المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حقيقة البرمجة اللغوية العصبية الأصول ، المضامين ، المخرجات


Eng.Jordan
01-04-2013, 07:56 PM
تأليف :
فوز بنت عبداللطيف بن كامل كردي



مقدمة

الحمد لله رب العالمين ، فطرنا موحدين ، واصطفى لنا خير دين ، وأرسل لنا الهادي الأمين فما ترك خيراً إلا ودلنا عليه ولا شراً إلا وحذرنا منه فجزاه الله عنا بخير ما جزى نبياً عن أمته ، وصلى عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
هذا الكتاب "حقيقة البرمجة اللغوية العصبية" أقدمه للقراء الأفاضل بعد طول انتظار وسؤال من كثيرين رغبة في معرفة الحق والتزامه والدعوة إليه ، ومعرفة الشر وتجنبه والتحذير منه .
وهذا الكتاب يمثّل خلاصة بحث طويل واستقراء وتتبع شمل أصول الفكر ومضامينه ومخرجاته ويهدف للتعريف بنوع من أنواع الشر الغازية التي فتحت أبوابها على البشرية ووصلت إلى داخل حصون الأمة متخفية بلباس النفع والفائدة والتدريب والتطبيب ؛ فانساق وراءها كثير من العامة وانتظموا في دوراتها متدربين ، ومنهم جموع من الأخيار لاشتباهها بلباس من الحق تلبسه ، قال الإمام ابن القيم : "إنما سميت شبهة لاشتباه الحق بالباطل فيها ،فإنها تلبس الحق على جسم الباطل".
وهذا الفكر هو ما يسمى بـ "البرمجة اللغوية العصبية" ، التي استفاض الجدل حول موضوعها بين المفتونين بها ممن تدربوا على بعض مستوياتها ، وبين المحذرين منها ، نظراً لتلبس أمرها وخفاء حقيقتها وجذورها ، مما جعل تحري حقيقتها وكشف أصل فكرها وإيضاح خطورتها ، أمراً واجباً على المختصين إحقاقاً للحق وإبطالا للباطل .
وقد يسّر الله -بفضله وكرمه- التفرغ لدراسة هذا الأمر ؛ فبذلت فيها جهدي ووقتي متتبعة أصولها في كم هائل من الكتب الفلسفية ، والمراجع العلمية ، والأبحاث التربوية والنفسية ، مستنيرة وسط ذلك كله بكتاب الله وبما شرفني الله به من التخصص في تدريس العقيدة فخرج هذا الكتاب بفضل الله متضمناً عرضاً موجزاً لحقائق الفكر الذي يكمن وراء "البرمجة اللغوية العصبية" وغيرها من أنواع الفكر العقدي الوافد الذي توالت تطبيقاته وفلسفاته في الدخول على الأمة بشكل واسع بصورة رياضات أوطرائق استشفاء أوممارسات حياتية وعلوم حيادية - أو هكذا يزعم مروجوها ويظن متبعوها – مما جعل بعض أهل العلم يعتقدون أن نقدها لا يعدو كونه جهلا أو انغلاقًا فكريًا أو حدةً وتطرفًا ؛ فنادوا إلى ماظنوه توسطاً بلا مبالغة في الرفض ولا مبالغة في القبول .
ولا شك أن الأمر لو كان كما يظنون لكان هذا التوسط أولى ! ولكنه ظن لا يغني من الحق شيئاً.
وستُظهر هذه الصفحات – بإذن الله - حقيقة البرمجة اللغوية العصبية منذ ولادة فكرتها ، وحتى انطلاق دوراتها وانتشار تجارتها ، بعرض حرصت أن يكون علمياً موجزاً ، فإن أصبت فلله الحمد من قبل ومن بعد ، وإن أخطأت فحسبي أنني ما تجرأت للوقوف أمام سيل هذه الوافدات الجارف مع قلة حيلتي وضعف قوتي إلا ذوداً عن حياض الحق ، وتنبيهاً للغافلين بما يكتنفها من مخاطر متحققة على العقيدة والدين ، فالله أسأل أن يتقبل مني ويغفر لي ويبصرني بالحق والهدى إنه المستعان وعليه التكلان .



فوز بنت عبداللطيف كردي
Fowz_3k@yahoo.com

الثلاثاء : 10محرم 1425هـ

منهج الدراسة والنقد

لبيان حقيقة "البرمجة اللغوية العصبية" وتحري حقائقها فقد تتبعتها تتبعاً علمياً راعيت فيه منهج الدراسة والنقد لأي فكر أو ادعاء يدّعى وملخصه مراعاة هذه المحاور الخمسة :
1. ماهية الفكر ومضامينه وفرضياته .
2. دراسة أصل الفكر وفلسفته وتاريخه وتوجهات منشئيه .
3. تتبع مخرجاته الحقيقية .
4. التأكد من صحة ادعاءات متبنيه .
5. تتبع الظواهر المصاحبة له .
ومن المعروف أن الغرب والشرق منذ القديم يموجان بأنواع من الفلسفات والطقوس والشركيات التي يعرف زيفها أقل المسلمين علماً فيُعرِض عنها ولا يأبه بدعاواها العريضة ؛ لمعرفتهم بأنها من توابع الكفر وتطبيقات الشرك ، ولهذا فلم يأبه علماء الأمة بتحري كل ضلالة ودراسة كل فلسفة وتفنيدها وبيان بطلانها إلا عندما يُروّج لها ، ويخشى من تسللها للمسلمين متلبسة عليهم ، إذ يكفي أن يُعرّف المسلمون بالحق ويحذروا من الانحراف عنه لسبيل المغضوب عليهم أو الضالين مع استمرار التذكير بأن طريق ذلك هو التزام المنهج الحق المستقى من الكتاب والسنة .
ومن هنا فلم تعد هناك حاجة إلى التفصيل في عرض زيف كل فلسفة ضالة وتفنيد كل دعوى إلا عندما تُعرَض الوثنيات والفلسفات بممارساتها وتطبيقاتها على عامة المسلمين ويروج لها في كثير من وسائل الإعلام وينتشر التدريب عليها بين المسلمين مُدلّسة بالحقيقة ، مُلبّسة بالمنافع ؛ فإنه يجب حينئذ تعريف الناس بها ببيان حقيقتها وأصل فلسفتها وتفنيد الشبه حولها ليحذرها العامة والخاصة ، وليسلم للناس معتقدهم ودينهم ، ويهلك من هلك عن بينة .
وملخص نتيجة هذه الدراسة : أن البرمجة اللغوية العصبية جزء لا يتجزأ من منظومة تضم أكثر من مائة طريقة لنشر فكر "حركة القدرة البشرية الكامنة" أو "حركة النيو إييج " فماهي في محصلها إلا طريقة عملية مبطنة لنشر فكر هم العقدي وفلسفتهم الملحدة في قالب جذاب وبطابع التدريب والتطبيق والممارسة الحياتية لا طابع التنظير والفلسفة والدين كما سيظهر ذلك للقارئ الكريم من خلال قراءته لنقد البرمجة وفق هذه المحاور الخمسة .

المحور الأول :

ماهية " البرمجة اللغوية العصبية" ومضامينها وفرضياتها
"البرمجة اللغوية العصبية" واختصارها الغربي "NLP" هي خليط من العلوم والفلسفات والاعتقادات والممارسات ، تهدف تقنياتها لإعادة صياغة صورة الواقع في ذهن الإنسان من معتقدات ومدارك وتصورات وعادات وقدرات ، بحيث تصبح في داخل الفرد وذهنه لتنعكس على تصرفاته . وقد تأسس هذا العلم وطُور في السبعينات الميلادية أي ما بين عامي 1973-1978م على يد مجموعة من الأشخاص سيأتي تفصيل ذكرهم عند الحديث عن الجذور التاريخية .
ولكن ماهو هذا العلم ؟
يقول الدكتور ( روبرت كارول ) أستاذ الفلسفة والتفكير الناقد بكلية ساكرمنتوا بكاليفورنيا بأمريكا : إنه من الصعب تعريف البرمجة ،لأن الذين بدأوها والذين ساهموا في إخراجها استخدموا لغة غامضة مبهمة متلبسة غير واضحة ، ولذلك أصبحت البرمجة تعني أشياء كثيرة يختلف فيها الناس . ويدّعي أهل البرمجة أنها تساعد الإنسان على التغيير بتعليمه كيف يبرمج دماغه ، فيقولون : إننا أعطينا أدمغة ولم نعط معها دليل تعليمات التشغيل ، فالبرمجة اللغوية العصبية تقدم لك "دليل مستخدم" للدماغ . ولذلك يطلق عليها أحياناً "برامج للدماغ" .
إن البرمجة اللغوية العصبية تعتمد بقوة على :
1. اللاواعي ، الذي يرون أنه يؤثر بسطوة ونفوذ على التفكير المدرِك ( الواعي ) للشخص وتصرفاته .
2. التصرفات والأقوال المجازية ، وتحديداً يعتمدون على الطرق التي استخدمها "فرويد" لتفسير الأحلام .
3.التنويم ( التنويم المغناطيسي ) كما طوره "ميلتون أريكسون" .
كما أنها تأثرت كثيراً بأعمال "جريجوري بيتسون" في التحكم عبر الاتصال و"نعوم تشومسكي" في فلسفته واستخدامه للغة . "
وقد يفسر كلام الدكتور ( روبرت كارول ) هذا بوجه عام سبب الخلاف الكبير حول تعريف البرمجة اللغوية العصبية وبيان حقيقتها بين الناس ، فالمدربون المسلمون يعرّفونها على أنها شيئ جميل جداً ، وتقنية نافعة جداً بينما يعرفها الغربيون بحيادية أكبر ، ولها عند الباحثين من المسلمين تعريف خاص بالنظر لأصولها الفلسفية ومضامينها التدريبية من خلال ثوابت العقيدة الإسلامية ، وسنستعرض بعض هذه التعريفات لتبيين حقيقة هذا الأمر وشرحه ، ونبدأ بعرض بعض تعاريفها عند المدربين المفتونين بها من المسلمين في كتبهم ومذكراتهم وكتاباتهم :
1- "هي علم يكشف عالم الإنسان الداخلي وطاقاته الكامنة ، ويمدنا بأدوات ومهارات نستطيع من خلالها التعرف على شخصية الإنسان ، وطريقة تفكيره ، وسلوكه ، وأدائه ، وقيمه والعوائق التي تقف في طريق إبداعه وتفوقه ، كما يمدنا بأدوات وطرائق يمكن أن يحدث بها التغيير الإيجابي المطلوب في تفكير الإنسان وسلوكه وشعوره وقدرته على تحقيق هدفه ".
2- "هي فن الاتصال بعالمنا الداخلي والخارجي" .
3- "هي فن الوصول بالإنسان إلى النجاح ".
4- "هي كيف تتعامل مع نفسك ثم الآخرين" .

وكما هو ملاحظ فهذه التعاريف لاتدل إلا على شيء نافع جداً ينبغي المسارعة لتعلمه تعليمه ، ولو كانت هذه هي حقيقة البرمجة اللغوية العصبية فلا شك أنه لن ينتقدها أحد من العقلاء لا في الشرق ولا في الغرب ، أما ومنتقدوها كثر فالأمر خلاف ما يظنون فهي في حقيقتها تشمل ضمن مزيجها المنتقى شيء من هذه المنافع والفوائد لتشكل إطاراً يبدو مقبولا ينفذ من خلاله "النيو إييج" بفلسفاتهم إلى الناس كما سيأتي بيانه .

أما الغربيون (روادها ومنشؤها) فيعرفونها بما يوضح معالم تقنياتها أكثر فيقولون أنها : "خليط من العلوم والفلسفات والاعتقادات والممارسات تهدف تقنياتها لإعادة صياغة صورة الواقع في ذهن الإنسان من مدارك ومعتقدات وممارسات وعادات وقدرات بحيث تكون داخل الفرد وذهنه لتنعكس على تصرفاته ".
ويقول عنها مدربها العالمي ( ود سمول ) : ( الـ NLP عبارة عن مجموعة من الأشياء . ليس هناك شيء جديد في الـNLP ، أخذنا بعض الأمور التي نجحت في مكان معين ، وشيء آخر نجح في مكان آخر وهكذا) .
وإذا أردنا أن نعرّفها تعريفاً موضوعياً بعيداً عن غرور المنبهرين وجهل الجاهلين ومنظور الغربيين، فلا بد من تفكيكها والنظر في حقيقتها من منظورنا الشرعي وثوابتنا العقائدية والعلمية ، فظاهر "البرمجة اللغوية العصبية" ملبّس بمجموعة منتقاة من النظريات والفرضيات من علوم شتى إدارية ونفسية ولغوية ، مع بعض الممارسات والتقنيات لمجموعة من الناجحين ، أما لبها وحقيقة باطنها فهو : إحداث حالات "وعي مغيَّرة" لدى الإنسان بهدف إطلاق قوى النفس الكامنة ، ومخاطبة العقل الباطن لإيصاله إلى النجاح والتميز ، فيستطيع تغيير واقعه ومستقبله حسبما يريد بقدرات تتجاوز محدودية قدراته إلى قوى نفسه وعقله الباطن ( بحسب فلسفاتهم ).
فهي علم انتقائي ( eclectic) قائم على ما تم جمعه من فروع العلم الأخرى ، كعلم النفس السلوكي والمعرفي وشيئٍ من الإدارة وغيرها ؛ فإنها تشمل بعض التقنيات السلوكية الصحيحة غير أنها ليست منها وإنما انتحلتها من غيرها وقد بيّن ذلك بوضوح أحد أبرز مدربيها ( تاد جيمس ) في أحد مقالاته عن ماهية البرمجة اللغوية العصبية ، كما أكده (ودسمول ) بقوله : "ليس في البرمجة شيئ جديد " .
ومن هنا فإنا نستطيع تعريف البرمجة اللغوية العصبية إذاً بأنها : ( علم باطني له ظاهر يدعي أهله أنه يحسن قدرة الفرد على التعامل مع الآخرين وقدرته على محاكاة المتميزين ، وله باطن يركز على التنويم بإحداث "حالات وعي مغيّرة" لزرع بعض الأفكار إيجابية كانت أو سلبية فيما يسمونة اللاواعي بعد تغييب إدراك العقل والوعي ).
وعلى هذا ؛ فإن تتبع مضامين وتقنيات البرمجة بالنقد واحدة واحدة منهج غير صحيح – برأيي-فالبرمجة العصبية مستويات متعددة وبرنامج متكامل ينبغي أن يلاحظ وينقد بحسب طبيعته المتكاملة، ولا يفصّل النقد في تقنياته وقد جمعت معاً في برنامج واحد !! إذ قد تكون منها واحدة جيدة مع بعض تنبيهات ، والتقنية الأخرى مقبولة إلى حد ما لو وجدت وحدها أو في إطار آخر ، أما وجودهما معاً في برنامج واحد يبرز الإشكال الذي لم يكن واضحاً في كل واحدة على حدة وخذ مثالاً على هذا ما أسماه بعض النقاد الفضلاء : عبادة العقل الباطن ، أو إلغاء التوكل على الله، أو"تعزيز الذاتية" والاعتماد على القدرات تجده أمر من العسير نسبته لتقنية بعينها ، أو تحديده بفرضية معينة من فرضيات البرمجة ، ولكنك إذا فحصت برنامج البرمجة اللغوية العصبية كاملا وجدته يؤدي إلى هذه النتيجة ، وهي نتيجة موجودة بوضوح في واقع كثير من المتدربين عليها وكلما كان الالتزام بتدريبات البرمجة أكبر كانت النتيجة أوضح . وسأذكر فقط مالمسته بنفسي من شدة الغفلة عن الدعاء والافتقار والعبودية تحت التدريب المتواصل على مخاطبة اللاواعي وبرمجة الباطن وتنمية الذاتية والتوكل على النفس والقدرات وهو ما عبّرت عنه إحدى الحاصلات على شهادة "ممارس معتمد في البرمجة اللغوية العصبية " بقولها : إذا أردنا التعبد ندعو الله ونرجوه فيجيب دعاءنا سواء أعطانا سؤلنا أو لم يعطنا إياه ، ولكن إذا أردنا تحقيق مطلبنا كما هو تماماً ، وبلوغ مرادنا مباشرة فلابد من الجزم والحسم عبر رسائل اللاواعي البرمجية دون ترجي أو سؤال ! وهي نفسها – بعد أن عرفت الحق – قالت : " حرمتني البرمجة اللغوية العصبية لذة العبودية ، وقلّ الدعاء في حياتي تدريجياً فقناعتي الداخلية بقدرات عقلي الباطن أزالت كل معاني الافتقار لقوة خارجية" وتضيف : " إنها فتنة ، لم أكن ألتفت لكونها هكذا أبداً لكثرة ما تلقيت من مدربي – هداه الله - عن مشروعيتها وتوافقها مع منهج الدين الحنيف ! وذات ليلة وأنا أقرأ كتاب الله ، استيقظ قلبي وأنكرت نفسي وبحثت لطلب الحق فأبصرت بفضل الله الفرق الشاسع بين منهج العبودية ومنهج البرمجة العصبية ، فالحمد لله الذي هداني وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله ".
ومن هنا فالنقد الذي أوجهه لمضمون البرمجة اللغوية العصبية وتقنياتها هو نقد عام يشمل برنامج البرمجة اللغوية العصبية بجميع دوراتها ومستوياتها وملحقاتها ، وليس نقداً مفصلا لكل تقنية على حدة ، وهذا يشكل نقطة من أكثر النقاط خطورة في قضية التدريب على البرمجة اللغوية العصبية كما يرى الدكتور عبدالعزيز النغيمشي أستاذ علم النفس والمهتم بالتأصيل الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض إذ يقول : "ومن المخاطر: كون النقد الموجه للبرمجة اللغوية العصبية ليس للمحتوى ، وليس نقداً تفصيلياً فقط ، فلو كان كذا ؛ لأمكن تصفيتها ، وإنما الخطورة في كونها برنامجاًًً متكاملا " .
ومن وجه آخر فالنقد لمضامين البرمجة ومحتواها أكثره يركز على أخطاء المنهج العلمي لهذه الفرضيات والتدريبات فعدم ثبوتها العلمي سبب كاف لرفضها والتحذير منها ، وتفصيل ذلك يظهر في أن :
• كثيراً من المشاهدات التي بنيت عليها فرضيات البرمجة اللغوية العصبية ليست لها مصداقية إحصائية ، تجعلها فرضيات مقبولة علمياً ، ومن ذلك تصنيف الناس بحسب ما يسمونه "الأنماط التمثيلية" إلى سمعي وبصري وحسي ، وتحديد سمات لكل صنف فذلك لايعدو كونه مجرد ظنيات لم تثبت علمياً بل رفضها المتخصصون النفسيون بعد الملاحظة العلمية والتجريب فقال الدكتور مايكل هيب أستاذ علم النفس السريري بجامعة شفيلد ببريطانيا : (إن البحث العلمي فشل في دعم هذه الفرضية ) .
• الفرضيات التي تقوم عليها البرمجة تعامل وتطبق ويدرب عليها الناس باعتبارها حقائق ، رغم أنها لا ترقى لمستوى النظرية ، كما في فرضيات "دلالات إشارات الوصول العينية" و"النمطيات" وغيرها .
• أغلب التقنيات البرمجية ونظرياتها المعتمدة عليها مقتبسة من مراقبة بعض الظواهر على المرضى النفسيين الذين يبحثون عن العلاج ، ثم تعمم على الأصحاء الذين يبحثون عن التميز ، فعلى سبيل المثال : لوحظ على المرضى الانجذاب لمن يحاكي تصرفاتهم ويوافق ذوقهم ويشبه حركاتهم ، ومن ثم التأثر والقبول ؛ فبنى على هذا - في البرمجة اللغوية العصبية - ما يسمى بتقنية ( الألفة ) التي مفادها أن تتبع حركة الفرد وطريقته ودرجة تنفسه ومحاكاة ذلك كله بطريقة خفية وسريعة يوجد ألفة خفية في اللاواعي ، ويتيح الفرصة للقيادة والتأثير والتحكم الذي لايعيه الفرد المقابل ولا ينتبه إليه .
ومن نفس هذا المنطلق العلمي نقد كثير من العلماء الغربيين "البرمجة اللغوية العصبية" معتمدين فقط على مصادمتها للمنهج العلمي وما فيها من الادعاءات غير المثبتة .فإذا كان رفض عقلاء الغرب لها بناء على خللها العلمي فقط ، فكيف ينبغي أن يكون رفض عقلاء المسلمين الذين يرون - علاوة على هذا الخلل العلمي - مابنيت عليه فلسفتها من مصادمة لأصول عقيدتهم ومنهجهم فبعض فرضياتها لها جذورها فلسفية متناقضة مع المعتقد الحق كما في فرضية "الخارطة ليست الحقيقة" ، كما يرى نقادها المسلمين وجه آخر من خطرها على العامة حيث تأخذهم في طريق الوثنيين والباطنيين ودعاة الشامانية الجديدة الذين هم مدربيها الكبار ومنهم توقع شهاداتها واعتماداتها وإليهم يرحل كثير من الأغرار من شباب الأمة الذين دلهم على خطواتها الأولى المدربين المسلمين – هداهم الله - ، ومن وجه آخر فهي تمثل خطر متحقق على الدين والعبودية بما تقدمه للمتدربين من تقنيات شكّلت عند عمومهم صوارف عن هدى الكتاب والسنة!؟
كذلك فمن نقاط النقد الموجهة إلى مضمونها ، اشتمالها على بعض تقنيات فيها تشبّه بالضالين وضرر على العقل والدين ، كما في الدعوة إلى الوصول للـ "النشوة" و"الغشية" Trance عبر الاسترخاء والتنويم الذي يمثل مطلوب البوذيين :" النرفانا "!! . و"النرفانا " أو "النشوة" Trance يُقصد بها الوصول إلى حالات "الوعي المغيرة" وهي الحالات التي يحدث فيها خروج عن سيطرة العقل الواعي بطرق شتى ، ذكرت دراسات علمية أن القبائل (البدائية) – بلا دين- كانت تسعى دائماً للدخول فيها بطرق كثيرة منها: ترديد ترنيمات خاصة ، أو الدوران بصور رتيبة ، أو التنفس التحولي، أو باتباع حميات غذائية قاسية أو بتمارين التركيز . كما توصلت الدراسة إلى أن الحالة المطلوبة "Trance" هي الحالة نفسها التي كانت تصل إليها طوائف من المتصوفة والدراويش أثناء الدوران في الذكر والسماع ، كما أنها الحالة نفسها التي يصل لها متعاطو المخدرات .
وسأتجاوز الحديث عن خطورة الدعوة للتنويم الشخصي والتنويم العلاجي - بهذه الصورة المتوسع فيها ، وعلى أيدي غير المتخصصين بل وغير المؤتمنين على العقل والدين ( ودسمول ، تادجيمس ....) - عبر دورات البرمجة اللغوية العصبية وأخواتها من الوافدات ، ولكنني أؤكد على أهمية محاربة التحكم والتلاعب بالعقول ، فإن فتح مجال كهذا قد تسبب في بلاد الغرب ثم في بلادنا مؤخراً في نشوء ظاهرة ما عبر عنه بعض الغيورين من المختصين في الطب النفسي بـ "الفوضى العارمة " .
ولكي يتصور - القارئ الكريم - طبيعة التنويم وماهيته بشكل أوضح ؛ أصلِكم بأهل الاختصاص في علم النفس ، تقول الدكتورة ( لندا دافيدوف ) العالمة المتخصصة والباحثة في مجال التنويم تحت عنوان "طبيعة حالة التنويم":
" إذا نجح المؤثر في تنويم الفرد ، فإن الوعي يتغير بدرجة كبيرة ، ويبدو أن جوهر التنويم هو القدرة على الإيحاء . وهذه المقدرة على الإيحاء يندرج تحتها ما لوحظ من تأثيرات سلوكية وهي:
1.فقدان التلقائية : حيث ينخفض الإحساس والتفكير التلقائي إلى أدنى درجة ، وربما إلى درجة العدم ، ويتوقف الأفراد المنوَمين عن التخطيط لما يريدون فعله ، وينتظرون إيحاءات خارجية قبل بدء النشاط مرة أخرى .
2. القدرة على الاختيار : بينما يختار البشر دائماً من يريدون التعامل معه ، فإن الفرد المنوَم يمضي بالاختيار إلى أقصى مداه ، فقد يركز مثلا على صوت المنوِّم ويتجاهل تماماً أي أصوات أو أشكال أخرى ويزيلها نهائياً من وعيه فلا يعود يسمعها أو يراها تماماً كأنها غير موجودة .
3.التقليل من اختبار الواقع : فتحت تأثير التنويم ؛ يكف الأفراد عن مقارنة إدراكهم بالواقع كما يفعلون عادة عندما يكونون بوعيهم ، بل يميلون أثناء التنويم إلى قبول ماهو غير عادي . فقد ينطق الشخص المنوَّم – تحت تأثير ايحاءات المنوِّم – بأشياء يراها وعيناه مفتوحتان ، ويعجز عن رؤية أشياء حقيقية موجودة أمام عينيه .
4.القيام بأعمال غير عادية : حيث يقوم الأشخاص المنومون بأعمال غير عادية من تلقاء أنفسهم. فقد يتصرف البالغون – تحت تأثير التنويم – وكأنهم أطفال يمرون بخبرات ماضية .
5.القابلية للإيحاء بعد فترة التنويم : أحياناً يوحي المنوِّم بأن بعض الكلمات أو الإشارات قد تسبب إحساساً خاصاً، أو تؤدي إلى سلوك خاص بعد زوال فترة التنويم . فالمنوِّم قد يوحي لرجل سمين أن رؤيته لكعكة الشوكلاتة ستجعله يشعر بالميل إلى القيئ . وفيما بعد عندما يرى الكعكة يتجاوب طواعية ، دون أن يتذكر الإيحاءات السابقة ويميل إلى أن يتقيأ وهذه الظاهرة تسمى "الإيحاء بعد التنويم ".
6.فقدان الذاكرة بعد التنويم : وهذه الحالة من فقدان الذاكرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بحالة القابلية للإيحاء بعد التنويم . ومعناها أن ينسى الشخص المنوم شيئاً حدث أثناء التنويم إلى أن تظهر علامة متفق عليها من قبل " كطقطقة الأصابع " فتؤدي إلى عودة الذاكرة .

وتبدو التغييرات في الوعي واضحة عند الأفراد الذين هم بطبيعتهم قابلين للخضوع للمؤثرات التنويمية . أما الأفراد ذوي الاستجابة المعتدلة فيشعرون عادة بالاسترخاء وبأنهم على صلة قوية بالواقع وقادرين على استرجاع خبراتهم السابقة وقادرين على مقاومة إيحاءات المنوم إذا رغبوا في ذلك " .

والذي رأى حقيقة مايدور في قاعات التدريب على البرمجة اللغوية العصبية ، وجلسات العلاج البرمجية وما يتبعها من العلاج بخط الزمن وغيره في واقع بلاد المسلمين ، وكيف يتأثر المنوَّمين فيها بإيحاءات المنوِّمين لا يملك إلا أن يرفع صوته محذراً من خطر تقنيات البرمجة اللغوية العصبية وتدريباتها على المسلمين ذلك الخطر الذي قد يتجاوز أموالهم إلى أنفسهم وأعراضهم وعقولهم ودينهم الذي هو عصمة أمرهم بينما هم منومين بتقنيات البرمجة اللغوية العصبية ... وقد يكون المنوِّم ساحر ملحد .....فاللهم سلّم ...اللهم سلّم .

Eng.Jordan
01-04-2013, 07:57 PM
المحور الثاني :
دراسة أصل الفكر وفلسفته وتاريخه وتوجهات منشئيه

يقول الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود أستاذ العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض : ( إن التركيز على خلفية العلوم الحقيقية أمر يجب ألا يُغفل عنه ، فعندما نعرف أن هذه البرمجة ابتدأت مع أصول الانحراف عند فرويد وعند فلان وفلان من الموصوفين بالمكر والمخادعة ، يجب أن نعيد النظر فيها ونفحصها ولا يشتبه علينا قول " خذ الحق ولو من الكافر" فنحن نأخذه نعم إذا كان حقاًً والرسول - صلى الله عليه وآله وسلم- قال في قصة الغول المشهورة : "صدقك وهو كذوب" لأن الشيطان قال حقاًً وهو آية من كتاب الله عزوجل . لكن الرسول –صلى الله عليه وسلم - عندما أتاه عمر - رضي الله عنه- بقطعة من التوراة فيها عن بني إسرائيل ماهو حق وفيها ماهو ليس بحق ، كما هو معلوم في الروايات عن بني إسرائيل قال : "أفي شك أنت ياابن الخطاب، والله لوكان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" ) .

والخطر في "البرمجة اللغوية العصبية" ليس لأنها وافدة من مشبوهين فقط ، بل لأنها تحمل فلسفاتهم وعقائدهم ، كما أنها ليست مجرد نتائج لأبحاث علمية أو دراسات نفسية محايدة حتى نعتبرها حكمة مشتركة يسوغ لنا أن ننتقي منها مايوافق ثوابتنا بل هي فكر فلسفي عقدي ملحد يلبس لبوس الحكمة والعلم ليتسلل في صفوفنا ، وحتى يتضح للقارئ الكريم الأصل الفلسفي والفكر العقدي الذي تقوم عليه "البرمجة اللغوية العصبية" ؛ لابد أولا من التعريف بأبرز الاعتقادات ( الفلسفات ) لفهم الكون والحياة التي يُنادي بها في العالم اليوم ، وهي كثيرة جداً يعنيننا منها لفهم موضوعنا هذا عقائد ثلاث :
الأولى : العقيدة الصحيحة ، وهي أصل جميع الأديان السماوية ، وتظهرها بوضوح نصوص الوحي في الرسالة الخاتمة ، ومفادها أن للكون إله حق واحد ، متصف بالكمال والجلال على التفصيل والإجمال فله – سبحانه - ذات تليق بجلاله وعظمته ، وله صفات عُلا أسماء حسنى عرف نفسه بها لعباده بما أوحى لأنبيائه . وتتضمن هذه العقيدة تأكيداً على أنه - تعالى - مباين لخلقه مستو على عرشه ، وأن كل ماعداه مخلوق من مخلوقاته مباين له مفتقر إليه .

والثانية : ماتسمى بعقيدة "تأليه الطبيعة"أو "تأليه الوجود" ، ومفادها تصور مبني على الاعتقاد بأن الوجود شيئ واحد ( كلي واحد ) سواء كان "عقلا كلياً" أو "وعياً كاملا" أو "طاقة كونية" أو"قوة عظمى" وأن كل ماهو موجود إنما هو انطباع لذلك الكلي وتجلٍ له فليس في الوجود شيء غيره . وهذه العقيدة هي أصل فكر أديان الشرق بتلوناتها الكثيرة وبأسمائها المتنوعة التي من أشهرها الطاوية والبرهمية والبوذية ، وهي ذات الفكر الذي تبناه كثير من فلاسفة اليونان والغنوصية . واصطلح على تسميتها عند علماء المسلمين ( عقيدة وحدة الوجود ).

والثالثة : "عقائد سرية باطنية" نتجت من دمج عقيدة وحدة الوجود (التصور الثاني ) مع (التصور الأول) من قِبَل منتمين للديانات السماوية ، فأنتج ذلك الدمج "وحدة وجود باطنية" تستخدم الألفاظ والمصطلحات الدينية وأهمها الألوهية ( الله ) على التصورات الإلحادية في معتقدات الشرق والغنوصية .

وهذه الأخيرة تظهر جلية لدى قبالة اليهود ، وغنوصية النصارى ، وبعض فلاسفة المسلمين وغلاة المتصوفة ، وشكّلت وتشكّل الخطر الأكبر على أصل الأديان السماوية ( العقيدة الصحيحة) لما فيها من التلبيس بباطنيتها .

وقد اتضح جلياً من خلال الدراسة والبحث أن معتقد ( وحدة الوجود ) مثّل في العصر الحديث توجهاً قوياً في الغرب ، وظهرت لنشره جمعيات ، وتبناه فلاسفة ومفكرون بصور شتى ، أبرزها ما كان في القرن التاسع عشر الميلادي متمثلا في حركة "النيو ثوت" New Thought التي أتى بها (فينياس كويمبي 1803-1866 م ) ثم تلتها جمعية "الثيوصوفي"Theosophy في نيويورك التي أسستها (مدام بلافاتسكي 1831- 1891م ) ، ونهجت بأنشطتها محاربة ( معتقدات الأديان السماوية ) بقوة وبمواجهة صريحة ، وأظهرت عدائها للدين والفكر المستقى منه ، فواجهتها الكنيسة وتصدى لها النصارى المتدينون بقوة، مما أدى لخفوت دعواتها بعد حذر الناس منها .
ولكن هذا الفكر ( عقيدة وحدة الوجود ) عاد مرة أخرى للظهور في الستينات الميلادية من القرن العشرين بعد احتضان الفكرة في معهد (إيسلان) بكاليفورنيا الذي أسسه (مايكل ميرفي ) و(ريتشارد برايس ) سنة 1961م ، ويمثل هذا المعهد أحد أكبر المؤسسات البحثية التي تعارض الفكر الديني من قِبَل المتبنين لفكر "الثيوصوفي" ، وتتبنى البحث في قوى الإنسان الكامنة وتتتبع العقائد والفلسفات التي تحرر هذه القوى من إسار المعتقدات الدينية "غير العقلانية" بتعبيرهم-يقصدون المعتقدات السماوية القائمة على التلقي - والنظر في كيفية نشر الفكر ******** (spirtituality)كبديل عن الدين (Religion) بين العامة والخاصة بطرق متنوعة ومعاصرة وجماهيرية وتطبيقية مباشرة .
وهكذا ظهر فكر "وحدة الوجود" بفلسفاته مرة أخرى من خلال معهد (إيسلان) تحت شعار "حركة القدرة البشرية الكامنة"Human Potential Movement بريادة (كارلوس كاستنيدا . 1925-1998 م ) ومؤسسي المعهد ، ولكن في هذه المرة بمنهج جديد لا يصادم الفكر الديني ويواجهه وإنما يداهنه ويزاحمه ويسعى للتقريب بين فكر التصور العقدي الثالث (غنوصية النصارى وقبالة اليهود وباطنية الفلاسفة والمتصوفة من المسلمين) وفكر وعقائد أديان الشرق من بوذية وهندوسية وطاوية وغيرها. وأنتج المعهد قوالب جديدة لنشر هذا الفكر من خلال أكثر من عشرة آلاف دراسة للتقنيات والممارسات والفرضيات في القدرات الكامنة في فترة الأربعين سنة الماضية .
وتكونت في المعهد طائفة تسمت بحركة "النيواييج" (New Age Movement) ، من أهم ما يميزها أنها ترى أن عصر التلقي من مصدر خارجي ( الله ) والتطبيق لأوامر خارجية (الدين) قد انتهى، وأن العصر الجديد يستطيع الإنسان فيه مع الطبيعة والعقل والقدرات غير المحدودة له أن يكفل صناعة حياته السعيدة ، بشكل يضمن اشتراك الإنسانية جمعاء معه دون تمايز ديني ، ذلك التمايز الذي لم يسبب على مدى العصور السابقة – بزعمهم – إلا الحروب والكراهية .

إذاً في معهد " إيسلان " تكونت بذرة حركة "النيواييج" ووضعت اللبنات الأولى لطرق نشر فكرها ؛ فجُمعت عشرات الطرق والتقنيات والتدريبات التي تتنوع لتلبي احتياجات متنوعة لدى الناس فتضمن بذلك انتشاراً واسعاً ، ومن بين تلك الطرق البرمجة اللغوية العصبية . وانتشر حملة فكر النيو إييج "النيوايجرز" في أنحاء أمريكا لنشر فكرهم بتقنيات جديدة ذات قوالب تدريبية . وتكّونت لنشرها وترويجها عشرات المؤسسات الخاصة داخل وخارج أمريكا من أشهرها مؤسسة " فايند هورن " ببريطانيا .

وللتنبيه فإن معهد (إيسلان) يطور أبحاثه ، ويغيّر إطار أفكاره بحسب نتائج مايرى في واقع الناس وقبولهم ، ولذلك ففي قاعاته اليوم وبرئاسة أحد مؤسسيه ( مايكل ميرفي ) تعاد دراسة فكر (عقيدة وحدة الوجود) وإعادة تشكيله ودمجه مع ( عقيدة الحلول والاتحاد ) ليتناسب أكثر مع اعتقاد أكثر الناس بوجود إله والرغبة في الطلب منه والاتصال به .
كما أن المعهد يمثل الآن جزءًا من نشاط كبير تتبناه جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات فكرية للبحث عن المؤثرات الميتافيزيقية (الماورائية) للأداء البشري ، ويعتمد هذا النشاط على القدرات البشرية الكامنة فقط ، مغفلا ما تخبر عنه الأديان السماوية من عالم الغيب ، وليس مستغرباً من أهل الضلال تعظيم شأن العقل وإقحامه فيما لامجال له فيه ، ولكن الغريب أن يتبع الضالين فئام من أصحاب الخبر الحق من السماء ؛ فيسيرون وراءهم ويقبلون تفسيراتهم بل ويتدربون على برامجهم ! وصدق الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى إذا دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) .

فهل "البرمجة اللغوية العصبية " - بعد هذا البيان – هي مجرد علم حيادي وسلاح مؤثر استخدمه "النيواييج" و"الشامانيون "وينبغي أن نستخدمه نحن المسلمين من باب أولى لأن الحكمة ضالتنا كما يزعم المدربون والمتدربون من إخواننا المفتونين بها !؟

ولمزيد من التدليل والبيان نستعرض موجزاً تعريفياً بأهم الأشخاص الذين ساهموا في تأسيس البرمجة اللغوية العصبية ، والمؤثرين فيها ، فكلهم "نيوايجرز" قبل أن يكونوا مطوري برمجة ، ثم تبنوها وأسهموا في إخراجها وهم الآن أشهر مدربيها ومروجيها في العالم فهي بتقنياتها وفرضياتها طريقة ممتازة لنشر فكرهم وقالب جذاب لفلسفتهم لا بطريق المواجهة والمصادمة بل بالمزاحمة المتدرجة ، ولا بطريق التنظير والفلسفة ولكن بطريق التدريب والتطبيق والممارسة :

1. ريتشارد باندلر (1950 م ): وهو المطور الرئيس للبرمجة وصاحب فكرتها الأساسية مع زميله وأستاذه المشرف على رسالته ( جرندر ) الذي مازالت الاتهامات والمرافعات القضائية بينهما قائمة، وكان باندلر ملتحقاً بمعهد إيسلان أثناء دراسته الجامعية ، وعمل محرراً لمسودات كتب (فريتز بيرلز) عام 1970م . وهو رائد صياغة الشامانية بشكل دورات تدريبية متدرجة تبدأ بـ "تفعيل قوى النفس" بالإيحاء وتقنيات البرمجة ، وتنتهي باستمداد القوة الكونية والقوة السفلية فيما هو معروف عند الشامان من ***** والتعامل مع الأرواح .

2. جريجوري بيتسون ( 1904 –1980م ) : ويمثل المشجع الداعم فكرياً وتنظيرياً ، وهو باحث في مجال "السايبر نتكس" بمفهوم السيطرة على المجتمعات من خلال الاتصال . وهو من المتبنين للفلسفة البوذية حتى أنه مات في مركز "زن"البوذي بمدينة "سان فرانسسكو" بأمريكا بعد أن قضى السنوات الخمس الأخيرة من عمره باحثاً ومحاضراً في معهد ( إيسلان ) .

3.كروزيبسكي ( 1879-1950م ) وشومسكي ( 1928م ) :وهما أصحاب أبحاث سابقة استُفيد منها في انتقاء مضامين البرمجة وفرضياتها وتقنياتها ، الأول : في مجال "العلاج الجشطالتي" -قبل تدوينه من قبل فريتز بيرلز- وهو علاج يجمع بين فلسفة مدرسة الجشطالت النفسية مع عقيدة وحدة الوجود في الطاوية وأديان الشرق ( العلاج الجشطالتي = علم النفس الجشطالتي + وحدة الوجود ) ، تؤكد ذلك "روز ماري وولف" -وهي معالجة جشتطالتية - في بحث لها بعنوان "الجذور التاريخية لنظرية العلاج الجشطالتي " والذي نشر في نوفمبر 1996م في مجلة "Newsletter of the Integrative Gestalt Center " ما نصه : " كل أجداد وجدات العلاج الجشطالتي تقريباً درسوا الفلسفة والعقائد السرية الشرقية وبالخصوص الطاوية وبوذية زن . إن مبدأ الوعي ( في العلاج الجشطالتي ) مأخوذ من سمات متعددة في التفكير الشرقي " .

أما الثاني ( شومسكي ) فمن أبحاثه ومجالات إبداعه اللغويات و( المناورة اللفظية) وإعادة تشكيل مدلولات الألفاظ والجمل أو مايمكن ترجمته بـ "النفاق اللغوي" وهي ذات فلسفة "الحداثة" .

والبرمجة اللغوية العصبية كما يقول مؤسسوها ؛ بنيت على نمذجة ثلاث شخصيات متميزة هي : ميلتون أريكسون ، وفرتز بيرلرز ، وفرجينيا ساتير ، وتشمل النمذجة دراسة الشخصيات والفكر والسلوك والمشاعر ودراسة أسباب نجاحهم ،ودراسة تطبيقهم الناجح لأفكارهم وممارستهم لمعتقداتهم . وإليكم تعريفاً بهؤلاء الثلاثة :

1. ميلتون أريكسون ( 1901 –1980م ) : هو من أبدع تقنيات الخروج من العقل إلى "حالات الوعي المغيرة" حتى نسب إليه ما يسمي ( التنويم الأريكسوني) ، وقد كان من المهتمين بالفلسفة البوذية ، ويعتبر أسلوبه في التنويم والعلاج النفسي تطبيقاً مباشراً لبوذية زن .

2. فرتز بيرلز ( 1893 – 1970 م ) : وهو من رواد "وحدة الوجود "ومطور "العلاج الجشطالتي" مع زوجته ( لورا بيرلز) وهو علاج معتمد ضمن تقنيات البرمجة اللغوية العصبية . وقد التحق بيرلز بمعهد (إيسلان) في عام 1964م وعاش بها حتى مرضه عام 1969م. حيث اعتمد عندها على الطالب الجامعي ( ريتشارد باندلر ) لكتابة مسودات كتبه في أوائل عام 1970م.

3. فرجينيا ساتير ( 1916-1988 م ) : وهي معالجة أسرية برعت في مجال التأثير على الآخرين ، وعملت بمعهد (ايسلان) من عام 1966م ، وأسست أحد مراكز "النيواييج" في أمريكا (مركز آفانتا)Avanta cantr الذي يعد أكبر مركز لبث وتسويق أفكارها وتقنياتها في العلاج الأسري بمفهوم (وحدة الوجود) ومعتقدات النيواييج .وتتبنى فرجينيا الفكر الفلسفي الشرقي حتى أنها طلبت حرقها بعد وفاتها وبث رمادها - على معتقد الهندوسية في محاولات النجاة من جولان الروح حسب عقائد الهند - وتم حرقها بالفعل.

هذه توجهات مؤسسي البرمجة والمؤثرين فيها والمنمذجين الأوائل بها ، وهذه معتقداتهم التي تم تنظيرها وقولبتها في قوالب عدة وتقنيات تدريبية ، وتم تسويقها وعرضها بطريقة البيع متعدد المستويات (Multi Level Marketing) ، ومن ضمن هذه القوالب والتقنيات دورات "البرمجة اللغوية العصبية "، ولن أتحدث عن السيرة والأخلاق والصفات الشخصية لهؤلاء ، مع أنها أثرت عند العلماء الغربيين كثيراً وساهمت في تحديد الموقف من تقنيات "النيو إييج" وادعاءاتهم ، فقد شكلت السيرة السيئة لمؤسس البرمجة اللغوية العصبية ( باندلر ) سبباً كافياً لنبذ البرمجة ، إذ كيف تقبل ادعاءات الاتصال والتأثير من فاقد مهاراتها ! قال الدكتور (رشلي كرابو ) - أستاذ علم النفس بجامعة "يوتا" بأمريكا : أنه كان من أوائل المهتمين بالبرمجة اللغوية العصبية نظراً للادعاءات الكبيرة التي صاحبت ظهورها ، وأنه أجرى العديد من البحوث في مجال تقييم ادعاءات البرمجة اللغوية العصبية وكان متحمساً لها ثم تركها تماماً سنة 1986م ، وأعلن فيها رأيه الأخير سنة 2003م فقال : "لقد وجهنا لذلك الوليد "البرمجة اللغوية العصبية " غاية الاهتمام حتى سنة 1986م عندما حوكم مؤسس هذا العلم باندلر "أبو الوليد" في قضايا القتل وترويج المخدرات والقوادة، عندها ألقينا بالوليد مع المغطس " .

هذه الشخصيات تمثّل مؤسسي"البرمجة اللغوية العصبية" والمؤثرين الكبار في تكوينها ، وهم لا يختلفون كثيراً عن بعض المدربين الأكثر تأثيراً اليوم في الساحة والمطورين للتقنيات الجديدة في البرمجة ، ومن أشهر هؤلاء في الساحة العربية :
1. وايت ودسمول ، وهو من متبني فكر "الوعي الكوني" ، ويعد مخترع "تقنية العلاج بخط الزمن" بالاشتراك مع ( تاد جيمس ) ، وهي تقنية تعتمد على "العلاج الجشطالتي " وعلى مهارات التعامل مع الأرواح . ويعرفون العلاج بخط الزمن بأنه "عملية إعادة تكوين عالية المستوى تجعل الفرد قادراً على إعادة التحكم في نفسه بسرعة ، وتحجّم معتقداته التي تحد من قدراته لتمكنه من الوصول لأهدافه من النجاح والتميز" ، ويفسرون قوة هذه التقنية بـ" أنها تمسح المحدوديات المنطبعة في أذهاننا التي وجدت في ماضينا من قناعات أو اعتقادات غير عقلانية – بتعبيرهم - ".

وطريقة هذا العلاج تتلخص في إدخال الفرد في حالات وعي مغيرة متنوعة المستويات ، ثم تطبيق تمارين معينة بالذهاب للماضي والمستقبل ، وقد يكون ذلك بقوة الخيال ، وقد يصاحبه تعامل مع الجن –أدرك ذلك المدربون أو لم يدركوا - حيث كثيراً ما تعتري العميل حالات هلوسة أو تخيل صور وغيرها ، وهذا يفسره المعالجين بنشاط القدرات النفسية والقوى الروحية بسبب خروج الإنسان من قيد الوعي عبر حالات الوعي المغيرة إلى الوعي الكامل "اللاواعي" .
وقد صرح ( تاد جيمس ) للمتدربات المسلمات معه ، أن فعالية هذه التقنية تتم عندما يكون المدرب قادراً على إرجاع العميل لحيواته السابقة حسب عقيدة تناسخ الأرواح . كما صرح أحد المتدربين المسلمين مع ( ودسمول ) بأنه تعجب كثيراً من فعالية هذه التقنية لأنه قابل أثناء تنويمه أشخاص سابقين في حياته ومنهم موتى وتخاطب معهم ، كما أنه قابل أشخاصاً في المستقبل وطلب مساعدتهم ، ثم حدث هذا فعلا معه بعد ذلك !
وتُعد مدرسة ( ودسمول ) في عالمنا العربي وفي السعودية ، من أكبر مدارس البرمجة ولها ممثل خاص بدول الخليج لاتحادها العالمي للبرمجة العصبية يرأسه أحد أهل الدعوة والعلم الشرعي- هداه الله-!
2. تادجيمس ، وهو من أشهر مدربي البرمجة للمدربين المسلمين ، ومدرسته من أشهر مدارس البرمجة التي ينتمي لها كثير من المدربين السعوديين إذ أنه و( ود سمول ) يتنافسان على "السوق السعودية" وفي أوقات متقاربة في عام 2001م ؛ قدمت أول دورة على مستوى مدرب لهما في العالم الإسلامي في كل من مصر والبحرين ومن بعدها توالت دوراتهما في البلاد.
( تاد جيمس ) هو صاحب جامعة " أميركان باسيفك "الجامعة الوحيدة التي اعتمدت البرمجة اللغوية العصبية ضمن مناهجها ، وتعد الجامعة الرئيسة للعلوم الباطنية في أمريكا ، وتقدم برنامجين فقط لمرحلتي البكالوريوس والدكتوراة،البرنامج الأول :في العلاج بالتنويم ( Clinical hypnotherapy) ومن ضمن مقرراته : التنويم الشخصي ، تنويم الآخرين ، التنويم الحديث ، علم تناسخ الأرواح عبر التنويم ، الأنظمة الرئيسة للبرمجة اللغوية العصبية ، تقنيات حديثة للبرمجة اللغوية العصبية .
والبرنامج الثاني في الدراسات الباطنية ( Esoteric studies) ، وفيه يدرسون عدداً من المقررات من ضمنها : مقدمة للدراسات الباطنية ، الطب الذبذبي ، الانعكاسي ، الهوائي ، الشمان ، تانترا التبت ، التانترا الطاوية ، الهونا ، الترانيم القديمة . الريكي ، التارو ، العلوم الباطنية الغربية ، القبالة، الفينج شوي ، تاريخ ***** ، الراجا يوجا ، التنجيم ، العلاج بالطاقة ، وتشريح الروح .
كما أنه مبتكر دورات "الهونا" التي تصوغ فلسفة (دين هواي الوثني )" عقيدة وحدة الوجود " في صورة مستويات متدرجة تدريبية تتميز بتفعيل أسرع وإطلاق أكثر – لما يسمونه قوى النفس -باستخدام الترانيم والطقوس الوثنية والرقصات الدينية لأهل جزر هواي ( لأنهم نشأوا بعيدين عن تأثير الأديان السماوية فعقائدهم -كما يزعمون – هي الصحيحة لأنها تعتمد على حاجاتهم وقدراتهم الروحية لا على مصدر خارجي عنهم ) وكان ضمن المتدربين في دورته للهونا عام 2003 م أحد الدعاة وحفظة القرآن الكريم من الخليجيين .
وهناك ( أنتوني روبنز ) الذي يدرب بشكل جماهيري على البرمجة ، وتنظم بعض المؤسسات التدريبية في السعودية ودول الخليج رحلات تدريبية للمسلمين معه في بريطانيا وأمريكا ، وهو المشهور بدورات " أيقظ العملاق في داخلك وأطلقه " وتتضمن تدريبات المشي على النار منفصلة أو متصلة بالبرمجة اللغوية العصبية .
3. د. صلاح الراشد : وهو أحد ثلاثة أدخلوا البرمجة اللغوية العصبية لدول الخليج ، وهو من الدعاة وطلبة العلم الشرعي وحفظة كتاب الله ، ولكنه في الآونة الأخيرة أفصح بجلاء عن تبنيه لنفس الفكر وفلسفاته ، فبقراءة متأنية لنشرات فواصل ( توزع في كافة مراكز الراشد ) يظهر بوضوح بثه لتصورات وحدة الأديان ، والوعي الكامل والعقل الكلي ، والتأكيد على أن الدنيا احتمالات كثيرة كلها في مستوى واحد ، وليس هناك حق وباطل وإيمان وكفر ، وإنما هي مجرد نظرات مختلفة من زوايا مختلفة بثقافة وبيئة مختلفة لا أكثر . وتتضمن دعوات متكررة للتأمل التجاوزي والقراءة في نبوءات الكهنة وكتب الديانات المختلفة باعتبارها علم وتراث من رؤية خاصة كما أن القرآن والحديث علم من رؤيا خاصة ، والقرآن يمثل العهد الأخير من بعد العهد القديم والعهد الجديد .
و( د. صلاح الراشد ) هو مبتكر التقنية التطبيقية لما أسماه "قانون الجذب" وتغيير المستقبل مستدلا بالنصوص الشرعية على منهج وطقوس وفلسفة الطاوية والبوذية في قوى النفس .

ومن مشاهير مدربي البرمجة في العالم الإسلامي ( د.ابراهيم الفقي ) الذي ذكر أنه كان متخوفاً من التدريب في العالم العربي في البداية ، لكنه فوجئ بالسوق الرائجة للبرمجة ، بل والطلب الشديد على الطاقة والتأمل والتنفس ، مما جعله ينقل إليه كثيراً من تجارته ، ويتعاون مع ( د. الراشد )في تقديم دورات المستويات العليا في ما يسمى "الطاقة البشرية" يدرب فيها على أكثر الطقوس ومفاهيم الأديان الشرقية مخلوطة بتقنيات إدارية وسلوكية تحت اسم "البرمجة الغوية العصبية " و"الطاقة البشرية "وغيرها .

المحور الثالث :
تقييم البرمجة العصبية بدراسة مخرجاتها الحقيقية

كغيرها من المستجدات ؛ انتشرت البرمجة اللغوية العصبية انتشاراً كبيراً بين العامة على شكل دورات تدريبية في أمريكا أولا ، ثم في كثير من دول العالم ، فمن المعلوم - عند علماء الاجتماع والنفس وغيرهم - أن العامة تنـزع عادة إلى تعلّم مافيه جدّة وغرابة وغموض ، وهذه التطبيقات تحمل كمّاً من المصطلحات الجديدة والمفاهيم الغامضة التي تشكل وحدها عامل جذب قوي يرضي الرغبة في التميز ، لاسيما عند الأغرار من صغار السن ومن النساء والشباب .
ومن وجه آخر ، فهي كسائر تقنيات "النيو إييج" تعتمد على نظام تسويقي جيد "البيع متعدد المستويات" وهو كفيل بجذب أعداد كبيرة من الناس بطريقة تسويقية يعرفها المتخصصون في الاقتصاد . كما صاحبتها حملات دعائية كبيرة ، فقد قُدّمت بصورة مجانية لقطاعات متنوعة ؛ فقدمت للدعاة والداعيات وخطباء المساجد ، ولكثير من الأطباء والمعلمين والمعلمات والمشرفات التربويات ، واستقطب روادها أصحاب المسؤوليات والمناصب بدعوات خاصة ، كما قُُدّمت بصورة مختصرة وجذابة ، وبمبالغ رمزية في بعض الجامعات للطلبة والطالبات في مدرجات عامة مما جعلها تنتشر بصورة كبيرة .
وهناك سبب آخر قوي وهو أن هذه الدورات مسبوقة بتضخيم لكثير من الاحتياجات ، وادعاء حلول جميع المشكلات ، حيث تم إيهام كثير من الناس بقصور مهاراتهم وحاجتهم الشديدة لتنميتها ، ولن يتم ذلك بالمثابرة والعمل الدؤوب والعمل بما علموا وغير ذلك ، وإنما يتم ذلك ويتحقق وبصورة سريعة مذهلة من خلال الالتحاق بهذه الدورات على صنوفها المختلفة . وبعد كل دورة يزداد الإيحاء بالحاجة للمستوى الأعلى أو الفرع الآخر المكمل من منظومة هذه الدورات والتقنيات !! وهكذا يزداد الإقبال ويكثر الرواد .

وعند فحص المخرجات والنتائج لدورات "البرمجة اللغوية العصبية" بعد هذا الانتشار الكبير – بحسب إمكاناتي من الاستبانات والمقابلات والملاحظات والمشاهدات ، وبحسب نتائج دراسات كثير من الباحثين – وجدتها تتلخص في الآتي :
1. ظهور بعض النتائج الإيجابية ( محدودة جداً ) ، فهناك بعض المتدربين في دورات البرمجة اللغوية العصبية قد استفادوا في حياتهم الشخصية ، كما عولجت بعض الحالات . وتعليل هذا واضح فالبرمجة اللغوية العصبية - كما سبق وبينا - علم انتقائي يحتوي على بعض الأمور الصحيحة المأخوذة من علوم متنوعة ، مع ادعاءات كثيرة ، ومجموعة من الظنيات غير المثبتة بالإضافة إلى التركيز على "حالات الوعي المغيرة " وتأثيراتها ، بالإضافة لاعتمادها على الإيحاء والإيهام بدرجة كبيرة .
2. إذا تجاوزنا حالات الانتفاع من جلسات البرمجة أو دوراتها ، ونظرنا إلى الوعود المدعاة من المدربين والمكتوبة في ( برشورات ) الدعاية لدورات البرمجة ، مع واقع المدربين والمتدربين ، نتبين بوضوح أنه لا صحة لتلك الوعود الكثيرة ، وإنما البرمجة غالباً تبيع الوهم بالصحة للمريض والوهم بالتميز للأصحاء فينتفع بها مرضى الوهم كثيراً . والواقع يؤكد أنه لم يتحول جموع المتدربين إلى مميزين في مجالاتهم ، ولم يثروا المجتمع بإبداعاتهم ، ولم يلغوا خلافاتهم، ولم يزدد عدد النابغين من الطلبة ، ولم يبدع جماهير المعلمين والمعلمات ممن التحقوا بدورات البرمجة ، كما لم تنخفض نسب الطلاق ونحوه ، وإنما المخرج الظاهر بوضوح ازدياد أعداد المدربين للبرمجة العصبية وازدياد سوق التنافس بينهم ، وانتشار الخلاف بينهم بحسب المدارس التي ينتمون لها والمدربين الكبار لهم .
3. ومن مخرجات البرمجة الخطيرة تسريب تقنيات الأطباء النفسانيين لأيدي عامة الناس ومنهم طلبة دون سن النضج ، فانتشر استخدام التنويم حتى بين الأغرار والصغار وأصبح هناك طالبات في المرحلة المتوسطة والثانوية ينومن ويعالجن بخط الزمن !!! وانطلق كثير من المرضى النفسانيين كمعالجين مما سبب في البلاد الإسلامية بالذات فوضى عارمة لضعف الأنظمة القانونية وأنظمة المتابعة .
ومن أخطر نتائج انتشار البرمجة اللغوية العصبية ومخرجاتها في المجتمع المسلم أنها فتحت مجال التدريب والقبول للتطبيقات الأكثر خطورة والأشد انحرافاً من تقنيات "النيوإييج" لأنها تتبع في تسويقها النظام المتعدد المستويات ؛ فتسوَّق بشكل مستويات متدرجة ، من دبلوم إلى كبير مدربين مميز ، واجتياز المتدربين لمستوى يسحبه للمستوى التالي في هرم البرمجة اللغوية العصبية، وهرم البرمجة يوصل ويسحب لهرم "الطاقة البشرية " ومستوياته المتدرجة ، وهكذا إلى باقي تقنيات "النيو إييج" وفي نهاياتها مستويات دورات "الهونا"و"الشامانية" وغيرها من التطبيقات الوثنية المتسترة خلف تفعيل الطاقات البشرية والاستفادة من طبائع وخصائص وأسرار الطاقة ********ة الكامنة – بزعمهم – في الأشكال والمجسمات ومواد الطبيعية ، التي تقود فئاماً من الأمة إلى طريق شرك – يرق أويغلظ – قال الإمام ابن تيمية في معرض حديثه عن خطر ما فعله المروجون لمثل هذه الوافدات في عصره بدعاوى الانتفاع وغيره وتحت ستار نصرة الدين : "كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم إذ بنوه على ما في الأرواح والأجسام من القوى والطبائع ، وإن صناعة الطلاسم والأصنام لها والتعبد لها يورث منافع ويدفع مضاراً ، فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ، ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه " .

فهل يسوغ لنا أن نتغاضى عن كل هذه المخرجات الحقيقية ، ونقوِّم البرمجة العصبية على أساس أن هناك من انتفع بدورة في البرمجة اللغوية العصبية أو معالجة بها !
إنه كان يمكن لهذا المنتفع أن يحصل على نفس النفع لهذا الفرد أوذاك ، بل أعظم منه إذا جالس طبيباً مسلماً مختصاً ماهراً ، أومرشداً نفسياً صالحاً ، أو داعية تربوياً حريصاً ، فليس كل سبب يُنتفع به يجوز الأخذ به ؛ فلسنا من اتباع مذهب الذرائعية النفعية ، وليس كل نفع ظاهر يكون نفعاً معتبراً من منظورنا الشرعي الذي لا يعترف بالمنفعة ، إلا إذا خلت من أي ضرر على العقيدة والعبودية .
ثم إنه ليس كل ما يُظن أنه سبب يكون سبباً على الحقيقة ، فقد يزينه الشيطان وهو ليس كذلك ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " إن الشيطان زين لهم نسبة الأثر إلى مالا يؤثر نوعاً ولا وصفاً ؛ فنسبته إلى وصف قد ثبت تأثير نوعه أولى أن يزين لهم . ثم كما لم يكن ذلك الاعتقاد منهم صحيحاً ، فكذلك هذا ؛ إذ كلاهما مخالف للشرع "
ثم بيّن – يرحمه الله – صفة المهتدين في باب الأسباب والمسببات فقال : "ولا يعملون بما حرمته الشريعة ، وإن ظُن أن له تأثيراً ، فدعاء الله وحده لا شريك له دل الوحي المنـزل والعقول الصحيحة على فائدته ومنفعته ، ثم التجارب التي لا يحصي عددها إلا الله ، فتجد المؤمنين قد دعوا الله وسألوه أشياء أسبابها منتفيه في حقهم ، فأحدث الله لهم تلك المطالب على الوجه الذي طلبوه على وجه يوجب العلم تارة والظن الغالب أخرى . وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب ، أو شرط السبب ، في هذا الأمر الحادث قد يعلم كثيراً ، وقد يظن كثيراً ، وقد يتوهم كثيراً وهماً ليس له مستند صحيح ، إلا ضعف العقل" .
وقال عن الضالين في هذا الباب : " والضالون يتوهمون من كل ما يُتخيل سبباً ، وإن كان يدخل في دين اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم والمتكايسون من المتفلسفة يحيلون ذلك على أمور فلكية ، وقوى نفسانية ، وأسباب طبيعية يدورون حولها ، لا يعدلون عنها!" .



المحور الرابع :
التأكد من صحة الادعاءات

الادعاء أمر سهل جداً لذا يكثر الأدعياء ؛ ولكن البرهنة على صحة الدعوى أمر عزيز إلا عندما يكون الأمر حقاً . قال شيخ الإسلام : " ألا ما أسهل الدعوى وأعزّ المعنى " ، والادعاءات التي يدعيها مؤسسو ومروجو ومدربو البرمجة كبيرة جداً ، ولو سلمنا بهذه الدعاوى فالبرمجة قادرة على تغيير البشر إلى نسخ ( منمذجة ) من المتميزين والعظماء !!
لذا فإن تقويم "البرمجة اللغوية العصبية" بالتأكد من صحة الادعاءات كان مهمة جادة ، قامت بها الجهات المسؤولة في الولايات المتحدة الأمريكية ؛ فقام معهد بحوث الجيش الأمريكي The US Army Research Institute بتمويل أبحاث عام 1987م بعد انتشار دورات تطوير القدرات تحت مظلة "تحسين الأداء البشري" على أن تقوم بها الأكاديميات القومية National Academies US التي تتكون من كل من الأكاديميات القومية للعلوم والهندسة والطب والبحث العلمي ، وتعتبر هذه الأكاديميات بمثابة المستشارة العلمية للأمة الأمريكية ، ثم تم تكوين فريق علمي كان اختيار أعضائه على أساس ضمان كفاءات خاصة وضمان توازن مناسب ، وعُهد لمجموعات مختلفة بمراجعة البحوث حسب الإجراءات المعتمدة لدى أكاديميات البحوث الأربع. وانتهت الدراسة بتقديم الفريق العلمي لثلاث تقارير:
الأول : في عام 1988م ،والثاني : في عام 1991م ، والثالث : في عام 1994م .
وقد حوى التقرير الأول تقويماً للعديد من الموضوعات والنظريات والتقنيات منها البرمجة اللغوية العصبية التي ذكر عنها ما نصه : " أن اللجنة وجدت أنه ليس هناك شواهد علمية لدعم الادعاء بأن الـNLP استراتيجية فعالة للتأثير على الآخرين ، وليس هناك تقويم للـNLP كنموذج لأداء الخبير " .
واستمر البحث والتحري في مجال "تحسين الأداء البشري" وبعد ثلاث سنوات يشيد التقرير الثاني بنتائج التقرير الأول ، والقرارات التي اتخذها الجيش الأمريكي بخصوص عدد من التقنيات السلبية ومنها الـ NLP ، حيث أوصى بإيقاف بعضها ، وتهميش بعضها ، ومنع انتشار البعض الآخر .
وبعد ثلاث سنوات أخرى اكتفي التقرير الثالث – نصاً - في موضوع البرمجة اللغوية العصبية بما قُدم في التقريرين الأول والثاني .
فمع أنه - كما ذكرنا عند الحديث عن مخرجات البرمجة - هناك بعض النتائج الإيجابية لأن البرمجة اللغوية العصبية تنتقي في مزيجها تقنيات وممارسات صحيحة ، انتحلتها من علوم شتى ، ولكن لا صحة لتلك الادعاءات الكبيرة التي تطالعنا بها إعلاناتها ويزعمها مدربوها ، ولهذا قال "د.روبرت كارول": (رغم أني لا أشك أن أعداداً من الناس قد استفادوا من جلسات الـ (NLP) إلا أن هناك العديد من الافتراضات الخاطئة ، أو الافتراضات التي عليها تساؤلات حول القـاعدة التي بنيت عليها الـ (NLP) فقناعاتهم عن العقل اللاواعي والتنويم والتأثير على الناس بمخاطبة عقولهم شبه الواعية لاأساس له.كل الأدلة العلمية الموجودة عن هذه الأشياء تُظهر أن إدعاءات الـ (NLP) غير صحيحة) .
و د. (مايكل هيب) عالم النفس السريري بجامعة شفيلد البريطانية الذي قام في عام 1988م بتقييم سبعين بحثاً علمياً في البرمجة اللغوية العصبية ، وختم جهده بقوله : إن البرمجة اللغوية العصبية تفتقد إلى الأدلة الموضوعية لإثبات ادعاءاتها ، وأن البحث التجريبـي المقدم في هذه البحوث فشل في دعم فرضياتها .

المحور الخامس :
وقفة سريعة مع الظواهر المصاحبة لها

يقول الشيخ الدكتور عبد الرحمن المحمود : (إننا عندما نحكم على شيء ينبغي أن نلتفت إلى الظواهر المصاحبه له ، فمع البرمجة أصبحنا نسمع عن المشي على الجمر ، وعن قدرة رجل نحيل عن حمل رجل كبير ضخم ، وعن إمكانية حمل رجل ثقيل بالاعتماد على الأصابع فقط ، وعن ...وعن ... ؟! ويجب على كل من عنده غيرة على دين الله تعالى أن يستنكر ويصرخ بقوة ليحذّر الناس ) .
ومن هنا ؛ فإن الناظر فيما صاحب انتشار البرمجة اللغوية العصبية في دول الخليج (منذ 6-7 سنوات) سيجد رواج كثير من تقنيات "النيو إييج" الأخرى ، وكثرة الأدعياء تحت اسم التدريب والطب البديل ، ويلحظ الانتشار الواسع للكتب المروجة للماكروبيوتيك والطاقة وغيرها ، وكثرة انعقاد دورات التدريب على الاسترخاء ، والتأمل ، والريكي ، والتشي كونغ وغيرها .
كما حدثت مخالفات شرعية وشطحات عقدية متنوعة ، من كثير من المدربين والمتدربين ، ولن أورد هنا أمثلة كثيرة لهذه الشطحات ، ولكنني أدعو المختصين لقراءة أعداد مجلة الطريق إلى الطب البديل التي تدخل هذه الفلسفات تحت مسمى الطب البديل ، وكذلك نشرات نادي السعادة المرفقة بمجلة فواصل ( توزع مجاناً في فروع مركز الراشد) ففيها أمثلة كثيرة على ما تؤدي إليه البرمجة من مخاطر عقدية -كما هو متوقع من السائرين في هذا الطريق الخطر - فمن تقنيات برمجية قد تبدو حيادية ، لتأمل تجاوزي ( طقوس المهاريشية ) لمفهوم الطاقة حسب عقائد البوذية والطاوية..في تهوك عجيب حذر منه المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال : ( فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون ) .
كما أن هذه النشرات ( نشرات نادي السعادة فواصل ) تعطي فكرة موجزة عن بعض التقنيات المستخدمة في البرمجة ، وصورة واضحة عن نهايات طريق البرمجة في واقع المتدربين المدربين عليها من أصحاب الفكر والعلم الشرعي والدعوة بعد التدرج في مستوياتها والتنقل بينها وبين أخواتها كالطاقة والتلونات الأخرى التي يتمثل الشر فيها بصورة أوضح وأخطر إلا أن من يدخلها غالباً يكون قد مرّ عبر البرمجة اللغوية العصبية بما أهّله لقبول الأفكار ومناقشة الثوابت ، ودرّبه على عدم الالتفات للنقد ، وعلى طريقة تعويق وصول أي نقد إلى العقل بتقنيات متنوعة ومؤثرة ، بل وإن المتدرب غالباً قد خضع لتدريبات تمكنه من التخلص من المعتقدات التي تمثل إشارات حمراء تمنعه وتحذره ، إذ أن وجودها يعد حسب فكر أهل البرمجة تحجيماً للقدرات الخلاقة للإنسان وتعويقاً لإبداعه وطاقاته .

وفي المملكة العربية السعودية وحدها اليوم أكثر من (4000) شخص ممن تدربوا على البرمجة اللغوية العصبية فماذا يتوقع من كثير منهم إذا أكملت "النيواييج" مسيرتها- وهي فعلا تكمل المسيرة - وصدّرت لنا باقي تقنياتها التي لا يظهر فيه الحرب على الدين ، ماذا سيحدث إن لم ينتبه أهل الرأي في بلاد الإسلام للتحذير وبيان الخطر؟!

ونؤكد بأننا بهذا البيان والتحذير لا ندعو إلى رفض كل جديد ، وإنما ندعو الجميع عامة وخاصة إلى عدم الانبهار بالجديد ، وفحص كل فكر وافد بروية ، والتأكد من أصوله وفلسفاته حتى لا نكون أدلاء إلى طريق الضلال والغواية ؛ فالوافدات العقدية في العصر الحديث كثيرة جداً ومختلفة الشعارات متلونة القوالب ،فبالإضافة إلى البرمجة اللغوية العصبية هناك دورات الطاقة ، والماكروبيوتيك ، والتأمل التجاوزي ، والتنفس التحولي ، والريكي ، والتشي كونغ ، والتاي شي، والفينغ شوي ، والاستشفاء بالخصائص السرية للأهرام والأحجار وبعض التماثيل والأزهار والأشكال الهندسية ، والحروف والأعداد ....وغيرها . وحركة "النيواييج" تعمل بقوة لتسويقها ونشرها ، ومجموع ما أنتجوه وما يروجوه إلى الآن يتراوح بين 70 – 120 طريقة بمسميات مختلفة وتطرح في البيئات والدول حسب قبول الناس لها وتستخدم مصطلحاتهم ، ولا تتصادم في ظاهرها مع معتقداتهم والعامل المشترك فيها كلها عقيدة وحدة الوجود وتأليه الطبيعة .

الخـــاتمة

وبعد هذه الجولة النقدية عبر هذه المحاور الخمسة نختم الحديث بالتأكيد على أن الوافدات الفكرية ومن بينها البرمجة اللغوية العصبية ، والطاقة ، والماكروبيوتيك ، والتأمل الارتقائي ، والتنفس التحولي والريكي ، والتشي كونغ ، وغيرها ليست تقنيات حياتية أو علوماً حيادية يمكن الاستفادة منها في ضوء فكرنا وثوابتنا ، وإنما هي فكر ملحد جرّب مواجهة الدين ومقارعة الثوابت ففشل ؛ فانتهج منهج الباطنية وتلون في صور وتطبيقات جديدة تنتقي مع أصل الفكر الملحد في نظريات وتقنيات صحيحة من علوم صحية أو نفسية أورياضية أو إدارية ، وتقدّم في شكل مستويات متدرجة في المعلومات وفي المخاطر ، لذلك لا يُصدّق ما أقوله في التحذير منها كثير ممن أخذ دورة تعريفية ، أو اطلع على كتب أو مذكرات تتضمن شرح بعض التقنيات فقط ، فأكثرها ليست من أصلها ، وتمثل الجزء المقبول منها الذي يشكّل طُعمًا لبداية الطريق في مستوياتها وتلوناتها .
وقد أكد الدكتور عبدالعزيز النغيمشي أستاذ علم النفس والمهتم بالتأصيل الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ، أن قضية البرمجة اللغوية العصبية محفوفة بمخاطر ثلاثة :
الأول : أن البرمجة بهذه الصورة ( لم تُحقق علمياً ولم تُؤصل شرعياً ) تتجه إلى العامة ، وأقصد بالعامة غير المتخصصين كالمعلمين والموظفين والآباء والأمهات ، وهؤلاء عندهم شيء من الجهالة تخصصاًً وشرعاًً .
الثاني : أن بعض أوائل من تصدى لهذه البرامج في مجتمعنا إما شرعيون ، أو لهم خلفية شرعية فصاروا حجة ، وأصبح الناس ينظرون للبرمجة اللغوية العصبية على أنها أمر يدعو إليه أهل الدعوة والصلاح .
الثالث : كون النقد الموجه للبرمجة اللغوية العصبية ليس للمحتوى ، وليس نقداً تفصيلياً فقط ، فلو كان كذا ؛ لأمكن تصفيتها ، وإنما الخطورة في كونها برنامجاًًً متكاملا فهي برمجة ، لها اسم ولها أساتذة ولها شهادات ولها اعترافات وجهات .
ولخص رأيه فقال : " لذا لايمكن أن تبقى على هذه الصورة ، أنا مقتنع جداً بأنه يجب أن لا تبقى على هذه الصورة مهما عدلناها وأخرجنا برنامجاًً صافياًً ، فلا نبقيها باسم البرمجة اللغوية العصبية ؛ فالمتدربون سيتدرجون في مستوياتها إلى أصولها غير المنقاة وسيقع الخطر " .
ثم أوصى أهل الرأي في الأمة فقال : " يجب المطالبة بكل قوة بأن يعكف المتخصصون من ذوي الثقافة الشرعية على إخراج برامج مؤصلة مطعمة بما يفيد ، دون أن تدخل تحت هذا الاسم وهذا الإطار ، ولا يمنع أن تجد بعد أن تنتهي من إعداد البرنامج أن البرنامج فيه 10% أو 60% من مفاهيم البرمجة اللغوية العصبية ، ما دمت أصلا قد بدأت من مصادرك الشرعية ، وانطلقت من ثوابتك العقدية والعقلية . وأكثر ما ذُكر من فوائد في البرمجة له أسس موجودة في الأدلة الشرعية فموضوعات الإيحاء، وقانون التكرار ، والموضوعات التربوية المتعلقة بقانون التدرج ، والمشاركة الإيجابية ، بالإضافة إلى أمور أخرى كثيرة؛ يكتشفها الباحث في الأدلة الشرعية لاستخراج البرامج التربوية والتطويرية من خلال معرفته بالبرامج الغربية مثل البرمجة اللغوية العصبية أوغيرها ، دون أن يدخل البرنامج الجديد تحت اسم البرمجة اللغوية العصبية حتى لا توصل إلى روادها الغربيين ويقع الخطر " .

وأخيراً فإن ما بينته من الحقائق عن هذه الوافدات هو من باب تعريف المهتمين والمسؤولين والعلماء بمخاطرها إبراء للذمة ، وأعتقد أن أكثر من دخل هذه التقنيات من المسلمين هم إخوة في الدين يجهلون هذه الحقائق ، ومن الواجب تجاههم وحقهم عليّ ؛ النصيحة والتواصي بالحق ، وأظنهم بحاجة ماسة للتوجيه والتحذير من علماء الأمة ، وأهل الرأي فيها ، علماً بأن أكثر هؤلاء المتدربين مازالوا في بداية الطريق ، ومازالوا مترددين في قبولها وتكملة باقي المستويات فيها ؛ لما سمعوا من نقدها . ولكن وعود المدربين لهم بالتميز والإغراءات المادية في التجارة بها قوية . وهم ينتظرون فتوى العلماء ونصح المربين وبيان الباحثين ، فهذا بياني أقدمه أداء لواجبي وإبراء لذمتي وأسأل الله العظيم أن يوفق الله الجميع لما يحب ويرضى .

والله من وراء القصد

فهرس الموضوعات


المقدمة 5
منهج الدراسة والنقد 7
ماهية البرمجة وتقنياتها 8
أصل الفكر وفلسفته 17
مخرجات البرمجة 25
ادعاءات البرمجة 29
الظواهر المصاحبة لها 31
الخاتمة 33


المراجع*

1. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
2. اقتضاء الصراط المستقيم لخالفة أصحاب الجحيم . لابن تيمية .
3. بدائع الفوائد . لابن القيم .
4. فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي .
5. مقدمة ابن خلدون . عبد الرحمن ابن خلدون
6. التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية محمد عز الدين توفيق .
7. تمهيد في التأصيل د. عبدالله الصبيح
8. مدخل علم النفس د. لندا دافيدوف ، ترجمة د. سيد الطواب وآخرون
9. علم النفس المعرفي د. رافع الزغلول ود. عماد الزغلول .
10. مدخل لنظريات الشخصية . د. باربرا انجلز ، ترجمة د. فهد بن عبدالله بن دليم
11. الحركات الباطنية د. محمد أحمد الخطيب
12. الروحية الحديثة دعوة هدامة د. محمد حسين
13. أثر المادية والروحية في التوجيه د. محمد البهي
14. تفسير المعرفة وعلاقته بنظرية الكون د. راجح الكردي
15. مباحث في منهجية الفكر الإسلامي د. عبدالمجيد النجار
16. المعجم الفلسفي د. جميل صليبا
17. فلاسفة الشرق ترجمة : عبدالحليم سليم .
18. الفكر الشرقي القديم د. جمال المرزوقي
19. دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي . د. حسام الدين الألوسي .
20. موقف الإسلام من ***** د. حياة با أخضر .
21. موقف الفلاسفة المنتسبين للإسلام من التنبؤ بالغيب . د. حياة با أخضر
22. الأحلام وقواها الخفية تأليف : د. آن فراداي ، ترجمة : عبدالعلي الجسماني
23. قدرات غير محدودة انتوني روبينز
24. قوة عقلك الباطن د. جوزيف ميرفي .
25. خوارق اللاشعور د. علي الوردي .
26. آفاق بلا حدود . محمد التكريتي .
27. نظرات في البرمجة اللغوية العصبية د. محمد الصغير .
28. مذكرات الدورات لمستويات مختلفة لحجمع من المدربين ( ابراهيم الفقي ، نجيب الرفاعي ، محمد التكريتي ، عوض القرني، سمير بنتن، محمد عاشور، علي شراب، عبدالرحمن الفيفي ، عبدالناصر الزهراني ، سعود المندح، شكري الشيخ ، طلال خياط ، حسن البشل ، وغيرهم من مدربي البرمجة أو الطاقة )
29. كتب وألبومات سمعية ونشرات نادي السعادة ( فواصل ) د. صلاح الرا شد

المراجع الأجنبية :

30. Encyclopedia Britannica .
31. Enhancing Human Performance: Issues, Theories, and Techniques; US National Academy Press, 1988.
32. Enhancing Human Performance: In The Mind's Eye; US National Academy Press, 1991.
33. Enhancing Human Performance: Learning, Remembering, and Believing; US National Academy Press, 1994.
34. Heap, M. Neurolinguistic programming – an interim verdict, Hypnosis, Croom Helm, London, 1988, pp 269-280.
35. Lindsey, R. "Spiritual concepts drawing a different breed of adherent, NY Times, Sept. 29, 1986.
36. Encyclopedia of Systemic Neuro-Linguistic Programming and NLP New Coding, Robert B. Dilts, Judith A. Delozier, 2000.
37. Frogs into Princes: Neuro Linguistic Programming. Richard Bandler, John Grinder, Real People Pr;1981.
38. Trance-Formations: Neuro-Linguistic Programming and the Structure of Hypnosis, John Grinder, Richard Bandler, Real People Pr; 1981.
39. Heart of the Mind: Engaging Your Inner Power to Change With Neuro-Linguistic Programming, Connirae Andreas, Steve Andreas, 1989.
40. Changing Belief Systems With NLP, Robert Dilts, April 1990.
41. The User's Manual for the Brain, Bob G. Bodenhamer, L. Michael, Ph.D Hall, L. Michael. Hall Publisher: Crown House Publishing; 2001.
42. User's Manual for the Brain, Vol. II: Mastering Systemic NLP, L. Michael Hall, Bob G. Bodenhamer Publisher: Crown House Publishing; 2003.
43. America, the Sorcerer's New Apprentice: The Rise of New Age Shamanism, Dave Hunt, T. A. McMahon, Harvest House Publishers, Inc.; 1988.
44. Patterns of the Hypnotic Techniques of Milton H. Erickson, M.D, Richard Bandler, et al,1997.
45. THERAPY'S DELUSIONS : The MYTH of the UNCONSCIOUS and the EXPLOITATION of TODAY'S WALKING WORRIED, Richard Ofshe, Ethan Watters, Simon & Schuster; 1999.
46. Manufacturing Victim: What the Psychology Industry Is Doing to People, Dr Tana Dineen, Robert Davies Multimedia; 3rd edition, 2001.
47. Recovery from Cults: Help for Victims of Psychological and Spiritual Abuse, Michael D. Langone, W.W. Norton & Company; 1995.
48. Becker, Susan K., and Bruce D. Forman. 1989. "Zen Buddhism and the Psychotherapy of Milton Erickson: A Transcendence of Theory and Self". Psychology: A Journal of Human Behavior 26, 2-3: 39-48.
49. Rosemarie Wulf, The Historical Roots of Gestalt Therapy Theory;; Gestalt Dialogue: Newsletter of the Integrative Gestalt Centre, November, 1996.

Eng.Jordan
01-04-2013, 07:57 PM
المـــــــــلاحق

أُلـــفــة الـودود أم أُلـــفــة الـ"إن إل بي"؟!؟

عفواً: أُلـــفــة الـودود أم استدراج الـ"إن إل بي"؟!؟
أساليب الألفة (الوئام أوالتناغم أوالإنسجام والتجانس) كما يُسميها أهل البرمجة اللغوية العصبية تُعتبر من أهم تقنياتهم، والتي هي في الحقيقة أساليب استدراجية و فنون لخداع العقل و التمويه عليه وسرقة وخطف العقل ذهنياً. و هذا الأسلوب التأثيري يحاول من خلاله المبرمجون مجاراة ومشابهة وموافقة ومطابقة ومحاكاة وتقليد الشخص المقابل في كلامه وصوته ونبراته وحركاته ووقوفه ووضعه وسكناته وشهيقه وزفيره، ولحن القول والخطاب، وعكس نظامه التمثيلي وقناعاته واعتقاداته وقيمه مؤقتاً (بعد دراسة الآثار والعواقب)؛ و من ثم قيادته والتأثير عليه، وتغيير قناعاته وفق ما يُراد له.
ويؤكد روّاد البرمجة أن عمل مفتاح ما يسمى بالألفة يتطلب تتبع الشخص، و مجاراته بسرعة فائقة؛ للبقاء في خارج وعيه الواعي، و التأثير عليه، و قيادته بتنفيذ رغبات ممارس هذه التقنية.
وما ذكر سابقاً هو لون من سحر وزخرفة القول واللغة، واللحن بهما على غير الحقيقة؛ للتأثير على الشخص المقابل، و إخراجه عن و عيه، و استمالة قلبه، و خداعه. يقول الله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) (محمد: 30).
وينبغي الإشارة إلى أن نصوص الكتاب و السنة شملت على أهم عناصر و معاني الدلالة و الإفهام المشروعة وهي:
1. علم المتكلم بما يُريد إخباره.
2. قدرته على الإفصاح و البيان.
3. صدقه و حرصه و أمانته.
و أما عكسها فالدين منها براء كالجهل و الكذب و الغش و التدليس وعدم أهلية المتكلم في التبليغ والإفصاح. فدين الإسلام دين ظاهر وجلي لا يعمل في الخفاء كالباطنية، و لا يظهر خلاف ما يبطن. ومن تأمل هذا الأُسلوب المُسمى بـ"الألفة" في البرمجة (و الحقيقة هو الاستدراج و السرقة) فسيجده مخالفاً لمقاصد الشريعة من توقير و صيانة و حماية العقل و النفس. فأسلوب الألفة في البرمجة يفتقد الوضوح وسلامة القصد والصدق والأمانة، وذلك من خلال استدراج المُؤثر عليه بكلمات ومجاراة ومن ثم قيادته من حيث لا يشعر. وهذا مناف لمقاصد الشريعة، وفيه ذريعة لشر عظيم، وفساد كبير في الإغراء والإغواء، واستدراج الآخرين في الضلال.
يقول الله عز وجل في محكم التنزيل مؤكداً على أن التأليف من عنده، و هو وحده مقلب لقلوب: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 63). و قوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران: 103).
فلا ومقلب القلوب إن الألفة الحقيقية لا يتحصل عليها بالاستدراج و الخداع ولحن الخطاب؛ وإنما يُتحصل عليها من عند الله العزير الجبار الغفور الودود الرحمن الرحيم، وباتباع تعاليمه وأوامره، واجتناب نواهيه.
فالألفة والوئام والمحبة والمودة تأتي باتباع شرع الله وهدي نبيه صلى الله عليه و سلم. يقول الله تعالى مؤكداً على معان جليلة و أساليب لطيفة؛ لتحقيق الألفة الحقيقية المشروعة: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران:159) فلين الجانب والقلب ورحابة الصدر وسلامته مدعاة لتآلف القلوب و توادها قبولها لبعضها. يقول صلى الله عليه وسلم مؤكداً على هذا المعنى القويم: (حرمت النار على الهين اللين، السهل القريب) (صحيح الترغيب: 1747). و يقول ايضاً: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه) (المسند الصحيح: 2594). ويؤكد على جانب التواضع والتسامح الذي هما مقتضى المحبة وسر من أسرار الألفة، فيقول: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، و لا يـبغي أحد على أحد) ( السلسلة الصحيحة: 570).
وكذلك فإن الألفة الحقيقية تتحقق بتحقيق إخوة الإيمان و العقيدة و التحاب في الله، فتلك هي الألفة التي يرتضيها الله ورسوله. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10). و يؤكد صلى الله عليه وسلم هذا المعنى الذي يرتبط بالدين و الإيمان بقوله: (المؤمن مألفة، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف) (السلسلة الصحيحة: 425). وقوله: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا. وشبك أصابعه) (الجامع الصحيح: 481).
ويضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في جانب الأخلاق و المؤازرة و التعاطف التي تزيد من الألفة بين المسلمين بمثال الجسد الواحد، فيقول: (ترى المؤمنين: في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوا، تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)( الجامع الصحيح: 6011).

ويطالب الدين المسلمين بدعم بعضهم لبعض و مراعاة حقوقهم البينية. يقول صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة).)الجامع الصحيح:2442).
ويؤكد صلى الله عليه وسلم على أساس التعامل الطاهر النقي بين المسلمين مع بعضهم البعض، والذي من شانه رفع مستوى الالفة بينهم، فيقول: (لا تحاسدوا. ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا، عباد الله! إخوانا. المسلم أخو المسلم. لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره. التقوى ههنا" ويشير إلى صدره ثلاث مرات "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه) (المسند الصحيح: 2564).
ومما يزيد الألفة بين المسلمين هو جانب إحسان الظن بالبعض وعدم التجسس ولا التحاسد. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن،فإن الظن أكذب الحديث،ولا تحسسوا،ولا تجسسوا،ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم . المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، والتقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا – ويشير إلى صدره – (ثلاث مرات) بحسب امريء من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله . (صحيح الترغيب. 2885).

ويُعلّمنا الدين أساليباً تزيد من الألفة والمحبة، وتبعث على الصفاء وسلامة الصدور والمودة والرحمة بين المسلمين مع بعضهم البعض، فيذكر مثلاً:
1. الإفصاح والإخبار بمحبة أخيك المسلم: (إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليبين له، فإنه خير في الألفة، و أبقى في المودة) (السلسلة الصحيحة: 1199).

2. السلام والمصافحةhttp://www.ikhwan.net/forum/images/smilies/frown2.gifإن المسلم إذا صافح أخاه تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر(صحيح الترغيب: 2721). وقوله: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام، على من عرفت، وعلى من لم تعرف (الجامع الصحيح.6236).
3. الدعاء في ظهر الغيب: (دعوة المسلم لأخيه، بظهر الغيب، مستجابة. عند رأسه ملك موكل. كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين. ولك بمثل . (المسند الصحيح: 273).
4. طلاقة الوجه والتبسم: (تبسمك في وجه أخيك لك صدقة) (صحيح الترغيب: 2685). وقوله: (كل معروف صدقة، و إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك) (صحيح الأدب: 233).
5. التهادي: (تهادوا تحابوا) (إرواء الغليل: 1601).
وما ذُكر سابقاً هو فقط شيء يسير وغيض من فيض من كنوز هذا الدين الإسلامي العظيم. وهذه هي المعاني و القيم التي ينبغي أن ينبري لها المسلمون، و يُحرصوا على ترسيخها و تطبيقها عملياً على وجه هذه البسيطة بين المسلمين. فلماذا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!؟ فتعاليم ربنا و رسولنا واضحة كالشمس في رابعة النهار. فلماذا نغرس في أبناء الإسلام أساليباً ومؤثرات لا تنفعهم في دينهم مع أن الشرع أتى بالكمال في كل شيء؟!
فالمطلوب إذن هو الألفة والمحبة في الله عز وجل، لا استدراج الآخرين ولو كان لأهداف إيجابية، والغاية لا تبرر الوسيلة. والإسلام يشترط ألا تكون فقط النية سليمة صالحة، ولكن ينبغي أن يتبعها و يرتبط بها عمل شرعي صالح صائب. فالإسلام لا يقبل الوصول إلى الغايات الطيبة بوسائل غير شرعية فاسدة. فكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فقد أجمع أهل العلم و السلف الصالح على أن العمل المقبول شرعاً يجب فيه اجتماع الإخلاص والصواب. فإخلاص العمل يتأتى بكونه لله عز وجل خالصاً لوجه الكريم، والصواب بكونه على هدي النبي صلى الله عليه وسلم و اتباعه.

د. عوض بن عودة آل عودة

تساؤلات حول فوائد ومحاذير البرمجة اللغوية العصبية
انتشر بين بعض المثقفين فن جديد يعرف بالبرمجة اللغوية العصبية والمعروف اختصاراً بـ(NLP) أو مايسميه بعضهم بالهندسة النفسية وهو فن نفسي سلوكي إدراكي شعوري ، يحتوي على مهارات جديدة ومعلومات مفيدة ، ويتناول النفس البشرية ومتعلقاتها ومناشطها الماضية والمستقبلية. ويهدف إلى إيجاد الانسجام بين النفس والعقل والجسد ، وتحسين الأداء البشري وتطوير الذات الإنسانية ، و تنمية حقل العلاقات الاجتماعية، وتحفيز النشاطات البشرية، وغير ذلك من المقاصد والأهداف0
ولا ريب عند من اطلع على هذا العلم ودرسه أو تعرف على آلياته ومهاراته إن فيه منافع كثيرة ، وتحصل من جرائه مصالح واضحة.ولست هنا بصدد الدعاية له والإشادة به ، فعند المؤسسات التدريبية وعند المدربين الهواة والمحترفين من وسائل الدعاية والجذب والتحفيز لهذا الفن ما لعله يغلب دعايات بعض المشروبات المشهورة، ولكن الذي أنا بصدده في هذا المقال، طرح بعض الأسئلة التى أرى أنه ينبغي . طرحها سعياً للوصول إلى مزيد من إيضاح المبهم، وتفصيل المجمل، وكشفاً لشبهات تحوم حول هذا الفن لا يعرفها كثير ممن يدرسه أو يدرب عليه، وفي تقديري إن الأسئلة والحوارات تثري وتظهر معالم طريق الحقيقة، ويجب الا تزعجنا هذا إذا كنا طلاب حق ومرتادي حقيقة ، ودعاة صلاح وإصلاح.
أولا : تساؤلات أولية :
وفي البداية نسأل المحبين لهذا العلم : هل أخذ موضوع البرمجة اللغوية من الدعاية والإطراء ما جعله يتحول عند المعجبين به والمغرمين بموضوعاته إلى ثقافة بديلة؟
ثم لماذا كل هذا النشوة العارمة التى جعلت أكثرهم يقتفي أثر هذا الفن بتسليم إذعاني، من خلال انقياده لجاذبية الإقبال على هذه (الموضة) الفكرية الشعورية السلوكية؟
وهل يستسقي بعض أصحاب البرمجة اللغوية (دعوى) التميز من خلال آلية في البرمجة اللغوية نفسها تخضعهم قناعة ثم شعوراً ثم سلوكاً لهذا الفن ومعطياته وبرامجه وآلياتة ؟ وفيها بلا ريب ما هو حق وصدق ونافع مفيد،كما أن فيها ما هو ملتبس مشتبه . والسؤال المشروع هنا هل أذهان المعجبين به غطتها زركشات الإعجاب ، حتى أصبحت لا تستوعب مقدار تبعات التحول إلى ثقافة بديلة؟
وكيف نستطيع فهم موقف بعض الأشخاص الذين استعاضوا به عن الثقافة الشرعية ، ويمموا وجوههم شطرالبرمجة اللغوية فأهملوا العلوم الشرعية، وقلت صلتهم بالقران والسنة،وسير السلف الصالح، وعلوم الإسلام وكتب الدعوة والتربية والثقافة الإسلامية ،ولدي معرفة وثيقة بحالات من هذا القبيل، رأيتها بعين الإنصاف والتجرد ، وليس بعين البغض التي تستخرج المساوئ،ولا بعين الرضا التي هي عن العيوب كليلة .
ورأيت آخرين أهملوا حتى تخصصاتهم العلمية والعملية حين اتجهوا لهذا الفن اتجاها فكريا أو كسبيا!!
ولنا أن نسأل : ما السر في أننا أصبحنا نرى أشخاصاً كانت لهم مواهبه شعرية وأدبية وثقافية أو دعوية فلما أتى عليها طوفان البرمجة اللغوية أصبحت أثرا بعد عين؟
يجيب على هذا السؤال شيخ الإسلام في الاقتضاء 2/483-484(قال ابن مسعود رضي الله عنه ويروى مرفوعا [إن كل آدب يحب أن تؤتى مأدبته وإن مأدبة الله هي القرآن] ومن شأن الجسد إذا كان جائعا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره ،بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه، ويكمل إسلامه0 ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن ،حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن على قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام ونظائر هذه كثير) وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ظاهر وواضح في سلوك المغرمين المتحمسين لعلوم الغرب ،المشتغلين بها،حتى لاتكاد تسمع في كلماتهم و استشهاداتهم إلا أسماء الغربيين وعباراتهم وتجاربهم ومجريات حياتهم وقصص إنجازاتهم ونجاحاتهم وفضائل صفاتهم ونحو ذلك من التمجيد الذي يوجب المحبة والإقتداء والميل والأنس، ومن أمثلة ذلك ما قام به أحد المدربين المسلمين حين عرض صورة مدربه الغربي وزوجته وذريته أمام المتدربين،مفتخرا به معتزا،وفي المتدربين من هو من أهل العلوم الشرعية ،وهذا المدرب المسلم فيه خير وإسلام ودين،ومع ذلك وقع في هذا، فكيف لو كان من العلمانين والشهوانيين؟؟!! وفي هذه العناية بالكب والمؤلفات والمسموعات والدورات والمدربين والموقع من التشريف والتعظيم لهؤلاء والتكريم لأقوالهم وأحوالهم ما قد يستوجب ميل القلب إليهم وأنس النفس بهم ،وهذا أمر طبيعي في النفوس فإنها متى كررت شيئا وأدمنت النظر فيه وأكثرت المخالطة له كلما أوجب ذلك لها الأنس والتوقير والمحبة والرغبة في الازدياد،وكم في هذا الأمر من مزالق خطيرة 0
ومن مشاهد الاستعاضة عن علوم الإسلام وآدابه أن بعض المدربين يخلط الرجال بالنساء ،وربما عمل حاجزا رقيقا مثل ثوب الرياء الذي قال عنه الشاعر:
ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك عاري
وبعضهم قد يباشر الحديث مع النساء لعلاج حالات أو التدريب على مهارات فيحصل منهن الميل إلى هذا المدرب والتعلق به، وهذا أمر طبيعي يحصل بسب الألفة والمخالطة والحديث عن التأثيرات العميقة و المشاعر وحل المشكلات الوجدانية والحياتية،وبعض المدربين يرى أن هذا التعلق عيب في المرأة المتعلقة وليس عيبا في المدرب ، وحاله كحال القائل :
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالما
وما أصدق القائل (المخالطة توجب التخليط، وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة ، وأقل ما في سقوط الذئب في غنم إن لم يصب بعضها ان تنفر الغنم) بدائع الفوائد3/755
وكم من زوجة مدرب اشتكت وتذمرت وتمنت أن زوجها لم يتعلم هذا العلم ولا سلك هذا المسلك0
فهل يحق لنا بعد هذه الظواهر أن نقول بأن البرمجة اللغوية تحولت إلى ثقافة بديلة بل وسلوك بديل؟ وأن من علامات ذلك أيضا هذا التركيز المبالغ فيه على دورات وكتب وأشرطة ومواقع البرمجة اللغوية العصبية ،وهذه الدعاية الهائلة التشويقية والتسويقية؟
حتى ليكاد يظن الظان وهو يستمع لبعض هؤلاء وهم يركضون بشدة في هذا الاتجاه أن القوم لم يعرفوا قبله ثقافة، ولم يستضيئوا قبله بضوء علم، ولم يكن لهم ركن وثيق من المعارف والعلوم والآثار.وأين نحن من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، التي فيها الضياء والنور والبيان والخير والبركة والسعادة ؟
قد يقول قائل بأن هذا التوسع والشغف و هذا الذي سميته ثقافة بديلة هو عيب في الممارسين وليس عيبا في العلم ذاته.
ولا شك أن الممارسين المغرمين والمندفعين بلا تحفظ يحملون هذه التبعية ،ولكن المؤكد أيضاً أن البرمجة اللغوية ذاتها تؤكد في أدبياتها وبرامجها ومقولاتها وافتراضاتها بطرق إيحائية وبأساليب مختلفة ما فحواه( إنك لا تنتفع بهذا العلم ولا تستفيد منه ما لم تكن لديك القناعة التامة به)
وهذا نوع من التسليمية المطلقة تستهدف إخضاع الإنسان وجذبه بصورة شعورية أو لا شعورية إلى هذا العلم ،ولعل هذا هو أحد أسرار الشغف الهائل والكبير الذي يسيطر على أذهان بعض المطلعين على هذا العلم وخاصة المبتدئين منهم.
ثانيا: الأثر العملي والسلوكي
تساؤل نطرحه حول ما يرى ويشاهد من الحاصل من بعض الدارسين والمدربين ، حيث ألقوا أعنتهم لمقتضيات ولوازم هذا العلم وانساقوا في ذلك انسياقاً تشكل مظاهره الأولى نوعا من التغير السلبي
وقد استعمل بعض هؤلاء الآليات والمهارات الموجودة في هذا الفن لتعزيز اتجاهاتهم الجديدة العملية والسلوكية، والتي ليست بالضرورة اتجاهات إيجابية.
وبما أن هذا العلم يعود في مجمله إلى الفلسفة الغربية القائمة على الذاتية والفردية فإن معظم الآثار السلوكية والعملية للمتأثرين سلبا بهذا الفن اتجهت في الاتجاه الفردي الأناني، وما الميل الشديد للكسب المالي ،والتنافس بين المدربين والتلاسن بين أتباع المدارس المختلفة ،والتشكيك في القدرات والمصداقية العلمية إلا أحد الأمثلة على ذلك.
وكذلك السعي نحو الصيت والظهور والشهرة ،والانعزال عند بعضهم عن مجالات النفع التطوعي العام، وتقديم دورات ولقاءات البرمجة اللغوية على اللقاءات العلمية والتطوعية والدعوية و،والدروس الشرعية ،بل والأوراد والأذكر النبوية،وما شابه ذلك من أمور وقضايا،ذات نفع مؤكد ومصلحة واضحة وخير ثابت0
ولماذا لو قيل لبعض هؤلاء هناك درس أو موعظة أو جمع تبرعات أو توزيع صدقات،أو ندوة ثقافية أو أمسية شعرية ونحو ذلك من الأمور التي كان قبل تعرفه على هذا العلم يقبل عليها ويجتهد فيها؛ تجده الآن يتبرم ويتثاقل ويتخلص
ويتملص،وقد لُقن أن من قوة الشخصية أن يقول (لا) بملء فيه، وإذا تضايق منه أحبابه وأصحابه فما عليه إلا أن يقنع نفسه بالمبدأ التالي: ( تقبل الرفض إذا رفضك الآخرون فهذه مشكلتهم ،وهم الذين يعانون).
إن لكل علم وفن ودراسة جانبان من التأثير، الأول: التأثير المباشر بالعبارات والمعاني المباشرة،والثاني : التأثير غير المرئي وغير المنظور ،وقد يكون هذا هو الأخطر بسب قوة فعاليته وخفائه.
هل يمكن أن يعد من الآثار السلبية ما يسمع من أقوال مدرب ينتقص مدربين آخرين، وتلاميذ مدرسة يتهكمون من تلامذة المدارس الأخرى؟ وهل هذا آت في سياق التسابق على كسب الزبائن واحتلال (موقع بسطة) أكبر في سوق التدريب المشحون هو الآخر بالتنافس المالي، والتسابق على المتلهفين إلى (موضات العلوم الجديدة)
وماذا عن المبالغ الضخمة المطلوبة من المتدربين؟ والتي تصرخ بأوضح الدلالات على الروح التجارية المعتمدة على (الشطارة) والاحتكار، والمهارة في التسابق على الزبائن قبل أن يكثر المدربون فتنخفض الأسعار؟ وهل يحق لنا بعد هذا الوصف أن نقول بأن الذاتية والأنانية ألقت بضلالها على قضايا ليست في الأصل بضاعة تجارية، فأفسد البَرَدُ ما أصلح الغيث ؟
وهل من الأثار العملية والسلوكية: ظاهرة الاعتزاز المفرط بهذا العلم وآلياته عند البعض؟ وهل من أدلة ذلك ما نسمعه من بعض متعلمي هذا العلم صراحة أو بلحن القول من تهوين للآخرين ، والإشارة إلى سذاجتهم وضعف تصوراتهم وضآلة تقديراتهم للأمور والأحداث والأشخاص ،ليس لأنهم جهلوا العلوم الشرعية، أو الخبرات العملية،أو الثقافات العلمية، بل لأنهم لا يعرفون البرمجة اللغوية؟!!
وها هنا ملحوظة أتساءل عنها -وهي موجودة بصورة محدودة- وهي بخصوص ضعف السلوك الديني عند بعض المهتمين بالبرمجة اللغوية ،ففلان كانا حريصا على صلاة الجماعة فأصبح لا يرى في المسجد إلا لماما ،وفلان كان محبا للقرآن ،وكان المصحف لا يكاد يغادر جيبه ،والآن أصبحت جيوبه متخمة بكتب البرمجة وعلوم النفس والسلوك المترجمة والمقتبسة، ،وفلان كان يطالع كتب أهل العلم من فقه وأصول وتوحيد وحديث فأصبح لا يلوي عليها إلا قليلا(أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)(البقرة: من الآية61).
ثالثا: الأثر العلمي والفكري
مما لاريب فيه عند كل دارس للمناهج والاتجاهات أنها تتأثر ببيئة نشأتها وبالأفكار والقناعات السائدة في بلد النشأة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بدراسة نفسية الإنسان وسلوكياته وأخلاقه ،وهو الأمر المحوري في البرمجة اللغوية العصبية.
فهل من الكياسة أن نأخذ البرمجة اللغوية على أساس أنها مجرد مهارات أو أدوات محايدة تماما؟ ليس لها علاقة بالرؤية الغربية الشمولية ،ولا بالمنظومة المعرفية القيمية حيث نشأ هذا العلم وترعرع؟
وحتى نتمكن من الإجابة على هذا السؤال ،والتعرف على ما يمكن تسميته العلاقة العضوية بين البرمجة اللغوية العصبية والبيئة التي نشأ فيها سنأخذ التعريف الأكثر تداولا للعلمانية في محاولة لفهم المعنى بالشكل الاصطلاحي الحديث ذي الصيغة العامة ،ذات الامتداد السياسي والاجتماعي والفلسفي ،وهو المعنى المبثوث في مفردات الحياة الغربية فكرا وممارسة ،بل هو الإطار الأصولي لشتى شعب الحياة الغربية ومنا شطها.
هناك تعريف وضعه جون هوليوك المتوفى سنة 1906 م يقول فيه بأن العلمانية هي: ( الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية ،بدون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض)
والكلام عن إصلاح حال الإنسان لا يمكن أن يكون محايداً ، لا من حيث التصورولا من حيث التطبيق
والتعريف السابق يفترض وجود مرجعية لإصلاح حال الإنسان ورؤية عامة شاملة للكون والحياة والإنسان ،يمكن ضمن إطارها العام إصلاح حال الإنسان النفسي والسلوكي والاجتماعي والسياسي والفكري.
من هذا التصور الشمولي للعلمانية يمكننا معرفة طبيعة النموذج بل النماذج التي انبثقت من هذه الرؤية لإصلاح حال الإنسان في مختلف المجالات، ومنها - ما نحن بصدده - النفسي والسلوكي
فإذا كانت هذه الرؤية لإصلاح حال الإنسان تتم عبر الطرق المادية فإن ذلك يعني بالضرورة النظر إلى جوهر الإنسان - الذين ستتم عليه الممارسات الإصلاحية المذكورة - بوصف كائنا مادياً ،وهذا أيضا يعني أنه وفق هذه الرؤية ستكون الطرق المستعملة في إصلاح الإنسان مادية في مجملها ،وإن دخلتها بعض المفردات المعنوية والروحية ،لكنها تظل جزئية غير مؤثرة داخل الإطار العام ،وستكون منصهرة داخل هذه البوتقة ،وهذا بالطبع توصيف أولي لا يقتضي الرفض لكل ما يأتي من الغرب، بل لا بد من الاصطفاء والانتقاء من خلال التعرف على مكونات الحياة الغربية على وجه الإجمال وهي :
1 - حقائق علمية في حقل الرياضيات والطبيعيات والعلوم الاجتماعية والنفسية، وتسمى حقائق لأنه قد ثبتت صحتها بالبرهان العقلي الصريح أو بالتجربة الحسية المشاهدة.
2 - نظريات عن الطبيعة أو الإنسان أو المجتمع ،منها مالا نقطع بصحته ولا برهان لدينا على بطلانه،ومنها ما هو في طور التجربة ،ومنها ما ثبت بطلانه وفساده.
3 - تقنيات ومنتجات ومصنوعات مادية بحتة أدى إليها تطور العلوم الطبيعية والرياضية.
4 - مهارات تقنية أو إدارية أو تربوية مبنية على تلك العلوم.
5 - تصورات دينية أو فلسفية أو فكرية للوجود ومكانة الإنسان فيه ،وللقيم الأخلاقية والسلوكية والجمالية ولعلاقة الإنسان بالإنسان.
6 - آداب وفنون وممارسات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتربوية وعادات وتقاليد تصوغها تلك التصورات المذكورة في الفقرة السابقة.
فأين يقع علم البرمجة اللغوية من هذه الأقسام؟! سؤال يجب أن تعرف إجابته بدقة واتزان وموضوعية بعيدا عن ذوبان المعجبين وتخثر الرافضين.
رابعا : العلوم المعاصرة بشتى أشكالها وأنواعها لها جوانب عديدة منها المفيد والنافع ومنها الضار ،وأخذها بإطلاق خطأ مثل ردها بإطلاق ،فالأخذ المطلق يؤدي إلى أخذ الضار ،ولبس الحق بالباطل ،والرد المطلق يؤدي إلى إهدار النافع، وتفويت الحكمة التي هي ضالة المؤمن ،وهذه النظرة الأحادية الجانب غلبت على بعض أنواع التفكير المعاصر عند المسلمين، وأدت إلى نظرات ناقصة وجزئية،وجازمة ومتسرعة ،وكأن قضايا وظواهر العلوم والفنون ليس لها غير جانب وحيد، وفي حقيقة الأمر أنه تكاد أن تكون جميع الظواهر الاجتماعية واقتصادية والسياسية والعلوم والفنون الإنسانية متداخلة ومتفاعلة في تكوينها من عناصر عديدة ،
إن القراءة المشوشة أو القاصرة أو المبتسرة سواء في جانب القبول أو الرد،تؤدي إلى خطأ منهجي ،يحسب أصحابه أنهم قد تملكوا ناصية العلم واكتشفوا كل المخبأ والمستور فيقودهم ذلك إلى تقديس أو تدنيس من خلال نظرية أن الحياة والعلوم والقضايا إما بيضاء أو سوداء ولا وجود للألوان الأخرى .
خامسا: في مقابل تلك الأسئلة التي طرحتها أود أن أخاطب الطرف الرافض تماما لهذا العلم وأشباهه من العلوم المستجلبة من الغرب: فأقول بأنه من ظواهر تغييب العقل المسلم سلبيته إزاء الفكر الإنساني ،والشعور بالاكتفاء المطلق ،وعدم الحاجة إلى الأخذ من حضارة الآخرين ، تحت شعار أن عندنا الكمال كله، كمال في كل شيء ،ومع الآخرين الفساد والخطاء والانحراف والعيوب، ولئن كنا نعتز بديننا ونعتقد كمال وشموليته ،ولكن ذلك لا يعني بحال أننا لاتأخذ مالدى الآخرين من خير ونفع وحكمة وفائدة،فقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهىعن الغيلة ثم أجازها أخذا بنتيجة تجربة عند الكفار من الفرس والروم ،ففي صحيح الإمام مسلم مانصه باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل عن عائشة عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(لقد هممت أن انهي عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم ) وفي الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها) رواه الترمذي وابن ماجة
قال شارح بن ماجة(الحكمة ضالة المؤمن أي كأنه فقدها واضلها إشارة الى ما قيل انظر الى ما قال ولا تنظر إلى من قال) وفي تاريخ بغداد للخطيب عن علي بن أبي طالب أنه قال (الحكمة ضالة المؤمن فخذ ضالتك ولو من أهل الشرك) .
قال ابن القيم رحمه في مفتاح دار السعادة بعد أن ذكر الحديث (والحكمة هي العلم فإذا فقده المؤمن فهو بمنزلة من فقد ضالة نفيسة من نفائسه فإذا وجدها قر قلبه وفرحت نفسه بوجدانها كذلك المؤمن إذا وجد ضالة قلبه وروحه التي هو دائما في طلبها ونشدانها والتفتيش عليها وهذا من احسن الامثلة فإن قلب المؤمن يطلب العلم حيث وجده اعظم من طلب صاحب الضالة لها).
وفي مقابل ذلك نجد أزمة أخرى مقابلة لهذا الاتجاه تعطي الولاء كله للعقل وحده ، وتدعي أنه بما أن الغرب قد تفوق في التقنية فلا شك أنه متفوق في الأفكار والأخلاق ،فالأولون عصبوا أعينهم عن الحياة والناس والعصر برمته، فعاشور حالة فصام، عقولهم في العصور الماضية ،وحياتهم كلها هنا في هذا العصر، والآخرون عصبوا أعينهم عن المنطلقات والأسس والقواعد والكليات التي قامت عليها حضارة الإسلام ،وعزلوا ذواتهم عن أي جدل تاريخي، وعاشوا مجرد أتباع للآخر ،ونحن في حاجة إلى روح نقدية وعقلية تمتلك قوة النظرة الفاحصة المتأملةعلى ضوء الدين ووفق ضوابطه ،بلا جمود ولا تبعية.
إن خروج العقل المسلم من أزمتة المعاصرة تجعل من الضرورة قراءة ومعرفة ما عند الآخرين كل الآخرين، وقبل ذلك معرفة أحكام الدين وآدابه ،والرفض المطلق للعلوم المعاصرة أو العلوم الإنسانية يعني عدم التعمق في دراسة تلك المدنيات وعدم فهمها ،وإذا نحن لم نفهم المدنية الغربية جيدا وهي السائدة في عالم اليوم خرجنا من إطار عصرنا وبذلك لن نجتهد الاجتهاد الصحيح المؤدي للإصلاح والتغيير الاجتماعي المطابق لظروف العصر، ،إننا حينما نأخذ عن الغرب أو الشرق بمعيارية واضحة ونتجاوز مشاعر الرفض، لن نقف عند العلوم الطبيعية والتجريبية وما نتج عنها من تقنيات ،بل نستطيع أن نأخذ وفي أيدينا معيار الحق ما جاء في مجال العلوم الإنسانية أيضا، وبذلك فقط نستطيع معالجة الطرف المقابل الذي استخذى أمام الغرب تحت شعار الاستفادة وعدم الانعزال ، وهذا التوسط هو الموقف الصحيح بين الطرفين المتناقضين ،لأن كلا الموقفين فيه اعوجاج في التفكير، وخلط بين الثوابت والمتغيرات، وتقديس ما ليس بمقدس ،ويدل على السطحية والعجز عن التأصيل والتمحيص، والميل إلى الارتجال، والانشغال بالدعاوى ،ويشي بالخمول العقلي وغياب الموازين المحددة لما يقبل وما يرفض من نتاج الآخرين، و يدل على غياب المعايير الصحيحة التي تعرف بها أقدار الأشياء وقيمتها ،ويؤكد الانحياز للذات بدون تعقل ،والتمييز ضد الآخرين بلا تعقل أيضاً، وفي المقابل نجد المبالغة في إبراز مزايا الآخرين، والانشغال بجلد ذواتنا وتراثنا .
سادسا: علم البرمجة اللغوية العصبية أحد الأمثلة على ما ذكر آنفا ،فهناك من يقبله بحجة أنه مجرد مهارات وأدوات وإنه يهتم بكيف ولا يهتم بلماذا ،وقد ثبتت جدواه ،وظهرت فائدته ،وهذا صنف في الغالب لم يدرس الجذور الفكرية لهذا العلم والأصول الفلسفية له والمنطلقات المعرفية التي انطلق منها، ولم يتأمل مضامين كتب البرمجة اللغوية وما ألف على ضوئها من أفكار ومضامين بعضها فاسد وبعضها ملتبس؛ لذلك لا يرى فيه إلا النفع والفائدة.
وهناك من رد هذا العلم بحجة أنه من نتاج أعداء الإسلام ، وأنه لم يرد في النصوص الشرعية ما يدل عليه ، وأنه ليس من هدي السلف،أو أنه شعوذة كما يعبر بعض المتعجلين، و من تعمق قليلا من أصحاب هذا الاتجاه رأى بعض الجذور الفكرية وبعض العلل العملية لهذا العلم؛ فيمنع منه، ويقف ضده، وفي غالب الأحيان نجد من يحكم برد هذا العلم و أشباهه من غير دراسة له ولا معرفة به،أو ربما درسه دراسة عجلى ومن منطلق المتصيد القناص، وهذا خطأ فادح رأيناه في بعض الأقوال التي وصفت هذا الفن وأهله بأوصاف غير حقيقية ، مع أن القاعدة العلمية تقول (الحكم على الشيء فرع عن تصوره) ،فيجب علينا التوثق والتوقف قليلا قبل إصدار قرارات التحريم والمنع المطلق، كما يجب أن نتوقف عن الاستيراد والاستعارة المطلقة لكل ما هنالك، ولا يتم ذلك إلا إذا امتلكنا العقلية المستنيرة بنور الوحي، والمجاهدة في أخذ الحكمة، والاستفادة من أي فائدة، وإعمال العقل، وتقبل النسبية فيما يقبل النسبية.
سابعا: قد يفهم بعض الناظرين في علم البرمجة اللغوية أن الإنسان آلة مركبة ذات هندسة تشبه هندسة الماديات ،ويمكن إعادة برمجته بطرق ووسائل متنوعة ،وهذا نوع من التبسيط المخل والسذاجة المفرطة، تشبه سذاجة بعض الرقاة الذين يجهلون الأمراض النفسية والعصبية والعقلية، فيحيلون الأعراض والأدواء كلها إلى الجن والعين،ولذلك نجد من يدعي معالجة أمراض نفسية معقدة في جلسة أو جلستين،بل ومن يضع برنامجا لمدة 21 يوما للحصول على هدف يريده الإنسان، ويجعل ذلك من القانون الذي يجذب القدر حسب تعبيره.
ثامنا: سأذكر مثالا واحدا لما تتضمنه البرمجة اللغوية من التباس معرفي: فمن فرضيات البرمجة اللغوية قولهم (الخارطة ليست العالم) وهذه فرضية مجملة تحتوي حقا و باطلا ،فأصلها الفلسفي قديم ويتضمن إنكار دلالات الحس على ما يدرك بالحس، أو التشكيك في ذلك ،أو التشكيك في دلالة العقل على ما ثبت بالعقل، او جحد دلالة الحس على ما لا يحيط به العقل أو الحس ، والمعروف أن السوفسطائيين هم الذين أنكروا دلالات الحس، والصراع بين المذهب الحسي والعقلي صراع قديم من عهد اليونان .
تاسعا: ترتب على النقطة السابقة ،تهوين قيمة الحقيقة من خلال إشاعة مفهوم نسبية الحقيقة من شخص إلى آخر ،وهذا مفهوم له مجاله الخاص ،وله جوانب الإيجابية ،ولكنه يتحول إلى إشكال فكري وعملي عندما توزن به الحقائق الثابتة،المدركة حسا أو عقلا ،أو التي جاء خبرها في الوحي المعصوم ،وسمعت أحد المدربين يحاول دعم فرضية (نسبية الحقائق في ذاتها) بنظريات الفيزياء الحديثة،وفي ذلك من التكذيب بالمسلمات والإنكار للحسيات والعقليات ما يقود إلى العمى الفكرى.
عاشرا: لا يوجد في هذا العلم ولا في أكثر ترجماته ما يشير إلى التوكل على الله، والاعتماد عليه والثقة به والالتجاء إليه ،وإن كان بعض المترجمين لهذا العلم قد جاءوا ببعض هذه المعاني ضمن كلامهم ،وهذا الإغفال طبيعي في الفكر الغربي المادي الذي يرى أن الكون والحياة والأحياء مكتفية بذاتها،ولكنه غريب جدا على المسلمين ،وبعيد كل البعد عن أسس إيمانهم وقواعد إسلامهم، فهاهو أحد المتعلقين بالبرمجة اللغوية يعلق لافتة يبرمج بها نفسه تقول ( الحياة تعطيك أي شيء تطلبه منها) ، و من أعظم دلالات فكرة الاستغناء عن الخالق في البرمجة اللغوية تضخيم دور الذات و،وتعظيم دور العقل الباطن،الذي يقرأ كتب انتوني روبنس وجوزيف ميرفي يدرك هذا الأمر بسهولة، على ما فيها من إشارات (روحانية وغيبية) فيها أيضا مافيها من الأخلاط والمفاسد،علما بأن أحد مؤسسي العلم يهودي ملحد ،ويسخر في تدريباته علنا بالله تعالى والأنبياء عليهم السلام والأديان كما أخبرني أحد المتدربين عنده،.
وهل من آثار هذه النظرية ما ذهب إليه بعضهم حين سعى – بقصد حسن ونية طيبة - إلى استنساخ ونشر مفهوم مبهم ملتبس حقه بباطله سماه قانون الجذب، وهو يحتاج إلى وقفات عقدية طويلة؛ لعلاقته بموضوع القضاء والقدر ، ومن الطرائف أنني وجدت أحد المتأثرين بهذا المفهوم كتب لوحة لنفسه قال فيها ( الجذب هو : أن الإنسان يجذب الأشياء والأحداث عن طريق إرسال موجات من عقله الباطن الى البيئة التي حوله) .
حادي عشر: هل من تطبيع المفهوم (البرجماتي) التأكيد على أن أي أسلوب أو طريقة توصل إلى نتائج مرغوبة فهي من علم البرمجة اللغوية ويصلح استعماله؟ وما مدى تطابق بعض مفاهيم المرونة مع (البرجماتية)؟ وما علاقة ذلك بمعايير الحلال والحرام الشرعية؟ وماعلاقته أيضا بقضية المصلحة والمفسدة ومعاييرها وضوابطها؟ كل ذلك يحتاج إلى بحث ودراسة متأنية حكيمة بصيرة .
الثاني عشر: أما التنافس المالي الشديد فمن الأمور الظاهرة التي لا يستطيع أحد إنكارها وقد أدى إلى مشاحنات ،ظاهرها العلم والثقافة والنفع والفائدة ،وباطنها الريال والدولار، مؤكدا في أرض الواقع ما أخبر به النبي صلى الله وسلم في قوله (إن لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي في المال )،وفي تقديري أن الثلب والتنقص الجاري على ألسنة المدارس المختلفة سببه الأكبر التنافس على السوق والزبائن مع أسباب ثقافية وعلمية وأخلاقية تأتي في الدرجة الثانية وربما العاشرة ،و هذا مثال للقيمة الباهضة التي تقدم للخبراء النوويين عفوا مدربي nlp فقد طلب من رئيس الاتحاد العالمي أن يأتي لعمل دورة تخريج مدربين في المملكة، فطلب على المتدرب الواحد 25000 خمسة وعشرون ألف ريال على ألا يقل عدد المتدربين عن 20 يتفرغون لمدة 21يوما ،أي أنه سوف يحصد نصف مليون ريال، ومعنى ذلك أن قيمة الساعة لهذا المدرب العالمي 992 ريال للساعة حتى لو كان في فراشه أو في الحمام، أي أن الدقيقة من وقته الثمين تساوي 16 ريال للدقيقة الواحدة ،أظن أن هذه الإحصائية كافية في تصوير ما وصل إليه الحال ،ولو طلب من بعض هؤلاء أن يدفعوا خمس ريالات لساعة سوف يحاضر فيها عالم أو مفكر مسلم، لأبوا و تراجعوا واستنكروا و استنفروا ، ودورة رئيس الاتحاد هذه مناسبة جميلة لمواكبة لدعوات إخواننا في فلسطين وغيرهم لمقاطعة البضائع والشركات الأمريكية، والتضامن مع الإستشهادين الذين لا عيب فيهم سوى أنهم لم يدرسوا البرمجة اللغوية!! ومن العجائب أن من المغرمين بهذه الدورات من يمنع شراء مشروب أمركي بريال أو ريالين،ويدفع 16 ريالا لكل دقيقة يمضيها المدرب الأمريكي حتى ولو كان في نائما!! وما أشبه هذا الفعل بفعل أهل العراق الذين استفتوا ابن عباس في دم البعوض أو بما جاء في كتب الأدباء، من طرائف المفارقات، ومنها قول الشاعر:
ولي جار يصلي من قعود وينكح حين ينكح من قيام
وقول أبي العيناء رأيت جارية مع النخاس وهي تحلف أن لا ترجع لمولاها فسألتها عن ذلك فقالت يا سيدي إنه يواقع من قيام ويصلي من قعود ويشتمني بإعراب ويلحن في القرآن ويصوم الخميس والأثنين ويفطر رمضان ويصلى الضحي ويترك الفرض فقلت لا أكثر الله في المسلمين مثله )
وفي الختام أقول للمتلهفين على شهادات هؤلاء :من يتقاسم العسل مع الدب فإن له أصغر حصة ،وفي المثل: (الحقيقة قوية ولكن المال أقوى منها) ،ونخشى أن القضية ليست قضية كفاءة بقدر ما هي قضية وفرة ،فلو كنا في بلد فقير لما نوقشت هذه القضية ،ولما جاء إلينا أحد من بريطانيا أو أمريكا أو كندا ليعلمنا البرمجة اللغوية ،،وفي العموم الأرباح غير العادلة تشبه العملة المزيفة ،كلما زادت زاد خطرها، ولو جرى ذلك على يد مدربين محليين، أو عرب .
هذه تساؤلات لا أعني بها سوى الوصول إلى الحقيقة،وإن كانت جارحة، ولا أقصد من ورائها سوى وسطية الإسلام العظيم من غير تحجر ولا ذوبان،والله المستعان
سعيد بن ناصر الغامدي 26/3/1423هـ

حتى لا تضيع الحقيقة

هذه الأسطر لنتذكر معاً ضوابط المنهج العلمي لقبول الأفكار أوردها ... ثم نفحص في ضوئها حقيقة الوافدات الفكرية ( الـNLP ، الطاقة ، الماكروبيوتيك ، الريكي ، التشي كونغ ...).

كان العلماء على مرّ العصور حصناً منيعاً ضد الخرافات والدجل والأوهام ، وعلماء الإسلام خاصة كانوا في ذلك أكثر تفوقاً لضبطهم منهج قبول النقل وتقنينهم منهج اختبار كل ما يُدعى ثبوته بالعقل والتجربة ، فما من دين دعا إلى المنهجية العلمية كالإسلام بدعواته المتنوعة للتأمل والتفكر والعلم والتعقل والتذكر ، والمسلم الذي يعيش في ظل الحضارة الإسلامية يتفاعل تفاعلا مميزاً مع الحضارات حوله فيأخذ ويدع بمعيارية ثابتة ، ورؤية ثاقبة، ومن هذه المعيارية ما وضعه علماء الإسلام على امتداد العصور من منهجيات تضبط القبول والرد عند النظر في تقييم أي وافدات فكرية وادعاءات علمية ، وكانوا في ذلك رواداً ؛ فلم تكن الدعاوى تقبل لمجرد التدليل عليها بنصوص الوحيين أو أدلة العقل دون تحقيق وتدقيق ، فالتحقيق : إثبات المسألة بدليلها ، والتدقيق : فحص وجه الدلالة من الدليل ومدى مناسبته للمسألة (الدعوى) .
وكان شعارهم : إذا كنت ناقلا فالصحة ( توثيق النص ) أو مدعياً فالدليل ، فكانوا – رحمهم الله - رواداً في التمييز بين الحقائق والدعاوى ، وأخذ الحق ورد الباطل مهما مزج بينهما المبطلون ولبّسوا .
ومن هنا ؛ كان لابد من استخدام المنهج العلمي لتقويم ما يفد علينا من أفكار بنظرة صحيحة مبنية على أسس القبول والرد سواء فيما استُدل عليه بالعقل أو ما استُدل عليه بالنقل في ضوء القواعد المنهجية العامة للنظر في الأدلة تحقيقاً وتدقيقاً . ومن هذه القواعد :
• اشتراط الصحة والعدالة حيطة للمنقول وضبطاً لأسانيده .
• فهم النصوص الشرعية ودلالاتها في ضوء فهم السلف من عدول الأمة .
• تقييد العقل وعدم الاعتداد به في غير مجاله ( الغيبيات : الألوهية بما تتضمنه من حقائق الربوبية والأسماء والصفات والملائكة ، والجن والشياطين ، وأحداث آخر الزمان، اليوم الآخر ، الجنة والنار ، وعلاقة الإنسان بربه والكون ، .... ) فلم يكن يُقبل في مجال الغيبيات إلا ماكان مصدره الخبر الصادق تحقيقاً وتدقيقاً .
• إثبات التوافق بين صحيح العقل وصريح النقل ودرء التعارض بينهما ، فمن علامات صحة المعقول ألا يتعارض مع منقول صريح . ووجود تعارض أو شبهة تعارض تجعل من اللازم إعادة النظر في المعقول، واتهام قدرة العقل ، فالعقل نعمة ربانية تتمثل في قدرة بشرية محدودة ، تقوى وتضعف وقد يغلب عليها الوهم والظنّ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وبالجملة فالعلم بأن هذا كان هو السبب أو بعض السبب، أو شرط السبب ، في هذا الأمر الحادث قد يُعلم كثيراً ، وقد يظن كثيراً ، وقد يُتوهم كثيراً وهماً ليس له مستند صحيح ، إلا ضعف العقل ) . ولهذا كانوا – يرحمهم الله - يقدّرون فهم الصحابة -رضوان الله عليهم -للنصوص وتفسيرهم لها ، كما كانوا يتضرعون لله أن يفتح عليهم ويسددهم ولا يكلهم إلى أنفسهم طرفة عين .
وبالنسبة للعلوم التجريبية والإنسانية والاجتماعية عامة فيمكن تلخيص أهم الملاحظات وأساسيات القبول والرد في خطوات المنهج العلمي المتبع لتحقيق مسائلها ، وتدقيق أدلتها ويسمى في الغرب اليوم : ( Scientific Method ) ، ويتضمن تلخيص الإجراءات التي أجمع العلماء على استخدامها عبر العصور ؛ لتكوين تشكيل أو تمثيل صحيح للمشاهدات المتنوعة للوقائع والظواهر المختلفة في العالم . ومن أهم ما يميز المنهج العلمي أنه دقيق وشامل ويمكن الاعتماد عليه ؛ إذ لايقبل فيه كلام ملقى على عواهنه ، فالقناعات الشخصية ، والقناعات الجماعية لا شك تؤثر على انطباعاتنا، وتفسيرنا للظواهر الطبيعية ، لذا فاستخدام إجراءات معيارية قياسية منهجية يهدف للتقليل من هذا التأثير عند تطوير أي فرضية أو نظرية .
مراحل المنهج العلمي :
المرحلة الأولى : ملاحظة وتوصيف الظاهرة أو مجموعة الظواهر ( المشاهدات أو الملاحظات ) .
المرحلة الثانية : تكوين معادلة أو تشكيل فرضية تشرح أو توضح الظاهرة أو الظواهر . وغالباً مايستعين الإنسان بعلاقات كُونت سابقاً في تشكيل الأفكار الجديدة فرضية أو نظرية.
المرحلة الثالثة :الاختبار والتجربة ؛ ويتحقق من خلالها :
• استخدام الفرضية لتوقع وجود ظواهر جديدة ، أو للتوقع الكمي لنتائج ظواهر جديدة .
• إجراء اختبارات وتجارب للنتائج المتوقعة ( المظنونة ) بتجارب متفرقة لا تعتمد على بعضها البعض على أن تُؤدى بأدق وأنسب صورة مجردة عن هوى الباحث في نتائج معينة يتمناها .
المرحلة الرابعة : إذا دَعمت كل التجارب الفرضية بنجاح ؛ فإنه يمكن اعتمادها نظرية أو قانوناً طبيعياً أو سنة كونية أو نموذجاً . وإن لم تَدعم التجارب الفرضية فلابد من تعديل الفرضية أو رفضها .
ملاحظات على النظرية والحقيقة :
• قد لايمكن إثبات النظرية ، ولكن يمكن معارضتها بظواهر ومشاهدات حقيقية.
• كل نظرية لابد أن تكون قابلة للاختبار وإلا فإنها لا تسمى نظرية .
• ينتبه لما يسمى بالهيورستك "Heuristic"؛ وهو عبارة عن منهجيات للعمل ناجحة ، لكن لا يمكن إثبات صحتها أو أولويتها ، مثال : مريض بثلاثة أمراض ، فيُرتب علاج هذه الأمراض بمنهجية متعارف عليها لا على أسس معينة أو نتائج سابقة . فليست هذه التقنيات فرضية ولا نظرية إنما هي وصفات متعارف عليها ولا يمكن اعتبار نتائجها حقائق مطردة .
• قد تبقى النظريات لفترة طويلة جداً ثم يتبين ظرفيتها ( عدم تعميمها واختصاصها بزمان معين أو مكان) كقانون نيوتن ، أي أن النظرية مع الزمن يمكن أن تصبح جزءً من نظرية أكبر ، فتصبح الأولى حالة خاصة من النظريات الثانية الأكبر ، مثل : نظرية أن الكواكب تدور حول الأرض (كانت هذه نظرية )، وهي صحيحة بنسبة ، ومع استمرار الملاحظة للظواهر والبحث العلمي تبين أن الشمس تدور حولها الكواكب بما فيها الأرض . ومن ثم أصبحت نظرية دوران الكواكب حول الأرض جزء من النظرية الأكبر منها وهي دوران الكواكب جميعها حول الشمس .
وقد تبيّن للعلماء أن أكثر النظريات لها طابع الظرفية ، إلا أن كثيراً من هذه الظروف توضع كمُسلمات أو بديهيات فلا يُهتم بذكرها .مثل نظرية دوران الأجرام حول الأرض ثم نظرية دوران الكواكب التسعة حول الشمس في مدار دائري ، ثم نظرية الدوران في مدار اهليجي .
فلابد أن يتبع المنهج التجريبي الصحيح في التجارب التي يتم إجراءها لتدعم فرضية أو نظرية وفي تفسير نتائجها ومخرجاتها ، ومن أهم الملاحظات على التجارب والأخطاء الشائعة التي ينبغي الانتباه لها :
• الأخطاء التي مردها إلى محدودية قدرة كل أجهزة ( أدوات ) القياس . وهذا الخطأ ينتج عنه إعطاء نتائج متساوية أو متشابهة ولكنها بعيدة عن الحقيقة بقدر وجود هذا الخطأ ، مثال : تصميم استبانة لقياس الغضب لدى الناس مكونة من ثلاثة أسئلة ، فإنها قد تعطي نتائج متشابهة أو متقاربة أو متجانسة رغم أنها بعيدة عن الحقيقة بقدر بعد الاستبانة عن أن تكون مناسبة ، لذا يراعى في الاستبانات تحقيق معيارية الصدق والثبات .
• الأخطاء الإحصائية ، وبالإمكان توقعها أو قياسها ، ومن ثم تضاف للنتيجة ، ويتم تعديلها بناءً عليها . أو التنبيه على أن مصداقية النتيجة بحسب الخطأ المتوقع .
• هناك أخطاء نابعة من الرغبة الشخصية ، أو تأثير النتيجة المأمولة Wishfull thinking حيث يفضل الباحث نتيجة على أخرى ويتمنى تحققها ؛ مما يؤثر في تفسيره للنتائج وتأويلها لتخدم ما يتمناه لا سيما إن وجد احتمالاً قريباً أو شبهة .
• هناك أخطاء مردها إلى الوهم في الأسباب والمسببات ، أو ما يسمى بـ( الزلل التراجعي ) Regressive fallacy حيث يربط الباحث بين الملاحظة وشيء مقترن بها دون أن يكون بينهما علاقة سوى الاقتران ، كما لو حدث أن أغمض أحدهم عينيه فدقّ جرس المنـزل ، وتكرر هذا مرات ؛ فيدعي أن إغماض العينين سبب في دقّ الجرس أو تسريع حضور الزوار! يقول الإمام ابن تيمية في توضيح عدم صلاحية مجرد الاقتران ليكون سبباً : ( أن اعتقاد المعتقد أن هذا الدعاء-دعاء مبتدع جربه - أو هذا النذر كان هو السبب أو بعض السبب في حصول المطلوب ، لابد له من دلالة ، ولا دليل على ذلك غالباً إلا الاقتران أحيانا، أعني وجودهما جميعاً ، وإن تراخى أحدهما عن الآخر مكاناً أو زماناً مع الانتقاض ، أضعاف أضعاف الاقتران . ومجرد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه ، ليس دليلا على الغلبة باتفاق العقلاء إذا كان هناك سبب آخر صالح، إذ تخلف الأثر عنه يدل على عدم الغلبة . فإن قيل : إن التخلف بفوات شرط ، أو لوجود مانع . قيل : بل الاقتران لوجود سبب آخر ، وهذا هو الراجح ) .
• أسوأ الأخطاء هو أن تكون الاختبارات عاجزة عن إثبات الفرضية ، ويدّعي الباحث إثبات الفرضية بها .
• من الأخطاء الكبيرة عدم إجراء التجارب ( عدم وضع الفرضية تحت الاختبار ) ، وبالتالي الخروج بنظرية من مجرد المشاهدات اعتماداً على المنطق البسيط والإحساس العام ( الانطباع ) والتفكير المأمول .
• من الأخطاء التي يجب التنبه لها : ( الانتقائية ) وهي غض الطرف عن نتائج الاختبارات التي لا تتناسب مع الفرضية التي يرغب في إثباتها .
وهكذا عاش سلف الأمة رواداً في العلم ، وأئمة في الإيمان كما شهد بذلك التاريخ . وخلت المجتمعات المسلمة من أي صراع بين العلم والدين .ولم تستطع المذاهب والضلالات أن تجد طريقها لقلوب وعقول الأئمة وطلاب العلم ، وإنما استقرت ونبتت بين الجهلة وأهل البدع وأهل المنطق ممن أخذوا غيباً من غير المصدر الحق ، أو أعملوا عقولهم فيما لا مجال للعقل فيه .
وصية .. حتى لا يغيّب المنهج العلمي !! وحتى لا يفشو الجهل تحت اسم العلم والحكمة !!وتحت شعارات التحضر ومواكبة جديد العصر !! لابد من وقفة تأملية علمية جادة من قبل أهل العلم في التخصصات المختلفة للوافدات الفكرية (البرمجة اللغوية العصبية ، الطاقة ، الريكي ، الماكروبيوتيك ، التشي كونغ ....) وقفة تراعي الثوابت والمتغيرات بوعي وحكمة فكثير مما يُدعى أنه علم إنما هو محض جهل وباطل مُزج بشيء من العلم وخلط بشيئ من الحق تدليساً ، وكثير مما يزعم أنه ثبت علمياً يكون مجرد نتائج مأمولة لأبحاث غير علمية أو بمنهجية خاطئة .
كما ولابد من تربية الأجيال على أنماط التفكير المنهجية كالتفكير الناقد والتفكير السابر والتفكير الإبداعي ونحوها لينشئ جيل يميز الخبيث من الطيب ، ويشق طريقه بثبات نحو الحق والحقيقة في زمن كثر فيه اختلاط الحقائق بالدعاوى ، والتباس الحق بالباطل .