المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدب والدعوة إلى الله


Eng.Jordan
01-14-2013, 10:18 AM
علي صالح طمبل

2012-10-03

http://www.islam4africa.net/images/eryy.gif

إن تأثير الأدب على الناس يجعل منه أداة من أدوات التغيير المهمة التي توجه الأفكار وتؤثر على المعتقدات؛ مما يعظم من دور الأدباء تجاه مجتمعاتهم ويلقى بمسؤولية ثقيلة على عاتقهم. علاقة الدين بالأدب: يرى الدكتور إبراهيم عوضين أستاذ الأدب العربي ونقده بجامعة الأزهر: إن النظر الواقعي يقرر قوة العلاقة بين الدين والأدب، إذ أن العلاقة لا تمثل قيوداً مفروضة من الدين على الأدب أو الأديب، وإنما هي علاقة طبيعية لا غرابة فيها، وإنما الغرابة في إقامة الخصام والتباين بينهما، إلا إذا جعلنا الدين غريباً طارئاً على الإنسان من صلته بالدين والتدين أياً كان) . العلاقة بين الموهبة والدين علاقة وثيقة؛ باعتبار أن الموهبة فطرية شأنها في ذلك شأن التدين، بينما الإبداع الأدبي بشكل عام يشتمل على الجانب الفطري والمكتسب. إذاً العلاقة التي تربط الدين بالأدب تتقاطع في الجانب الفطري الذي يعتمد على الموهبة التي وهبها الله عز وجل للأدباء. الإسلام والأدب: مما لا شك فيه أن للإسلام بصماته الواضحة في حياة العرب، فقد أعاد صياغة المجتمع الجاهلي القائم على النَّعُرات القبلية والتاحر والتفاخر الذي بلغ إلى حد أن يقول شاعرهم: إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينَا يقول الأستاذ أحمد حسن الزيات: (فالشجاعة والشهامة والكرم المفضي إلى السرف والترف، والتفاني في الإخلاص للقبيلة، والقسوة في الانتقام، والثأر على من تعدى على الأهل بالقول أو الفعل هي أصول الفضائل عند الجاهلية، أما الإسلام فقد جعل المثل الأعلى للإنسان الخضوع لله، والانقياد لأمره، والقناعة والتواضع، ومجانبة التكاثر، ثم الصبر) . إذاً فالإسلام قد أحدث تغييراً جذرياً في الحياة الجاهلية ليعيد تأسيسها على الهدي الرباني، فيخرج المجتمع من ظلمات الشرك والضلال إلى نور التوحيد والهداية. وبما أن الأدب قد مثلأحد المكونات الثقافية الرئيسية في تلك الفترة، فقد كان لا بد له أن يتأثر بهذا التغيير الجوهري الذي شمل كافة مناحي الحياة. ولكن السؤال الذي يلح في هذا الصدد هو: هل كان تأثير الإسلام على الأدب في مرحلة صدر الإسلام إيجابياً أم سلبياً؟ يقول الزيات: (ضاقت دائرة الشعر في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لموت العصبية وقوة الروح الدينية، وانطوت الخطابة تحت لواء القرآن تدعو إليه، وتقابل الوافدين عليه، وتسيرعلىهديه، وتقتبس من نوره) . لكن للدكتور شوقي ضيف رأي آخر: (الشعر ظل مزدهراً في صدر الإسلام، وليس بصحيح أنه توقف أو ضعف كما ظن ذلك ابن خلدون وتابعه فيه بعض المعاصرين؛ إذ يقول في مقدمته: انصرف العرب إلى الشعر أول الإسلام بما شغلهم من أمر الدين والنبوة والوحي، وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه ؛ فأُخرسوا عن ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زماناً) . فبعض النقاد والباحثين يرى أن الإسلام ضيّق على الشعر، وحصر موضوعاته، وأن المجتمع انشغل عن الشعر بفصاحة القرآن الكريم الذي مثل معجزة في الفصاحة والبيان، وتحدياً للعرب الذين كانوا يباهون بامتلاكهم لناصية البيان. وفي المقابل يرى البعض بأن الإسلام لم يحظر الشعر، وإنما أطلق له العنان دون تقييد يذكر. صحيح أن الإسلام ضيّق على الشعر، لكنه لم يضيِّق على كل ضروب الشعر، بل على ما يصطدم مع القيم والمبادئ السمحة التي جاء بها، من شعر التفاخر بالأنساب والهجاء الجارح، والغزل الماجن، والرثاء المصادم للإيمان بالقضاء والقدر؛ وكل ما من شأنه أن يثير الجهويات والضغائن بين الناس؛ وقد جاء في الحديث حينما تنازع بعض المهاجرين والأنصار وأخذوايدعون بدعوى الجاهلية القائمة على العصبية والقبلية: (قالوا: يا رسول الله ، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار،فقال:دعوهافإنهامنتنة) . وقد فطن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر باعتباره سلاحاً إعلامياً فعالاً يمكن استغلاله في المنافحة عن الدين والرد على أعداء الأمة، فكان يقول لحسان بن ثابت رضي الله عنه في الحديث الذي رواه مسلم: (اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق بالنبل) ، وفي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه: (إن من الشعر حكمة) . وكان أول ما قال حسان أبياتاً يتحدى بها أبا سفيان بن الحارث قائلاً: هجوتَ محمداً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاءُ فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وجاءُ أتهجوه ولستَ له بكفء فشـركما لخيركما الفـداءُ أما كعب بن زهير فقد قال يوم أُحد: فجئنا إلى موج من البحر وسطه أحابيش منهم حاسر ومقنعُ ثلاثة آلافٍ ونحـن نصــــــــيةٌ ثلاث مئن إن كثرن وأربعُ فراحـوا سـراعاً كأنهـــــــم جهام هراقت ماءه الريح مقلعُ ورحنـا وأخرانا بطــانٌ كأننا أســــــــود على لحم ببيشة ضُلَّعُ وأما عبد الله بن رواحة فهو الذي قال في هجاء قريش: نجالد الناس عن عرض فنأسرهم فينا النبـي وفينا تنزل السـورُ وقد علمتم بأنا ليس غالبنـا حرُّ من الناس إن عزوا وإن كثرُوا ويوضح الدكتورضيف ما ذهب إليه من الأثر الإيجابي للإسلام على الأدب بوجه عام والشعر على وجه الخصوص: (القرآن لم يهاجم الشعر من حيث هو شعر، وإنما كان يهاجم شعراً بعينه كان يؤذي الله ورسولهصلى الله عليه وسلم. وهو نفسه الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً) . فالإسلام لم ينبذ الشعر إلا ما كان منافياً للدين والأخلاق والقيم الإنسانية العليا. وهذا ما يقرره الدكتور إبراهيم محمد قاسم أستاذ الأدب والبلاغة في الرئاسة العامة لتعليم البنات بالمملكة العربية السعودية بقوله: (إن الأدب عندما يفقد دوره الأساسي يتحوّل إلى شيء قبيح مذموم، والقرآن الكريم يقرِّر هذه الحقيقة، فنجده يصنف الشعراء ــــــ وهم صنف من الأدباء ــــــــ إلى مذمومين وممدوحين بناء على الغاية من الأدب الذي ينشرونه. يقول تعالى: (وَالشُّعَرَاءيَتَّبِعُهُمُالْغَاوُونَ (224) أَلَمْتَرَأَنَّهُمْفِيكُلِّوَادٍيَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْيَقُولُونَمَالايَفْعَلُونَ (226) إِلاالَّذِينَآمَنُواوَعَمِلُواالصَّالِحَاتِوَذَكَر ُوااللَّهَكَثِيرًاوَانتَصَرُوامِنبَعْدِمَاظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُالَّذِينَظَلَمُواأَيَّمُنقَلَبٍيَنقَلِ بُونَ (227) . إذاً فالقرآن الكريم والسنة النبوية يؤكدان أهمية الأدب وفعاليته في الدعوة إلى الله تعالى والذود عن العقيدة، لكنهما يحضان على الأدب الهادف الفعال، وينبذان كل أدب منافٍ للقيم والأخلاق الرفيعة، من ذلك النوع الذي يشغل بما يضر ولا ينفع الإنسان في دينه أو دنياه. ومن جانب آخر، يرى البعض بان الأدب يكون في كثير من الأحيان منافياً للدين ومناقضاً له، وأن الأديب إذا أراد أن يكون مبدعاً حاذقاً فلا بد له أن يتحلل من قيود الدين والمجتمع، وربما استدل بعضهم بالمقولة المشهورة: (أجمل الشعر أكذبه).وقريب من ذلك رؤية البعض للأدب بأنه خصم على التدين، مستشهدين بالبيت المنسوب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه: ولولا الشعر بالعلماء يزري لكنت اليوم أشعر من لبيدِ وقد نسي الذين ذهبوا إلى تعارض الأدب مع الدين أن كثيراً من العلماء قد نظم الشعر في مضمار الدعوة وشرح أصول الدين وأحكامه، ومنهم على سبيل المثال الإمام الشافعي والإمام ابن القيم والعلامة عبد الرحمن السعدي رحمهم الله. وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من عدم تضارب الأدب مع الدين، خاصة وأن المتأمل في أشعار كثير من العلماء والدعاة يجدها على قدر كبير من الإبداع والحذق؛ دون أن يضطرهم ذلك إلى الإتيان فيها بما ينافي الدين أو يخدش وجه الأدب. الأدب والدعوة الإسلامية: يعد الأدب من الوسائل الفعالة في التأثير على المتلقي وإيصال المعتقدات والأفكار بصورة ميسرة سلسة، لا سيما في مجال الدعوة الإسلامية. يقول الدكتور عفيفي سالم عميد كلية الدعوة بجامعة الأزهر: (إن الأدب بجميع أنواعه يمكن أن يسهم بصورة فعالة في النهوض بالدعوة الإسلامية، ولا أدل على ذلك من عناية الإسلام به) . وقد جاءت رسالة الإسلام لتخاطب جميع شعوب العالم في كل مكان وزمان. وتمتاز هذه الرسالة العالمية بتعدد أساليبها ووسائلها التي تخاطب المجتمعات مراعية خصوصياتها وأوضاعها التي تختلف من مجتمع لآخر. والأسلوب البياني المؤثر هو أحد تلك الآليات التي تستخدمها الدعوة وتحض عليها، قال تعالى: (وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً) . يقول الدكتور عبد الله بن إبراهيم اللحيدان أستاذ الدعوة المشارك بجامعة محمد بن سعود: (إن العالم بحاجة ماسة إلى الدعوة الإسلامية أكثر من ذي قبل، وما دمنا نحن المسلمين نعتقد أن الإسلام رسالة عالمية؛ فلا بد أن نؤدي أمانة تبليغ دعوة الإسلام بكل الوسائل، وننهج كل الطرق المشروعة التي تحقق مبدأ البلاغ المؤثر في ظل قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) . ومثلما وقف الأدب داعياً إلى عبادة الله وتوحيده واتباع أوامره واجتناب نواهيه بالحكمة واللين؛ فقد وقف في الجانب الآخر يذود عن حياض الإسلام ويدفع عنه كيد المتربصين، ويحث المسلمين على التمسك بدينهم والذود عن عقيدتهم. يقول الدكتور عبد الرحمن رأفت الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود: (إن النصوص تومئ إلى حقيقة أخرى هي أن المسلمين كانوا يفزعون إلى هذا الأدب في ساعات الشدة، ويستروحون به في أوقات المحنة، فتقوى به القلوب وتهتز له المشاعر، فقد روى البخاري في صحيحه أن رجلاً سأل البراء رضي الله عنه: أوليتم يوم حنين؟ قال البراء: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يولِّ يومئذ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذاً بعنان بغلته، فلما غشيه المسلمون نزل فجعل يقول: أنا النبي لا كذبْ أنا ابن عبد المطلبْ فما رئي من الناس يومئذ أشد منه ) . أما في هذا العصر فهناك من الشعراء من نذر شعره للدعوة إلى الله والذود عن حياض الإسلام دون أن يخل من جودة شعره أو يهمل أدواته الفنية، ومنهم على سبيل المثال الشاعر الدكتور عبد الرحمن العشماوي الذي يقول داعياً للإسلام ومؤكداً أنه المنهل الصافي والمنهج القويم: غريب ، أنختار الحياض ، وماؤه غثاءٌ وحوض الدين تصفومناهـــلُهْ وكم من صديق تحسب الخير قصده فتبدو على مر الليالي مهـــــــازلُهْ ومن سار في الدنيا بغير طريقـة فقد بات والأوهام ســــم يداخلُهْ تناولمن الأغصان ما تستطيعه ودعك من الغصن الذي لا تطــاولُهْ ونجد العشماوي في الجانب الآخر يذب عن الإسلام، ويفاخر بعقيدته الغراء: تالله ما الطـــغيان يهزم دعوتي يوماً وفي التاريخ برُّ يمينِي ضع في يديَّ الـقيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكينِ لن تستطيع حــصار فكري ساعة أو نزع إيــماني ورد يقينِي فالنور في قلبي وقلبي في يدَي ربي وربي حافظي ومعينِي سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي وأموت مبتسماً ليحيا دينِي ولعل أهمية هذا النوع من الجهاد هي التي حدت ببعض العلماء لأن يقولوا بوجوبه؛ باعتبار أن الجهاد بالكلمة نادر، وتأثيره الفعال يتوقف على الموهبة المصقولة، ويما أن هذه الموهبة لا توجد عند كثير من الناس،ولا يُعنى الكثيرون بصقلها وتطويرها؛ فإن من يمتلك هذه الموهبة يتعين عليه صقلها، ومن ثم تسخيرها للدين. وفي ذلك يقول الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الخنين عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود: (وقد عدّ بعض العلماء ذلك من قسم الشعر الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه مع مكنته من ذلك وقدرته عليه وشدة حاجة المسلمين إليه. فقد أشار الشوكاني إلى ذلك قائلاً: (واعلم أن الشعر في نفسه ينقسم إلى أقسام؛ فقد يبلغ ما لا خير فيه إلى قسم الحرام، وقد يبلغ ما فيه خير منه إلى قسم الواجب) . أدب الدعوة بين القيم الإسلامية والمعايير الفنية: إن كل أديب يسعى لأن يوظف إبداعه لخدمة الدعوة إلى الله لا شك أنه سيتساءل: إلى أي مدى يمكن أن يؤثر إنتاجه على المتلقي ويدفعه إلى الفعل الإيجابي في خدمة دينه وأمته. وهنا يمكن ان نطرح سؤالاً: هل القيم الإسلامية التي يدعو إليها الأديب كافية لأن تُحدِث هذا التأثير الإيجابي في المتلقي؟ يقول توفيق الحكيم: (الأدب لا يمكن أن يضع في مراتبه العليا أديباً استخدم أدباً رخيصاً أو فناً رديئاً مهما يكن شرف الغرض منه) . فالخطأ الذي يقع فيه كثير من أدباء المسلمين هو أنهم لا يفطنون إلى أهمية التزام المعايير الفنية في الأدب؛ فيأتي إنتاجهم الأدبي باهتاً بالرغم من سمو غايتهم ورفعة القيم التي يدعون إليها؛ إذ أن قصائدهم تقع في كثير من العيوب الفنية مثل المباشرة والتقريرية، وتأتي خالية من الصور الجمالية الموحية، وشاحبة من حيث الألفاظ والأخيلة. وكثير من الأدباء لم تشفع لهم القيم والمبادئ الإسلامية التي يدعون لها عندما أغفلوا المعايير الفنية للأدب؛ فكان أدبهم أقل تاثيراً وأضيق انتشاراً.   الخاتمة: إن الدلائل والقرائن الدينية والاجتماعية تشير إلى أهمية الأدب في حياة الإنسان بصفة عامة، وأهميته في خدمة الدعوة الإسلامية بصفة خاصة؛ بدليل اهتمام الإسلام بالأدب الهادف وحث الأدباء عليه، خاصة في مواطن الجهاد والرد على أعداء الدين وهجائهم والدعوة إلى سبيل الإسلام وتعاليمه السمحة. كما يدعو الإسلام لأن يكون الأديب مثالاً ونموذجاً لما يدعو إليه دون تناقض بين القول والعمل. ولكي يكون الأدب فعالاً ومؤثراً في دعوة الناس إلى الدين، لا بد أن تراعى فيه المعايير الفنية التي تميز الأدب عن غيره من الإنتاج البشري في المجالات الأخرى.

كمال بن عجاج
01-14-2013, 10:53 AM
بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا لك من القلب للأطروحة الطيبة والتى تركت الأثر
الطيب لدى بعد قرائتها وجزيت من الله خير الجزاء--
وتقبل تقديرى وتحياتى