المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكتابة الشذرية


Eng.Jordan
01-17-2013, 09:48 PM
خضير ميري - عرب 48

- إيميل سيوران -

الكتابة الشذرية جنس أدبي ظهر على استحياء وتعثر في فترات تاريخية مختلفة من تاريخ الكتابة الأدبية والنقدية والفلسفية، وإذا ما عرفنا بأن نظام الشذرة ظهر في الفلسفة بسبب نقص التدوين، أو ضياع المكتوب من ذاكرة الكتابة منذ الفلسفة اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد، إذا ما اعتبرنا الشذرات التي وصلتنا من فلسفة هيرقليدس، وبرمنيذس، وديمقريطس، هي الشكل الأول لظهور الشذرة أو المقطعية في الكتابة، إلا أن الشذرة أو البيوغراف لم تكن شائعة بعد في مجال الكتابة والتأليف حتى ظهور خواطر باسكال (19 حزيران 1623 - 19 آب 1662)، التي عرفت بهذا الاسم، ثم أعقبتها اعترافات وخواطر جان جاك روسو (28 حزيران 1712 - 2 تموز 1778)، التي تدرج في مجال التاملات أو المدونات النصية .
إلا أن الكتابة في شكلها الشذري وصيغتها المقطعية، لم تصبح منهجا في التعبير وأسلوبا مطلوبا لذاته، إلا مع ظهور أعمال فردريك نيتشه (5 تشرين الأول، 1844 - 25 آب، 1900)، ولعل جيل دولوز في كتابه عن نيتشه، كان مصرا على أن هذا الأخير كان يميل إلى الكتابة بصيغة مغايرة للتأليف الفلسفي الكمي أو النسقي أو النظامي، كما نجده لدى كل من عمانوئيل كانت وفردريك هيجل، فنيتشه يمزج بين المقطعية الرقمية وبين الشذرة الشعرية، أو الحكمة الفلسفية، وغالبا ما يطلق لنفسه العنان في تقديم مقطعيات تبدو وكأنها مقطوعات أدبية مستقلة عن المتن الأصلي، ثم يجد لها رابطا بمهارة خاصة، ولعل هناك أكثر من رأي بأن فلسفة نيتشه بأكملها تنحو نحو هذا المشروع التفكيكي أو التفصيلي في واقع الحال.
الآن هناك نوع آخر من الكتابة الشذرية ظهرت على يد كل من إميل سيوران 1911-1995، وفرناندو بيسوا (ولد في لشبونة سنة 1888، ليموت فيها بعد سبع وأربعين سنة 1935)، ولسيوران بالذات التزام حرفي بمفهوم الشذرة، فهو يقدم كل تفكيره في عبارات موجزة ومقاطع مكثقة وقصيرة، وقد عانى كثيرا في الانشغال بكتبه والعمل على تدقيقها طويلا قبل نشرها، ولعل الشذرة هي من ناحية أخرى تدل على فضاء منزاح من متن رحب، أو هي عتبة نصية قبل أن تكون هي بحد ذاتها نصا، وكان سيوران قادرا على العزف على أكثر المفاهيم الفلسفية تعقيدا بجمل قصيرة مثل وخزات سريعة، أو لقطات تصويرية في غاية الروعة والجمال، كما في كتابه "مقايسات المرارة"، العنوان الأصلي "للمياه بلون الغرق"، وكذلك في أعماله الأخرى مثل "غواية الوجود"، و"اعترافات ولعنات".
بينما تأتي شذرات فرناندو بيسوا المشبعة بالأفكار الوجودية، والشاذة عن السياق المعهود في الكتابة، فهو يمزج الشعر بالفكر، وله محاولات في الكتابة الذاتية على غرار اعترافات القديس أوغسطنويس، فهو وضع كمية كثيرة من المقطعيات السيرية والتأملية والتقدية في كتابه المعروف "كتاب اللاطمأنينة "، وهو كتاب شيق نشر بعد وفاته.
ربما يكون هذا النوع من الكتابة لم يلق تفضيلا لدى الكاتب العربي، فالكتابة العربية كانت وما زالت كتابة مقالاتية تميل إلى الشرح والموضوعية والجدية والتصنيف، والكاتب العربي لا يكتب لذاته غالبا ولا يفكر بالتجريب في الكتابة كثيرا، مما جعله لايقدم نوعا مغايرا من الكتابة، كالكتابة الشذرية، لا يمكن لنا أن نعدم وجودها بالمستقبل، فهي كتابة مغرية ولها نكهة خاصة، وتدفع في الغالب إلى التأمل والتفكير، فضلا عن فائدتها الجمالية وسطوتها الشعرية التي لا تنكر.