المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النحل: عطاء قبل الأخذ!


Eng.Jordan
01-10-2013, 06:03 PM
(( وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )) صدق الله العظيم

ربما تعلمون أصدقائي أن ما تنتجه النحلة طوال حياتها لا يتجاوز ملعقة واحدة من العسل. وطبقاً لإحصائيات إحدى المعاهد المتخصصة فإن جمع قرابة الكيلوغرامين من الرحيق يلزمه ثمانية آلاف نحلة، وأن ثمانية آلاف نحلة أخرى تمس لها الحاجة للتهوية بأجنحتها على ذلك الرحيق لتبخيره وتعديله بغية استخلاص نصف كيلوغرام من العسل.

أما النحل المتخصص في صنع الشمع فيلتهم ما بين ثلاثة إلى أربعة كيلوغرامات من العسل لإنتاج نصف كيلو من الشمع.

ولا عجب إذاً أن تكون الوظيفة الوحيدة للملكة هي إنتاج البيض من أجل المحافظة على ذلك العدد الضخم من العاملات لإنتاج العسل ومشتقاته.

العناية باليرقات هو أمر في غاية الأهمية وموكول للنحل الفتي القوي. وفي حين لا يتجاوز عمر هذا النحل الصغير بضعة أيام فإنه مع ذلك يقوم بإطعام اليرقات الحديثة الفقس والعناية بها. وبما أن آلاف اليرقات تفقس يومياً، فلا بد من تجنيد أعداد متزايدة من النحل الصغير للوفاء بمتطلبات اليرقات التي يلزمها كميات كبيرة من الغذاء كي تنمو بسرعة وتنضمّ إلى المربيات للإعتناء بغيرها.

الملكة الشابة والقوية تضع ما بين 2200 إلى 2300 بيضة يومياً قبيل أو خلال موسم صنع العسل.

وبما أن نحلة العسل هي حشرة تعاونية فلا يمكنها العيش إلا بالعمل الجماعي الجاد ضمن واحدة من ثلاث فئات تؤلف خليتها أو مجتمعها. وتلك الفئات الثلاث هي الملكة والعاملات والذكور.

أما العمل داخل الخلية (أو القرص) فهو في غاية الإتقان والفاعلية بحيث لا وجود لجهود مبتورة أو طاقات مهدورة. فكل نحلة عاملة تعرف بالضبط العمل المناط بها وتقوم به على أكمل وجه.

العمل الميداني خارج الخلية هو من اختصاص النحل الأكبر سناً الذي تنحصر مهمته في جمع غبار الطلع (أو اللقاح) والرحيق والصمغ. هذه الفئة من النحل تعمل بكل جد واجتهاد ودون كلل أو ملل لدرجة أن العديد منها يقضي منهوك القوى وممزق الجناح في محاولة أخيرة يائسة لإيصال آخر شحنة من رحيق الأزهار إلى البيت (سبحان الله! عطاء قبل الأخذ!)

النحل الصغير الذي يقوم بتربية اليرقات لا يقصد الحقول إلا بعد أن يكون قد بلغ من العمر عشرة أيام إلى أسبوعين. وعلى أية حال فالواجبات الكثيرة داخل الخلية لا تقل أهمية عن *** الرحيق من الحقول إليها.

العمل متواصل بالنسبة للنحل الصغير. فالخلايا بحاجة إلى تنظيفٍ وتلميع كي تضع الملكة البيض فيها. وهناك نحل متخصص في جمع القمامة من فتات الشمع ونحوه ونقله إلى خارج الخلية أو القفير.

النحل الميت ينبغي أيضاً سحبه من الخلية إلى منصة الدخول ودفعه خارجاً. وهذا الإجراء في غاية الأهمية بالنسبة لصحة وسلامة النحل لأن النحل الميت إن ترك في موضعه يتسبب في إفراز الحشرات أو الطفيليات المؤذية وفي خلق الرطوبة داخل الخلية.

وهناك نحل دائم الحضور وعلى أهبة الإستعداد لخدمة الملكة. بعضه يقوم بالتهوية من خلال الضرب المتواصل والسريع لأجنحته. وهذا دور حيوي للحفاظ على تهوية متواصلة وفعّالة داخل الخلية بحيث تبقى درجة الحرارة الداخلية في الصيف ثابتة ومريحة.

كما أن هناك عدد لا بأس به من النحل يقوم بنقل الماء إلى الخلية لأن الماء عنصر حيوي في تغذية اليرقات التي يشتمل غذاؤها في الأساس على ما يعرف بخبز النحل المكوّن من غبار الطلع الممزوج بالعسل والماء. واضح أن المواد الغنية بالنيتروجين الموجودة بوفرة في غبار الطلع لا غنى عنها في نمو اليرقات.

أما تحضير الملكات الصغيرات فيعتمد كلياً على إطعام فئة خاصة من اليرقات نوعاًً من الطعام المعروف بالهُلام الملكي. وعندما تدعو الضرورة وتقتضي الظروف داخل الخلية تنصيب ملكة جديدة تقوم المربيات باختيار يرقة واحدة من باقي اليرقات وتشرع في إطعامها تلك المادة الهلامية التي يتم استحداثها داخل جسم النحلة عن طريق الغدد اللعابية ومن ثم إخراجها عند الحاجة.

بناء الأقراص الشمعية لتخزين العسل يلزمه أسابيع من العمل وعدد غير قليل من العاملات. بعد الإنتهاء من بناء الأقراص تصرف تلك العاملات أياماً في سد الشقوق بحيث تكون كاتمة لا ينفذ الهواء منها حتى لا يتسرب ولو مقدار ضئيل من العسل خارج القرص.

وإن نظرنا إلى خارج الخلية نرى الحراس الموكول إليهم مهمة حراسة المدخل للتصدي للنحل الغريب الذي ينوي السرقة ومنعه من الدخول إلى الخلية. بل وهناك أيضاً النحل الكشاف الذي يقوم باستشراف المعابر والممرات والتأكد من أنها آمنة مأمونة عندما يضطر النحل إلى الإنطلاق مرة واحدة في هجرة جماعية بحثاً عن مقر جديد.

كما تشتمل الواجبات المنزلية أيضاً على تخزين غبار الطلع ورصّه جيداً وسد شقوق الخلية ومعالجتها بالمواد الصمغية لمنع دخول الهواء البارد إليها، إضافة إلى تنظيف خلايا القرص وصيانتها وترميمها، وإنضاج العسل وغير ذلك من الواجبات الأخرى.

وبضرب أجنحته أثناء النهار – لا سيما أثناء الليل – يقوم النحل بضخ مئات أو ربما آلاف الأمتار المكعبة من الهواء داخل الخلية من أجل التبخير البطيء للماء الموجود في الرحيق وتحويله إلى عسل ثخين ومغذٍ.

ولولا هذه العملية لأدت الرطوبة الزائدة – التي تبلغ أحياناً نسبة الستين في المائة – إلى تخمّر الرحيق المستجمَع حديثاً وبالتالي إفساده. ولذلك يتوجب على النحل تكثيف هذا السائل الفائض لدرجة لا تزيد نسبة الماء فيه إلى السكر عن 20 بالمائة.

بعض الرطوبة الزائدة يتم التخلص منها بطرق ذكية أثناء ضرب النحل لأجنحته. ولكن لدفع الكمية المتبقية خارجاً يقوم النحل بتشكيل مجموعتين: إحداهما لطرد الهواء خارج الخلية والأخرى لسحب الهواء إلى داخل الخلية. وهذا النوع من التهوية يمكن تشبيهه إلى حد ما بعمل أجهزة التجفيف أو نزع الرطوبة.

أما ما يقوم به النحل من تلقيح للنبات والأشجار فهو أثمن بكثير من العسل بالنسبة لمربي النحل.

وهكذا نستنتج من دراستنا ومعاينتنا لهذا المجتمع النحلي العجيب أن حياة نحلة واحدة بمعزل عن باقي النحل هو أمر مستحيل. أما الحافز القوي الذي يتخلل مجموعة النحل فهو على ما يبدو ضمان استمرارية الكل بدلا من الفرد.

وهذا أيضاً ينطبق على تلك الشرارة المقدسة في داخلنا التي تحثنا على الإيثار بدل الإستئثار وخدمة الناس بدل استغلالهم.

فطموحاتنا يجب أن تسمو على الأهداف الشخصية واقتناص الفرص دونما اعتبار لمصالح الناس ومشاعرهم.

وعملنا ينبغي أداؤه بروح الخدمة والواجب والمحبة دون التطلع إلى المنافع والمكافآت.

وكالنحل يجب أن نعمل دائبين بقلوب متحدة وطاقات متجددة وعزم راسخ وتصميم متواصل لخدمة مجتمعنا الذي يحتاج إلينا مثلما نحتاج إليه.

وبالرغم من كل العوائق التي قد تعترض سبيلنا وتحد من تقدمنا ينبغي مواصلة السير على دروب الحياة مهما بدت الطرقات عسيرة ووعرة، مكرّسين جهودنا لخدمة الإنسانية على قدر استطاعتنا. فالمكافآت التي تحتفظ بها الحياة للعاملين لا تتمثل في الراحة والخمول بل بمنحهم قوى عديدة وطاقات جديدة لمواجهة تحديات أكبر وبلوغ مستويات أعمق رسوخاً وأكثر شموخاً.