المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أثـر المقاصــد فِـي الاجتهــاد الشــرعـي


Eng.Jordan
02-04-2013, 01:53 PM
حمل المرجع كاملاً من المرفقات





مدخل:
مما يجب أنْ يقرَّر: أنَّ الاجتهاد الشرعي قام في جوانب كثيرة معتمداً على المقاصد واعتبارها، كما أنَّ التشريع الإسلامي كذلك تأثَّر بشكل ملحوظ برعاية المقاصد وتحقيقها، في أصوله وفي فروعه، في التقعيد وفي التفريع، في الفُتيا، وفي تنْزيل الأحكام على الوقائع، وفي قيام الأحكام الشرعية، تكليفية كانت أو وضعية، وفي الترجيحات الأصولية والفقهية، وغير ذلك من عمليات التشريع والاجتهاد.
غير أنَّا سنخصص هذا المبحث في تأثُّر الاجتهاد بالمقاصد واعتبارها، ونستعرض أثر المقاصد في بناء الاجتهاد من خلال مطلبين:
المطلب الأول: يبيِّن اعتبار المقاصد في أهلية الاجتهاد.
والمطلب الثاني: يبيِّن مسالك الاجتهاد المقاصدي([1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1)).
المطلب الأول

اعتبار المقاصد فِي أهلية الاجتهاد



المسألة الأولـى: أهمية المقاصد في الاجتهاد:

يتبادر إلى ذهن كثير ممن يتكلّم في الفقه والأحكام ويقوم بمهام الفُتيا للناس أنَّ الحكم الشرعي لا بُدَّ له من نصّ لفظيّ ثابت في الكتاب أو مرويّ عن رسول الله e في الصحيح، وأن المجتهد هو الذي ينظر في ذاك النصّ لا يتجاوزه ولا يتعدّاه، فإنْ وجد الحكم الشرعي فيه فهو المطلوب؛ وإنْ لم يجده فيه فلا يجوز له أن يطلب الحكم في غير النصّ أبداً.
هذا المنظور المعتقد الذي صار كالمسلّمة الدينية اليوم عند بعضهم، واستجازت تلك الفئات على أساسه عرض أقوال من سبق من علمائنا واجتهادات المعاصرين منهم بتسليم تام واستسلام كامل لما قالوا واجتهدوا، وإيجاب الاحتكام لها؛ فما وافق صحّ! وما خالف بطل ورُدَّ!!.
هذا الأمر في حقيقته يحمل الشعار نفسه الذي نُكِّس من قبل " قفل باب الاجتهاد " لأنّ حصر مجال الاجتهاد والنظر في النصّ وحده ، حصر للاجتهاد فيما سبق من اجتهادات وأقوال ، لأنّ النصّ هو ذات النصّ ودلالته على الحكم كانت قائمة من يوم تنْزيله على الناس ومجيء الوحي به على أقدر الناس على فهمه واستنباط الحكم منه والوقوف على مراده بلا ارتياب أو تردد ـ الصحابة رضوان الله عليهم ـ، وبهذا لم يبق للمتأخرين إلاّ أن يسلّموا لما قد سبق من أحكام، ومن ثّمَّ فلا يجوز لهم أنْ يُنشئوا حكماً ولا قولاً، ومن ثَمَّ لا يستوعَبُ أمرٌ جديدٌ في أحكام الشرع، ولا يحرّم إلاَّ ما حُرِّم من قبل، ولا يُباح إلاّ ما قد أُبيح، لا استنباطاً من النصّ ولا إلحاقاً به ولا قياساً عليه، ولا اجتهاداً فيه.
ومعنى ذلك أنه لا فائدة مما وضعه العلماء ـ بعد استقراء مضنٍ وبحث وتفتيش طويل ـ من قواعد أصولية ولا من قواعد فقهية ، ولا ما تعبوا واجهدوا أنفسهم لتحديد المعتبر من الأدلة الشرعية والمردود منها لاستصدار الأحكام الشرعية منها وبناء الفتاوى عليها، ولا ما ضبطوا به الاجتهاد واشترطوا له الشرائط التي يجب أن تتوفّر فيمن سيقوم بمهمة الاجتهاد الشريفة.
وقد ناقش العلماء هذه المسألة وأبطلوا الدعوى فيها بما لا يلزم في هذا المقام من الإعادة والتفصيل .
والذي يهمنا من هذا التقديم : أنّ الاجتهاد لا ينبني فقط على النصّ اللفظي لا يتعدّى البحث فيه ولا يتجاوز النظر في ألفاظه، بل الاجتهاد يتجاوز النصّ إلى الروح.. ويتعدَّى المنطوق إلى المفهوم.. وينظر في حال الناس كما ينظر في أحوال الألفاظ.. ويعالج التعارض بين المصلحة والمفسدة كما يعالج التعارض بين الظاهر والمؤول وبين العام والخاص وبين المطلق والمقيد وبين الحقيقة والمجاز، ويدفع تعارض النصّ مع المصلحة بالترجيح أو الجمع كما يدفع أي تعارض وتدافع .
هذه العمليات التي يتطلبها الاجتهاد ممن يقوم به ويتصدّر له لا يكفي وجود النصّ وحده لصحة الاجتهاد والاقتراب من الإصابة فيه، وإنما لا بدّ من مؤهلاتٍ ضروريةٍ وشروطٍ أساسيةٍ فوق شرط التمكّن في النظر النّصّي، فهل يا تُرى من ضرورةٍ لاشتراط الإلمام بمقاصد الشريعة، أو القدرة على التعرّف والوصول إليها ليكتمل التأهّل للاجتهاد والنظر في أدلة الشارع؟. أم الإلمام بمقاصد التشريع والاقتدار على التعرف عليها هو شرطٌ أساسيٌّ ومؤهّل ضروري للمجتهد حتى يتأهّل أساساً للاجتهاد والنظر في الشريعة وأدلتها وأحكامها؟
المسألة الثانية : اشتراط المقاصد في أهلية الاجتهاد :
وعلى ما سبق فلقد اشترط كثيرٌ من المحققين في الفقه والأصول من علمائنا الأفاضل الإلمام بمقاصد الشريعة ومعرفتها في أهلية الاجتهاد ، بحيث أنّ من لم يكن عالماً بالمقاصد فاهماً لها غير قادر على الوصول إليها ولا معرفتها لا يكون أهلاً للاجتهاد، بل يحرُم عليه الاجتهاد ، لأنّ غير المجتهد لا يجوز له أنْ يجتهد، ومن لم يتأهّل للاجتهاد فكيف يتعرّض للاجتهاد؟.
من هؤلاء: إمام الحرمين الجويني (478هـ)، والغزالي (505هـ)، وموفق الدين ابن قدامة (620هـ)، وابن تيمية (728هـ)، والسبكي (756هـ)، والشاطبي(790هـ) وابن عاشور، وكثير من المعاصرين ـ رحمهم الله تعالى ـ.
[1] فالإمام الجويني رحمه الله يرى أن التبصّر في وضع الشريعة يتطلب التفطّن للمقاصد الشرعية ، حيث يقول في "البرهان": "من لم يتفطّن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي ، فليس على بصيرة في وضع الشريعة"([2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2)).
ونفي كونه بصيراً في وضع الشريعة نفي لكونه مجتهداً ، لأنه لا يمكن أن يكون مجتهداً في الشريعة وهو ليس ببصير في وضعها؟
[/URL]([1]) الأصل في هذه النسبة أنْ تكون إلى المفرد، فيقال: "المقصدي"، ولكن لما صار "المقاصد" علماً ولقباً أصبح مصطلحاً تصلح النسبة إليه، حيث شاع في مصطلح هذا العلم أنْ يقال: "مقاصدي" كما في "الاجتهاد المقاصدي"، و"النظر المقاصدي" ... إلخ.

[URL="http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2"] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1)([2]) البرهان: للجويني، فقرة 205، 1/295.