المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر الذي بداخل خالد الفيصل لم يمت!


Eng.Jordan
01-17-2013, 12:49 PM
خالد الفيصل يقع أحيانا بين تجاذب فئتين، كل فئة تحسبه مصطفا ضدها في فيلق الفئة الأخرى، يراه المتشددون رجلا تقدميا يسعى إلى التغريب، بينما يراه الليبراليون سلفيا متدينا
كتب الأمير خالد الفيصل قصيدته الهجين "الهبوب"، وأقول هجين لأنها "فصحمية" أي بين الفصحى والعامية على نحو جعلها أشبه بالأرجوزة أو الطقطوقة أو المسجوعة. ولعل هذا الجنس الشعري هو الذي جعل الآفاق تحلق بتشذيبها وتقطيعها عبر الوسائط الاجتماعية المتنوعة بعد أن تعودت أن تتلقى من شاعرها قصائد غاية في السبك والحبك الفني.
ما ليس بجديد، هو أن يثير خالد الفيصل بين فترة وأخرى النقع فوق رؤوس الأشهاد دون تقصد منه أو تعمد لما يحدث من ردود فعل، لكن ربما لأن خالد الفيصل يقع أحياناً بين تجاذب فئتين، كل فئة تحسبه مصطفّاً ضدها في فيلق الفئة الأخرى؛ إذ يراه المتشددون رجلاً تقدمياً ليبرالياً يسعى إلى التغريب، بينما يراه الليبراليون سلفياً متديناً، وبين الفسطاطين فإن الفيصل عرضة للفريقين بين مدهم وجزرهم.
هكذا كان خالد الفيصل يثير اللغط في التحولات التنموية التي عاشتها عسير حينما كان الفيصل أميرها، أو عندما دعا لتوطين وسعودة مدارس التحفيظ، أو عندما قال: "ارفع رأسك أنت سعودي غيرك ينقص وأنت تزود". وكنت أتمنى لو قال: "غيرك يقنع وأنت تزود".. أو "غيرك ياقف وانت تزود" أو "غيرك يركض وانت تزود".. وكل المفردات البديلة أرحم وأقل وقعاً من عبارة "ينقص".
وإذا عدنا إلى الحديث عن القصيدة مثار الجدل، فإنها قصيدة من الشعر المصنوع غير المطبوع، أو الطرق المسجوع، أي أنها لم تأت عفو السليقة، وقد عرف خالد الفيصل كأبرز شعراء النبط، لكنه كغيره من الشعراء يحاول التجريب عبر الدخول إلى معترك القصيدة الفصيحة، ومثله وقبله حاول كثير من الشعراء الشعبيين وشعراء الأغنية كتابة القصيدة الفصيحة. ومن هؤلاء الشعراء الأمير بدر بن عبد المحسن، والشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد. ومع تفاوت درجة الإجادة بين كل هؤلاء، لكنهم رغم كل شيء يكتبون الفصحى بإجادة أقل، نظراً لقلة الدربة وضعف اللياقة لمن يدخل مضمار التجريب على تباعد، وبالتالي فإن ما يكتبه خالد الفيصل وغيره من شعراء العامية بالفصحى يقع تحت مظلمة المقارنة مع نتاجه من القصائد النبطية التي دلعها وولعها وحايلها ومايلها لسنوات عدة. وكل الذين علقوا على "الهبوب" ركزوا على جرسها الموسيقي وبنائها الفني ومباشرتها للموضوع بلا أخيلة معتادة أو صورة أخاذة، وهذا طبع منظومات الوعاظ أو الإخوانيات أو المعارضات، لكن معظم المعلقين أغفلوا الأهم في "الهبوب" وهو المضمون، وهو ما استهدفه الشاعر من كتابتها لتمرير رسائله وهواجسه.
فقط، كان الدكتور عبد الله الفوزان هو من اهتم بالمضمون في مقاله المنشور في صحيفة الشرق، لكن الفوزان ـ في ظني ـ فهم مغزى القصيدة على غير ما قصد الشاعر، فقد فهم أن الفيصل أراد أن يقول: إن الغرب قد تآمر على الربيع العربي للحيلولة دون وصوله للحكومات الإسلامية أو إلى كراسي الحكم، واحتج الفوزان بالحكومات التي جاءت إلى تونس وليبيا ومصر، وهذا ربما أنه صحيح في ظاهر المعنى، لكن ما يبدو هو أن الأمير خالد الفيصل يريد أن يقول: إن هذه الحكومات قد جاءت رغماً عن الغرب، وأن الغرب بعد أن لمس هذا المد فإنه قد توقف عن دعم التحول الشعبي العارم في سورية باتجاه إسقاط النظام عندما غض بصره وهو يرى الدعم الواضح والمستمر لبقاء الأسد من قبل كثير من القوى العالمية الكبرى، خاصة مع ما يمثله التحول المنتظر في سورية من خطر على إسرائيل، هذا إلى جانب أن الشاعر خالد الفيصل يريد أن يقول ـ كما أفهم ـ أن الديموقراطية لا تنسجم مع تحكيم الشريعة الإسلامية، وأن الغرب معني بتقويض الحكم الإسلامي عبر الديموقراطية أو عبر النظام العلماني.
ويرى الأمير أن الغرب يتقصد الإسلام عبر هذا الاستهداف، رغم الاستثناء الظاهر والمعطى لإسرائيل، كونها دولة تنص في دستورها على يهوديتها، في حين يرى الشاعر خالد الفيصل أن الغرب يرى أن الدولة إذا صارت إسلامية فإن مآلها أن تكون إرهابية:
غايتها دولة مدنية
علمانية لا دينية
إلا الدولة الصهيونية
لازم تبقى يهودية
أما الدولة الإسلامية
هذي دولة إرهابية
ويرى أن الغرب سيعمد إلى تقويض الدولة الإسلامية ما لم تتغير عن منهجها سلمياً:
إما تتغير سلمياً
أو بالقوات الحربية
ثم يشير الشاعر إلى مصطلح "الفوضى الخلاقة"، ويقسمها إلى نصفين، بحسب الرؤية الغربية التي تمنح الفوضى للأرض العربية وتمنح الخلاقة المبدعة لإسرائيل:
والفوضى الخلاقة بدأت
حسب العدالة الدولية
الفوضى صارت عربية
والخلاقة للعبرية
ثم يشير إلى أمر مهم جداً، وهو أن قضية العرب الأولى (القضية الفلسطينية) صارت في آخر الاهتمامات العربية لانشغال العرب، كل على حدة، بما هو أهم وأولى:
والقضية صارت حنا
ونسّونا الفلسطينية
ولأن الغرب معني – بحسب ما يشاع ـ بالحضارة والمدنية فقد عمد كما يقول الشاعر إلى:
واتهمونا بالتخلف
والرجعية الهمجية
واشعلوها طائفية
وعنصرية وقبلية
وماذا أيضاً:
وشجعوا التغريب الفكري
ولمعوا رموز التبعية
ثم يعمد الشاعر إلى الأهم متوجهاً إلى علماء الأمة للخروج من ربقة الانغلاق في قوله:
يا علماء الأمة افتونا
واعطونا بدائل عصرية
الآخر فصل تشريعه
على القيمة العلمانية
ونقلناها بكل سذاجه
وسميناها تنويرية
ثم يقول:
ليه النظام الإسلامي
ما أوجدنا له آلية
الدستور كتاب الخالق
والمنهج سنة نبوية
وعلينا نثبت للعالم
ان رسالتنا أبدية
وابراهيم وموسى وعيسى
ومحمد رسل البشرية
علمونا ان السلطة
أمن وعدل وانسانية
وان الشورى عين الحكمة
والشريعة ربانية
والله واحد ودينه واحد
والعقيده توحيدية
مرة أخيرة، فإن مضمون القصيدة هو الأولى بالالتفات والنقاش والتأييد أو الاعتراض، أما الجسم والشكل فإنه لا يقتضي هذا الهرج والمرج الذي أهمل الأهم وهو هذه الروح الإسلامية والقومية التي تسعى للتغيير بما ينسجم مع العصر ولا ينعزل عن المنهج القويم. نكمل غداً إن شاء الله..
إدريس الدريس (http://www.alwatan.com.sa/Writers/Detail.aspx?WriterID=261)