المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشَّذرة كمحاولة لكتابة الصمت


Eng.Jordan
01-17-2013, 10:06 PM
كاتب من المغرب



"كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" النفري



تمنحنا الدلالة المعجمية للشَّذرة مفاتيح سحرية لولوج عوالمها، إذ نعثر في "لسان العرب على دلالات باذخة لجذر"شذر"، منها:



الشذر واحدة شذرة: قِطَع من الذهب يُلتقط من المعدن من غير إذابة الحجارة، ومما يُصاغ من الذهب، فرائد يُفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وهو أيضا صغار اللؤلؤ، أو قطع صغيرة كرؤوس النمل من الذهب، أو خُرَز يُفصل به النظم.



وشذَّر النظم: فصّله، والتشذر: النشاط والسرعة في الأمر، وهو الحركة المعبرة عن الفرح، تقول تشذّرَت الناقة: إذا رأت رَعِيَّا يسرها فحركت رأسها مرحاً وفرحاً.



والتشذر هو التفرق والذهاب في كل وجه مذاهب شتى.. شذر مذر.



الشذرة إذن قطع ذهب، فرائد لؤلؤ وجواهر، معادن كريمة من أنفاس حرى، لا ما تساقط في سلة مهملات الروح ،هي مرآة الكينونة، تشظي المرآة احتجاجا على رؤية نفس الوجوه والصور على صفحة وجودها.. هي القدرة على اقْتناص التَّفاصيل العَلَنية وكتابتها بحِبْر سري، الْتِماعة السهو أو صوت ما بعد منتصف ليل الروح.. للشذرة طقوس تستقطبها من أقاصي مملكة الأناشيد، وتحتاج دوما إلى قرابين استثنائية تُماثلها في التَّفرُّد، وقليلون من يستطيعون إنقاذ الشذرة من تعب الاستهلاك العام.



الشذرة تخلِّي الطير عن الضروري من ريشه دون أن يموت بردا.. امتلاك السبيل نحو الجغرافيا السرية للذات دون الوقوف أمام العتبة وانتظار حُسْن الضيافة، هي امتلاك ما نكتبه قدرا كبيرا من الوقاحة ليُعَرِّي مُؤخِّرته في وجه الوصايا والموانع والآراء المسبَّقة، وكل هُزال الأمخاخ الذي أَوْرَثَنا أن نكون صالحين في أَعْين المؤسسة، لأن الشذرة محاولة (Versuch) لهتك "حرمة الخطاب والإجماع القائم" بتعبير هايدغر..لذلك يعتبر اللعب والتشويش رهانها الذاتي، خاصة حين تتناول الهامشي والمنسي ، هي نسغ الكلام ولبُّه.. مدُّ وجزر الكينونة، وتَلَقِّيها يفرض امتلاك فن السخرية والتهكُّم لنُدوخ العالم حسب الساحر موريس بلانشو الذي وسم الشذرة بفن الخلود واعتبرها ف.شليغل خطاب المستقبل!



ليس في الشذرة قدرة على إعادة التَّصويب والإضافة والمحو، لأن المعنى الأول الذي وُلدت به واللِّباس الذي اتشحت به مُتَستِّرة عن أَعْين اليقظة، هو مبلغ التَّمام في اللاوعي.. وأي محاولة للتصويب هي هَدْم كلي للمنتوج الأصلي.. لكن الشذرة سليلة المحو وبراعة البستاني لتشذيب أزهار الحقل، دون قتل الحياة في الوردة، في ثناياها تتحول الذاكرة إلى مجرد ظلال للأطلال، مقبرة لا تصلح إلا لتسَكُّع الموتى!



الشذرة لآلئ الحقيقة التي تنفلت من طي النسيان وظلال الظلمات، كَسَطْوة الريح حين يُسقط كل الأوراق الزائدة أو يُشَطِّب الشوارع من رمال تائهة أو زوائد عالقة دون حاجة إلى عُمَّال النظافة أو حطَّابي الأشجار.. أقصد النقاد! لأن الشذرة، بتعبير جيل دولوز، هي: "بمثابة آلة حربية وقوة رحالة يتعذر تفكيك سننها من قبل القانون والنقد والمؤسسة".



إنها سليلة الحذف المضاعف، قوة الإيمان بإزالة ما عشقناه وهو مجرد فُضْلة.. لأن فضيلة الشذرة، تَنْقية وتطهير العبارات من الفُضْلات.. زُهْد اللغة وتقشُّفها الزائد الذي يمنح الوضوح الأعمق للكلمات، هي الدليل على أننا انتقلنا من تقويم شكل العبارة إلى تَشْذيب عمق اللغة، في الشذرة لم نَعُد نَبْحث عن المعنى الصحيح، بل عن الكلام السليم الذي يُسَايِرُ إيقاع دهاليز الروح.



ليست الكتابة الشذرية مجرد تجل "للاقتصاد اللغوي" أو هوى التجديد والخروج عن المألوف، لأنها جوهر لا هامش، جغرافيا اللفظ تبدو أحيانا أقوى من تاريخ الفكرة، لأن التشظي فن التفرد بامتياز خارج أي فكر نسقي، لذلك سيحار جينيت الباحث في جينيالوجيا الأجناس الأدبية وكريستيفا الباحثة عن تلاوين " علم النص"، وباختين المفتون ضمنيا بالأصوات المتعددة ..سيحارون في تحديد معنى الشذرة، ببساطة لأنهم كانوا يبحثون في أنواع الكلام، والشذرة تنتمي إلى فضيلة الإشارة لا فُضلة الكلام، ولأنها لا تُقيم إلا فيما يُعتبر خروجا عن الأجناس، لأنها أم الأجناس، فيما هي سليلة لها.. فالشذرة هي فن الصراخ الصامت ضد الأنساق والتفكير الكلي.



الخروج عن استبداد النظام، وإجماع النقاد وثبوتية الواقع هو ما يجعل الشذرة فن التشظي سمة الوجود.. الهوية الواضحة مثل تعيين داعرة وسط نساء، هو ما تلفظه الشذرة، لأنها ضد التعيين، لا تقيم في زمان ومكان محددين، التحديد ليس من خصائصها الجوهرية.. لأنها أشبه بمنفي يظل متشبثا باعتقاده أنه البدر الذي يحتاجه السراة في الليلة الظلماء.. ظلمة الكتابة.



الكتابة الشذرية تعصف بالنسق وتجعل نظام الكتابة مثل الفراش المبتوت، تحتفي بالبياض وبهجة الفراغ، وجدل التفكك والانفصال.. هي اكتناز درر الحياة في لمحة أو ومضة، لها جاذبية الانزياح، ذلك الترميز الأنيق المليء بدهشة المعنى البكر، والتقطيع المتمرد على فكر الوحدة والتجميع والنظام والنسق.. لا مجال للتصنيف في الشذرة بين الأدب الصغير والأدب الكبير، بين الأدب الرفيع والأدب السوقي.



اللغة كهوية، كنسق للوجود سابق على الدلالة، تتحول في الشذرة إلى ذلك التكثيف الأسمى لبوح المعنى، لا ثبات في أسس الشذرة، المتغير والمتحول والمتبدل هو ما يجعلها ذلك النثر الراقي الذي لا يأبه بتلوينات القواعد المُحنطة للشعر..هو ما يزرع الحيرة في أدوات النقاد الكسالى الباحثين عن الجاهز في قلب المعنى الثابت.



الشذرة كُمْشة من نجم الكلام، واللغة الشذرية مثل سفينة في مهب الأمواج العاتية تتخلص مما زاد من سقط المتاع الذي بدا لنا ضرورياً للرحلة ونحن في مرفأ الأمان.. فهي تنتمي لفضيلة النقصان لا لتَبَجُّح الكمال، تستمع للصمت الكبير لتقول الكلام الأقل، ولا يهمها ضجيج العالم المفتون بما يجري على السطح!



هي رقصة الجسد متحرراً من شظايا الوصايا التي تميل إلى السكون، أو ما أسماه نيتشه "برنَّة الجسد" التي قال عنها بمرح طفولي: "لم تستطع لغة أَلْبتة أن تُعبِّر قبلي عن هذه السعادة الزُّمردية وهذا الحنان الإلاهي"، لأن الشذرة عدوة الثبات، كما أنها ضد زيف التحول بدعوى مواكبة العصر، انفلات من أسر اللغة المسكوكة والمعنى المكتمل والدليل الجاهز.. سليلة الهباء هي، لا تحنُّ إلى ماض ولا تبني حاضراً ولا تستطلع مستقبلا، لأنها تلتقط الثابت والعميق من قلب الزمن المتحول.



الشذرة هي الكثافة اللازمة للكتابة، فرح الدال وغبطته بانفلاته من سلطة ميتافيزيقا الدليل، هي الالتفات الدقيق للهامشي واللامعقول.. ضد الحضور لأنها سليلة الغياب، لذلك تميل إلى سطوة الأبيض على الأسود، عبر تضييق مساحاته والرقص الحر على حلبته!



هي مقاومة تصدع العالم بالنَّزر القليل من الكلام على شاكلة شطحات الصوفية، تُزلزل ثرثرة الأشياء ذات ال***ة على السطح، لأنها تغوص بعيداً في خلجان عميقة للتاريخ، للإنسان، للطبيعة، للعالم.. ولما لا يُصاغ في لغة مسكوكة هَرِمة، لذلك ترتسم اللغة الشذرية على شكل متاهة تُماثل انعراجات الروح، لتضبط "التعقيد الموجود أصلا في روح العصر" حسب ت.س. إليوت، فهي واضحة ووقحة لدرجة الغموض، "إذ كيف نطلب مَنْ يسير في ظلمات النفس أن يكون واضحاً؟!" يتعجب الشاعر ييتس.



الشذرة مشاكسة، لعب وهزء وشغب جميل، ذلك أن "ولادة الأطفال هي موت للآباء" (هيجل)، تسير على "هامش المقول الذي يبقى دائما قابلا لأن يُقال من أجل الكشف عن الكلام الذي لم يُقل بعد" (فوكو)، فتنطلق مثل رصاصة واحدة في الماسورة.. إما أن تُصيب أو تخيب، لذلك تمتلئ الكتابة المتشظية (Aphoristique) بالشعرية المكثفة وتلجأ إلى الحِمْية للتخلص من الذاكرة وتحافظ على رشاقتها بالدلالات المفتوحة..



فيما تنفتح على السرد واللقطة والومضة في الصورة السينمائية، تخلق إيقاع الشعر في نثر الحياة اليومية.. تحاول أن تلامس ما وصفه إليوت بـ "النظرة الأصلية في طبيعة الإنسان"، وليس تعقيدها شكليا أو محض ترف لإبراز كفاءة معجمية أو فحولة لغوية، بل هو أداة ومضمون لزَلْزلة الذوق الفني.



الشذرة هي اختبار الفيافي البعيدة، مثل فاتح عظيم يريد أن يكتشف منبع الشمس أو مكان اختبائها في المغيب ثم يكتشف أوهامه الكبرى، لذلك لا تصلح الشذرة للإلقاء، ليس فقط لأنها لا تحتاج للجمهور ولا تصلح مطية للدعاوة السياسية والمنبرية الخطابية، بل لأنها نرجسية.. أقصد جد فردية، وهي أيضا سليلة الرؤية لا الإنشاد فـ "الشيء المقدس والذي يريد أن يظل مقدسا يتجلَّل بالسر" كما يعلمنا ملارميه ..في الشذرة لا نموذج يُحتذى، لأن الكتابة تشبه فعل اغتيال، "هدم المعبد قبل بنائه نقيا" (بلا نشو) ليقترب الأديب من حريته.. إدخال النص إلى عتمة لا يُرى فيها إلا اللا شيء، اللا نهائي.. هي الكتابة المؤجلة، المتشظية، والمضادة لفعلها، والتي لا تتحقق إلا بالإعدام الرمزي للأب.. كاتبها!



الشذرة دليل ارتماء في الحديقة الخلفية للحلم، استخراج الهدوء من قلب الضجيج، "ارتقاءٌ" بالمعنى الذي يُشير إليه بودلير في ديوان "أزهار الشر":



من فوق الغدران ومن فوق الأودية



وفوق الجبال والبحار والغابات



ومن فوق الشمس والسماوات



ووراء حدود الآفاق الفلكية.



الشذرة قفز حر نحو الغياهب، بتوجيه قليل لمؤشر الروح نحو المرايا التي لا تسكن بيوت الحقيقة، لأنها ضد النسخ والمثيل وصنو الشبه..لها شكل الزُّمردة متعددة الأضلاع، مثل "ضربة نرد" ملارميه، تخرج من مسام جلد الروح، لغة الصمت، وجود العدم، صدى الفراغ حين يكون مبحوحاً ووحدة التعدد!



الشذرة تضع إيقاع خطوها خارج الأرجل الخشبية للوزن والقافية، لأنَّها تحاكي أسئلة الوجود وعتمة الروح في عالم متحول، شائك.. لا تسعى إلى ملء أي ثقب في طمأنينة الكتاب المدرسيين أو النقاد والبلاغيين الذين يتصدون لتفسير كل شيء باسم المسؤولية الثقافية وبعض الهزال في أمخاخ المؤسسات التي توزع السلط من الحزب إلى الدولة ومن الإعلام إلى دور النشر والتوزيع، وقراء المواسم في مهرجانات بليدة.



الشذرة رشاقة الرمز حين تنبت له أجنحة كثيرة فيصير سرباً لوحده في شرفات المعنى وسلالم الإيقاع ومقصورات الحلم، وذخائر الصور وإحساس المرايا بالحاجة إلى نسيان الوجوه المخبأة في حرير زجاجها بلا وجع في الذاكرة.. كتابة مُعَتقة اختمرت قبل ميلاد الوعي بالكتابة في الوجدان.



لا شذرة تُكتب في حضرة الوعي أو بتأمل العلاقات بين الأشياء في حدود تمظهرها الخادع، في الشذرة ننطلق مما حولنا، لكن شيئا خفيّا وعميقا فينا هو الذي يحدد العلاقات الملتبسة بين الأشياء بوضوح جلي في لمحة بصر، ثم يذوب في الغموض..



يصبح الصوت صورة مجلوة، لأننا في الشذرة ننجذب لغواية المكتوب لا للكلام المقول، حيث يتحول الحرف إلى قوس قزح متعدد الدلالات وحمَّال أوجه لأنه مشتت المعاني.. فيه تسقط الذاكرة ويمَّحي مخزونها، لأن الشذرة وليدة الذات الإنسانية العميقة فينا.. لا شذرة بلا تأمل عاصف وحرقة في القلب.. كتابة متشنجة شرسة، قلقة.. تُشبه ما وصف به فيليب سولرز كتاب "الأشعار" للفتى المرعب لوتريامون "الكتاب الجليل، الهادئ، العنيف، الجاف، الرحب، الطريف،الرصين، السافر، الكثيف، الهائم، المختصر، اللامع، الأسود والشديد الوضوح حتى ليبدو مُبهما".



حاشى أن تكون الشذرة لعبا ولهوا، زينة وتكاثرا.. هي المرآة الصقيلة في بهاء غموضها، لا تُستعار ولا تُقترض ولا يمكن القول إنها فن دخيل، علينا تأمل التوحيدي والنفري وإبن عربي وحكم إبن العطاء بكل ثرائها الدلالي واقتصادها اللغوي.. للشذرة إيحاء الشعر، تأمل الفلسفة، هي التماع لا يغرق في الشرح والتفسير.. اختزان الجرح في خط الكلمة، ماء اللغة القليل في يد التائه في الصحراء.. هي الاقتضاب الذي يفسره بن منظور بالانتزاع والاقتطاع ومنه القضيب، كل نبت من الأغصان يُقضب أو يُقتطع.. والقضب السهام الدقاق، والاقتضاب أن يركب المرء الدابة قبل أن تُراض وتُساس، حيث يأتي كلامك على غير سابق قول..



الشذرة كالسهم، هي اللغة التي تشبه جموح الخيول قبل ميلاد السراج والشكيمة أو اللجام، وقبل السياسة والترويض..الأثر l’œuvre غير موجود في الكتابة المتشظية..لأننا لا نعثر فيها على أثر للسابق أو اللاحق.



في الشذرة نُجري امتحانا للْعَدْو لكل الكلمات والعبارات والأفكار التي التصقت بذاكرتنا، ولا يستحق التَّتويج منها في حضرة الغموض وفي المكان المناسب، إلا ذو النَّفَس العميق والغريب والعجيب والمتفرد والمتعذر لمسه، الساكن في مدارج قصية معتمة!



للشذرة طقوس وتحولات وقرابين لأنها صنو المنفلت حيث در الحليب ينهمر، كنوز دفينة، كل الكتمان الأبدي، الصورة الأصلية للكون، ملكوت الأسرار التي نذهب إليها سابحين، بحر البشرية الأول.. بحر غامض طليق متوثب!



الشذرة صديق حميم للروح حيث تذوب الملاحم والوصايا، ووشم للجسد حيث بهجة الأشياء، سحر الدهشة الأولى وطعم العشق الأول، مرايا صافية للكينونة.. هنا حيث: "تتجاوب الأنغام والألوان والعطور، أصداء مديدة امتزجت من مكان بعيد/ في وحدة غامضة/ واسعة كالغياهب، رحبة كالنور". (بودلير).



عبد العزيز كوكاس

كاتب وصحافي من المغرب



من مؤلفاته:



- "ذاكرة الغياب" الطبعة الأولى (2001) والثانية (2007)



- "سطوة العتمة" (نصوص إبداعية) (2009)



وله قيد الطبع:



- "أحلام منتهية الصلاحية: في وصف