المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البلورات العضوية " الأسينات"


Eng.Jordan
12-31-2012, 08:00 PM
العلم والمجتمع
الأسينات(1) المدهشة(*)
تُبدي بلورات عضوية قدرات سيليكونية، وقد توضح بعض جوانب الفيزياء الأساسية.

السيليكون هو المثال «الحي» poster child لثورة علم الإلكترونيات الميكروية (الصغرية) microelectronics ـ وهو بلورة لاعضوية، مشوبة على نحو دقيق بالمقومات المناسبة ومشكّلة في هيئة عدد لا يحصى من الأدوات كالترانزستورات في الدارات المتكاملة. ويُعد الإخوة الكثيرون للسيليكون ـ مثل الجرمانيوم وزرنيخيد (أرسنيد) الگاليوم، وفوسفيد الإينديوم، وهلم جرا ـ ضروبا مختلفة تنتمي إلى القبيل اللاعضوي نفسه، وتؤدي أدوارا مهمة في البحث الأساسي، ممكِّنة الفيزيائيين من دراسة السلوك الشاذ للإلكترونات في الحقول المغنطيسية القوية، وفي درجات الحرارة البالغة الانخفاض. وقد حصل الباحثون ببراعة على بعض الخاصيات المماثلة لخاصيات السيليكون من مواد عضوية ـ پوليمرات (متماثرات) polymers وبلورات أساسها الكربون ـ وأنشؤوا بذلك صنفا جديدا من مكونات أشباه الموصلات بما في ذلك الترانزستورات المرنة، وشاشة حاسوب(2) بدائية. غير أن النجاح كان محدودا، فأشباه الموصلات العضوية ملأت فقط الأسواق المتخصصةniche markets التي لا تحتاج إلى كل ما في أشباه الموصلات غير العضوية من طاقة وإمكانات، لذلك فإنها لم تلفت الانتباه إلى ما يمكن أن تقوم به في بحوث الفيزياء الأساسية.

ومع ذلك بدأ الأمر بالتغير خلال عام 1999. فقد أوضح <B. باتلوگ> و<H. شون> ومساعدوهما في مختبرات بِلْ في الشركة لوسنت تكنولوجيز Lucent Technolugies سلسلة من الخاصيات المذهلة لدى طائفة من البلورات العضوية تدعى الأسينات، قادت إلى إنجازات مدهشة. وكان بين أولى الأدوات التي تم إنتاجها أنواع مهمة من الليزر ومن ترانزستورات لم يسبق أن صنعت من مواد عضوية؛ كما أبدت الأسينات موصلية فائقة superconductivity، وما يدعى مفعول هول الكمومي الفركتلي fractional quantum Hall effect (FQHE) الذي لم يعرف من قبل إلا في أشباه الموصلات اللاعضوية. وكانت فرق بحث أخرى قد صنّعت من قَبْل مكوناتٍ من هذه الأسينات، ولكن من دون أن تكشف النقاب عن هذه الميزات الأساسية فيها. لقد فاز الباحثون ـ الذين كانوا أول من اصطنع العضويات الموصلة ـ بجائزة نوبل للكيمياء عام 2000 [انظر: «العلم والمجتمع»، مجلة العلوم، العدد 12(2000)، ص 66].

وكما شرح باتلوگ «لم يكن بحث الفريق مدفوعا بتطبيق خاص يدور في الذهن»، بل كان مدفوعا في الواقع «بمحاولة فهم القدرات القصوى لأشباه الموصلات العضوية». وقد دهشوا من مدى هذه القدرات.

تتألف جزيئات الأسين (التي تدعى متعددات الأسين polyacenes) من سلسلة قصيرة من حلقات البِنْزِن benzene؛ ومن أهمها الأنثراسين (ثلاث حلقات) والتتراسين (أربع حلقات) والپنتاسين (خمس حلقات). تتكدس هذه الجزيئات في البلورات وفي الأغشية الرقيقة، بعضها فوق بعض كلبنات الآجر أو كأحجار الرّصْف. وتؤدي التقنيات المعتادة المتبعة في صنع بلورات من هذه الجزيئات إلى احتوائها على كثير من العيوب والشوائب مقارنة بأشباه الموصلات اللاعضوية النموذجية. وتخفض هذه العيوب من تحركية الحامل carrier mobility للمادة، وهي صفة ذات أهمية كبيرة تشير إلى مدى السرعة التي تتحرك بها الإلكترونات أو الثقوب (أمكنة غياب الإلكترونات). وعلى سبيل المثال تعتمد سرعات التحويل العالية جدا لشيپات الحاسوب الحديثة على تحركية الحامل العالية لشبه الموصل.

http://www.oloommagazine.com/images/Articles/18/SCI2002b18N11-12_H11_002032.jpg
بلورة تتراسين متناهية في النقاء، يبلغ عرضها نحو أربعة مليمترات، يمكن استخدامها لصنع ترانزستورات وليزرات وموصلات فائقة.


ولإزالة الشوائب، عمد <H. كريستيان كلوك> [وهو باحث في علم المواد يعمل في فريق باتلوگ] إلى إنتاج بلورات بتقنية «نقل البخار» : يُبخِّر أتونٌ (فرن) متعددَ الأسين، ويحمل غاز ساخن ـ كالهدروجين ـ البخارَ إلى أنبوب من الكوارتز، حيث يتكاثف كل نوع من أنواع متعددات الأسين خاص مشكلا بلورات في موضع محدد على طول الأنبوب. وفي الحال، اعترت الدهشة الفريق، حيث لوحظ أن لبلورات متعدد الأسين، الفائقة النقاء في درجات الحرارة المنخفضة، تحركيات حامل لم يتفوق عليها، حسب باتلوگ، سوى زرنيخيد الگاليوم ذي الجودة العالية جدا.

شرع الفريق بعد ذلك في بناء أداة متينة نافعة للإلكترونيات الميكروية، من هذه البلورات، وهي ترانزستور المفعول الحقلي (المجالي) field-effect transistor (FET). وهناك نمطان من هذه الترانزستورات يتمايزان وفقا لطبيعة المنطقة الفعالة فيهما، وهل هي من النمط n (ذي تيار محمول بالإلكترونات)، أو من النمط p (ذي تيار محمول بالثقوب). ففي ما يعرف «بالدارات المنطقية المتممة»، تعمل أزواج من ترانزستور المفعول الحقلي من كلا النمطين n وp جنبا إلى جنب في ترتيب تتضمن فوائده استهلاكا منخفضا للطاقة، ومتانة، وتصاميم بسيطة للدارات. لم تُظهر أي مادة عضوية كلا النمطين n وp حتى الآن، مما تطلب استخدام مادتين عضويتين لصنع دارة متممة، وهو ما يعقد صنعها. صنع فريق لوسنت ترانزستورات المفعول الحقلي ذي القطبيتين ambipolar، (أي من النمطين n وp كليهما) من بلورات التتراسين والپنتاسين المتناهية في النقاء وهو ما يؤكد بوضوح أن العقبة في صنع دارات منطقية من بلورات عضوية، تكمن في أن الشوائب احتبست الثقوب والإلكترونات، أضف إلى ذلك أن سلوك ترانزستورات المفعول الحقلي ذي القطبيتين في الدارات التي صنعها الفريق يخضع لجميع القوانين التي تطبق على الترانزستورات اللاعضوية.

توحدت جهود فريق باتلوگ مع جهود <A. دودابالاپور> [الذي يعد فريقه في لوسنت أحد الأوائل في مجال الدارات العضوية المتكاملة] لإنشاء أول ليزر حقن injection laser عضوي في الحالة الصلبة، وذلك من زوج من ترانزستورات المفعول الحقلي ذي القطبيتين العائدة للفريق. يُولِّد مثل هذا الليزر حزمته بحقن تيار كهربائي لإثارة المنطقة التي تنتج الضوء. كانت جميع ضروب الليزرات العضوية في الحالة الصلبة المعروفة سابقا تعتمد على ليزر ضخ منفصل لإثارة المادة العضوية، وهو ما كان يبطل الغاية من استخدام أداة عضوية خالصة والفوائد المتوخاة منه. أما ليزر لوسنت فضم ترانزستورين من ترانزستورات المفعول الحقلي ذي القطبيتين مبنيين ظهرا لظهر على قطعة مشتركة من التتراسين. يحقِنُ أحد الترانزستورين إلكترونات، ويحقِنُ الآخر ثقوبا، فيفنيان في الوسط وينتجان ضوءا أخضر مصفرا (ومن السهل تحوير التصميم لإنتاج نطاق (طيف) كامل من أطوال الموجة). وتعمل الحافات المنشقة في بلورة التتراسين كمرايا بدائية غير متطورة، وهي ضرورية من أجل عملية الملازرة lasing.

كما استعمل الفريق ترانزستوراته ذات المفعول الحقلي لإقامة الدليل على وجود الموصلية الفائقة في الپنتاسين والتتراسين والأنثراسين، وإن كانت منخفضة قرب درجة حرارة الصفر المطلق. لقد حدثت الموصلية الفائقة لأن ترانزستور المفعول الحقلي حقن شحنات كهربائية في بلورة الأسين محولا طبقة من البلورة من مادة عازلة إلى فلز موصل؛ وبفضل هذا النمط الجديد من الإشابة (وهو حقن شحنة يمكن التحكم فيها بدلا من زرع شوائب كيماوية في داخل البلورة)، فإن النتيجة قد تقود إلى تقدمات كبيرة في فهم الفيزيائيين للموصلية الفائقة. أما أشباه الموصلات اللاعضوية، ذات الخصائص الإلكترونية العديدة التي يمكن مقارنتها بضروب متعددات الأسين المتناهية في النقاء، فليست فائقة الموصلية.

وقد اعترت الدهشة فريق باتلوگ لرؤيته ظاهرة أخرى عند درجات الحرارة المنخفضة، وهي ظاهرة «مفعول هول الكمومي الفركتلي» (FQHE) في الپنتاسين والتتراسين في درجات حرارة تصل إلى درجتين كلڤينيتين. يحدث ذلك عندما تتآثر الإلكترونات في طبقة ثنائية البعد في حقل مغنطيسي قوي بعضها مع بعض، وتسلك جميعها على نحوٍ يجعلها تبدو كما لو أنها شكلت جسيمات تحمل شحنة هي كَسْر من شحنة الإلكترون (وأكثرها شيوعا ثلث الشحنة أو خُمسها). تعد درجة الحرارة هذه (وهي درجتان كلڤينيتان) منخفضة (باردة) عادة، في حين تعدُّ، بالنسبة إلى مفعول هول، مرتفعة (حارة). ونشير إلى أن هذا المفعول يحدث في المواد اللاعضوية كزرنيخيد الگاليوم، عند الدرجة 0.5 كلفن تقريبا. وتعني درجة الحرارة الأعلى أن التآثرات المعنية تكون أقوى في النظم المصنوعة من متعدد الأسين، وهي تقدم إلى الفيزيائيين مجالا جديدا لاختبار نظرياتهم عن مفعول هول والظواهر المرتبطة به.

يصف <R. فرند> [الذي يدرس إلكترونيات الپوليمرات في جامعة كمبردج] عمل لوسنت بأنه «فيزياء جميلة جدا»، أدت إلى دحض توقعاته. ويضيف: «إن القيود التي تفرضها الطبيعة على ما يمكنك فعله بالمواد العضوية هي أقل بكثير مما اعتاد الناس ظنّه». غير أنه يحذر من أن العمل فيما يتعلق بالتطبيقات التجارية «لا يبدو أمرا مغريا في الوقت الحاضر، والتحدي هو في رؤية الكيفية التي يمكن بها تحقيق تقدم في هذا الصدد.»
<P .G. كولينز>
(*)The Amazing Acenes


(1) أو ضروب الأسين.
(2) computer display
(3) performance-enhancing drugs
(4) (erythropoietin (EPO
(5) (human growth hormone (Hgh
(6)Tour de France