المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البحث في مقاصد الشريعة نشأته وتطوره ومستقبله


Eng.Jordan
02-04-2013, 02:40 PM
حمل المرجع كاملاً من المرفقات




-الدكتور أحمد الريسوني-
-أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بجامعة محمد الخامس
وبدار الحديث الحسنيـة -الربـاط-

*****
بحث مقدم لندوة مقاصد الشريعة، التي نظمتها مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بلندن، من 1 إلى 5 مارس 2005
*****

إذا استثنينا بعض أفراد من المذهب الظاهري، فإن الأمة الإسلامية مجمعة على أن الشريعة إنما هي حكمة و رحمة ومصلحة للعباد في دنياهم وآخرتهم، وأن أحكامها كلها على هذا المنوال، ما علمنا من ذلك و ما لم نعلم.قال الله عز وجل «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn1) قال العلامة القرطبي في تفسيره" ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية"[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn2). وقال الإمام الشاطبي: "الشارع وضع الشريعة على اعتبار المصالح باتفاق"[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn3)
ومن هذا المنطلق جزم العلامة ابن القيم بأن "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها و رحمة كلها ومصالح كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل..."[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn4)
وهذا الإجماع عن الأئمة وسائر العلماء المعتبرين، قديم يرجع إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وهو ما حققه وصرح به عدد من العلماء محققين مدققين في فقه الصحابة والسلف.قال العلامة شاه ولي الله الدهلوي:"وقد يظن أن الأحكام الشرعية غير متضمنة لشيء من المصالح...وهذا ظن فاسد تكذبه السنة وإجماع القرون المشهود لها بالخير"[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn5)
وإذا كان الصحابة هم أول القائلين –وأول المجمعين- بأن الشريعة مصلحة، وأن أحكامها لا تعدو أن تكون لخير ت***ه أو لشر تدفعه، فمن الطبيعي أن يكونوا هم أول الملتفتين وأول المراعين لمقاصد الشرع ولحكمة الله تعالى.قال ابن القيم"وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيه واتبع له.وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده"[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn6)
وإذا كان شيخ المقاصد أبو سحاق الشاطبي قد أبدى تخوفه- في زمن الركود والجمود- من أن يتلقى فكره المقاصدي التجديدي بالاستغراب والإنكار، فإنه وجد ملاذه وحجته في كون ما جاء به هو"بحمد الله أمر قررته الآيات والأخبار، وشد معاقله سلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشد أركانه أنظار النظار.وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار"[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn7). وهو يصرح وينص بصفة خاصة على الصحابة، فيصفهم بأنهم"عرفوا مقاصد الشريعة فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصلوها، وجلت أفكارهم في آياتها، و أعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها."[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn8)
وعلى هذا فمقاصد الشريعة ومعرفتها ومراعاتها، ليس شيئا اكتشفه اللاحقون أو ابتكره المتأخرون، بل هو من صميم الدين، بل هو صميمه، من أول يوم ومن أول فهم.والقرآن الكريم والسنة النبوية هما أول مصرح بمقاصد الشريعة وأول منبه على أمثلتها ونماذجها الإجمالية والتفصيلية. فرغم أن أحكام الوحي لها من القداسة ومن الثقة بها والتسليم لها ما لا مزيد عليه عند المؤمنين بها، وما لا يحوجهم إلى بيان علة ولا حكمة ولا مقصد ولا مصلحة، فإن القرآن والسنة-رغم ذلك-قد بينا كثيرا من علل الأحكام ومقاصدها، في العبادات والمعاملات وسائر أبواب التشريع.وأقول كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"والقرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح...ولو كان هذا في القرآن والسنة نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn9)
ومثل هذا الموقف نجده - قبل أكثر من ثلاثة قرون من ابن القيم- عند ابن بطال في شرحه النفيس على صحيح البخاري، حيث قال عند حديث"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".
وهذا حديث مما يرد قول أهل الظاهر، ويكشف غلطهم في إنكارهم العلل والمعاني، وقولهم إن الحكم للأسماء الخاصة"؛ لأنه عليه السلام علل الاستئذان بأنه إنما جعل من قبل البصر، فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب أشياء وحظر أشياء من أجل معان علق التحريم بها.ومن أبى هذا فقد رد نص السنن. وقد نطق القرآن بمثل هذا كثيرا، من ذلك قوله تعالى(وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم)وقال(ما أفاء على رسوله من أهل القرى)إلى قوله(كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) وقال تعالى(ذلك جزيناهم ببغيهم)في مواضع كثيرة يكثر عددها، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك)[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftn10)
وبما أن الغرض الآن متجه إلى رصد الاهتمام بمقاصد الشريعة باعتبارها موضوعا للبحث والنظر والتصنيف، وكيف بدأ ذلك وكيف تطور قديما وحديثا، فلا أطيل في بيان أصالة النظر المقاصدي وأسسه الواضحة في القرآن والسنة وفقه الصحابة، خاصة مع صرح به عدد من العلماء من الإجماع على ذلك وبداهته ووضوحه للعيان.

مصطلحات متعددة وحلقات مفقودة
من أجل التعرف على ما قبل وما كتب عن مقاصد الشريعة في مختلف العصور، وفي مختلف المصنفات والعلوم الإسلامية، لابد أن نعرف-قبل ذلك-أن ما نعنيه اليوم بمقاصد الشريعة قد عبر عنه العلماء بتعابير ومصطلحات متعددة.فلابد من معرفة مختلف المفردات المعبر بها، حتى لا تقتصر على ما ورد بعبارة مقاصد الشريعة، أو مقاصد الشرع، أو ما يشتق منها.

[1] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref1) سورة [الأنبياء:107].

[2] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref2) الجامع لأحكام القرآن2/64

[3] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref3) الموافقات 1/139

[4] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref4) - أعلام الموقعين3/3

[5] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref5) - حجة الله البالغة1/27، وانظر كذلك تعليل الأحكام في الشريعة الإسلامية للشيخ محمد مصطفى شلبي، ص96


[6] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref6) - أعلام الموقعين

[7] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref7) -الموافقات1/25

[8] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref8) -الموافقات1/25

[9] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref9) -مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة2/22، وانظر كذلك "أعلام الموقعين"1/169إلى200 وشفاء العليل2/537إلى 575

[10] (http://www.shatharat.net/vb/#_ftnref10) -شرح ابن بطال9/19، وابن بطال فقيه مالكي أندلسي، (ت449) وشرحه هذا من أعظم شروح صحيح البخاري، وقد اعتمد عليه كثيرا صاحب فتح الباري، وخاصة في الفقه.