المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دبلوماسي أميركي: واشنطن أخفقت في الشرق الأوسط


Eng.Jordan
12-30-2012, 01:48 PM
خلال المؤتمر السنوي الواحد والعشرين للعلاقات الأميركية العربية، الذي انعقد في بداية شهر أكتوبر-تشرين الأول الماضي، استعرض السفير شاس و.فريمان الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط من ليبيا وصولا إلى أفغانستان؛ واستخلص أنها كلها تصب في اتجاه فشل السياسات الأميركية في المنطقة وضعف نفوذها ومن ثم وجوب إحداث تعديلات جذرية لهذه السياسات.

منصف الخروبي
بدأ الدبلوماسي الأميركي شاس و.فريمان تدخله بالتعليق على موضوع النقاش في المؤتمر هذه السنة وهو "الانتقال ضمن الثبات" وعبر عن الصعوبة التي لقيها في فهم المغزى من ذلك العنوان لكن يقول إن أحسن تخمين أمكنه التوصل إليه هو "التقدم دون تغيير" ثم يصحح قائلا إن "التغيير دون تقدم" هو وصف أدق لأغلب ما يجري في الشرق الأوسط.

والأمثلة المدعمة لتلك النظرة كثيرة انطلاقا من العراق وأفغانستان حيث تورطت أميركا ولم تعرف كيف تتخلص من المشاكل المستتبعة، متذبذبة حول كيفية التعامل مع الانتفاضات العربية وما بعدها، وفي مأزق مع طهران وفي خلاف مع اسرائيل تنزع إلى الحرب مع ايران.

العراق

أدت حرب العراق إلى مقتل ستة آلاف أميركي وجرح 100 ألف آخرين. وفي الجانب العراقي أزهقت أرواح ما لا يقل عن 125 ألفا وجرحت 350 ألفا آخرين فضلا عن نزوح 2.8 مليون عراقي. أما التكاليف المالية فكانت باهظة جدا ويتوقّع فريمان أن تصل التكاليف النهائية إلى ما يقل عن 3.4 ترليون دولار تتوزع في تكلفة العمليات الفعلية والفوائد والتكاليف الصحية والتعويضات للمتضررين.

أما النتائج فكانت نقل السلطة في العراق إلى أعضاء المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق الذين قضوا السنوات العشرين السابقة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي حين كان الهدف تعزيز النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط جعل العراق قوة موازنة لإيران كانت النتيجة عكسية إذ أصبح العراق تابعا لإيران.

وخلافا لما كان يدعيه المحافظون الجدد من أن القضاء على نظام استبدادي سيمهد الطريق لحكم ديمقراطي علماني، حدثت صحوة سلفية وها هو الصراع الطائفي ينخر الحياة السياسية العراقية باستمرار. وعلى صعيد إبراز فضائل حكم القانون والحريات المدنية، أعطت أميركا المثال السيء بسلوك جنودها في أبو غريب وانكارها لحماية جنود العدو على أرض المعركة حسب قوانين ميثاق جنيفا وغيرها من المخالفات.

أفغانستان

كانت التجربة في أفغانستان فاشلة بالرغم من الكلفة المادية والبشرية الباهظة إذ لم تتمكن أميركا وحلفاؤها من بسط الأمن والقضاء على الإرهاب بل على العكس من ذلك غذت شعور الكراهية ضد القوات الأجنبية وشجعت على الأعمال الانتقامية والارهابية في أفغانستان وباكستان واليمن والقرن الافريقي.

ليبيا

وفي ليبيا كانت مقاربة الناتو تفترض أن خلع ديكتاتور سيؤدي بالضرورة إلى ديمقراطية ليبرالية بالضرورة، وبالفعل ذلك هو التأويل المبدئي لما يسمى 'بالربيع العربي' في الغرب. لكن في الواقع ما عقب نظام معمر القذافي هو الحرب الدائرة بين القبائل والميليشيات المؤدلجة بما في ذلك البعض العازمين على انتهاز أي فرصة لضرب الولايات المتحدة. فليبيا التي مات فيها كريس ستيفنس ليست هي ليبيا نفسها التي كانت موجودة في مخيلة واشنطن.

سوريا

تجلى الجهل والتمني في أوضح صوره في الحالة السورية حيث كان انهيار نظام الأسد وشيكا على مدى تسعة عشر شهرا إلى حد الآن. وقضى 31 ألف سوري إلى حد الساعة في حرب أهلية وتيرتها متصاعدة، وهذا من وجهة نظر انسانية شيء مفزع لكن بالنسبة إلى الساخرين من الحياة والعازمين على حرمان إيران من سوريا كمكسب استراتيجي لا يهم إن تحقق هذا الهدف بتغيير النظام أو إغراق البلاد في الفوضى المستمرة.

وخلافا للانتفاضات العربية الأخرى هناك امكانية أن تسبب الانتفاضة السورية في صراع بين الدول إذ بدأ الصراع يتجاوز الحدود السورية إلى داخل كل من تركيا ولبنان. ولجأ قرابة 700 ألف سوري إلى الأردن ولبنان وتركيا والعراق ومصر، وبمغادرة السوريين يدخل الجهاديون الأجانب.

ايران

العلاقات الإيرانية الأميركية الآن في أدنى مستوياتها منذ بداية العلاقات الدبلوماسية بينهما منذ 137 سنة. فليس هناك حوار جدي بين الحكومتين وتغيب التبادلات بين الشعبين بالكامل تقريبا وتتميز التغطية الاعلامية من كل جهة عن الأخرى بالتحيز وعدم الدقة.

وأوكلت الولايات المتحدة سياستها مع ايران لإسرائيل بشكل فعال، واسرائيل لا يهمها من أمر ايران غير مسألة حصولها على السلاح النووي فهي غير معنية بغطرسة ايران في منطقة الخليج ولا صراعها مع السعودية من أجل تزعم العالم الاسلامي أو بحثها عن امتياز استراتيجي في البحرين. وهكذا في كل الجوانب نجد أن نظرة أميركا لإيران تعكس بشكل كبير النظرة الاسرائيلية وليست العربية.

وبالتعاون مع بعض حلفائها تجاوزت الولايات المتحدة الأمم المتحدة لفرض عقوبات شديدة على ايران، ويستمتع السياسيون الأميركيون بالمعاناة التي يسببونها للشعب الإيراني ولا ينوون تخفيفها إلا برضوخ إيران الكامل للشروط الأميركية والاسرائيلية.

وفي الوقت نفسه منح الكونغرس الأميركي تمويلات سخية لجهود إسقاط النظام الإيراني كما تعمل أميركا مع اسرائيل ومجاهدي خلق لتنفيذ هجمات على شبكة الانترنت واغتيالات داخل الأراضي الإيرانية. وبكل المقاييس يعتبر ذلك أعمالا حربية تستدعي الرد الانتقامي، وفي الحقيقة ليست هناك عملية تفاوض تستحق الاسم المستعمل حاليا بين الولايات المتحدة وإيران.

ويعلق المتحدث عن الدبلوماسية الأميركية تجاه إيران أنها شبيهة بمثيلتها مع كوريا الشمالية. ففي ظل غياب تعديلات مهمة في المقاربة الأميركية للوصول إلى حل وسط مع إيران من المتوقع أن تثمر هذه الدبلوماسية نفس النتيجة التي وصلت إليها مع بيونغ يانغ.

إن أكثر الامكانيات احتمالا أن إيران –مثل كوريا الشمالية- ستتحصل في النهاية على قنبلتها، والشيء الوحيد الأسوأ من حصول إيران على القنبلة النووية هو مهاجمتها لمنعها من اكتسابها.

فلسطين

لقد أصبحت الدبلوماسية الأميركية تجاه القضية الفلسطينية الإسرائيلية غير قابلة للاستدامة فلم تعد أنصاف الحقائق التي طبخها الساهرون على عملية السلام الأميركيون المحترفون تجد من يصدقها فلا العالم ولا الشرق الأوسط المتيقظ سياسيا ما زال ينطلي عليه الحديث المبهج عن عملية سلام غير موجودة وغير قابلة للإحياء.

وعلى اسرائيل أن تتحمل نتائج عمليات التوسع الميداني الناجحة، وعلى الفلسطينيين الاعتراف بهزيمتهم في تحقيق طموحاتهم لتقرير المصير، وعلى أميركا الاعتراف بعجزها السياسي والدبلوماسي. وعلى الجميع المضي إلى الأمام.

لقد نجحت اسرائيل في ضم كل الأراضي الفلسطينية ولم يعد هناك أي أمل في حل الدولتين في فلسطين إلا إذا اعتبرنا محميات الهنود الحمر في أميركا أو البانتوستان دولا.

فلسطين تعيش الآن حقيقة الدولة الواحدة، وداخل هذه الدولة يعيش الفلسطينيون في سجن يديره أمناء فلسطينيين يعتمدون على حراس يهود في أرزاقهم وسلامتهم الشخصية وسلطتهم. وبعد القضاء على حل الدولتين بفضل سياسات الاستيطان الاسرائيلي أصبحت القضية الفلسطينية قضية حقوق انسان داخل الدولة الاسرائيلية وليست قضية تقرير المصير.

أخطاء أميركا في الشرق الأوسط

يصل السفير الأميركي في آخر تدخله إلى نتيجة أن الأميركيين لا يستطيعون إبطال الأخطاء السابقة في الشرق الأوسط بل عليهم أخذ العبرة منها حتى عند التعامل مع نتائجها. ومن بين هذه النتائج فقدان الهيبة الأميركية ونفوذها في المنطقة بشكل كبير فالأحداث هناك تسيرها السياسات الإيرانية والسعودية والمصرية والتركية والباكستانية والهندية والروسية والصينية أو القوى في الشارع العربي بنفس الدرجة أو أكثر مما تسيره الخيارات الأميركية.

ويضيف المتحدث أن الرئيس الأميركي في السنوات القادمة عليه أن يتعامل مع القضايا المطروحة في كما هي وليس كما يرغب ممولو الحملة الانتخابية أو الناخبون. ويشدد على ضرورة إدخال تعديلات 'موجعة' في السياسة الأميركية لضمان خدمة المصالح الأميركية ومصالح أصدقائها في المنطقة.