة التي يمكن التوصل إليها هي أن المنحدر المالي الأمريكي، على الرغم من أنه ربما يبدأ بشكل أتوماتيكي في كانون الثاني (يناير) القادم، إلا أن احتمال حدوثه ضعيف، وأنه حتى ولو افترضنا عدم التوصل إلى اتفاق بشأنه فإن الآثار الناجمة عن تطبيقه على الاقتصاد الأمريكي لن تكون جوهرية، فكيف بالاقتصاد السعودي، وبالتالي ليس من المتوقع أن يكون الأثر في الاقتصاد السعودي جوهريا، وأن المملكة ليست منكشفة على المنحدر المالي الأمريكي على النحو الذي قد يظنه الكثيرون.