المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث عن الحضارة العلمية عند المسلمين في الفيزياء


Eng.Jordan
02-05-2013, 02:18 PM
مقدمة


الفيزياء لفظ اشتق من اليونانية فيزيكوس ( φυσικη ) بمعنى طبيعي، والكلمة مشتقة من الجذر فيزيس ( φύσις ) بمعنى طبيعة.


وبصفة عامة فإن العلوم الفيزيائية تهتم بدراسة سلوك وتفاعلات المادة في الإطار المكاني والزمني، وهو ما يعرف باسم الظواهر الفيزيائية، ويتم التعبير عن النظريات الفيزيائية بمعادلات رياضية، ويطلق على النظريات الفيزيائية اسم قوانين الفيزياء إذا ما أثبتتها التجربة، ولكن برغم هذه التسمية فإنه يمكن الطعن في بعض هذه القوانين.

وعلم الفيزياء في الأساس علم تجريبي يعتمد على الملاحظة والقياسات الدقيقة لاستنباط القوانين، والوصول إلى النظريات التي تساعدنا على فهم الظواهر الطبيعية، ومن ثم تسخيرها لما فيه فائدة للإنسان؛ لذا فإن علم الفيزياء يعيننا على فهم الكثير مما في عالمنا ومما يحيط بنا، هذا بالإضافة إلى أن علم الفيزياء يُعَدُّ أساساً لجميع العلوم التطبيقية والتقنية، ومن هنا تأتي أهمية هذا العلم وضرورة فهمه واستيعابه وتدريسه في كافة التخصصات العلمية أو الهندسية أو الطبية (1).




فعلم الفيزياء هو القاعدة الأساسية لمختلف العلوم فهو يقدم التفاصيل العميقة لفهم كل شيء بدءاً بالجسيمات الأولية إلى النواة والذرة والجزيئات والخلايا الحية والمواد الصلبة والسائلة والغازات والبلازما (الحالة الرابعة للمادة) والدماغ البشري والأنظمة المعقدة والكمبيوترات السريعة والغلاف الجوي والكواكب والنجوم والمجرات والكون نفسه. أي أن الفيزيائيين يختصون بمعرفة اصغر عنصر لهذا الكون وهو الجسيمات الأولية إلى الكون الفسيح مرورا بالتفاصيل التي ذكرناها (2).

فمثلاً يصمم المهندسون السيارات والطائرات بناءً على مبادئ معينة في الفيزياء، ومكنت قوانين ونظريات الفيزياء المهندسين والعلماء من وضع المركبات الفضائية في مساراته، ومن استقبال معلومات ترسلها أقمار الفضاء التي تجوب مناطق بعيدة من المجموعة الشمسية، وأدت بحوث الفيزياء إلى استخدام المواد المشعة في دراسة وتشخيص وعلاج أمراض معينة، بالإضافة أن مبادئ الفيزياء وراء تصميم كثير من الأجهزة المنزلية من المكانس الكهربائية إلى مسجلات الفيديو (3).




أقسام الفيزياء

تنقسم علوم الفيزياء إلى مجموعتين كبيرتين هما:
الفيزياء التقليدية: وتعتني بالأسئلة حول الحركة والطاقة، وأقسامها خمسة هي:

الميكانيكا، والحرارة، والصوت، والكهرباء والمغناطيسية، والضوء.
الفيزياء الحديثة: وتعتني بدراسة التركيب الأساسي للعالم المادي، وأقسامها




الأساسية هي

1- الفيزياء الذرية والجزيئية والإلكترونيات. 2- الفيزياء النووية. 3- فيزياء الجسيمات. 4- فيزياء الطاقة الصلبة. 5- فيزياء الموائع والبلازما (4).


الحضارات القديمة وبداية الفيزياء في الإسلام

وصلت الفيزياء إلى المسلمين عبر اليونانيين، وقد اتكأ المسلمون عند ممارستهم لهذا العلم على ما كان لدى اليونانيين وما كان لغيرهم من الشعوب القديمة، فقد نقلوا عن اليونان آراءهم في انكسار الضوء، والمرايا المحرقة، والجاذبية، والثقل النوعي، والقوانين المائية، ولكنهم لم يقتصروا على مجرد النقل، بل توسعوا وأضافوا إضافات جديدة من ابتكاراتهم.



وإنه وعلى الرغم من اهتمام المسلمين بالفيزياء، إلا أن ذلك الاهتمام لم يرقَ إلى ما نالته الكيمياء من عناية، فقد بدا علم الكيمياء - على سبيل المثال - لديهم مستقلاً واضحًا منذ مطلع نهضتهم العلمية، أما الفيزياء فقد كانت تمثل جانبًا من الرياضيات حينًا أو فرعًا من فروع علم ما وراء الطبيعة حينًا آخر؛ لذا نجد أن كثيرًا من المعلومات التي أدلوا بها حول علم الميكانيكا مبثوثة في كتب الفلسفة، وليس في كتب العلوم كما قد يتبادر إلى الذهن، لأنهم اعتبروا أن فكرة الزمان والمكان والحركة كلها أفكار تنتمي إلى الفلسفة، ولهم في مختلف فروع هذا العلم ملاحظات كثيرة صائبة وملاحظات أخرى غير صائبة مبثوثة في تصانيف كثيرة متنوعة.



ولا ينبغي أن يتبادر للذهن أنهم كانوا متأخرين في هذا العلم لأنهم لم يعتنوا به عنايتهم بالكيمياء، فهم في هذا العلم قد بَزُّوا الأمم المعاصرة لهم في كثير من فروعه مثل: البصريات، والميكانيكا، كما خرجوا بآراء طيبة في الجاذبية والمغناطيس، والصوت الذي طبقوا مبادئه على علم الموسيقى، والثقل النوعي وغير ذلك، وقام علماء أفذاذ بطرح نظريات جديدة وبحوث مبتكرة، وكان من بين هؤلاء العلماء أبناء موسى بن شاكر وابن الهيثم والبيروني وابن سينا والخازن وغيرهم.



وكانت البداية أن أخذ العرب المسلمون مباديء علم الفيزياء من اليونان، فقد ترجموا كتاب (الفيزيكس) لأرسطو، وكتاب (الحيل ********ة و رفع الأثقال) لأيرن، وكتاب (الآلات المصوتة على بعد 60 ميلًا) لمورطس، كما اهتموا بمؤلفات أرشميدس وهيرون، وطوَّروا نظرياتهما وأفكارهما في علم الميكانيكا.
وبينما كان اليونانيون يعتمدون كليًا على الأفكار الفلسفية المجردة والاستنباط العقلي، نجد أن العلماء العرب والمسلمين اعتمدوا على التجربة والاستقراء، وتبنوا الطريقة العلمية في البحث والاستقصاء، وطوروا ما ورثوه عن اليونانيين معتمدين على التجربة العلمية التطبيقية، وقد أكسبت هذه الطريقة أعمالهم العلمية الوضوح، ثم الانطلاق والإبداع الذي عرفت به منجزاتهم في مجال الطبيعة والكيمياء والطب والصيدلة وخلافها
(5).




القرآن الكريم وقوانين الفيزياء



كالعادة فإن القرآن الكريم كان مصدرا مهمًّا عند علماء المسلمين في استلهام روح الفيزياء وقوانينها، تلك التي كانت مبثوثة بين طياته، وما زال إلى الآن البحث جاريا فيها، وكان مما جاء في القرآن الكريم فيما يتعلق بمعجزات الفيزياء ما يلي:
- إخباره عزَّ وجلَّ أن الكون كان منضماً متماسكاً ثم بدأ يتمدد في الفضاء،

قال تعالى: [أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا]
{الأنبياء: 30}

، فالكون بناءً على تفسير هذه الآيات كان منضما، و متماسكاً ثم بدأ يتمدد في الفضاء، وهذه هي النظرية العلمية الحديثة عن الكون، فقد توصل العلماء خلال أبحاثهم ومشاهداتهم لمظهر الكون إلى أن (المادة) كانت جامدة وساكنة في أول الأمر، وكانت في صورة غاز ساخن كثيف متماسك، وقد حدث انفجار شديد في هذه المادة قبل5000000000000 سنة على الأقل؛ فبدأت المادة تتمدد وتتباعد أطرافها، ونتيجة لهذا أصبح تحرك المادة أمراً حتمياً لابُدَّ من استمراره طبقاً لقوانين الطبيعة (الفيزياء) التي تقول: إن قوة الجاذبية في هذه الأجزاء من المادة تقل تدريجياً بسبب تباعدها، ومن ثم تتسع المسافة بينها بصورة ملحوظة.



- إخباره عز و جل أن كلا من الليل والنهار يطلب الآخر طلباً سريعا،

قال تعالى: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} (الأعراف: 54)


أي أن كلا من الليل والنهار يطلب الآخر طلباً سريعاً، أي يعقبه دون فاصل، وتحوي هذه الآية إشارة رائعة إلى دوران الأرض محورياً، و هو الدوران الذي يُعتبر سبب مجيء الليل والنهار طبقاً لمعلوماتنا الحديثة، كذلك

قال الله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} (الزمر: 5)

وقال أيضاً: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ} (الحديد: 6)

وقال عز وجل أيضاً: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (الأنبياء: 33).



قال رجل الفضاء الروسي "جاجارين" بعد دورانه في الفضاء حول الأرض: إنه شاهد تعاقباً سريعاً للظلام والنور على سطح الأرض بسبب دوانها المحوري حول الشمس.


- إخباره عز وجل أنه رفع السموات بعمد غير مرئية "الجاذبية"، قال تعالى: {للَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} (الرعد: 2)

وهذه الآية مطابقة لما كان يراه الرجل القديم، فإنه كان يشاهد عالماً قائماً بذاته في الفضاء مكوناً من الشمس والقمر والنجوم، ولكنه لم ير لها أية ساريات أو أعمدة، والرجل الحديث يجد في هذه الآية تفسيراً لمشاهداته التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون عمد في الفضاء اللانهائي، بيد أن هنالك "عمد غير مرئي" تتمثل في قانون الجاذبية، وهي التي تساعد كل هذه الأجرام على البقاء في أماكنها المحددة.

قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: "وقوله: (بغير عمد ترونها)

روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: "لها عمد ولكن لا تُرَى"، فانظر إلى اتفاق ذلك التفسير مع الكشوف العلمية الحديثة.



- إخباره عز وجل أن الضغط الجوي يَقِلُّ بالارتفاع عن سطح الأرض،

قال تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} (الأنعام: 125)

والذي نعلمه اليوم أن غاز الأكسجين الضروري للتنفس والهواء الجوي عموماً يقل كلما ارتفعنا عن سطح الأرض؛ لذلك يشعر الإنسان بالضيق كلما ازداد ارتفاعاً حتى يصل إلى درجة الاختناق، في هذه الآية دلالة من دلائل النبوة، وشهادة بأن القرآن من عند رب السموات والأرض؛ لأن هذا العلم لم يعرفه عالم أو جاهل من ولد آدم في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يُعرَف إلا بعد صعود الإنسان في طبقات الجو العليا في العصر الحديث، وصدق الله تعالى إذ يقول: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} (الفرقان: 6).

- إخباره عزوجل أن الرياح لواقح، قال تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ} (الحجر: 22).



وبالأمس كان الإنسان القديم يرى السحب تتكاثر ثم تمطر السماء، أما اليوم فمن المعلوم أن تكثف بخار الماء على شكل قطرات مطر لا يحدث حتى ولو بلغت نسبة الرطوبة في الكتلة الهوائية 400% بدون توفر ذرات ملحية أو ثلجية بالغة الصغر، وأن الرياح هي التي تقوم بنقل هذه الذرات حتى إذا التقت بكتلة هوائية رطبة بدأ التكاثف ثم يهطل المطر، كذلك تقوم الرياح ببناء السحابة الرعدية حيث تنقل الهواء الدافيء الشديد الرطوبة من الطبقة الملامسة لسطح الأرض إلى طبقات الجو العليا الشديدة البرودة، فيتكاثف ما به من بخار ماء، وتتطور السحابة الرعدية ثم يهطل المطر بإذنه تعالى، كذلك تقوم الرياح بنقل حبوب اللقاح من الزهور المذكرة إلى الزهور المؤنثه فتحدث الثمرة بإذن الله، وأنى لهذا العلم أن يخطر في عقول الأميين (6).

تطور الفيزياء في الإسلام



كانت إسهامات المسلمين في الفيزياء ذات نسق متطور، ونظرا لنبوغهم في العديد من العلوم المرتبطة بهذا العلم مثل الفلك والهندسة الميكانيكية وغيرهما فإن ابتكاراتهم قد تتداخل فيها هذه العلوم، ففي علم الآلات أو ما كان يطلق عليه علم الحيل كان تقدم المسلمين لافتا، وأبدعوا فيه وطوروا ما ورثوه، فآلة الإسطرلاب التي تُستخدم لقياس مواضع الكواكب وتحديد سيره، ومراقبة أحوال الجو وشؤون الملاحة قد ذكر الخوارزمي نحو خمس وأربعين طريقة لاستعمالها.
كما كان الإسطرلاب الموضوع الرئيسي لأبي إسحق الزرقالي الطليطلي في كتابه (الصفيحة الزيجية)، ودخل إلى أوروبا خلال القرن العاشر وظل معمولا به حتى القرن السابع عشر، وأطلق المسلمون على الإسطرلاب أسماء عديدة كان منها الطوماري والهلالي والقوسي والجنوبي والمسرطق والمبطح وحق القمر.. الخ من الأسماء التي ظلت معمولا بها، وقد كتب في التعريف بها كتب ورسائل عديدة.


وقد عرف المسلمون آلات عديدة من الممكن أن يستعين بها العلماء في معرفة درجات الطول والعرض وحركات النجوم، وكان خير من أسهم في ذلك تقي الدين بن محمد بن زين الدين، ومن هذه الآلات: اللبنة والحلقة الاعتدالية وذات الأوتار وذات الحلق وذات السمت والارتفاع وذات الشعبتين وذات الجيب والربع المسطري وذات الثقبتين..
ثم ظهر لدى المسلمين ما هو أروع وأكثر تقدما في مجال الآلات فصنعوا الربع الحائطي: أو Mural Quadrant وهي آلة للقياس أيضًا، هي أشبة بلوحة كبيرة على حائط مكتوب عليها: تدرج ب 90 درجة، أي ربع ال360 درجة المكونة للدائرة، وأنواع مختلفة من آلات القياس والأرباع، منها الربع السمتي، والربع ذو الثقب الذي اخترعه ابن يونس المصري عام 981م، ثم جاء ابن الشاطر وأثبت أن هناك بعض الآلات الفلكية التي تحتاج لتطوير لتعطي نتائج أكثر، ففعل وأدخل عليها تجديدات مبهرة، ثم توصل البيروني إلى استخدام الربع الحائطي بقطر، هذا فضلا عن مسدسات ومثمنات السطوح.


ثم برع المسلمون بعد ذلك في صناعة المزاول التي كانت الوسيلة الوحيدة لمعرفة الوقت، وأروع ما قدم المسلمون للعالم في هذا المضمار مجهوداتهم الرائعة على يد مهندسهم الفذ أبو الحسن علي، الذي وضع رسالة مفصلة غير مسبوقة في مزولة العرب، ونرى في هذه الرسالة لأول مرة خطوط الساعات المتساوية التي لا عهد لليونان بها، ويلوح لنا أن هذا الاختراع مدين لأبي الحسن نفسه، حيث يفصل صنع خطوط الساعات الزمانية المسماة بالقديمة والساعات المتفاضلة، ويحسب الخطوط العدسية ومحاور هذه المنحيات لتعيين عرض المكان، وينتفع في ذلك بالقطوع المخروطية لوصف أقواس البروج وبعد الشمس من خط الاستواء، وارتفاع ميل الساعة الشمسية.



ومن هذا نرى أن المسلمين هم أول من اخترع الساعات الشمسية التي كانت أداة فعالة في تحديد الوقت ووضع التقاويم الفلكية، ولم يقتصر المسلمون فى وضع هذه الساعات على اللون الشمسي كلا فقد كان هناك اللون المائي والزئبقي والشمعي والثقلي، وابتكروا أيضا الساعات الشمسية الدقاقة أي ذات الرقاص الدقاق.


ثم كان تفوق المسلمين المميز على يد صاحب العقلية الخارقة - على حد وصف المستشرق ساخو - وهو البيروني، الذي نقل الحضارة الإسلامية في علمي الفيزياء والجيولوجيا نقلة مؤثرة لا ولن ينساها التاريخ.



في بادئ الأمر كان تفوق المسلمين في هذا المضمار ملحوظا لا ينكر، وكانوا من الدقة في تقدير بعض الأجسام تقديرا يطابق ما عليه بعض الدراسات المعاصرة أو يقترب منها كثيرا، وقد وضعوا جداول دقيقة لبعض المعادن والأحجار الكريمة.



وكان المفتتح الممهد على يد أبي سهل الكوهي الذي عدل وصحح كثيرًا من مسائل اليونان الفرضية في هذا الإطار، ثم جاء ابن الهيثم في كتابه (ميزان الحكمة) بمقالته "مراكز الأثقال" حيث بحث في علاقة وزن الهواء الجوي بكثافة الهواء نفسه، وشرح نظرية تغير الجسم بتغير الهواء نفسه، وبحث في الأجسام الطافية في السوائل ونسبة ما ينغمس منها، كما بحث في المقالة عينها سقوط الأجسام وانجذابها نحو الأرض، وتحديد قوة انحدارها وتغيرها تبعا لازدياد البعد عن الأرض.


ويقول في رسالة بعث بها لأبي إسحق الصابي: "أما مراكز الأثقال فيبقى منها شيء يسير حتى تتم ست مقالات متوالية".


وقفَّى على أثره البيروني، حيث بهر عالم الأوزان النوعية بتجديداته التي لا تقل دقة عن الأوزان الحديثة، يقول جاك ويسلر: لقد قاس البيروني الأوزان النوعية وذلك باستخدام مقياس كثافة من اختراعه الخاص أسماه (الميزان الطبيعي)، ووضع على هذا المنوال المبدأ الذي يثبت أن الوزن النوعي لشيء ما يتناسب مع حجم الماء الذي يزيحه.
وهو الذي أثبت أيضا فى ميدان أكثر اتساعا للعمل حركة مياه الآبار الإرتوازية عن طريق مبدأ الأواني المستطرقة، ولا شك أن البيروني يُعَدُّ من السابقين فى ميدان تحديد الثقل النوعي لكثير من المعادن والأحجار تحديدًا لا يكاد يختلف كثيرًا - من حيث الدقة - من التحديدات الحديثة لنفس المواد التي أتى عليها، وقد عرف البيروني الوزن النوعي لثمانية عشر حجرا من الأحجار الكريمة والمعادن نذكر منها: الذهب والزئبق والنحاس والحديد والصفيح والرصاص والياقوت الأزرق..



ثم كانت إسهاماتالخازني أبو الفتح عبد الرحمن من خلال كتابه ميزان الحكمة، وقد سبق فيه تورشللي إلى بحث وزن الهواء وكثافته والضغط الذي يحدثه،

بل أشار إلى أن للهواء وزنا وقوة رافعة كالسوائل، وأن وزن الجسم المغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وأن مقدار ما ينقصه من الوزن يتبع كثافة الهواء، وبحث الخازني للكثافة جعله يتطرق إلى كيفية إيجادها للأجسام الصلبة والسائلة، واخترع ميزانا لوزن الأجسام في الهواء وفي الماء، وكان لهذا الميزان كفات تتحرك إحداها على ذراع مدرج.


وأتى بعد ذلك ثابت بن قرة، وتحدث عن الجاذبية فقال: "زيد المدرة تعود إلى أسفل، لأن بينها وبين كلية الأرض مشابهة في كل الأعراض، أعني البرودة والكثافة، والشئ ينجذب إلى أعظم منه"، وقد شرح محمد بن عمر الرازي هذه العبارة في أواخر القرن السادس للهجرة فقال: "إننا إذا رمينا المدرة إلى فوق فإنها ترجع إلى أسفل، فعلمنا أن فيها قوة تقتضي الحصول في السفل، حتى إنا لما رميناها إلى فوق أعادتها تلك القوة إلى أسفل.." وهذه التصريحات تشير إلى أن المسلمين أمعنوا العمل في مسألة الجاذبية فاستنتجوا من خلال قراءاتهم وتجاربهم نتائج مهمة، جعلت لهم السبق في هذه المسألة، وقد كان لدى المسلمين عدد غير قليل في آلات الروافع، من هذه الآلات المحيط، والمخل، والبيرم، والأسفين، واللولب والإسقاطولي.


ومما يشير إلى تعمق المسلمين والعرب في هذا الشأن تحليلهم لمبدأ الكون والحركة ويتضح ذلك من قول إخوان الصفا: "ومن عجائب خاصية النسبة ما يظهر في الأبعاد والأثقال من المنافع، ومن ذلك يظهر في القرسطون، أعني القبان، وذلك أن أحد رأسي عمود القرسطون طويل بعيد من المعلاق، والآخر قصير قريب منه، فإذا عُلِّق على رأسه الطويل ثِقلٌ قليل، وعلى رأسه القصير ثقل كثير تساوياً وتوازياً كانت نسبة الثقل القليل إلى الكثير كنسبة بعد رأس القصير إلى بعد رأس الطويل من المعلاق". وبعد، فإن هذا كله يجرنا إلى الحديث عن إنجازات المسلمين في مجال الفيزياء،


أهم إنجازات المسلمين في الفيزياء


إذا كانت العلوم الطبيعية عند العلماء المسلمين في بدئها قد قامت على مؤلفات اليونان، تلك التي استندوا فيها على الفلسفة المجردة في محاولاتهم فهم الطبيعة، ودون أن يكون للتجربة دور يذكر في تلك المحاولات، فإن العلماء المسلمين ما لبثوا أن طوروا هذا الأساس وجعلوا علم الفيزياء علما يستند إلى التجربة والاستقراء، عوضا عن الاعتماد على الفلسفة أو التأملات والأفكار المجردة.



(1) فقد اهتم العلماء المسلمون بعلم الصوت وبحثوا في منشئه وكيفية انتقاله، فكانوا أول من عرف أن الأصوات تنشأ عن حركة الأجسام المحدثة لها وانتقالها في الهواء على هيئة موجات تنتشر على شكل كروي، وهم أول من قسم الأصوات إلى أنواع، وعللوا سبب اختلافها عن الحيوانات باختلاف طول أعناقها وسعة حلاقيمها وتركيب حناجرها. وكانوا أول من علل الصدى وقالوا إنه يحدث عن انعكاس الهواء المتموج من مصادقة عالٍ كجبل أو حائط، ويمكن أن لا يقع الحس بالانعكاس لقرب المساحة فلا يحس بتفاوت زماني الصوت وانعكاسه (7).



(2) وفي علم السوائل فقد ألّّف العلماء المسلمون فصولاً متخصصة وأحيانًا متناثرة
وكيفية حساب الوزن النوعي لها؛ إذ ابتدعوا طرقًا عديدة لاستخراجه، وتوصلوا إلى معرفة كثافة بعض العناصر، وكان حسابهم دقيقًا مطابقًا - أحيانًا - لما هو عليه الآن أو مختلفاً عنه بفارق يسير، وكانت بحوثهم في الجاذبية مبتكرة، وتوصل بعضهم مثل البوزجاني إلى أن هناك شيئًا من الخلل في حركة القمر يعود إلى الجاذبية وخواص الجذب، وقد كانت هذه الدراسات على بساطتها ممهدة لمن أتى بعدهم ليكتشف قانون الجاذبية ويضع أبحاثها في إطار أكثر علمية.



(3) كما بحثوا في الضغط الجوي؛ ويبدو ذلك فيما قام به الخازن في ميزان الحكمة،
كما أن للمسلمين بحوثًا شيقة في الروافع، وقد تقدموا في هذا الشأن كثيرًا، وكانت لديهم آلات كثيرة للرفع كلها مبنية على قواعد ميكانيكية تيسر عملية جر الأثقال، كما استخدموا موازين دقيقة جداً، وكان الخطأ في الوزن لا يعدو أربعة أجزاء من ألف جزء من الجرام، وكتبوا في الأنابيب الشّعريَّة ومبادئها، وتعليل ارتفاع الموائع وانخفاضها مما قادهم إلى البحث في التوتر السطحي وأسبابه، وهم الذين اخترعوا كثيرًا من الأدوات الدقيقة لحساب الزمن والاتجاه والكثافة والثقل النوعي.


(4) كما بحث المسلمون في كيفية حدوث قوس قزح وسرعة الضوء والصوت، وعرفوا أيضًا المغناطيس واستفادوا منه في إبحارهم، ومن المحتمل أن بعض العلماء قد أجرى التجارب البدائية في المغناطيسية.



وبالجملة كانت المعلومات عن الميكانيكا والبصريات والضوء والصوت وخلافها من مباحث علم الطبيعة، مبعثرة لا رابط بينها، وكانت تُبحث قبلهم من منظور يستند إلى المنهج العقلي والبحث الفلسفي، وكان المغلوط فيها أكثر من الصواب؛ فاستنتج العلماء المسلمون نظريات جديدة وبحوثًا مبتكرة لبعض المسائل الفيزيائية التي طرحها اليونان من جانب نظري بحت، فتوصلوا من خلال بحثهم إلى بعض القوانين المائية، وكانت لهم آراء في الجاذبية الأرضية، والمرايا المحرقة وخواص المرايا المقعّرة، والثقل النوعي، وانكسار الضوء وانعكاسه وعلم الروافع (8).



يقول كاجوري في كتابه "تاريخ الفيزياء

إن علماء العرب والمسلمين هم أول من بدأ ودافع بكل جدارة عن المنهج التجريبي، فهذا المنهج يعد مفخرة من مفاخرهم، فهم أول من أدرك فائدته وأهميته للعلوم الطبيعية.." (9).


وتبقى ملاحظة...


جرى العرف على نسبة قوانين الحركة إلى العالم الإنجليزي الشهير إسحاق نيوتن

(1642-1727م) التي نشرها في كتابه المسمى "الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية"، وحقيقة الأمر أن الفضل يرجع بلا شك إلى نيوتن في تجميع هذه القوانين، ووضع القانون الثاني منها بالتحديد في قالب رياضي؛ إذ أن علماء العرب وقفوا فعلاً على القانونين الأول والثالث، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من القانون الثاني للحركة، وجهد علماء العرب واضح في هذا المجال تدعمه النصوص الموثقة وعلى سبيل المثال ما يلي:

القانون الأول للحركة:
يقول الشيخ الرئيس ابن سينا (371 - 428هـ) في كتابه الإشارات والتنبيهات: "إنك لتعلم أن الجسم إذا خُلِّي وطباعه، ولم يعرض له من خارج تأثير غريب، لم يكن له بُدٌّ من موضع معين وشكل معين، فإذن في طباعه مبدأ استيجاب ذلك - كما يقول - وليست المعاوقة للجسم بما هو جسم، بل بمعنى فيه يطلب البقاء على حاله".
والواضح لنا أن تعبير ابن سينا للقانون الأول للحركة يمتاز عن تعبير إسحاق نيوتن القائل: "إن الجسم يبقى في حالة سكون أو في حالة منتظمة في خط مستقيم ما لم تُجبره قوى خارجية على تغيير هذه الحالة".
القانون الثاني للحركة:
تأمل ما يقوله هبة الله بن ملكا البغدادي (480 - 560هـ) في كتابه المعتبر في الحكمة: "وكل حركة ففي زمان لا محالة، فالقوة الأشدّية تُحرّك أسرع وفي زمن أقصر.. فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة فقصر الزمان، فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه السرعة، وفي ذلك تصير الحركة في غير زمان أشد؛ لأن سلب الزمان في السرعة نهاية ما للشدة".
فانظر، لم يقل ابن ملكا سلب الزمان في قطع المسافة، وإنما قال سلب الزمان في السرعة، وهذا معنى التسارع، أما إسحاق نيوتن فيقول: "إن القوة اللازمة للحركة تتناسب تناسبا طرديا مع كل من كتلة الجسم وتسارعه، وبالتالي فإنها تُقاس كحاصل ضرب الكتلة × التسارع، بحيث يكون التسارع في نفس اتجاه القوة وعلى خط ميلها".


فحقا إن الرؤية واضحة عند نيوتن عندما وَضَعه؛ لذا يمكن القول: إن القانون الثاني للحركة اشترك في اكتشافه كلٌ من هبة الله البغدادي وإسحاق نيوتن.
القانون الثالث للحركة:
يقول أبو البركات هبة الله بن ملكا في كتابه المعتبر في الحكمة: إن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب أحدهما فجذبها نحوه يكون قد خلت من قوة جذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب.


كما يرد نفس المعنى في كتابات الإمام فخر الدين الرازي في كتابه "المباحث المشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات" حيث يقول: الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى وقفت في الوسط، لا شك أن كل واحد منهما فعل فيها فعلاً معوقا بفعل الآخر.
أما إسحاق نيوتن فقد عبّر عن ذلك بقوله: "لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه..".
ومن هنا فإننا نهيب بمجتمع العلماء أن يعيدوا النظر في نسبة بعض القوانين، وأن يسعوا جادين مقتنعين بأحقية بعض علماء العرب والمسلمين في نسبة بعض الإنجازات في علم الحركة إليهم، فينسبون قوانين التصادم للحسن بن الهيثم، والقانون الأول للحركة لابن سينا، والقانون الثالث للحركة لابن ملكا البغدادي، ولا غرو، فهم السابقون حقاً إليها
(10).

وهكذا تعددت إنجازات المسلمين في الفيزياء على مدار العصور وتميزت أبحاثهم، ولا بد لنا الآن من وقفة تنوه ببعضهم وبعض فضلهم إن عزّ كله.

يتبع

Eng.Jordan
02-05-2013, 02:19 PM
أشهر رواد الفيزياء المسلمين وأهم إسهاماتهم



يعد القرن الرابع الهجري العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية من حيث التقدم العلمي، فقد تَوَّج العلماء المسلمون العلوم التطبيقية والبحث خلاله بالاكتشافات الرائعة، خاصة بما اهتدوا إليه في الأصوات، وقوس قزح والكسوف والخسوف والظلال، بالإضافة إلى مخترعاتهم في علم الحيل.



وقد كان على رأس قائمة العلماء الذين اشتغلوا بالفيزياء: ابن الهيثم (انظر إنجازاته في مبحث البصريات) وأبناء موسى بن شاكر والخازن والبيروني وغيرهم ممن يصعب حصرهم، وقد أسهم هؤلاء جميعًا في تطور علم الفيزياء بفروعه المختلفة بنسب متفاوتة، ولم يكن هناك من يفوقهم في أي أمة عاصرتهم، وهذه نبذة سريعة تنوه ببعضهم.


الشيخ الرئيس ابن سينا (370-428هـ):
هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، ألف ما يقارب مائتين وخمسين مؤلفاً بين كتاب ورسالة ومقالة في كل من الرياضيات والمنطق والأخلاق والطبيعيات والطب والفلسفة، وأهم إنجازات ابن سينا في الطبيعيات هو في مجال الميكانيكا، حيث بين ابن سينا أنواع القوى وعناصر الحركة ومقاومة الوسط المنفوذ فيه، تلك المقاومة التي تعمل على إفناء الحركة.



أنواع القوى المؤثرة على الجسم:
يقسم ابن سينا القوى إلى ثلاثة أنواع، فبين أن هناك قوى طبيعية تعيد الأجسام إلى حالتها الطبيعية إن هي أُبعدَتْ عنها سماها بالقوى الطبيعية، وهي التي نعرفها اليوم بقوة التثاقل أو الجاذبية الأرضية، والقوة الثانية وهي القوة القسرية التي تجبر الجسم على التحرك أو السكون، والقوة الثالثة هي القوة الكامنة في الفلك العلوي، وهي تحرك الجسم بإرادة متجهة حسب قوله.
عناصر الحركة:
يعرض ابن سينا في كتابه (الشفاء) إلى أمور ستة تتعلق بالحركة هي: المتحرك والمحرك وما فيه وما منه وما إليه والزمان.
القانون الأول للحركة:
ذكر ابن سينا في كتابه الإشارات والتنبيهات بلفظه: "إنك تعلم أن الجسم إذا خلى وطباعه، ولم يتعرض له من خارج تأثير غريب لم يكن له بد من موضع معين وشكل معين، إذن في طباعة مبدأ استيجاب ذلك"، كما يقول في حركة الجسم المقذوف: "إذا حققنا القول وجدنا أصح المذاهب مذهب من يرى أن المتحرك يستفيد ميلاً من المحرك، والميل هو ما يحس بالحس إذا ما حُووِل أن يسكن الطبيعي بالقسر، أو القسري بالقسر" أي أن الجسم في حالة تحركه يكون له ميل للاستمرار في حركته، بحيث إذا حاولنا إيقافه أحسسنا بمدافعة يبديها الجسم للبقاء على حالة من الحركة سواء كانت هذه الحركة طبيعية أو قسرية.


تؤكد هذه النصوص سبق ابن سينا إلى القانون الأول للحركة قبل ليوناردو دافينشي بأكثر من أربعة قرون، وقبل جاليليو جاليلي بأكثر من خمسة قرون، وقبل إسحق نيوتن بأكثر من ستة قرون، فهو بحق قانون ابن سينا الأول للحركة.



استحالة الحركة الدائمة (الاحتكاك):


فطن الشيخ الرئيس إلى أن معاوقة الوسط الذي يتحرك خلاله الجسم تؤدي إلى إبطال الحركة فيه، ثم ذهب إلى القول باستحالة الحركة الدائمة فقال في كتابه (الإشارات والتنبيهات) ما نصه: "لا يجوز أن يكون في جسم من الأجسام قوة طبيعية تحرك ذلك الجسم إلى بلا نهاية"، وهو يسبق بذلك ليوناردو دافينشي الذي ذهب إلى هذا المذهب في عصر النهضة الأوروبية (11).


البيروني:
كان البيروني (362 - 441هـ) ثالث ثلاثة - بعد ابن سينا وابن الهيثم - ازدهرت بهم الحضارة العربية الإسلامية في الفترة من منتصف القرن الرابع الهجري إلى منتصف القرن الخامس الهجري، ويذهب بعض مؤرخي العلوم مثل الألماني إدوارد سخاو (ت 1348هـ،1930م) إلى أن البيروني أعظم عقلية عرفها التاريخ.



يكاد يكون البيروني قد ألَّف في كل فروع المعرفة التي عهدها عصره؛ فقد كتب في الرياضيات والفلك والتنجيم والحكمة والأديان والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والأحياء والصيدلة، أما في مجال الطبيعيات فقد اهتم بالخواص الفيزيائية لكثير من المواد، وتناولت أبحاثه علم ميكانيكا الموانع والهيدروستاتيكا، ولجأ في بحوثه إلى التجربة وجعلها محورًا لاستنتاجاته، كما انضم مع ابن سينا إلى الذين شاركوا ابن الهيثم في رأيه القائل بأن الضوء يأتي من الجسم المرئي إلى العين.


ومن جملة اهتماماته بالخواص الفيزيائية للمواد التي وردت في كتب متفرقة ك(القانون المسعودي)، و(الجماهر في الجواهر) وصفُهُ للماس بأنه جوهر مُشِفّ، وأنه صلد يكسر جميع الأحجار ولا ينكسر بها، وهذه صفة فيزيائية مميزة للماس حيث يستخدم حتى الآن لقطع الزجاج، ويستخدم مسحوقه لصقل المعادن وتنعيمها، أما خشب الأبنوس عنده فإنه يضيء كاللؤلؤ، تفوح منه رائحة طيبة ولا يطفو على الماء لأن ثقله النوعي أكثر من واحد، كما يشير إلى أن كل الأحجار الكريمة تطفو في الزئبق ما خلا الذهب فإنه يرسب فيه بفضل الثقل.


ومن أبرز ما قام به البيروني أنه توصل إلى تحديد الثقل النوعي لـ 18 عنصرًا مركبًا بعضها من الأحجار الكريمة مستخدمًا الجهاز المخروطي، وقد استخرج قيم الثقل النوعي لهذه العناصر منسوبة إلى الذهب مرة وإلى الماء مرة أخرى، وله جداول حدد فيها قيم الثقل النوعي لبعض الأحجار الكريمة منسوبة إلى الياقوت على أساس الوزن النوعي للياقوت = 100 ثم إلى الماء.



وفي ظاهرة الجاذبية كان البيروني مع ابن الحائك، من الرواد الذين قالوا بأن للأرض خاصية جذب الأجسام نحو مركزها، وقد تناول ذلك في آراء بثها في كتب مختلفة، ولكن أشهر آرائه في ذلك ضمنها كتابه القانون المسعودي.



ومن المسائل الفيزيائية التي تناولها البيروني في كتاباته ظاهرة تأثير الحرارة في المعادن، وضغط السوائل وتوازنها، وتفسير بعض الظواهر المتعلقة بسريان الموائع، وظاهرة المد والجزر وسريان الضوء، فقد لاحظ أن المعادن تتمدَّد عند تسخينها، وتنكمش إذا تعرضت للبرودة.


وأولى ملاحظاته في هذا الشأن كانت في تأثير تباين درجة الحرارة في دقة أجهزة الرصد، حيث تطرأ عليها تغيرات في الطول والقصر في قيظ النهار وصقيع آخر الليل، وتعرض في كتابه (الآثار الباقية عن القرون الخالية) لميكانيكا الموائع؛ فشرح الظواهر التي تقوم على ضغط السوائل واتزانها وتوازنها، وأوضح صعود مياه النافورات والعيون إلى أعلى مستندًا إلى خاصية سلوك السوائل في الأواني المستطرقة.


كما شرح تجمع مياه الآبار بالرشح من الجوانب حيث يكون مصدرها من المياه القريبة منها، وتكون سطوح ما يجتمع منها موازية لتلك المياه، وبيَّن كيف تفور العيون وكيف يمكن أن تصعد مياهها إلى القلاع ورؤوس المنارات. وتحدث عن ظاهرة المد والجزر في البحار والأنهار وعزاهما إلى التغير الدوري لوجه القمر (12).



الخازني:


يعد الخازني (ت550هـ/ 1155م) أبرز الذين وضعوا مؤلفًا في الموازين وعلم الميكانيكا والهيدروستاتيكا، ويعد كتابه "ميزان الحكمة" موسوعة تشمل هذين العلمين، بما في ذلك الأثقال والأوزان النوعية لكثير من المعادن، واخترع الخازن آلة لمعرفة الوزن النوعي للسوائل ووصل في تجاربه إلى درجة عظيمة من الدقة، واستخدم ميزان الهواء للحصول على الثقل النوعي للسوائل بكل نجاح وتوصل في ذلك أيضًا إلى نتائج باهرة إذا ما قورنت بالتقديرات الحديثة.



كتب الخازن أبحاثًا أصيلة في المرايا وأنواعها وحرارتها، والصور الظاهرة فيها، وفي انحراف الأشياء وتجسيمها ظاهريًا، وأجرى تجارب لإيجاد العلاقة بين وزن الهواء وكثافته، وأوضح أن المادة يختلف وزنها في الهواء الكثيف عنه في الهواء الخفيف لاختلاف الضغط، كما بيَّن أن قاعدة أرشميدس لا تسري فقط على السوائل، بل تسري أيضًا على الغازات.


وفي كتابه (ميزان الحكمة)، الذي عثر عليه في منتصف القرن التاسع عشر، استيفاء لبحوث مبتكرة في الفيزياء عامة والهيدروستاتيكا والميكانيكا خاصة، وقد سبق الخازن في هذا الكتاب غيره في الإشارة إلى مادة الهواء ووزنه، وقال: إن للهواء وزنًا وقوة رافعة كالسوائل تمامًا؛ فالهواء كالماء يحدث ضغطًا من أسفل إلى أعلى على أي جسم مغمور فيه، وعلى ذلك فإن وزن أي جسم مغمور في الهواء ينقص عن وزنه الحقيقي، وأن مقدار ما ينقص من الوزن يتوقف على كثافة الهواء.


ولاشك في أن هذه الدراسات هي التي مهّدت لدراسات تورشلي وباسكال وبويل وغيرهم ومهّدت بذلك لاختراع البارومتر، وتناول في الكتاب نفسه ظاهرة الجاذبية، وقال: إن الأجسام تتجه في سقوطها إلى الأرض، وأن ذلك ناتج عن قوة تجذب هذه الأجسام في اتجاه مركز الأرض، كما تكلم عن الأنابيب الشعرية.


وفي الميزان الجامع يبحث في المقدمات الهندسية والطبيعية لبناء الميزان، ومراكز الأثقال كما وصفها ابن الهيثم وأبو سهل الكوهي، ومقدار غوص السفن، كما يبحث في أسباب اختلاف الوزن، ومعرفة النسب بين الفلزات والجواهر في الحجم، وموازين الماء وفحصها، واستخدام الصنجات الخاصة بالموازين، ووزن الدراهم والدنانير دون صنجات، وميزان الساعات وميزان تسوية الأرض، وقد ترجمت كتابات الخازن إلى اللاتينية ثم الإيطالية في وقت مبكر، واستعانت بها أوروبا في العصور الوسطى وبدايات العصر الحديث.
ابن ملكا:

اشتهر أبو البركات هبة الله بن ملكا البغدادي المعروف بأوحد الزمان (ت560هـ/1165م) بأعماله الطبيّة إلى جانب إسهاماته في مجال علم الحركة (الديناميكا)، وقد تناول ابن ملكا القانون الثالث من قوانين الحركة الذي ينص على أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه في كتابه (المعتبر في الحكمة)؛ إذ يصّرح بأن الحلقة المتجاذبة بين المصارعيْن لكل واحد من المتجاذبيْن في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر، وليس إذا غلب أحدهما فجذبها نحوه تكون قد خلت من قوة الجذب الآخر، بل تلك القوة موجودة مقهورة، ولولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب.
وإن هناك نوعا من الإجماع بين مؤرخي العلوم على أن أبا البركات هبة الله بن ملكا البغدادي يُعدّ بحق من عباقرة العالم الذين وضعوا الأسس الهامة، وأضافوا الأفكار المنيرة في علمي الفيزياء والطب(13).


فيزيائيو المسلمين والحضارة الغربية


وبعد، فإن إنجازات المسلمين الفيزيائية لم تكن يسيرة أو بالأمر الهين، فلقد وصل تأثيرها في الحضارة الغربية حدا اعترف فيه الغربيون أنفسهم بأنه ما كان بوسعهم أن يقدموا للعالم حضارتهم لولا هذه الإنجازات، ويكفي في هذا السياق الإشارة إلى قول العالم همبرلد: "لقد ارتقى العرب في علم الفيزياء كثيراً، وذلك لبحثهم العميق في قوى الطبيعة ووقوفهم على الحوادث الفيزيائية عن طريق التجربة والتي كان القدماء قبل العرب يجهلونها".


فقد أثرت أبحاث أبي الريحان البيروني في الثقل النوعي في الحضارة الغربية أيما تأثير، وإنه لينبغي عند تقدير هذه النتائج المدهشة - كما يقول الدكتور جمال مرسي - التي توصل إليها أبو الريحان أن نستحضر في الذهن أن ألفا من السنين تفصل بين زماننا وزمانه، وأن نذكر أن عدته من الأدوات والأجهزة لم تكن لتقارن بما لدى علماء اليوم.. ومع ذلك فقد وصل أبو الريحان إلى نتائج تكاد تكون هي ما وصل إليه المحدثون.



أما الخازني فقد كان مفتاحا علميا بالنسبة لتورشللي في البحث في وزن الهواء وكثافته، والضغط الذي يحدثه، وقد اخترع الخازني ميزانا لوزن الأجسام في الهواء وفي الماء ظلت أوروبا تستعين به حتى القرون الوسطى، وهذا بالإضافة إلى استعانة أوروبا بدقة موازين المسلمين في مجال الوزن النوعي، وثقل الهواء، وآلات الروافع، والجاذبية.


وإن من أكثر التصريحات الغربية في هذا الصدد من حيث التفصيل العلمي في إسهامات المسلمين قول العلامة بلتون: إن العرب كانوا يعرفون ثقل الهواء، ولهم وسائل متقنة وموازين دقيقة لاستخراج الوزن النوعي لأكثر السوائل والجوامد التي تذوب في الماء، ولهم في ذلك جداول على النحو المستعمل الآن.


وقد اعترف فلندرز بتري اعترافا عمليا بدقة الموازين عند المسلمين والتنوع فيها حيث قام بوزن ثلاثة نقود عربية قديمة فوجد أن الفرق بين أوزانها جزء من ثلاثة آلاف جزء من الجرام ثم عقب على ذلك قائلا: إنه لايمكن الوصول إلى هذه الدقة في الوزن إلا باستعمال أدق الموازين الكيمياوية الموضوعة في صناديق من الزجاج حتى لا تؤثر فيها تموجات الهواء وبتكرار الوزن مرارا حتى لا يبقى فرق ظاهر في رجحان أحد الموازين على الآخر، ولذلك فالوصول إلى هذه الدقة لما يفوق التصور ولا يعلم أن أحدا وصل إلى دقة في الوزن مثل هذه الدقة.


وهذا التصريح - خصوصا - يشير إلى مدى اهتمام المسلمين بالحركة والسكون، ومركز الثقل، وجر الأثقال بالقوة اليسيرة، وقد ألفوا في ذلك مؤلفات ذات قيمة استعان بها الفيزيائيون اللاحقون.


وهناك تصريحا آخر لدونلد ر.هيل جاء فيه: "عرف المسلمون جدولة الأوزان النوعية قبل الأوروبيين بكثير وبدأ الاهتمام الشديد بهذا الموضوع في أوروبا إبان القرن السابع عشر الميلادي، وبلغ ذروته في عمل روبت بويل (ت 1691م) الذي عين الوزن النوعي للزئبق - على سبيل المثال - بطريقتين مختلفتين، تعطيان المقدارين 13.76 و 13.357، وكلاهما أقل دقة من القيمة التي سجلها الخازني الذي كانت معظم نتائجه دقيقة تماما"!! (14).