المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وعاء الكتابة وبواعثها


Eng.Jordan
01-17-2013, 10:09 PM
ثمة اعتقاد شائع لدى الكثيرين فحواه أن العمق والجدية والأصالة قرينة ما هو بين دفتي كتاب فقط، وعن هذا الاعتقاد تشكلت انطباعات خاطئة عند تصنيف مستوى الكتابة أو جديتها أو عمقها، فيقول القائل حين يريد التقليل من أهمية كتابة ما: أنها كتابة صحافية، كأنه بذلك اختزل القول في إعطاء تقييم أدنى لهذه الكتابة بالمقارنة مع ما سواها، أي مع ما هو ليس كتابة صحافية. هذه التهمة في بعض أوجهها تهمة جائرة، لكن ولتبديد أي استنتاجات متسرعة نقول انه في الصحافة الكثير من الغث والاستسهال، ولكن فيها الكثير من المواد والمقالات والآراء التي لا تختلف عن المواد التي تنشر في الكتب الجادة، من حيث وزنها، إذا وزناها بميزان دقيق. قلنا الكتب الجادة، ولم نقل الكتب على إطلاقها، ففي الكتب، كما في الصحف، يوجد الغث ويوجد السمين، يوجد العميق ويوجد السطحي، وبالتالي فان معيار جودة المادة لا يتوقف على الوعاء الذي (http://www.shatharat.net/vb/#) يحملها، كتاباً كان أو دورية ثقافية، أو حتى صحيفة يومية سيارة. الباحث المغربي عبدالسلام بنعبدالعالي يصف المقالة الصحافية الحاملة للمعرفة الفكرية بالكتابة الشذرية، وأحسب انه يعني بذلك الكتابة التي تتوخى التكثيف والإيجاز وكل ما يمكن أن ندرجه تحت باب نظافة اللغة أو صفائها من الترهلات والزوائد غير الضرورية، وفي إطار توضيحه لهذه الفكرة ذكرنا بقمم بارزة في دنيا الفكر قدمتها إلينا الصحف، قبل أن تقدمها الكتب، كأنه يحذر من مغبة الحط من دور الصحافة كناشرٍ للمعرفة، بما فيها المعرفة الفلسفية ذاتها، هو الذي اجترح مأثرة تقديم مادة فلسفية في غاية العمق والرصانة، على شكل مقالات صحافية تنشر في الصحافة المغربية والعربية عامة. أين يقع باعث الكتابة لمن يكتب، أتراه في الذهن مثلاً، أو في الشعور أو في التجارب والخبرات الملموسة للكاتب أم في مركب مزدوج من هذه البواعث كلها، وربما من سواها أيضاً، أم تراه في أمر آخر غير معلوم؟ للذهن حضوره في الكتابة، لعل الذهن يلتقط الفكرة ويتمثلها ويعيد تركيبها قبل أن تنسكب كلاماً على الورق، كأن دور الذهن هنا يشبه إلى حد ما دور المهندس الذي يضع التصور النهائي للشكل الذي ستكون عليه العمارة، ولكن من يرون أن الكتابة الذهنية جافة أو مصابة بفقر الدم أو خالية من الروح ليسوا مخطئين. لأن الذهن وحده عاجز عن تقديم نص حي من لحم ودم وروح. الكاتب نفسه ينتابه ذلك الشعور حيال نصه، فهو يميز بين النص الذي يطغى عليه الذهن وقت الكتابة وبين النص الذي كتب بباعث المشاعر.والكتابة الصحافية ليست بمنجاة من هذا المأزق أبداً. الكاتب الصحافي وإن كان مدعواً لملاحقة الحدث والكتابة في مدار الخبر الساخن، فإنه غير قادر من الجهة الأخرى على مخاصمة ذلك الوازع الداخلي، الكامن في قرارة نفسه، وهو ما يجعل من كتابته قابلة للبقاء، على خلاف الكتابة الآنية التي تذروها الرياح في اليوم نفسه.