المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأديب والروائي الفرنسي بلزاك


Eng.Jordan
02-01-2013, 04:00 PM
بلزاك (أونوريه دي ـ)
(1799 - 1850)

أونوريه دي بلزاك Honoré de Balzac أديب وروائي فرنسي، ولد في مدينة تور Tours بفرنسة، وعانى منذ نعومة أظفاره قسوة صارمة من أمه وانصراف أبيه عن رعايته، فقد وضعاه، وهو في الثامنة من عمره، في مدرسةٍ داخليةٍ، ولم يَعُدْ منذئذ إلى كنف أسرته. وفي عام 1814 قدم إلى باريس، وأنهى فيها دراسةَ الحقوق، وعمل متمرناً مدةً قصيرةً في مكتب للمحاماة، بيد أن شغفه بالأدب صرف نظرَه عن القانون، متخذاً من الكتابة حرفةً له، فألَّف عدة رواياتٍ تاريخيةٍ، وطَّأتْ له بعضَ الشهرة، ممهِّدةً لفنه الروائي النضج والتألُّقَ، لتتفتَّحَ فيما بعد موهبتُه الأدبيةُ عن عبقريةٍ فذةٍ جعلت منه أعظمَ روائيٍ فرنسيٍ في القرن التاسع عشر.
http://www.arab-ency.com/servers/gallery/1789-1.jpg كانت حياة بلزاك منفسحاً رحباً للإبداع الخصب المتميِّز والتمتُّع بمباهج العيش معاً. فقد كان اجتماعياً، لطيفَ المعشر، وكان تِبْعَ صبابةٍ وهوىً، بيد أن السياسةَ وفسادَها والحياةَ الاجتماعيةَ وزيفَها، والمشروعاتِ وسرابَها، لم تشغلْه قط عن الكتابة، وقد أقبل الجمهور المتعطِّش على مطالعة رواياته، فانهالت عليه الثروة، والتمس التأنُّق في ملبسه، لعله يبغي بأناقته المسرفة أن يُسبِغَ على ترهله جماَل الهندام، وكان مبذِّراً، قليلَ الخبرة في الشؤون المالية، فبدَّد جلَّ ثروته في مشروعاتٍ غير مجدية أفضت إلى إفلاسه. وبدا فيما كان يرزح تحت وطأة الحاجة وإلحاح الدائنين عليه أشبهَ بآلةٍ إنسانيةٍ دائبةٍ، لا تني تنتج عدداً كبيراً من الروايات، ظلَّ ريعُها على ضخامته قاصراً عن الوفاء بديونه المتراكمة.
وفي نهاية عام 1822 تلقى رسالةً من معجبةٍ بولندية نبيلة هي الكونتيسّة «هانسكا» Hanska كان يدعوها: «الأجنبية» وترادفت منذئذ رسائلهما، واشيةً بعاطفةٍ مشبوبةٍ وإعجابٍ متبادلٍ. ولم يتسنَّ له أن يتزَّوجها إلا بعد وفاة زوجها الكونت «هانسكي»، وبعد طول تردُّد منها في قبول بلزاك زوجاً، حتى رضيت به، بعد إلحاحٍ مستمرٍ، دام سنينَ عدة، عكف في أثنائها على الكتابة ليكون في مقدوره، بيسره وغناه، أن يكون لائقاً بها، وبنى بها، أخيراً، في روسية، حيث كانت تشرف على أملاكٍ لزوجها المتوفَّى، ولم يكد يؤوب معها إلى باريس حتى أقعده مرضٌ في قلبه، فلزم فراشه وتوفي.
إن المرء ليتجاذبه الإعجاب بضخامة إنتاج بلزاك الأدبي الذي استشرف حدَّاً من الخصب يعجز عنه أيُّ كاتبٍ آخرَ، ومع أن سنّه لم تكن تجاوز واحداً وخمسين عاماً حين وفاته، فقد قارب عددُ رواياته التي نشرها في عشرين عاماً خمساً وثمانيـن روايــة، ينتظمهــا كلهــا عنــوانٌ موحَّدٌ هــو «الملهاة الإنسانية» La Comédie Humaine كما لو أنه كان يبغي بهذا العنوان المعبِّر أن يماثلَ بها «الملهاةَ الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي[ر] Dante، وقد لخّص بلزاك ملهاته الإنسانية في أقسامٍ ثلاثة شاملةٍ تنتظمها كلَّها. القسم الأول يضمّ دراساتٍ في العادات والطبائع Etudes des murs، تتألَّف من ستة مشاهد أوّلها مشهد عن مباذل الحياة الخاصة، وثانيها عن الحياة في الأقاليم، وثالثُها عن الحياة في باريس، ورابعُها عن الحياة السياسية، وخامسُها عن الحياة في الريف، وسادسُها عن الحياة العسكرية. ويتألَّف القسم الثاني من دراساتٍ فلسفيةٍ، أما القسم الثالث فيتّسق في دراساتٍ تحليليةٍ.
ولعل أشهر قائمة رواياته الكثيرة: «الثوار الملكيون» les Chouans و«إهاب الشجن» La Peau de chagrin، و«أوجيني غرانديه» Eugénie Grandet، و«الأب غوريو»Le Pére Goriot و«الزنبقة في الوادي» le lys dans la Vallée و«الأوهام المضيَّعة» Illusions perdues و«خوري القرية» Le Curé de Village و«ابنة العــم بيت» la Cousine Bette و«ابن العم بونس» Le Cousin Pons و«المرأة ذات الثلاثين ربيعاً» la femme de trente ans وغيرها. وكان مقدّراً على بلزاك، فيما كان يبدع رواياته، أن يُؤتى قدرةً فائقةً على العمل، وإرادةً صلبةً، وصبراً دؤوباً وثقافةً واسعةً، وأسلوباً متميِّزاً، وقد امتلك ذلك كلَّه، فكان يبدو ـ كما قال عنه شامبفلوري Champfleury ـ بمنكبيه العريضين وعنقه الغليظ وبسطة جسمه وحيويته المتدفِّقة أشبهَ بخنزيرٍ بريٍ، إذ كان قادراً على العكوف على أدبه بهمةٍ نادرةٍ لا تُجارى. وكان يطيب له أن يقرنَ نفسه إلى نابليون، زاعماً أنه حقَّق بقلمه ما لم يستطعْ نابغةُ الحرب بسيفه. وكان يحلو له أن يستيقظ في منتصف الليل، ليعمل اثنتي عشرةَ ساعةً متواصلةً، فإذا ما ملأ صفحاتٍ من روايته، ودفع بها مباشرةً إلى المطبعة، ثم أُعيدت إليه ليصحِّح أخطاءها المطبعية، ملأَ حواشيَها بإضافاتٍ كثيرةٍ مستجدَّةٍ، وقد كتب إحدى رواياته في اثنتين وسبعين ساعةً، وأنفق ستين ليلةً في صقلها وتهذيب أسلوبها.
ومما لا ريب فيه أن هذه الملهاةَ الإنسانيةَ، بما حوت من نماذجَ وشخصياتٍ إنسانيةٍ، هي مرآةٌ صادقةٌ عكست كلَّ ما كان يحفل به مجتمع القرن التاسع عشر من متناقضاتٍ ومفارقاتٍ. وقد تأتّى لقلمه البارع، الملهم، أن ينفضَها كلّها، على نحوٍ شائقٍ، مضيفاً إلى لوحاته الروائية رؤاه وأحلامه نفسَها، حتى قال عنه بودلير[ر] Baudelaire: «إن بلزاك لذو رؤىً. كان خياله ينسرح إلى أبعد مدىً وأرحب أفقٍ، ليخلص قارئه بانطباعٍ رئيسٍ موصولٍ بالنماذج الإنسانية الحيَّة التي بسطها هذا الكاتب العظيم».
وفي رسالةٍ وجّهها بلزاك إلى ناقدٍ أخذ عليه أنه يبتدع في رواياته شخصياتٍ ذواتَ طبائعَ استثنائيةً، أشار إلى أنه يؤثر حقاً أن يمتح من ينبوع الحكاية العربية. وذكر في رسالة إلى «الكونتيسة هانسكا»، أنه بسبيل أن يؤلف ملهاته الإنسانية، على نسق «ألف ليلة وليلة»، مما يشي برغبته العارمة في الابتكار والإبداع. هكذا كان يَمدُّ يدَه الصَّنَاعَ إِلى طينةِ مجتمعِه، ليسوّي ويبدعَ منها طُرَفاً واشيةً بأسلوبه الخاص به. وقد تأتَّى لخُطاه، فيما هو يضرب في طرق المدينة أو الريف، أن توقظ أكثر المشاعر رهافةً، مستعيراً ألواناً من الطبيعة المنفسحة أمام عينيه، ليريقَها على منظرٍ ما من روايته، مستلاًَّ ملامح بعض معارفه، ليسبَغها على قَسَمات بعض شخصيات رواياته. يقول بلزاك في رسالة إلى «الكونتيسة هانسكا»: «ثمة شيء واحدٌ يهب لي هنيهاتٍ مترعة بالهناءة، هو أن أنكفئَ إلى ذكرياتي الخوالي، لأمتحَ منها انطباعاتها الموحيةَ، يكفي أن أغمض عيني حالماً، لأقع عليها فوراً». هكذا نجد نماذج من أبطال رواياته يبلون ما كان يعانيه هو في منبلج طفولته وصباه، فشخصيةُ «لويس لامبير» في رواية «الزنبقة في الوادي» هو بلزاك نفسه الذي حُرِمَ عطفَ أمه وحنانَها، وفي اعتراف «رفائيل» في رواية «إهاب الشجن» نتلمَّس مواجعَه القديمةَ الممضةَ في طفولته الشقية.
هناك رواياتٌ شاء بلزاك أن تشحبَ «الأنا» الذاتية، أو تتلاشى، ليهب لمخيِّلته المجالَ بأن تنطلقَ كما تهوى، ومع ذلك فإن نسغَ هذه الروايات مستمدٌ من أرض الواقع، لكنه الواقع المأمول، مانحاً أبطاله ما كان يفتقده هو ويتشوّف إليه. وكان يطيب له أن يجعل بعض الأبطال ينهضون بدورٍ ما في رواية له، ليستأنفوا القيامَ بدورٍ آخرَ، في روايةٍ تاليةٍ، لألفته لهم وحرصاً منه على الوحدة والتناسق في صرح رواياته المتكامل.
ولئن كان يتَّفق له أن يبتدع شخصياتٍ استثنائيةً غريبةً، بعيدةً عما هو مألوف في مجتمعه، فإن طيفه يظلُّ ماثلاً خلفها، كما لو أنه يريق ظلاً متمَّماً لها، لأنها معجونةٌ من الطينة نفِسها التي سوَّتها مخيِّلته المبدعة. ومع أن بلزاك هو ابن الإبداعية[ر] Romantisme بخياله المجنح وخلجاته الغامضة وتصويره لواذعَ الحنين إلى الماضي ـ على النحو الذي يستشفُّ في الإبداعية عموماً ـ فإنه لم ينسَ حاضره قط، فَجَلا واقعه بكل مآسيه ومواجعه، واستشرف آفاق المستقبل، بكل ما يخبِّئه من أمنياتٍ وتَعِلاَّت، وكذلك أضحى أدبه مرآةً صادقةً للحداثة في فن الرواية المعاصرة، لا بتأثيره البالغ في أدب مقلديه فحسب، ممن نهلوا من مورده الواقعي، بل بما أزجى من تقنياتٍ مبتكرةٍ في فن الرواية. وقد امتد تأثيره إلى معاصريه كجورج صاند[ر] George Sand، لتنحوَ برواياتها من سِمَتِها الغنائية Lyrique إلى الرواية المبنية على المشاهدة Roman d’ observation، وكذلك تأثرت به الروايةُ الفرنسيةُ المعاصرةُ تأثراً بالغاً على نحو ما تجلى في أدب فلوبير[ر] Flaubert وموباسان[ر] Maupassant وبورجيه[ر] Bourget وغيرهم ممن حذوا حذوه في النهج الواقعي الذي اتَّبعه وارتضاه. بيد أن أسلوبه جاء، بسببٍ من تعجُّله وتلهُّفه على إنجاز رواياته المترادفة، متفاوتاً في الجودة وروعة البيان، بعيداً عما عُرف في أسلوب فلوبير المصفَّى، ولكنه كان ذا نكهةٍ خاصةٍ، محبَّبةٍ، فلم يكن أدبه موجهاً، كما يقول عنه الناقد تين[ر] Taine، إلى رواد الصالونات الأدبية، ولا إلى الصفوة المختارة من متذوقي الأدب الرفيع، بل كان موجهاً إلى مجتمعه كله، بقضه وقضيضه، لهذا جاء أسلوبه موحياً، معبِّراً، يرضي أذواقَ الناس كافةً. ولقد أنصفه فكتور هوغو[ر]Victor Hugo حين قال عنه في حفل تأبينه: «إن جميع مؤلفاته تنتظم في كتاب واحد، كتاب حي، متألِّق، يضرب في متاهته الإنسان ساعياً، وتمتزج في جنباته أوابد العواطف مسربلةً بالواقعية الشجية، كتابٍ تتلخَّص بين دفتيه حضارتنا كلُّها، وتتَّسق فيه جميع الأنماط والأساليب، مؤالفاً فيه بين الملاحظة والخيال، مفجِّراً دقائقَ الواقعية، مستجلياً ملامحَها، إنه يمسك بتلابيب المجتمع المعاصر، مستصفياً من ثنايا بعضهِ أملاً، ومن بعضه الآخر صرخةً».
ولقد تأثر بهذا المنحى الواقعي الذي اختطَّه واصطفاه، الأدبُ الفرنسيُّ المعاصرُ، برمَّته، وفَرَعَ الحدودَ، ليمتدَّ تأثيره إلى الأدب الأمريكي والأوربي عامة، والأدبِ السوفييتي خاصة ملوناً بالواقعية الاشتراكية الملتزمة، ثم ينساقَ إلى الأدب الروائي العربي المعاصر، ليأخذَ بمدرجته في الضَّرب على وتر الواقعية جلُّ رواد الرواية العربية المعاصرة، فترسّم خطاه في مصر محمود تيمور وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي ونجيب محفوظ، وفي سورية عبد السلام العجيلي وحنا مينه وفارس زرزور، وفي لبنان توفيق يوسف عوَّاد.

بديع حقي



الموسوعة العربية