المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كون مختلف لــ"روبرت ب. لافلن"


Eng.Jordan
01-22-2013, 10:38 AM
نضال قسّوم

يعرف عن روبرت لافلن أنه أولا حائز على جائزة نوبل في الفيزياء (سنة 1998)، وثانيا أنه مؤيد قوي لفكرة "الانبثاق" (mergence)، وقد كادت هذه تمثل نسقا علميا وفكريا جديدا اليوم، وسنعود إليها بإمعان في هذا المقال. لهذه الأسباب، ونظرا لاهتمامي بكل المسائل الكونية، فقد سارعت بطلب نسخة من هذا الكتاب عند صدوره، كان ذلك عام2005 عن دار بيسك بوكس (Basic Books)، إذ كنت واثقا بأنّني سأجد فيه فلسفة جديدة وجريئة في الفيزياء، إذا لم توّجه ضربة قاصمة للنسق الإختزالي السائد في الفيزياء المعاصرة فقد تسهم لا محالة في
الجهود التي يبذلها بعضنا لتقويض الأساس الموغل في المادية للعلم الحديث.

غير أنه يجب أن نعرف أولا أن عبارة "الكون" الواردة في عنوان الكتاب كان يراد بها "الطبيعة" في معناها الواسع، رغم أنّ المؤلف مهتم أساسا بالمستويات المجهرية للطبيعة، مهملا تماما المستويات الكونية منها. وكان العنوان الفرعي للكتاب "إعادة بناء الفيزياء من الأساس نحو الأسفل"، وهي صياغة غريبة وتظل مبهمة حتى بعد الانتهاء من قراءة الكتاب. فضلا عن ذلك، فإنّ عدم ورود عبارة "الانبثاق" البديهية والمحورية، سواء في العنوان الرئيسي أو الفرعي للكتاب، ظل أمرا عجيبا. ولو عاد الأمر لي لجعلت للكتاب عنوانا أكثر وضوحا هو: "الكون المنبثق"...

لا شك أن روبرت لافلن مؤهل تماما لتأليف مثل هذا الكتاب. فقد حاز على جائزة نوبل في الفيزياء (مع دان تسوي وهورست ستورمر) بفضل العمل غير المسبوق (تجريبيا ونظريا) الذي أنجز حول ظاهرة هول الكسرية والكمومية (fractional quantum Hall effect)، والذي أثبت أن الشحنة الكهربائية للإلكترون ليست غير قابلة للتجزئة وهي ربما "انبثاقية". بالإضافة الى هذه الثورة الفيزيائية (بدون مبالغة)، كتب لافلن مقالات وألقى محاضرات على صلة أوثق بفكرة الانبثاق وبفلسفة الفيزياء الجديدة، نشرها لافلن وقدمها خلال العقد الأخير. وقد نالت بعض من مقالاته شهرة سريعة وأثارت جدلا نسبيّا.

يوجز المؤلف اهتماماته ورؤيته العلمية الجديدة في المقدمة مشيرا إلى حديث دار بينه وبين حموه ذات مساء (وهو أكاديمي متقاعد) حول ما إذا كانت القوانين هي التي تنتج النظم أو العكس. إنّها "مشكلة البيضة والدجاجة، من يسبق من؟ هل هناك أنظمة للقوانين؟ أم قوانين للنظم؟" هل الهيئات التشريعية هي التي تصيغ القوانين، أم أن القوانين هي التي تنظم الهيئات؟

يعترف لافلن بأنّ إيليا بريغوجين و ب. ف. أندرسن، وهما عالمان شهيران ومبدعان في القرن العشرين، قد سبقاه في هذا الحقل وأنّه قد تأثر بهما إلى حدّ ما. غير أنّه يعتبر آراءه "أكثر جذرية نسبيا" لأنّ الأحداث الأخيرة قد صقلتها.

هذا الكتاب هو من ناحية، مزيج متواصل من الهجمات على نسق الاختزال، ذلك المبدأ الذي يقرر بأنّ تفكيك الطبيعة هو الذي يؤدي الى فهما قطعة قطعة، من المستوى الأسفل الى الأعلى: يفهم الكل بفهم الأجزاء واحدا واحدا وبفهم آلياتها. والكتاب يتضمّن من ناحية أخرى أمثلة عديدة وهامة عن الانبثاق، المبدأ القائل إنّ قوانين جديدة وظواهر جديدة "تنبثق" حين ننتقل من مستوى من الطبيعة إلى مستوى آخر، ويلح المؤلف على ضرورة تبني هذا المبدأ لفهم أشياء كثيرة في الكون.

جائزة نوبل

ويقوم لافلن بهجوم على تيار الاختزال فيكتب: "إنّ الاختزال يكاد يضيّعنا في الصحراء، إذ يدفعنا إلى البحث عن المعنى ضمن مستويات تزداد صغرا... ولا يوجد معنى هناك". وكتب في موضع آخر: "رغم كل الحجج الدالة على المشاكل التي يواجهها النسق الاختزالي في الفيزياء، فإنّ الحلقات الدنيا من التجارب النووية لا زالت توصف عموما بمفردات اختزالية". يريد المؤلف بعض الأمثلة في الفيزياء تأييدا لرأيه. ويشرح لافلن تعنّت الإختزاليين فيقول: "إنّ الردّ المتعنّت للمجتمع العلمي على مبادئ الانبثاق الكامنة في الحياة هو دليل ساطع على تشبّت الغالبية بالمعتقدات الاختزالية... يبرّر المجتمع العلمي رفضه للانبثاق بأنّه حماية للعلم من ’********ات‘... ولكن عدم قدرتنا على فهم الأشياء الحية من الأساس قد يكون مبدأ طبيعيا في حد ذاته. وربما يجعل مبدأ الإنبثاق وضرورة النظر الى الأشياء بشكل أكثر شمولية، ربما يجعلان الحياة والعلم أكثر روعة مما تصورنا... وقد يكون الإنبثاق قابلا للتواؤم مع مبدأ الاختزال أيضا..."

ولمواجهة النموذج الاختزالي، يقدّم لافلن أمثلة متعدّدة من الفيزياء، ومجالات الحاسوب والعلوم الطبيعية، وعلم النفس والاجتماع. وينبهر القارئ لسلسلة الأمثلة الهامة والبيانات المتعلقة بالانبثاق التي لا يخلو بعضها من الجرأة العالية، سواء من وجهة النظر الفيزيائية أو مقاربة فلسفة العلوم. إلا أن قدرته على صياغة الأمثلة والمشابهات في المجالات غير الفيزيائية كانت في أغلبها بدرجة أدنى وبنسبة وضوح ونجاح أقل بكثير.

لكن هل حصلنا -بعد هذا كله- على تحديد واضح وفهم لفكرة الانبثاق الهامة هذه؟ يقوم لافلن لهذا الغرض بعملية "انبثاقية"، فهو يتركنا نبني مفهومنا الخاص عن هذه الفكرة من خلال أمثلة وأوصاف متعدّدة، قبل أن يسمح للتعريف بالانبثاق في النهاية. وبالفعل فقبل أن يختم بفصل أخير سمّاه "أفكار الفراق"، أفرد لافلن فصلا في محاولة جماعية للوصول إلى تعريف مقبول للانبثاق. يروي لنا لافلن أحداث يوم نظّم فيه "نزهة نقاش تحت الشمس" فجمع كوكبة من المفكرين من مشارب متعددة: عالم كونيات، عالم أخلاق مختص في مجال البيولوجيا، مهندس مواد، عالم دين، فيلسوف، عالم اناسة، رجل قانون، خبير في الحاسوب، فقيه لغوي، وغيرهم. كم هو ملائم، إذن، أن نشهد مثل هذا الانبثاق الطبيعي لتعريف الانبثاق! لقد أجمع القوم على: "إنّها البنية التنظيمية المركبة التي تفرزها القوانين البسيطة"، إلا أن لافلن تبعنا بسلسلة من الأوصاف النموذجية المبهمة مثل : "يعني الانبثاق الحتمية الثابتة للحالة التي نجد عليها بعض الأشياء. ويعني الانبثاق عدم القدرة على التنبؤ، كما في الأحداث الصغيرة التي تسبّب تحوّلات كبيرة ونوعية في صلب الأحداث الأكبر حجما. ويعني الانبثاق الاستحالة الجوهرية للتحكم في الأشياء. إنّ الانبثاق قانون طبيعي تخضع له الكائنات البشرية..."

هذا، ورغم أن التصريحات الأخيرة تظهر بجلاء الأصداء والدلالات الفلسفية القوية للانبثاق، فإنّ لافلن يحاول أن يبقى "علميا" (خشية اتهامه بـ"********ة" من قبل "المجتمع العلمي التقليدي"). وسوف نعود إلى هذا العزوف عن المغامرة في المجالات الفلسفية والدينية في نهاية مراجعتنا هذه. أسأل نفسي، كمراجع ودليل للقارئ، هل وفّق المؤلف إذن في تحقيق أهدافه الخاصة؟ لا شكّ أنّ سلسلة الأمثلة والظواهر التي عرضها لافلن ووصفها بأنها "جروح مفتوحة في جسد النسق الاختزالي"، هي أمثلة مثيرة أحيانا ومقنعة الى حد كبير. على أنّني لا بدّ أن أقول بأنّ هذه التفاسير ملتبسة أحيانا وعصية على الفهم بل مفاجئة تماما في حالات أخرى. ولا أريد سرد أمثال من ذلك هنا تفاديا للخوض في مسائل فيزيائية دقيقة.

ولكن يجدر أن أعلّق أيضا على جانب هام من الكتاب هو أسلوب العرض، الذي كان على درجة من النقص عطّلت قدرة المؤلف على كسب عقل القارئ أو ضمان اهتمامه الدائم على الأقل. يتبنّى لافلن أسلوبا شخصيا وغير صارم إلى حدّ ما. فهو يستعمل نوادر تدثرت في مجال العمل وحكايات عائلية، ولكن نادرا ما تخدم هذه الطرائف والحكايات أهداف الكتاب، بل كثيرا ما تترك القارئ (والكاتب) يدور في حلقات مفرغة تتيه به بين القصص. ففي المنتصف يفقد الكتاب طاقته الدافعة، وكان بالإمكان حذف بعض الفصول تقريبا حتى ولو أدّى ذلك إلى إنتاج كتاب أقل حجما بكثير. ويستعيد الكتاب حيويته في الفصلين الآخرين (فصل "النزهة" وفصل "أفكار الفراق").

لنتناول الآن الجوانب الفلسفية- وربما الدينية - للنسق الانبثاقي. تلمح بعض الأقوال في الكتاب، والتي ذكرنا بعضا منها آنفا، إلى دلالات هامة محتملة، غير أنّ المؤلف مصرّ على تحاشي الخوض في تلك القضايا. ولكن بالنسبة لقراء مثلي، فإنّ إسقاط مثل هذه الأبعاد الشديدة الأهمية من النقاش وعدم المبالاة بها أمر مخيّب للظن. وربما ترك لافلن هذا الشأن لعلماء وكتّاب أكثر ميلا إلى المسائل الفلسفية أو الدينية ليتولّوا مناقشتها.

لم ترد كلمة "الله" الاّ مرة واحدة في كامل الكتاب. كما أن لفظ "الصانع" ذكر مرة واحدة. غير أنّه يبدو واضحا من الطريقة التي استعملت بها هاتان الكلمتان تدل على أنّ لافلن مؤمن، وربما رجل روحاني قليلا على طريقته. ففي نهاية الفصل الرابع مثلا، صرّح بلهجة مغرية : "يتمّ إنفاذ قوانين الطبيعة من طرف سلطة عليا"، غير أنّه لا يضيف شيئا...

وإنّ الأمر الأشدّ غرابة هو اختزاله للمبدإ الأنثروبي الهام (القائل بأن كل ما يقوم عليه الكون، من جسيمات أساسية وقوانين تحتية، قد ضبط بدقة من أجل ظهور وتطور الإنسان يوما ما)، هذا المبدأ الذي أثار كما هائلا من النقاش والفكر ضربه لافلن بجملة واحدة استهزائية: "من الطريف أن نتخيّل ما كان فولتير سيفعله (من سخرية) بهذه الفكرة (الأنثروبية)..." أليس انبثاق البشر مشروطا قبليا بالمقاييس الخاصة التي يجب أن يبنى الكون على أساسها ؟ ألا يمكن اعتبار سلسلة الإنبثاقات (من الكمّ إلى الجزيئات المركّبة، ثم إلى الخلايا وإلى المخلوقات، ثم إلى العقل والذكاء) برنامجا " أنثروبيا" ؟ أو على الأقل كما يحبّذ هيوبرت ريفز تسميته بـ"برنامجا مطرد التعقيد" مع التشديد على كلمة "برنامج". ألم يقدم فيليب كلايتون صياغة ذكية للتلك العلاقة الإنبثاقية: "نحن من تلك (المادة)"؟

روبرت ب. لافلن

وعلى نحو مماثل، وقع اجتناب التطرق إلى ظهور الحياة كمسألة جوهرية، وذلك حتى فترة حديثة جدّا. ولم يكن يشر إليها إلا كخطوة، ولو أنّها خارقة، في برنامج تطوّري طويل لظهور أشكال الحياة. لقد رأى بعض المفكرين في انبثاق الحياة من المادة دلالة دينية، وقد رأى فيها البعض الآخر إشارة رمزية هامة، على الأقل إلى النسق غير الاختزالي. فمنهم مايكل دنتون (مؤلف "قدر الطبيعة : كيف تكشف قوانين البيولوجيا غائية الكون") الذي يرى في هذا الانبثاق دعما لرؤية لاهوتية طبيعية، ومنهم برايّن غودوين (مؤلف "كيف غيّر النمر رقطه : تطوّر التعقيد") الذي يؤكد على النسق اللاّإختزالي، ومنهم أخيرا، سايمن كونوي موريس ( "حلّ الحياة") الذي برهن على وجود مسارات ضرورية في الطبيعة تخضع لها المخلوقات التي يمكن أن تظهر في الأخير على رأس السلم: هل النوع البشري إذن شرط سابق للقوانين الطبيعية ؟ وأي أثر لكل هذا على ظهور الذكاء والروح في الأخير؟

للأسف، يرفض لافلن تناول مثل هذه المسائل. يبدو أنّه يعتقد بأنّ النموذج الانبثاقي لا يحتوي على أبعاد فلسفية، وأنا (وغيري ممن ذكر أعلاه) نرى غير ذلك.

ورغم أنّنا نستطيع أن نصفّق لدفاع لافلن على نسق الانبثاق وازدرائه لالاختزال، فإنّه يتّضح، بعد التدقيق في النظر والتفكير، أن مؤلفنا لم يقل، بالتأكيد، الكلمة الأخيرة في هذا المجال ويقينا أن أعمالا أكثر ثراء وإنارة ستعقبه.