المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رحلة إلى صحراء الحب


جاسم داود
02-02-2013, 11:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

رحلة إلى صحراء الحب

لم يكن غروب الشمس يعني لي غروباً للشمس فحسب، بل لحظة الغروب تلك حملت بين طيَّاتها معاني كثيرة في تلك اللحظة، وأنا أقف على الحد الفاصل بين الماء واليابسة، فوق صخرة تارة تبدو يابسة، وأخرى كأنها تتبع عالم الماء، وأخذت أتأمل القرص الأحمر أمامي، ثم أنحدر ببصري، وإذ بالأمواج تتراقص كأنما هي في حفل بهيج. وبين المد والجزر بقيت حبال فكري معلقة في رحلة شرودٍ ذهني، لم أشعر إلا وأنا على متنها.

انتقلت من هذا العالم الضيق، هذا العالم المليء بصنوف المآسي والأحزان، بالمتغيرات والمتناقضات، عالمٌ كأنه كرةٌ ملتهبة تصيب بلهيبها كلَّ مقتربٍ منها.

نعم.. في خلال لحظاتٍ أو ثوانٍ قلائل، وقلائل جدًّا، ربما فاقت في سرعتها سرعةَ البرق، غادرتُ إلى ذلك العالم، مخلِّفاً ورائي كتلاً من الهموم ومساحاتٍ شاسعةً من الصحارى المحاطةِ باليأس.

غادرتُ إلى عالم آخر، وبدا لي كأنه صحنٌ يمتد طولاً وعرضاً.

عالمُ الأمل المشرق الذي يتسع ويزداد اتساعاً كلما أقمت فيه وبنيت على أرضه الأحلام، وغرست عظيمات الأماني.

وانتهيت إلى ذلك العالم البديع الجمال، وبدَت رحلتي فيه مع أول خطوةٍ خطوتها نحوه حين آلت شمسُ آلامي للمغيب. وأول ما وقعت عليه عيني منه كان ذلك النهر الذي يجري في كلِّ ناحية وبكل اتجاه.. نهر عظيم يروي عطش اللاهثين، وهو الدواء لسقم القلوب، نهر يغسل أهلَه من أدران الأنانية، وينقي الدماء من مزيج الأحقاد المختلطة به. إنه نهر يختلف تماماً عن الأنهار المنتشرة في عالمي القديم، إنه نهر (الصفاء)، لا مثيل له إطلاقاً.

فأقمت على ضَفَّتهِ حتى رويت منه وملأت من مائه الصافي كل ما يمكن لي ملؤه، وتمنيت لو أغترف جميع مائه، من منبعه إلى مصبه.. حتى لا يبقى على قاعه قطرة واحدة! كي أعود بمائه إلى عالمي القديم وأهلِه؛ علَّه يبدل صفحةَ القلوب الملوثة، ويزيل غشاوة الأبصار.

وتواصلت أحداث رحلتي، حتى وصلت إلى صحراء المحبة، الصحراء الوحيدة فيه، فأخذت أداعب قدمي برمالها الطيبة، وأخلِّل بأصابع يديَّ في عمق الرمال التي كأن حبيباتها تحمل أحرفاً تشع نوراً.. حبة بنقش (الحاء) وقد جاورتها حبة أخرى مطبوع على جبينها (الباء).

إنها هي صحراء الحب، تفترش ذلك العالم من طوله إلى عرضه.

وهنا راودتني الأماني في قطع واحتمال جزء عظيم منها لأفرشها فوق أرض عالمي التي غطاها سوادُ الكراهية، وانتشر فيها وباءُ الحسد، ولنتخذَ منها دروباً جديدة للمحبة والألفة.

ومضيت في التجوال فإذ بالجبال الشاهقات، إنها راسخة في كل ناحية من ذلك العالم، ضاربة في العمق كأنها رايات للحق والصدق والأمانة وكريم الخصال، فوددت اقتلاعها من جذورها وزرعها في صدور من نفد زادهم من تلك الخلال، لكي يتذوق مذاقها الطيب من لم يستطب لها مذاقاً قط.

ثم انحدرت إلى وادي التواضع، فلم أستطع البقاء معتدلاً في هيئتي، فنكست رأسي خجلاً وحياءً، وقلت في همس: ليتك أيها الوادي تعلم ما فعله الكِبْرُ واقترفت يد الغطرسة بقومي.

ثم رحلت عنه وأنا أكثر خجلاً وأشدُّ حياءً.

ثم سرت أخطو خطواتٍ مضطربة، تارةً تغدو مسرعةً كأنها تريد حملي إلى عالمي القديم لأبثَّهُ جُلَّ ما حملته معي، وخطوة أخرى متثاقلة، كأنما لا تريد مفارقتي رحابةُ هذا العالم ونقاء سريرته.

وأنا على هذه الحال، مررتُ بالعديد من معالمه التي ينبعث منها شذا الوفاء وعبيرُ الكرم والترحاب، حتى بلغت شاطئه وكأنه مائدةٌ عظيمة أعدَّت للضيوف، فثبتُّ قدمي على حافَته، وأخذتْ نظراتي تجوب الآفاق وتتقلب بين الجهات الأربع، كأنها ترسم بكل جهة لحظةَ وداع، حتى تمركزتُ صوبَ الأمام، حيث القرص الأحمر، ومكتوبٌ على محيطه (العطف وما سوى العطف إلاالعطف).

إنها شمس ذلك العالم الرائع لما آلتْ للمغيب، وكأنها تعطف على كل شيء ظهرت عليه فبدت شفوقةً عطوفة.

حينئذ تذكرت شمسَ عالمي التي مهما غابت أو بثت نوراً وضياء فيه، لا يجيد أهْلوه سوى الإمساك بمطرقة الغلظة وعصا الخشونة وتغطية الوجه بقناع القسوة.

وإذ أنا كذلك، جاءت موجة من المياه كأنها مجنونة متجهة نحوي بإصرارٍ بالغ، ولست أدري من أي شاطئٍ كانت؟
أَمِن شاطئ العالم البديع؟ أم من شاطئ عالمي القديم؟

ولم يدم تفكيري طويلاً حتى صفعتني مياهُها صفعةً قوية، فأدركتُ أنها من جنود عالمي القديم، فهي تفعل مثل هذا.. تغدر وتخون وتصفع. أمَّا أمواجُ شاطئ العالم الآخر فودَّعتني بقذفها عليَّ بأكاليل من الزهور الندية.

ومع هذه الموجة التي جاءت من شاطئ عالمي، علمتُ أني أنهيتُ أيامَ رحلتي. وهُنا انقطعتْ حبالُ فِكري، وعُدتُ إلى أدراجي.


دمتم برعاية الرحمن وحفظه
منقول بتصرف يسير