المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة إلى غارسيا


Eng.Jordan
01-09-2013, 02:02 PM
فيصل بن جاسم آل ثاني

عندما اندلعت الحرب بين إسبانيا والولايات المتّحدة عام 1898، أراد رئيس الولايات المتّحدة (ماك كينلي) إيصال رسالة إلى ثائر كوبيّ يُدعى "غارسيا"؛ وكان ذلك الثّائر مختبئًا في مكان ما في جزيرة كوبا؛ لا يصل إليه البريد ولا الهاتف، ولا يُدرى كيف الوصول إليه، وكانت حاجة الرّئيس إلى غارسيا ملحّة، فأخذ يسأل مَن حوله عن أفضل من يقوم بهذه المهمّة، حتى أخبره أحد ضبّاطه أنّه لا يوجد من يقدر على هذه المهمّة إلاّ شخص هو الضابط "روان".

وعندما سلَّم الرّئيس(كينلي) الرّسالة إلى الضّابط "روان" في واشنطن العاصمة، طالبًا منه إيصالها إلى غارسيا لم يسأله روان: "أين هو غارسيا"؟ ولا كيف أصل إليه؟ وماذا تريد منّي أن أفعل عندما أصل إلى هناك، وكيف أعود؟

كلّ ما فعل هو أنّه أخذ الرّسالة، واستقل قطارًا إلى نيويورك، ثم ركب سفينة إلى جمايكا، ثم كسر الحصار الإسبانيّ المضروب على كوبا في قارب صغير، ثم تجاوز الغابات الكوبيّة ما بين ركوب ومشي، حتى وصل إلى "غارسيا" السّاعة التّاسعة صباحًا بعد تسعة أيّام من السّفر، وفي السّاعة الخامسة قفل راجعًا إلى الولايات المتّحدة بعدما سلّم الرّسالة وأنهى المهمّة.

كتب (ألبرت هوبارد) تعليقًا رائعًا على قصّة إيصال "روان" الرّسالة إلى "غارسيا" قائلاً: "إن قلبي يهتزّ إعجابًا بالرّجل الذي عندما يُعطى رسالة لـ"غارسيا" يأخذها بهدوء وعزيمة، دون أن يسأل أيّة أسئلة سخيفة، ودون أن يبيّت نيّة لإلقائها في أقرب سلّة مهملات، ولا يفكر إلاّ بإيصالها.

إنّ الحضارة عبارة عن بحث قلق ومستمر للعثور على مثل هؤلاء الرّجال؛ لأنّه عبقري ومطلوب بشدّة، وليس أحد أكثر منه عبقريّة سوى القائد صاحب الفراسة الذي اختار بحدسه "روان"، ولذلك ينبغي للقائد أن يمتلك الفراسة التي تجعله ينتدب الرّجل المناسب للأعمال المهمّة والخطيرة؛ فإنّ ذلك من أعظم أسباب النّجاح فيها.

يقول (جاك ويلش) الذي يُعدّ من أفضل القادة الإداريّين في التّاريخ الأمريكيّ: "أحيانًا يصعب اتّخاذ القرار ليس لأنّه غير مرغوب فيه، ولكن لأنّه نابع من الفراسة والحدس، ويخالف إحدى القواعد الفنّيّة، ولكن لا بدّ أحيانًا من اتّخاذه". إنّ (ويلش) لا يعرف كيف يصنع المحرّكات النفّاثة أو كيف تُنتج البرامج التلفزيونيّة على قناة (إن.بي.سي) -الشركة التّابعة لشركة جنرال إلكتريك التي يديرها-، ولكنّه يمتلك قدرًا كافيًا من الفراسة يعينه على انتقاء الأشخاص ذوي القدرات القياديّة، وعندما سُئل في برنامج تلفزيونيّ: ما هو سرّ نجاحك الكبير؟ أجاب: "إنّني دائمًا ما أقوم بتعيين موظّفين أكثر ذكاءً منّي، رغم أنّ (ويلش) شخص شديد الذّكاء.

وكما قال الشاعر:

الرّأيُ قبلَ شجاعة الشّجعانِ هو أوّلٌ وهي المحلّ الثّاني

وقد لا يكون الشّخص المناسب بالضّرورة من رجال الصّفّ الأوّل أو الثّاني، ولكنّ القائد الفذّ هو من يبحث عن هؤلاء، ويملك الفراسة والقدرة على اكتشافهم كما حصل مع (كينلي).

يقول ميكافيلي: إنّ أهمّ وسيلة لتقييم ذكاء القائد هي النّظر إلى الأشخاص الموجودين حوله. وعندما مات قطب صناعة الفولاذ وأحد أغنى أغنياء العالم في القرن الماضي (أندرو كارنيجي) طلب أن يُكتب على شاهد قبره جملة واحدة وهي: "هنا يرقد شخص كان يعرف كيف يجمع حوله رجالاً أكثر براعة منه".

وقد كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- مستوعبًا هذه الحقيقة، فكان يعهد بقيادة الجيوش والسّرايا إلى أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، على الرّغم من تأخّر إسلامهم لكفاءتهم وقدراتهم، ولا يوليها أمثال أبي ذرّ وبلال على الرّغم من فضلهم وسابقتهم.

وسار أبو بكر على هدي الرّسول –صلّى الله عليه وسلّم- فولّى خالدًا لحرب المرتدّين حتى كسر شوكتهم، ثم جعله على رأس جيوش كأسود الشّرى تدكّ الأرض سيرًا إلى العراق والشّام، مع أنّ فيها أفاضل الصّحابة، فحقّق المسلمون بذلك انتصارات مذهلة في فترة زمنيّة قياسيّة أصدق ما توصف به "أنّها إنجازات عظيمة ونموٌّ متفجّر"

المصدر : نوافذ