المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمريكا وأعداؤها الجدد.. صراع غير تقليدي


Eng.Jordan
01-19-2013, 10:42 PM
بريان مايكل جينكينز
يقدم الكاتب "بريان مايكل جينكينز Brian Michael Jenkins" المتخصص العالمي في مجال الإرهاب الدولي، المستشار الأول لرئيس مؤسسة "راند" في مقدمة ورقته البحثية التي نشرت على الموقع الإلكتروني للمؤسسة تحت عنوان "إعادة تعريف العدو" بعض التوصيات للإدارة الأمريكية للتعامل مع ما أسماه "العدو الجديد" أو "الإرهابيون الجدد"، داعيا الولايات المتحدة إلى إعادة التفكير، ليس في نمط سياستها العالمي الذي يقود لانتشار الإرهاب، وإنما بمراجعة القناعات القديمة الرثة لدى المسئولين الأمريكيين في رؤيتهم للعدو وفي كيفية مواجهته. وتتلخص هذه التوصيات التي يراها الكاتب ضرورية لمواجهة العدو الآن أو على المدى البعيد في تنفيض القناعات القديمة، والمزج بين القانوني والعسكري دون أن يقترب من الجانب السياسي، والتنسيق محليا ودوليا، ودور جديد للمخابرات الأمريكية لمحاصرة الشر، وتخطي العوائق المؤسسية التي تعوق التغيير.
تنفيض القناعات البالية
يبدأ "جينكينز" ورقته البحثية بالإشارة إلى أسلوب التفكير الخاطئ الذي يتبعه مسئولو الإدارة الأمريكية مع العدو. فهم ذوو نظر قصير يركنون في خوض حربهم على الإرهاب إلى القناعات التقليدية والاطمئنان إليها؛ وهو ما يجعلهم يركزون دائما على ما يستطيعون ضربه دون التعامل مع أولئك الأعداء الذين يقعون خارج مساحة رؤيتهم المعتادة.
وقد أدت هذه الرؤية إلى أن تكون قدرة الإدارة الأمريكية على التخيل قليلا ما تصيب الهدف؛ فهي قد تجعل من الأمر العادي خطرا محدقا كأن تتخيل أن الدول المارقة ستقوم بإخراج عدد هائل من الإرهابيين مدججين بأسلحة الدمار الشامل، وقد تستهين بأمر جلل فتجعله تافها كأن تقلل من الإرهابيين ذوي الأسلحة الفقيرة تكنولوجيا أو تهون من قدر الصور غير التقليدية للقوة مثل الولاءات القبلية، والقناعات الدينية، والانطباعات التي تتركها الصور التليفزيونية على نفسية المشاهد.
ويعتقد "جينكينز" أن المنهاج التبسيطي للإدارة الأمريكية في الاقتراب من الأمور جعلها تلبس عدو اليوم نفس الملبس الذي كان يلبسه عدو الأمس؛ لأن عدو اليوم من وجهة نظر الكاتب يتسم بالديناميكية، ومن ثم لا نستطيع إلباسه ملبس الإستاتيكية القديم. وهو عدو يعتمد على عنصر المفاجأة غير المتوقعة، ومن ثم لا نستطيع وضعه في حيز المُتوقع، كما أنه عدو يستمد قوته عبر الوسائل الشبكية، ومن ثم فهو ليس بحاجة إلى الهرمية القديمة، وأخيرا هو عدو يتمتع بدرجة عالية من السيولة والاختراق، وبقدرة هائلة على التغير والتقلب؛ وذلك عكس عدو الأمس الذي كان يسير في طريق تقليدي محدد، مناهض لأي تغير أو تطور.
وبناء عليه فإن على الإدارة الأمريكية أن تدرك أنه لن يجدي التعامل مع هذا العدو الجديد بالأساليب القديمة؛ فلم تعد ردود الأفعال التي تمليها القوانين العسكرية ذات فائدة في التعامل مع عدو، وإن كان لا يملك قوة عسكرية منافسة لأمريكا؛ فإن تنوع مصادره تجعله يشكل عددا غير قليل من التحديات الأمنية للإدارة الأمريكية. أيضا لم تعد أدوات الدفاع مقصورة على الحدود الأمريكية، بل عليها أن تمتد إلى داخل الأراضي الأمريكية؛ فسيولة عدو اليوم تخترق الحدود، وتخترق كل ما هو تقليدي، أو تدخل في تلك المساحة الرمادية التي يختلط فيها التقليدي بغير التقليدي.
المزج بين القانوني والعسكري
يقترح "جينكينز" أن حل تلك الإشكالية الفكرية التبسيطية غير الواقعية يتطلب تجنب النظرة للعدو من المرآة التي نحبها، وأن نتجه إلى تبني اقتراب غير تقليدي أكثر اتساعا وشمولية يرسم صورة تخيلية ديناميكية إلى أعداء اليوم للتغلب عليهم مستقبلا.
ويطالب الكاتب بضرورة المزج بين المنهاجين القانوني والعسكري لمواجهة عدو اليوم من خلال حشد جميع الأنشطة الأمريكية في صيغة "أوركسترالية" تجمع بين هذين المنهاجين. فقبل أحداث سبتمبر 2001 عملت الولايات المتحدة على محاصرة الإرهاب الدولي قانونيا بتشريع القوانين الدولية التي تعاقب الإرهابيين، مثل تشريع قوانين دولية تُجرم الهجوم على أهداف معينة، منها المقرات الدبلوماسية والطائرات التجارية، وكذلك التي تُجرم استخدام تكتيكات معينة مثل اختطاف الرهائن، إلا أن هذا لم يمنع الإدارة الأمريكية من استخدام القوة العسكرية -أيضا عبر القانون- للرد على الهجمات الإرهابية. أما بعد أحداث سبتمبر فقد اتجهت الكفة أكثر نحو المنهاجية العسكرية، بالرغم من استمرار الإدارة الأمريكية في اعتماد الآلية القانونية في ملاحقة الإرهابيين الأفراد، سواء في الداخل أو في الخارج.
ويحذر الكاتب من امتداد المنهاجية العسكرية إلى عقود مديدة أو إلى أجل غير مسمى، مثلما نجد في دول عديدة مثل بورما (ميانمار)، وكولومبيا، والهند، والفلبين، وبيرو، والسودان، وسيريلانكا، ومنطقة الباسك في أسبانيا. فكما ينظر المحاربون -في هذه البقاع- إلى الحرب على كونها وضعا دائما ينظر إرهابيو اليوم إلى حربهم مع الولايات المتحدة على كونها وضعا دائما، لا نهاية له لتعكير صفو الحياة اليومية وخلخلة الاقتصاد. وهذا الوضع الحربي الدائم لا يستسيغه بالطبع المواطن الأمريكي.
التنسيق محليا وعالميا
ثم يتناول الباحث المخاطر العديدة التي تولدت على امتداد الخمسة عشر عاما الماضية منذ نهاية الحرب الباردة، والتي أدت إلى إيجاد أسباب جديدة للصراع، كما أدت إلى خلق نقاط ضعف جديدة وبؤر حساسة لم نعهدها من قبل، بالإضافة إلى تسليح العدو بإمكانات جديدة ومتطورة. وتتضمن هذه المخاطر ما يلي:


هجمات إرهابية على أوسع وأعلى مستوى يمكن أن تحدث في أي مكان بالعالم.
تطوير مستمر لأسلحة الدمار الشامل في بعض الدول، وإمكانية وقوعها في أيدي العصابات السياسية أو الإجرامية.
تأزم الحروب في بعض الدول، وتحولها إلى صناعة اقتصادية مربحة.
صراعات إثنية وقَبَلية على النطاقين المحلي والإقليمي، وتحولها إلى كوارث إنسانية وحروب إبادة، وكذلك إلى ملجأ للإرهابيين وأمراء الحروب.
جرائم إلكترونية (على الشبكة العالمية للمعلومات) على مستوى واسع من الحرفية والتمكن.
جرائم منظمة عالميا في تجارة المخدرات، وتجارة البشر، وتجارة بعض مكونات أسلحة الدمار الشامل.

ويقر الباحث بأن الإدارة الأمريكية قد بدأت بالفعل -محليا- بإحداث تغييرات هيكلية في داخل مؤسساتها بهدف التصدي لمثل هذه الأخطار، مثل القيام بمزج عدة أقسام حكومية لتدشين قسم جديد مستقل للأمن الداخلي، وإقامة الجسور بين المؤسسات الحكومية المختلفة، وإقامة كيانات جديدة من الأساس، إلا أنه يؤكد أن المسئولين الأمريكيين أظهروا ترددا ملحوظا في تغيير أهم مؤسسة -هي أصل جميع المؤسسات- وهي المؤسسة العقلية. فكما يقول "جينكينز": "نحن لم نقم بتغييرات جذرية في طريقة تفكيرنا".
ويرى الباحث أن هذا التنسيق المحلي يجب أن يماثله تنسيق دولي؛ لأن حجم المخاطر الموجودة الآن يستدعي قدرا كبيرا من التنسيق الدولي بين دولٍ ذات إرادة سياسية قوية. فكما تتعدى المخاطر الحدود؛ فعلى التصديات أن تكون أيضا عابرة للحدود؛ حيث إنه لا توجد دولة تستطيع بمفردها -مهما بلغت من قوة- حماية مواطنيها من مثل هذه الأخطار الجسيمة. هذا مع مراعاة أن يكون التنسيق الدولي متماشيا مع مبدأ السيادة لدى الحكومات المختلفة. وهنا يكمن التحدي، وهو: كيف تستطيع الإدارة الأمريكية التنسيق دوليا لمواجهة المخاطر الآنية دونما مساس بمبدأ السيادة الذي لن تتنازل عنه الحكومات الأوربية بسهولة؟
محاصرة "الشر" بتأنٍ وحكمة
في حديثه عن أسلحة الدمار الشامل يشير "جينكينز" إلى أن الإرهابيين عبر التاريخ كانوا لا يلحقون الضرر بكتل بشرية ضخمة، وكان عنفهم مقيدا باعتبارات أخلاقية وأخرى شعبية، أما إرهابيو اليوم فقد تحرروا من أي خوف أو أخلاق؛ بحيث إنهم قد لا يتورعون عن إلحاق الضرر بأي عدد كان من البشر بحجة حراسة الدين، وهذا الأمر ربما أدخل مسألة حصول بعض زعماء تنظيم القاعدة والجماعات الإسلامية المتطرفة الأخرى على أسلحة للدمار الشامل إلى دائرة اهتماماتهم.
ولذا فهناك حاجة إلى المواءمة بين نشر تلك الأسلحة على المستوى المحلي الأمريكي والحيلولة دون وقوعها في أيدي الإرهابيين؛ فانتشارها محليا يسهل وصولها إلى أيدي الإرهابيين؛ نظرا لذيوع طريقة تصنيع هذه الأسلحة. وكذلك فالحد من انتشارها على المستوى غير المحلي يؤدي إلى ترويج تلك الصناعة سرا، كما حدث مع العلماء المارقين في روسيا والعراق وليبيا؛ وهو ما قد يسهل أيضا من وقوعها في يد الإرهابيين.
إن هذه المهمة قد صارت أكثر تعقيدا؛ نظرا لانتشار هذه الجماعات الصغيرة من الإرهابيين الجدد، وللفشل الذريع الذي منيت به أجهزة المخابرات الأمريكية في العراق؛ بحيث لم يعد مقبولا قلب نظم للحكم بدعوى نزع أسلحة الدمار الشامل.
ومن ثم فإن الممارسات الوقائية -في المستقبل- ستكون بحاجة إلى التوجه صوب أشخاص بعينهم وشاحنات بعينها، وصوب مساعدات محددة يتم مراقبتها جميعا بدقة. وكل هذه الاحتياجات سوف تتطلب جهودا طويلة ومضنية من قبل المخابرات الأمريكية التي سيلقى عليها مهام في غاية الدقة والسرعة دون وقوع أخطاء، ويوضح "جينكينز" هذا الدور المخابراتي بقوله: "إن أعداءنا لن يكونوا دولا أو جيوشا، ولكنهم سيكونون مجموعات صغيرة من الأفراد أو الغوغائيات المتمردة.
ومن ثم فمواجهتهم ستتطلب قدرة على التكيف، وقدرة على التحرك سريعا، وقدرة على معرفة المعلومات المحلية الخاصة جدا.. نحن بحاجة لكي نصير أكثر ذكاء، ولكن بسرعة.. نحن بحاجة إلى القدرة على تحليل الخطر بأسلوب متشعب ومتعدد الأطراف حتى نستطيع الوصول إلى المعلومات التي يسهل حملها وفهمها من قبل ضابط في أفغانستان، أو قاضٍ في فرنسا، أو شرطي في سنغافورة، أو ضابط بحري في هاييتي.. نحن -حتى الآن- لم نتعلم تلك القدرة".
تخطي الموانع المؤسسية
في ختام مقاله ينصح الكاتب الإدارة الأمريكية بالتغيير المؤسسي والفكري حتى يُكتب لها النجاح في مواجهة هذا العدو الجديد الذي تجهله كل الجهل؛ فترسم له صورة لا تمت للحقيقة بصلة. وينتقد تلك التوجهات التي تعتقد أن ظاهرة عدو اليوم ليست إلا ظاهرة غريبة ستأخذ وقتها ثم تندثر، وأن محاربة هذا العدو لا تتطلب سوى تخصيص بعض المهام لبعض الوحدات الخاصة. من ثم فهو ينادي بضرورة تجنيد القوات الرئيسية لمحاربة هذا العدو، وليس فقط بعض الوحدات الخاصة؛ وكذلك بأهمية الاستفادة من هذه الحرب في تغيير طريقة التفكير لدى الجنود والضباط الأمريكيين، وتبديد ذلك الضمان المتوغل لدى كثير من العسكريين الأمريكيين بأنهم منتصرون لا محالة.
بكلمات أخرى: يخشى الكاتب من عدم إدراك الإدارة الأمريكية تغير طبيعة الحرب التي يفرضها أعداء اليوم "الإرهابيون الجدد"، فتسقط مدنها وحضارتها وتجارتها في أيدي الأعداء، كما سقطت حضارة المملكة "البرونزية" بسبب عدم قدرتها على مواجهة أعدائها "غير المتحضرين" الذين غيروا طبيعة الحرب لحسابهم، كما يغير إرهابيو اليوم طبيعة الحرب لحسابهم. فالحرب التي يقودها أعداء اليوم ليست الحرب التي يتمناها الأمريكان، ولا هي الحرب التي تتفق مع خططهم المستقبلية، ولا هي الحرب التي يمتلكون فيها اليد العليا؛ بل هي على عكس كل ذلك، حرب تدفعهم وتضطرهم إلى إعادة النظر في فرضياتهم وافتراضاتهم، وتجبرهم على إعادة النظر في عدتهم وعتادهم، وتدفعهم دفعا نحو إعادة النظر في حلفائهم.
ويقارن الكاتب هذا التغير في طبيعة الحرب بين الإرهابيين والولايات المتحدة بتلك العلاقة المتناقضة بين ما يفعله الأعداء وما تفعله الإدارة الأمريكية؛ فبينما تتجنب الأخيرة إسقاط الضحايا الأبرياء يتجه الأعداء أكثر إلى إسقاط عدد لا حصر له من هؤلاء الضحايا.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكاتب يتغافل في هذا السياق عمدا ما يفعله جيش الاحتلال الأمريكي بالعراق من مجازر في الفلوجة وسامراء وغيرها طالت المدنيين قبل غيرهم، ويتناسى السياسة الأمريكية المنحازة في العديد من الصراعات الدولية مثل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما أدت إليه هذه السياسة من قتل كثير من الأبرياء تحت سمع وبصر الإدارة الأمريكية. وأغفل الكاتب أخيرا أن السيناريوهات المخيفة القادمة من تصاعد أعداد الضحايا لعشرات الآلاف إذا استخدم الإرهابيون سلاحا نوويا أو بيولوجيا ليست رهنا بما تحدث عنه من إجراءات أمريكية لمواجهة العدو الجديد بقدر ما هي رهن بمدى التغيير الحقيقي في السياسة الأمريكية تجاه العالم، وعدم التعامل مع الآخرين من منطق القوة والغطرسة، وفرض سياسات عالمية تلغي دور الآخرين، وتقضي على ما تبقى من أصول للشرعية الدولية.


طالع النص الكامل لهذه الورقة البحثية: (http://www.rand.org/publications/randreview/issues/spring2004/enemy.html)