المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عيسى الناعوري في رحلاته شرقًا وغربًا


Eng.Jordan
02-07-2013, 01:34 PM
لا شكّ أنّ الأديب الأردني الراحل عيسى الناعوري (1918-1985) كان أكثر أُدباء جيله في الأردنّ عنايةً بأدب الرّحلات والتأليف فيه، ويبرز اهتمامه بتدوين وقائع أسفاره ووصف مشاهداته ولقاءاته في البلاد التي زارها – على وجه الخصوص - منذ رحلته الإيطاليّة الأولى 1960/1961؛ إذ أخذ ينشط في نشر مقالاته عن هذه الرّحلة، وسواها من رحلاته الكثيرة بعدها، على صفحات المجلات والجرائد المحليّة والعربيّة والمهجريّة التي كان يكتب فيها. وهو وإنْ كان لم يبدأ بنشر رحلاته في كتب إلاّ في وقت متأخر عن ذلك بنحو ثلاثة عشر عامًا – مع صدور كتابه "مذكّرات بلغارية" 1974- ولأسباب تتعلّق بفرص النّشر؛ فهو يعدّ أيضًا رائد بارز من روّاد هذا اللون الأدبيّ. وقد طُبع له في حياته كتابان ودراسة مطوّلة عن رحلاته إلى كلٍّ من: بلغاريا، والأندلس، والمغرب. وظهر كتاب رحلته الأولى إلى إيطاليا بعد نحو ثمانية عشر عامًا من وفاته، وله أربعة كتب مخطوطة جاهزة للطّبع، جمع فيها كل ما كتبه عن ذكريات رحلاته شرقًا وغربًا، أي أنّنا في هذا الجانب من آثار الناعوري أمام ثمانية كتب، تجعله - من ناحية عدديّة - الأوفر رصيدًا بين مؤلّفي الرّحلات الأُردنيين.

وقبل أن ننظر نظرًا إجماليًّا في المضامين والأبعاد التي احتوتها هذه المؤلَّفات الثّمانية، ونقرأ فيها بعضًا من ملامح أثر الرّحلة على شخصيّة النّاعوري، وفي أفق إنتاجه الأدبيّ والإبداعيّ، نُدرِج فيما يأتي تعريفًا وجيزًا بكلٍّ منها، بادئين بالمطبوع منها ثمَّ المخطوط:

1- "مذكَّرات بلغارية: (حديث رحلة إلى بلغاريا في مايو/ أيار 1973)" [ عمّان، دار فيلادلفيا للنّشر، 1974، 112ص ]: يشتمل على يوميّات ورسائل هذه الرحلة التي كانت بدعوة من "جمعيّة الصّداقة والثّقافة البلغارية". وعلى مدى عشر يوميّات متوسّطة الطّول يحدثنا الناعوري عن العاصمة صوفيا ومعالمها الأثريّة والعمرانيّة، ثمَّ يعرّفنا بأهمّ معالم الحركة الثّقافيّة البلغاريّة التي استطلعها خلال لقاءاته مع عددٍ من الكُتَّاب والأُدباء والشعراء البلغار، وخلال زياراته إلى كبريات دور النّشر والصّحافة في صوفيا. وينتقل بنا بعد ذلك إلى مدينة فارنا على شاطيء البحر الأسود، ومنها إلى بلوفديف ثانية مدن بلغاريا وكبرى مراكزها الصّناعيّة. ويحدّثنا الناعوري في أثناء ذلك عن اللغة البلغاريّة وما تحوية في مفرداتها من كلمات عربيّة الأصل، وعن أوجه من التّشابه بين العرب والبلغار؛ فيعقد مقارنة لطيفة بين أساليب الشّعبين في الرّي والزّراعة. وينهي مذكّرات رحلته هذه بخلاصة انطباعاته وملاحظاته عن نواحٍ مختلفة من الحياة والثّقافة والسياحة في بلغاريا.

2- "في ربوع الأندلس 1967و 1974" [ ليبيا وتونس، الدّار العربيّة للكتاب، 1978،159ص ] : يضمّ هذا الكتاب وصف رحلتين إلى إسبانيا والأندلس، كانت الأولى في تشرين الأول/ أكتوبر 1967، والثّانية في تموز/ يوليو 1974. واستغرقت الرّحلتان معًا أكثر من أربعين يومًا طوّف خلالها النّاعوري في أرجاء الأندلس كافة. وكانت رحلته الأولى بدعوة مزدوجة من "المعهد الثّقافيّ الإسبانيّ العربيّ" في مدريد للمشاركة في مؤتمر الدّراسات الإسبانيّة – الإسلاميّة في قرطبة (16-23/10/1967)، ومن وزارة السّياحة والإعلام الإسبانيّة لزيارة ربوع الأندلس، وتنقّل في رحلته هذه بين قرطبة، وغرناطة، وملقة، وإشبيلية، ومدريد، وطليطلة. أمّا الرحلة الثّانية، فقد كانت تتعلّق بمهمّة ابتعثه فيها التلفزيون الأُردنيّ لدراسة الآثار العربيّة والإسلاميّة الأندلسيّة الباقية، وشملت جولاته فيها: مدريد، وجيان، ورندة، وشريش، وقادش، وطريف، وجبل طارق، وملقة، والمرية، ومرسية وما بعدها، ولقنت، ودانية، وبلنسية، وسرقسطة وما حولها. وقد أضاف النّاعوري إلى ما سجّله عن جولاته، دراسة عن آثار الأندلس وما ارتبط بها من وقائع وأخبار تاريخيّة، وعنوانها "بين التاريخ والآثار"، وكذلك المحاضرة التي ألقاها في مؤتمر الدّراسات الإسبانيّة – الإسلاميّة، وهي بعنوان "من عناصر التّفاعل والتّكامل بين الفكر العربيّ والإسبانيّ"، وأربع قصائد ندت له في ظروف مختلفة من الرّحلة (لقاء في غرناطة؛ عناق في الكويفا؛ في جامع قرطبة؛ في قصر الحمراء).

3- الأندلس في المغرب: دراسة ورحلة [ نُشرت في مجلّة مجمع اللغة العربيّة الأردنيّ، عمّان، العدد الأول، المجلّد الأول: صفر 1398هـ/ كانون الثاني/ يناير 1987، ص 89-109] : زار النّاعوري المغرب سنة 1974 "بحثًا عن أثر الفنون الأندلسيّة هناك، من طراز معماري، ومن زخرفة ونقش، ومن غناء وموسيقى ورقص". وقد استغرقت هذه الرحلة (21) يومًا، زار في أثنائها المدن المغربيّة الرئيسيّة: من طنجة غربًا إلى وجدة شرقًا، وإلى مراكش جنوبًا. وزار كذلك الرّباط، ومكناس، وفاس، وتطوان. وفي كلّ هذه المدن والحواضر جالَ بين القصور، والمساجد، والزوايا، والمقابر، والمدارس القديمة، والأسوار، والقصبات. ويقول في هذا الصّدد: إنّ زيارته للمغرب جاءت بعد زيارتين للأندلس، لكنّها كانت ضرورية لكي تكمل دراسته للأندلس، "لأنّ المغرب .. امتداد رائع للأندلس، وتاريخه، وحضارته، وفنونه".

4- "رحلة إلى إيطاليا 1960-1961" [ حرّرها وقدّم لها: تيسير نجّار، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، سلسلة "سندباد الجديد"، 2004، 256ص] : هو كتاب رحلته الأولى إلى إيطاليا – وأطول رحلاته - في بعثة أدبيّة مدّتها ستة أشهر (11/9/1960-19/2/1961)، قدّمتها منظّمة اليونسكو للتعرّف إلى الحياة الثّقافيّة هناك وأعلامها الأحياء من أُدباء ومستشرقين(1) وناشرين. وفي هذه الرّحلة أقام الناعوري في روما مدّة شهر ونصف الشهر، ثمَّ قام بجولةٍ في وسط إيطاليا (بولونيا، والبندقيّة، وميلانو، وتورينو)، ومنه إلى جنوا في الجنوب وشواطىء الريفيرا الإيطاليّة وبيزا وفلورنسا. وبعد ذلك قام بجولة أُخرى شملت جزيرتيّ سردينيا وصقلية، ثمَّ عادَ إلى روما وبقي فيها حتى نهاية مدّة البعثة، التي عرف خلالها الكثيرين من أعلام الأدب الإيطاليّ، مثل: سلفاتورة كوازيمودو، وايوجينيو مونتالي، الفائزان بجائزة نوبل في الآداب؛ والروائي الشهير ألبرتو مورافيا؛ وانياتسو سيلونه؛ وشاعر البندقيّة الكبير دييغو فاليري؛ والشاعر جوزيبي أو- نغاريتي، والروائي الشهير أيضًا فاسكو براتوليني. كما عرف عددًا كبيرًا من المستشرقين في الجامعات ومعاهد الاستشراق الإيطاليّة، إضافة إلى النّاشرين والصحافيين، وزار كبريات المؤسّسات الثقافية ومنها نقابة الأُدباء الإيطاليين. والكتاب يشتمل على (23) فصلاً، أضاف إليها المحرّر هوامش وشروحات ضافية، استقاها من مقالات النّاعوري ومؤلّفاته الأخرى المخطوطة عن الأدب والأُدباء الاستشراق في إيطاليا.

5- "أُدباء ومستشرقون عرفتهم في إيطاليا" [ مخطوط مُعدّ للنّشر منذ عام 1961]: أشار إليه محرّر كتاب "رحلة إلى إيطاليا" تيسير نجار في مقدّمته، وعدّه "امتدادًا لوقائع الرّحلة، لكن من ناحية أدبيّة صرفة"، وقال إنّ الناعوري لم يزد عليه "ما يتفوَّق على وقائع الرّحلة سوى التّوسّع في التعريف بالأدباء [والمستشرقين] الّذين التقاهم في رحلته" (2). وفي كتاب الرحلة الإيطالية الأولى المشار إليه، أدرج المحرّر في هوامشه مقتطفات مطوّلة من هذا المخطوط. ومع ذلك، فإنَّ اجتزاء هذه المقتطفات يجب أن لا يكون بديلاً عن نشره بنصّه الكامل كما وضعه مؤلّفه، لأنّه يمثّل تجربة ثقافيّة مهمّة، وينطوي على معلومات ذات فائدة كبيرة في دراسة الاستشراق الإيطاليّ وأعلامه من وجهة نظر عربيّة.

6- "تونس وليبيا عام 1966: مشاهدات وانطباعات" [ مخطوط ] : وقائع ثلاث رحلات: الأولى رحلة قصيرة إلى تونس بدعوة من كتابة الدولة للشؤون الثّقافيّة (وزارة الثّقافة) للمشاركة في مهرجان الشّابي (شباط/ فبراير 1966)، ضمن وفد أردني تألَّف من المؤلِّف وفائز الغول. والثّانية إلى تونس أيضًا (أيار/ مايو 1966) وبدعوة خاصة للناعوري من الوزارة نفسها لزيارة عدد من الولايات التونسيّة (تونس العاصمة، والقيروان، وصفاقس، وسوسة، ونابل) وإلقاء محاضرات فيها عن الأدب المهجريّ، والحركة الأدبيّة في الأردن. وقد مُدِّد برنامج الرحلة والمحاضرات لزيارة بعض المدن الأُخرى (باجة، بنزرت، قفصة، توزر، قابس). أمّا الرحلة الثالثة (تموز/ يوليو 1966)، فكانت إلى ليبيا بدعوة وزير الإعلام والثّقافة فيها وصديق النّاعوري ورفيق رحلته الأولى إلى إيطاليا الأُستاذ خليفة محمّد التلّيسي، "لإلقاء عدد من المحاضرات (الحركة الأدبيّة في الأردن، والشاعر المهجريّ الياس فرحات، وبين جبران ونعيمة، وسمات ومشابه عربيّة في الأدب الإيطالي)، والتّجوّل في مختلف المناطق، والالتقاء بحملة الأقلام ورجال الفكر الليبيين". وتقع المخطوطة في (54) صفحة فولسكاب مطبوعة على الآلة الكاتبة، ومعها خمس قصاصات لمقالات عن رحلة تونس الأولى ومهرجان الشّابي، كانت نشرتها جريدة "الجهاد" الأُردنيّة في آذار/ مارس 1966. وإضافة إلى أوصاف الرحلات الثّلاث، هنالك دراسة عن الحركة الأدبيّة في تونس، وتعريف بأبرز أُدباء ليبيا والحركة الفكريّة فيها، ودراسة عن شاعر الوحدة الليبيّة: إبراهيم الأسطى عمر.

7- "ذكريات أدبيّة من بعض البلدان العربيّة" [ مخطوط ] : يشتمل على دراسة عن "مجلّة الفكر في مسيرة النّهضة الفكريّة التونسيّة"، ومقالات عن ذكريات من رحلات وزيارات إلى كلٍّ من: تونس، البحرين، المغرب، القاهرة، سورية، والسعودية، وفيه أحاديث عن أُدباء وكُتّاب ومفكّرين عرفهم في هذه البلدان، مثل الشاعر البحريني إبراهيم العريض، والشاعر العراقي هلال ناجي. وفيها أيضًا أحاديث عن مناسبات ومهرجانات ثقافية وأدبيّة حضرها وشارك فيها، مثل تأبين الشاعر المرحوم خير الدين الزركلي في دمشق، ومؤتمر الأُدباء العرب في بلودان. والمخطوط يقع في (47) صفحة فولسكاب مطبوعة على الآلة الكاتبة.

8- "ذكريات أدبيّة من بلدان أُخرى، أو من تايوان إلى كاليفورنيا (من أدب الرّحلات)" [ مخطوط ] : مجموع مقالات وخواطر عن رحلات متعدّدة ما بين عاميّ 1960 و 1982، تشمل الشرق الأقصى (الصين الوطنيّة، وبانكوك: 4 حلقات)؛ وإيطاليا (4 حلقات)؛ وألمانيا والدانمرك (3 حلقات)؛ والاتحاد السوفييتي؛ والمجر؛ وقرطبة؛ وباريس؛ ولندن؛ والولايات المتحدة الأميركيّة (رحلتان، الرحلة الأولى: 3 حلقات). وبواعث هذه الرحلات متعدّدة أيضًا؛ فمنها ما كان لحضور مؤتمرات وندوات ولقاءات أدبيّة وعلميّة، وتلبية دعوات رسميّة للتّعرف على حركات الأدب والالتقاء مع بعض أعلامها، واستطلاع معالم الثقافة والفكر والفنّ والتقدّم والعمران في بعض البلدان، ومنها – أو أقلّها بالأحرى - ما هو بغرض السياحة والنّقاهة والرّاحة ليس إلاّ، لكنْ حتّى هذه لم تخل من أحاديث الشأن الثقافيّ والشأن الاجتماعيّ والإنسانيّ العام، أو كما يقول المؤلِّف في المقدّمة التي وضعها لهذا الكتاب إنّ رحلاته كلّها أتاحت له "حظًّا كبيرًا من المعرفة والثّقافة، ما كان يمكن أن يُتاح من مجرّد القراءة في الكتب، أو السماع من الآخرين". تبلغ عدد صفحات هذا المخطوط، الذي يعطي صورة موسّعة ومعمّقة عن شخصيّة الناعوري الرّحالة، نحو (126) صفحة مطبوعة كباقي مخطوطاته على الآلة الكاتبة ومهيّأة للنّشر.

ويمكننا أن نُضيف إلى آثار الرّحلة عند الناعوري ذلك القسم الخاص بالقصائد المستوحاة من مشاهدات السّفر وحالاته في ديوانه "أخي الإنسان" 1962، وهي ثماني قصائد نظمها في أثناء رحلة البعثة إلى إيطاليا. كما نجد قصائد ومقطوعات شعريّة لهُ في كتب رحلاته الأخرى إلى إيطاليا وبلغاريا والأندلس.

وحينما وضع الناعوري عام 1980 القسم الثّاني من سيرته الذّاتيّة (كتاب "ذكريات حياتي"، مخطوط) بعد أن روى القسم الأوّل منها - حتّى سنّ العشرين- في كتاب اعترافاته "الشريط الأسود" 1973؛ أغفل تفاصيل كثيرة جدًا، لأنها – كما يصرّح هو نفسه - سبق أن وردت في عدد من أعماله: في كتاب الاعترافات هذا، وفي الرّوايات والقصص التي عدّها أجزاء منه، وكذلك في كتب الرحلات، التي يتلمّس المطالع لها ولمذكّراته أنها تحوي مفاصل من سيرة حياته الشّخصيّة والأدبيّة، ومن تكوينه الثّقافيّ.

لقد جاءت رحلات الناعوري وعلاقته بالأمكنة التي رحلَ إليها لتكون مشروع انعطاف وتحوّل في كيانه الأدبيّ، أفضى بدوره إلى مشروع إسهام حيوي في التبادل الثّقافيّ والإنسانيّ بين الشّرق والغرب، والادلاء بدلوٍ في تقريب المفاهيم بينهما، والإفادة من تجربة الآخر ومحاورته والتواصل معه، والبحث عن المشترك بيننا وبينه، على أساس من الرّوح الإنسانيّ في الثّقافة والفكر والتطلُّع إلى مستقبلٍ أفضل.

وتطلعنا رحلاته إلى الأندلس – مثلاً - على أبعادٍ ممّا استقرَّ في يقينه عن أشكال مشاركة الآخر في البناء الحضاريّ ومفاهيمه، والاعتزاز بهذا البناء وإنجازاته وبهذه المفاهيم واستلهامها؛ إذ على الرغم من "نظرة الذّهنيّة العربيّة المسبقة والجاهزة تجاه الأندلس (الفردوس المفقود)"( 3)، وطغيان النّظرة الأُحاديّة - أو "المركزيّة العربيّة" بتعبير النّاقد الأُردنيّ فخري صالح - على كثير من الرّحلات والكتابات العربيّة حولها؛ فإنَّ الناعوري يركِّز على أنَّ (إسبانيا الإسلاميّة) هي العصر الذّهبيّ الذي يباهي به الإسبان اليوم، الرّسميّون منهم والمثقّفون على السواء .."لقد حاربوا الفتح الإسلاميّ العربي في حينه: قاوموه قرونًا، وبكلّ ضراوة: ثمانية قرون كاملة وهم يقاومونه. فلمَّا استقلّوا، لم يعودوا يخجلون من ذلك العهد الذي خضعوا فيه للحكم العربيّ، بل أصبحوا يعتبرونه جزءًا مهمًّا من تراثهم المشترك: حضارته هي حضارة عربيّة – إسبانيّة مشتركة، وآثاره الرّائعة هي آثارهم العربيّة الإسبانيّة المشتركة. وأعلام فلاسفته وأُدبائه وعلمائه وفنَّانيه هي أعلام الفكر والفنّ المشتركين على الأرض الإسبانية" ..إلخ(4).

إنّ الرحلة - بمعنىً من معانيها - هي نوع من الدّرس الاختباريّ بالمشاعر والأحاسيس، وبانعكاس المرئيات والمسموعات والتأثيرات الخارجيّة في النّفس. ذلك قبل أن تكون سببًا أو طريقةً في الدّرس المنهجيّ. وفي الرّحلة أحيانًا كثيرة من المواقف والأحداث والأحاديث، حتّى البسيط منها والعابر، ما هو كفيلٌ بهدم الصّور الجاهزة والمسبقة في الذّهن، وبخضّ انطباعات كانت تغلغلت على نحوٍ ما في الشعور والإدراك وأسلوب النّظر إلى الأشياء والتّعامل معها. لهذا، فإنّ الرّحلة مع ما تأتي به من تغيُّرٍ في الأمكنة والوجوه والألسنة والمناظر والبيئات والعادات وأساليب العيش، لا بدّ أن تفعل فعلها بالتغيير في النّفس والفكر والوجدان، وأهميتها تكمن في قيمة هذا التغيير الذي تُحدِثه، ومدى النّتيجة التي تفرزها في الاتجاه الإيجابيّ.

ورحلات الناعوري لها بصمات عميقة وثابتة في حياته، بل إنه يعدّها من الأحداث المخصوصة بتشكيل أدبه إلى جانب النّكبة الفلسطينية 1948، التي أخرجته وأسرته الصّغيرة – كما يقول في مذكّراته – من بيته في القدس "مشرّدًا ككلّ المشرّدين"؛ فينحفر "الرحيل القسريّ" في نفسه، ويظلّ مصدر إلهامٍ له في إنتاجه الشّعريّ والنّثريّ سنين عديدة(5).

وكما فتحت مأساة فلسطين في نفسه وفي نفوس المثقّفين العرب أسئلةً نازفةً وحائرة عمّا اهترأ في الخفاء وتطاير شرره حارقًا في صدمة النّكبة وتداعياتها؛ جاءت رحلة البعثة إلى إيطاليا 1960 وغيرها من الرّحلات لتفتح وعيه - بما يشبه الصدمات المتتالية أيضًا- على فروقات المقارنة بين نحن واؤلئك، بين الماضي والحاضر، والإحساس "بالتطوّر حيث يوجد التطوّر، والتّخلُّف حيث يوجد التّخلُّف" (6).

وفي الجمع بين التاريخ الماضي والحاضر ومعايشة الفروقات تلك ثقافة كبيرة لا تتكوَّن إلاّ بالأسفار. ويقول الناعوري في هذا الصدد: "لقد شعرت بأنّ كلّ رحلة قمت بها – وكانت أسفاري كلّها ثقافيّة – كانت أفضل من سنة تُقضى في جامعة. فأنت هناك تتعلّم الأشياء نظريًّا، ولكنّك هنا تدرس الجغرافيا والتّاريخ والاجتماع على الواقع، وتستفيد من التجربة العمليّة التي تعيشها"(7).

ويعترف بأنّه قبل سفره إلى إيطاليا في المرّة الأولى كان شعوره بأنّه صار كالبركة الرّاكدة، لأنّ ثقافته كلّها حتى ذلك الوقت كانت تعتمد على ما يقرأه بالعربيّة وحدها. وهو يرى أنّ "الثّقافة العربيّة وحدها لا تكفي لتكوّن أديبًا أو مثقّفًا". وقد انتهى إلى ما انتهى إليه بعد أن فهم في إيطاليا أمورًا كثيرة بشكل غير ما كان يفهمها به، ورأى أمورًا من الأدب والثّقافة هناك على غير ما كان يراها. لقد زودته الرحلة إلى الغرب بثقافة جديدة، متجدّدة، ظلَّ يغترف منها الموضوعات لأدبه ويُغني بها إنتاجه. وعلّمته الرحلة الإفادة من اللغات التي كان يعرفها (الإيطاليّة والإنكليزيّة والإسبانيّة والفرنسيّة)؛ فقرأ بها كثيرًا، وزاد من معرفتها في توسيع أُفقه الأدبيّ( 8) .

في روما الجميلة، تجوّل حيث حياة النّهار وحياة الليل، وزار المعالم الأثريّة والتاريخيّة والسياحيّة، التي كانت دائمًا مصادر وحي للكُتَّاب والشعراء والفنانين والموسيقيين والمغنين؛ وبحث عن آثار العرب في تلك الديار؛ وعرف من أسرار الفن السينمائي بعض الخدع يوم زار مدينة السينما هناك، وخرج منها ليقول: إنّ "السينما ليست سوى كذب فنّيّ لا أول له ولا آخر، ولكنّ عظمتها هي في الفنّ الذي يجعلها أقرب إلى الحقيقة من الحقيقة نفسها"(9). واكتشف أنّ الأدلاء السياحيين هم مصدر أوهام يغوون بها السّياح، عندما ادّعت دليلة من هؤلاء بأنّ رماد القديس يوحنا موجود تحت أحد الهياكل في كنيسة جنوا الكبرى، فأجابها الناعوري: "أنا من بلد يوحنا هذا، وأنا مسيحيّ مثلك، وأعرف أنّ القديس يوحنا لم يُحرَق، وإنّما قطع هيرودس رأسه وقدَّمه على طبق إلى الرّاقصة سالومي، ولكن لم يذكر الإنجيل ولا ذكر أحد في التّاريخ أنّ جسد يوحنا قد حُرق ووصل رماده إلى جنوا ليدفن تحت هذا الهيكل"(10). وبالطبع لم يعجب الدليلة هذا الجواب المفاجيء، ولم تستطع تداركه كما تدارك نفسه الكاهن الذي التقاه الناعوري في السّفينة المبحرة إلى باليرمو، عاصمة صقلية، والذي حدثه عن تاريخ صقلية وقفز عن ذكر العرب في هذا الحديث التاريخيّ، وحينما نبههه سامعه العربيّ إلى ذلك، أجاب بأن "العرب كانوا قومًا من الصحراء، لم يتركوا آثارًا حضاريّة، بل دمّروا حضارات من سبقوهم..". ولمّا عرف الكاهن أنّه إنّما يحدِّث عربيًّا من "الشّعب الذي دمَّر الحضارات في صقلية"، راح بعد اضطراب شديد وحرج يعدِّد روائع الآثار الحضاريّة العربيّة هناك! (11).

لكنْ في موقف آخر كان الحرج من نصيب الناعوري نفسه. فعندما قابل ألبرتو مورافيا كان ممّا قاله الناعوري لهذا الرّوائي الشهير: "إن أدبه جنسيّ مكشوف جدًا، والمترجم العربيّ يخجل من ترجمة رواياته كما هي، فيضطر إلى التصرّف بها بعض الشيء، تحرّجًا أمام القرّاء الذين لا يستسيغون الأدب المكشوف إلى هذا الحدّ. فدهش مورافيا، وقال: "ولكنّني لست سوى تلميذ على أدبكم العربي!!". كان يقصد بالطبع حكايات "ألف ليلة وليلة" التي رأى أنّه لم يكتب بعد شيئًا في مثل صراحتها الجنسيّة المفرطة!! .. بل إنّ الناعوري يستشعر – قبل أن تُثار الضجة المعروفة على هذا الكتاب بسنوات طويلة- وبعد هذا الحديث؛ مقدار الحرج في ملاحظة ما وُسمت به الأمّة العربيّة من بذاءات "ألف ليلة وليلة" في نظر الغرب، فأُسيء لها دون أن يحاول العرب أنفسهم أن ينفوا عن أنفسهم هذه الصّورة وهذه التهمة، لا سيما أنّ بعضهم كانوا يعيدون تلك الليالي إلى الأذهان حيّة صارخة بمباذلهم في ملاهي الشرق والغرب وكباريهاتهما!! (12).

لقد أدرك الناعوري أنّ صورتنا هناك مشوهة إلى حدِّ مُخجل، ولاحظ أنّ الشّعب الإيطالي كغيره من شعوب الغرب لا يعرف حقيقة قضايانا. وفي حديث له مع سيّدة إيطاليّة مثقّفة وصاحبة صالون أدبيّ وجائزة أدبيّة، هي ماريّا بيللونشي، التي شرح لها قضيّتنا مع إسرائيل، تحسَّس مدى التقصير العربيّ في مخاطبة الشّعوب الغربيّة حول هذه القضيّة، وخطأ الاعتقاد بأنّ هذه الشّعوب تتعامى وتصمّ آذانها عامدة عن القضايا العربيّة، وأنّها تكرهنا ولا تحسّ معنا. قالت السيّدة بيللونشي بعد أنْ فهمت الحقيقة: "وأنتم الكُتَّاب، أين أقلامكم؟ لماذا لا تكتبون وتشرحون قضاياكم لنا لنفهم الحقيقة ونعينكم في نضالكم؟ لماذا لا نسمع أصواتكم، وبدلاً منها نسمع الأصوات المشوّهة الخاطئة فنظنّ فيها كلّ الصّواب؟" (13).

كان لمثل هذه المواقف والأسئلة الصادمة أثرها البالغ في دفع الناعوري نفسه إلى قبول التحدّي، والاضطلاع بالدّور الذي عليه الاضطلاع به، كمثقّف وأديب عربيّ يعي إشكاليّات الثّقافة العربيّة وأزمات المجتمع العربيّ في هذا العصر. وقد تنبّه - منذ البداية - إلى أنّه كما ينهل من ثقافة الغرب، ويروي ظمأه من آدابها وفنونها، ويخدمها حينًا بالتّرجمة من آثارها وأحيانًا بدراسة أعلامها والتّعريف بهم، فهو مطالب – على الأقلّ ضميريًّا – بخدمة ثقافته القوميّة. كيف؟ يجيب الناعوري على هذا السؤال بقوله: "إنّ حرصي على الأخذ، والأخذ أكثر ما أستطيع في كلّ رحلة، لا يعادله عندي غير حرصي على العطاء، والعطاء قدر ما أستطيع، من التّعريف ببلدي وقومي، وبالحركة الأدبيّة في هذا البلد"(14).

لقد كانت رغبة الآخرين في معرفتنا تفرحه كثيرًا، لأنّها تحقّق له المقدرة على العطاء. وفي ثنائيّة "الأخذ والعطاء"، أي أن يعرف المرء عن الآخرين مثلما يريد أن يعرفوا هم عنه، يقوم الأساس الصّحيح – في نظره – للتّبادل الثّقافي والإنسانيّ بين الشّعوب. وهذه النّظرة ترتقي إلى مستوى العقيدة في رسالة الأدب والثّقافة كما فهمها، "فلا السياسة، ولا الاقتصاد، ولا شيء يمكن أن يحلّ محلّ الثّقافة في القيام بهذا الدّور الإنسانيّ العظيم الأهميّة"(15).

ويتضح هذا المضمون عمليًّا في حقل التّرجمة من العربيّة وإليها، الذي ارتاده الناعوري واضعًا نُصب عينيه أنّه يؤدّي رسالتة في دنيا الثّقافة والأدب وحسب، ويلبّي عبر التّرجمة حاجة إنسانيّة لنقل الأفكار والمعلومات بين اللغات، فتخيَّر من آداب اللغات التي يعرفها وما تحويه من لغات أُخرى مترجمة إليها ما كان بتقديره يخدم أهداف التبادل الثّقافيّ الذي ندب لها نفسه وجهده، وفي الوقت نفسه يخدم أدب أمته ويعظِّم الجوامع الإنسانيّة المشتركة مع الآخر. ويطلعنا نصّ رحلته الإيطاليّة الأولى على أنّه باشر التّرجمة من الأدب الإيطالي خلال تلك الرحلة. ومن بعض – على سبيل المثال لا الحصر - :

ما نقله إلى العربيّة أعمال كُتَّاب التقاهم حينذاك وأصبحوا أصدقاء له، مثل رواية "فونتمارا" للأديب والمناضل انياتسو سيلونه، التي تتحدَّث عن قرية في إيطاليا الجنوبيّة دمّرها جنود الفاشيست، بعد أن جُرِّد أهلها من ممتلكاتهم واستُغلّوا من أسيادهم أبشع استغلال. وفي هذه الرّواية تصوير لجرائم الدكتاتوريّة، ودعوة إلى التضامن والأخوة الإنسانيّة.

وأتاحت له رحلته إلى المجر التعرّف إلى رائعة الأدب المجري "مأساة الإنسان" للشاعر إيمري موداش، التي ترجمها ونُشرت بالعربيّة سنة 1969، وهي ملحمة كبيرة مستوحاة في الأصل من سفر التّكوين، وتعادل في نظر المجريين "الكوميديا الإلهيّة" لدانتي، و"الفردوس المفقود" لملتون، و"فاوست" لغوته(16). ولا نغفل هنا عن ذِكر ترجمته لروايتين من أشهر الروايات الإيطاليّة الحديثة والمعاصرة: الأولى "الفهد" للأمير جوزيبي تومازي دي لامبيدوزا، وقد نُشرت سنة 1973؛ والثانية "الرّجال والرفض" لإيليو فيتّوريني، وهي رواية المقاومة الإيطاليّة؛ ثم دراسته وترجماته المتعدّدة لكبار الأدباء والشعراء الإيطاليين.

وفي مجال البحث والتّحقيق التاريخيّ ترجم عن المستعرب الإيطالي أمبرتو ريتستانو دراسته الموسومة بـ "الباحثون الإيطاليّون وكتابة التاريخ العربيّ"، التي ظهرت في مجلّة مجمع اللغة العربيّة الأردنيّ [ العدد المزدوج 5-6، السنة الثانية، 1979]؛ وكتاب "حقيقة أفران الغاز النّازيّة" 1983 – عن الإيطاليّة أيضًا - لروبير فوربسون.

ولأدب الأطفال والأحداث حصّة في مترجمات الناعوري؛ إذ ترجم عن الإنكليزيّة كتابًا بعنوان "روما" صدر في الطبعات العربيّة من "سلسلة ليدي بيرد" 1978، وقصصًا عن الكاتب الدانمركي الشهير هانس كريستيان أندرسون: "خمس حبّات في غلاف" و"بائعة الكبريت" 1983.

وفي خزانة آثاره المخطوطة، هنالك المزيد من أعمال الترجمة، من بينها: كتاب "شطحات مع الآداب الأجنبيّة"، وهو مجموع دراسات وترجمات يقع في (210) صفحات، ويتناول الأساطير اليونانيّة، والأدب الإيطالي المعاصر، والأدب الرّوماني، والأدب المجري، والأدب البلغاري، والأدب الإسباني، والأدب الروسي، وغيرذلك؛ ومجموعة "قصائد من الصحراء" للشاعر الإيطالي المعاصر بارتولوميو بيرونه؛ و"مُختارات من الشعر البلغاريّ المعاصر"؛ و(12) أقصوصة أردنيّة مترجمة إلى الإيطاليّة، و(20) أقصوصة إيطاليّة مترجمة إلى العربيّة، و(12) أقصوصة غربيّة من آداب أميركا وغواتيمالا وألمانيا والمجر وروسيا وفرنسا وبلغاريا؛ وغيرها من المخطوطات.

ومع نشاطه في الترجمة من اللغات الأجنبيّة، راح يسعى إلى العطاء بالمقابل عبر ترجمات من العربيّة إلى الإنكليزية والإيطالية، مثل ترجماته إلى الإيطاليّة لمختارات من شعر المقاومة الفلسطينيّة(17)، ومن شعر فدوى طوقان (19 قصيدة)(18)؛ ومن شعر سلمى الحفار الكزبري(19). وبالإنكليزيّة "الأدب العربيّ المعاصر في المملكة الأردنيّة الهاشميّة"(20) و"الشعر المُعاصر في الأردن والشاعر الأكبر مصطفى وهبي التل"(21)، وغير ذلك من المترجمات والمحاضرات والدراسات والمقالات التي نشرها بهاتين اللغتين.

ولا ينحصر أثر الرحلة في حياة الناعوري وثقافته الأدبيّة في ثمرات الترجمة، فالأدب الإيطالي فتح له باب الآداب الغربيّة كلّها، فاكتشف نفسه عندئذٍ، ووضع قدمه في دربٍ جديد من تجربته بصورة أكثر ثباتًا وصلابة من السابق، وفي الدرب الجديد أخذ يتلمّس ضمن ما تلمّسه الفارق الكبير بين مفهومه للقصّة والرّواية وارتباطهما بشكل أو آخر بمفهوم الحكاية، ومفاهيم الغربيين الذين ابتدعوا هذا الفنّ الحديث وتعاطوا معه على أساس أنّه عمل فنّي، لا حكايات شعبيّة. ولعلنا نلمس هذا الفارق في درس الأعمال القصصيّة والروائيّة للناعوري قبل الرحلة الإيطالية واتصاله بالآداب الغربية وبعدهما، إلا أن هذا الأمر ليس موضوعنا هنا تخصيصًا، ونكتفي منه بالإشارة إلى مجموعاته القصصيّة التي صدرت منذ عام 1961: "عائد إلى الميدان" 1961؛ "أقاصيص أردنيّة" 1967 و1972؛ و"حكايا جديدة" 1977؛ وكذلك روايته "ليلة في القطار" 1974، التي صوّر فيها التّصادم بين مفاهيم الأخلاق والجنس بين الشّرق والغرب، مستوحيًا أحداثها الخياليّة من أجواء رحلة بالقطار الليليّ بين مدينة مسينا في صقلية، ومدينة نابولي في الجنوب الإيطاليّ(22).

ولو تتبّعنا الأثر الثّقافيّ – على وجه الخصوص – في رحلات الناعوري لوجدنا أنّه ليس فقط في ما انتجه من أعمال أدبيّة، وإنّما ينسحب على طبيعة الرّحلات نفسها، بمعنى أنّ الناعوري مفتون بالتقاط كل شاردة وواردة لها علاقة بالثقافة والفنّ، وهو أكثر افتتانًا وحرصًا على عقد المقارنات بين أوضاع الثّقافة في بلاد قومه وأوضاعها في الغرب:

في ليننغراد مثلاً، التي جاءها ضمن أول وفد أردنيّ يدعى لزيارة الاتحاد السوفييتي – كانون الأول 1965-، أذهله ما سمعه عن إقبال الشعب السوفييتي على القراءة، وما يستهلكه الصحف ومن الكتب العلميّة والأدبيّة التي تطبع بالآف النسخ ومنها ما تصل نسخه إلى المليون، ومضّه أنّ الكُتَّاب والفنانين والعلماء هناك يعيشون حياة الأثرياء بفضل تمويل الدولة لإنتاجهم ورعايته ورعايتهم مادّيًا، فيما لا يبلغه نظرائهم العرب حتّى في أحلامهم، وفيما مطبعة واحدة في ليننغراد كافية لكل الإنتاج العربي من الكتب(23).

والمقارنات في رحلات الناعوري منبعثة من إحساسه المتألم على قومه، وعلى ما أصابهم في حاضرهم وحسّهم الحضاريّ من تراجعٍ وتهلهل وتمزّق بأيديهم، قبل أن يصيبهم كلّ ذلك بأيدي غيرهم. لمس مثل هذه المظاهر وأكثر منها على غير مستوى: حينما كان يفضّل في بعض البلدان العربيّة أنْ يتحدَّث معه العرب بلغة أجنبيّة، لأنّه لم يكن يفهم ما يقولونه بلسانٍ عربيّ. وفي بعض البلدان العربيّة كان يسعى للحديث باللغات الأجنبيّة وكأنّه في بلاد غير عربيّة. ورأى في بلاد الغرب "كيف تسخو الطّبيعة بإضفاء الجمال عليها، فيزيد الإنسان عمّا تعطيه الطّبيعة، ويروح يتبارى معها في خلق الجمال الطّبيعيّ، فإذا البلدان الغربيّة جنائن غنّاء، حيثما أدرت وجهك لا تجد إلا جمالاً وخضرة لا تموت في صيفٍ ولا في شتاء". ورأى في مقابل هذا "بلدانًا عربيّة حبتها الطّبيعة الجمال في أماكن معيّنة منها، فوقف الإنسان عند ما أعطته الطّبيعة من جمال، لم يزد عليه شيئًا، بل مضى في أحيان كثيرة يخرّب ما زينته الطّبيعة"(24).

نعم، إنّ الناعوري وهو يرصد صور الجمال والحضارة والثّقافة والفنّ في البلاد التي زارها، ويستمتع بأجوائها وسحر طبيعتها، لا يغفل عن بلده وبلاد قومه، عينه ترى ما لدى الآخر وما يصنع، وقلبه ينبض حيث أهله ومنبته.

في رحلته البلغاريّة رأى الناس في العاصمة صوفيا "يتمشكحون" – على حدّ تعبيره – في الأصائل والأصباح، في الحدائق وفي الساحات والملاعب والممرّات، بين الأشجار الخضراء الوارفة الظّلال، فودَّ لو احتوى هذه المناظر الجميلة جدًا كلّها في قلبه، وحملها معه إلى بلده .. ليرى مواطنيه يخرجون كما يخرج هؤلاء، "ويلعب أولادهم .. أمام أعينهم آمنين، كما يلعب أطفال صوفيا، وكلّ مدينة غربيّة أُخرى، أمام أعين آبائهم وأُمهاتهم آمنين وادعين، لا يخشون التعرّض لسيارة، ولا لجحشٍ في الشوارع"! (25).

وفي رحلته هذه أيضًا يذكر أطفال بلاده وما هم فيه من وصب مِرارًا، فقد زار إحدى دور النشر البلغاريّة في مدينة بلوفديف، واطَّلع على ما تخرجه هذه الدار من بعض كتب الأطفال بإخراج جذّاب مُعتنى به .. "لكي ينمو [الطّفل] رفيقًا دائمًا للكتاب"، فباغتته الحسرة والمرارة على كتب الأطفال في بلده .. والكلام الذي قاله في هذا الصّدد ينصرف بطبيعة الحال إلى حال هذا النوع من الكتب في الأردنّ أوائل السبعينيّات من القرن الفائت، وهو كلام رجل تربويّ أمضى جلّ سنوات عمره في ميدان التربية والتّعليم، وشاهد ما لدى الغير – من روسيا إلى إسبانيا وفي كلّ بلد عرفه- من عناية واهتمام بأطفالهم وثقافتهم، فأحزنه أن كان في عهد مضى "مؤلِّفون أردنيّون لكتب الأطفال، وكانت هناك كتب للأطفال سيئة الإخراج جدًا لكنّها، رغم ذلك كانت تشجِّع على المطالعة، وكانت وزارة التربيّة والتّعليم تقرِّر هذه الكتب لتقدِّم للأطفال أدبًا خاصًا بهم. ثم أغلقت الوزارة هذا الباب في وجه الطّفل، وفي وجه من يكتبون للأطفال بشكلٍ نهائيّ، وبقي العبوس وحده يلقى الأطفال: في وجوه الكتب المقرّرة، ووجوه المعلّمين، وفي الأنظمة المدرسيّة القاسيّة، وفي ترقُّب العلامات، والامتحانات .. وفي العقوبات البدنيّة والكلاميّة التي تقتل في الطّفل الطّموح والحيويّة"! (26).

إنّه أمام هذه الصّور يقف موقف النّاقد الاجتماعيّ الذي يرنو إلى أن تُعالج مثل هذه النّواقص تجاه الأجيال الطالعة في بلاده، لتكون بحقّ صانعة المستقبل كما يُصنع مستقبل أجيال الآخرين وتُجمَّل "الحياة في عيونهم"، وتُقوّى ملكة الخلق والإبداع فيهم.

لكن كل ذلك لم يضائل في نفسه ولو للحظة واحدة الإيمان بانتمائه والأمل ببلده العربيّ. ففي بانكوك العاصمة التايلاندية الضخمة بسكانها الذين يصل عددهم إلى خمسة ملايين نسمة، سُئل الناعوري يوم زارها في تموز 1982: كم عدد سكان الأردن؟ فقال إنّهم دون الملايين الثّلاثة. ولم يَبعُد سائلوه في تعليقهم أكثر من المقارنة بين عدد سكان الأردن ونصف عدد سكان هذه المدينة الآسيويّة، لكنّ الناعوري كان يرتفع بخواطره إلى أعلى، ويردِّد: "إنّ بلدي صغير جدًا، أيها النّاس، وقليلٌ سكّانه حقًا، ولكنّه في عيني كبيرٌ كبير، أكبر من الدنيا بأسرها، على الرغم من كلّ عيوبه ومساوئه. إنَّ عيوبه لأصغر من عيوب الآخرين، ولذلك يظلّ هو أكبر من كلّ الكبار، رغم فقره، وصُغر مساحته، وضآلة عدد سكانه، ورغم كلّ حسّاده، وكلّ أعدائه، وكلّ المتآمرين عليه والطّامعين فيه"(27).

ومثلما كان صادقًا أمينًا في حسّه الوطنيّ والقوميّ، كان على نفس الدّرجة من الصدق والأمانة في رواية رحلاته، ومع قرائه ومع الآخرين. وعلى الرغم من أنّه عدَّ رحلته إلى الاتحاد السوفييتي ناقصة، لأنّه لم يُتح له التعرُّف أو الاتصال بالأدباء السوفييت في موسكو وليننغراد، وعلى الرغم أيضًا من أنّه لم يكن يحبذ الشيوعيّة ولا يؤيّدها، إلا أنّه تحدَّث عن كلّ ما رأه في بلاد الشيوعيّة دون أدنى انتقاص، أو إساءة، أو غمز من حقيقة ما شاهد وسمع ولمس، بل بإعجاب بما في هاتيك البلاد من نهضة شاملة وصفها بـ "الباذخة الأركان": في الفنون والثّقافة، والعمران والتنسيق العمراني، وفي الصناعة، والاختراعات، والجامعات، والمعاهد العلميّة والفنيّة، والعناية الطبيّة والصحيّة بالعمّال وسائر أبناء الشعب. وخصّ فلسفة رعاية الأطفال والتربية والتّعليم، والاهتمام بالمرأة، وحركة العمل والإنتاج، وانتفاء البطالة والتسوّل؛ بأوصاف تشهد له بالموضوعيّة ونزاهة الكلمة والحرص على التزام صدق الإخبار والأمانة الأدبيّة.

ولا تقلّ رحلاته إلى البلدان العربيّة في قيمتها وأبعادها عن رحلاته إلى الغرب، خاصّة في الأبعاد المتعلقة بالوشائج الثّقافيّة بين مشرق الوطن العربيّ ومغربه، التي أسهم الناعوري في إعادة الحيويّة لها مبكِّرًا (رحلاته إلى تونس وليبيا 1966، ثمَّ المغرب 1974). إلاّ أنّني سأُبقي البحث فيها إلى دراسة أُخرى مكمّلة لهذه الدراسة؛ يكون فيها المجال متّسعًا أكثر للحديث عن مخطوطات رحلاته العربيّة، واكتفي هنا بما أشرت إليه في سياق تعداد مؤلفاته.

إنَّ بين رحلة الناعوري الأولى التي غامر فيها - وهو لا يزال فتىً صغير السنّ- بالخروج من مسقط رأسه: قرية "ناعور" متّجهًا إلى القدس، حيث بَزَغَت بداياته الأدبيّة، ورحلته الأخيرة عائدًا إلى موطنه الأردنّ من تونس وقد فارقته الروح إلى بارئها .. بين هذه الرحلة وتلك رحلة طموح وكفاح ونجاح طويلة، تستحقّ أن تقدَّم لأجيال وطنه الكبير من خلال تكريمه أديبًا عملاقًا أخلص الجهد والكلمة والأثر، وأن يكون في تكريمه وإعادة اكتشافه نشر أعماله كاملةً بتعاون الهيئات والمؤسَّسات الثّقافية في بلده الذي أحبّ، بما في ذلك رحلاته المطبوعة والمخطوطة، التي تنطوي على مفاتيح شخصيته وفكره وإنجازاته الأدبيّة الإبداعيّه وتجربته الثّقافية الغنيّة.



(1) لم يكن الاتصال بالمستشرقين الإيطاليين ضمن برنامج بعثة اليونسكو، لكنَّ الناعوري بادر من نفسه إلى الاتصال بهم والتعرُّف إليهم.

(2) تيسير النّجار: مقدمة "رحلة إلى إيطاليا1960-1961"، ص 13.

(3) التّعبير للكاتب والرّوائيّ العراقيّ د. محسن الرّملي في دراسته "إسبانيا بعيونٍ عربيّة" المنشورة في كتاب "الغرب بعيونٍ عربيّة"، ج2، "كتاب العربي"، ع 60، 15 إبريل 2005، ص 230. وأُشير هنا إلى أنَّ للدكتور صلاح جرار دراسة عن "الأندلس في رحلات الأدباء والكُتَّاب الأردنيين" ألقاها بشكل محاضرة في المركز الثّقافيّ الإسبانيّ بعمّان أوائل عام 1999.

(4) عيسى الناعوري: "في ربوع الأندلس"، تونس وليبيا، الدار العربيّة للكتاب، 1978، المقدّمة: ص 9-10.

(5) عيسى الناعوري: "ذكريات حياتي" (مخطوط)، ص 112.

(6) المصدر نفسه، ص 128.

(7) المصدرنفسه، ص 128.

( 8) يُنظر- المصدر السابق نفسه، ص 73.

(9) عيسى الناعوري: "رحلة إلى إيطاليا 1960-1961"، حرّرها وقدَّم لها: تيسير النّجار"، ص 31.

(10) المصدر نفسه، ص 34.

(11) المصدر السابق نفسه، 135-136.

(12) المصدر نفسه، ص 41-42.

(13) عيسى الناعوري: الفصل الثاني "مشاهداتي في إيطاليا" من كتابه المخطوط "من تايوان إلى كاليفورنيا"، وهذا الفصل أصله محاضرة ألقاها في قاعة مكتبة أمانة العاصمة يوم السبت 29/4/1961 تحت رعاية سفير إيطاليا بعمّان، ونُشرتها منجّمة في أربع مقالات مجلّة "الأرض المقدسة" الأردنيّة، في أعداد حزيران وتموز وأيلول وتشرين الأول 1961. أمّا حديثه مع السيّدة بيللونشي فيذكره في المقالة المنشورة في عدد شهر أيلول من المجلّة المشار إليها، وكذلك في كتابه "رحلة إلى إيطاليا" – سبقت الإشارة إليه – ص 124.

(14) عيسى الناعوري: "مذكّرات بلغاريّة"، عمّان، دار فيلادلفيا، 1974، ص 93.

(15) المصدر نفسه، 93.

(16) تحدَّث الناعوري عن قصة ترجمته لهذه الملحمة في الفصل السادس المعنون بـ "لقاءات أدبيّة في المجر" في كتاب رحلاته المخطوط "من تايوان إلى كاليفورنيا" – سبقت الإشارة إليه -.

(17) (VERSI DI FUOCO E DI SANGUE) dei poeti della Resistenza palestinese، منشورات مكتب الجامعة العربيّة بروما، وأُعيد طبعه أربع مرّات ما بين 1969 و1977.

(18) (FADWA TOQAN; POETESSA DELLA RESISTENZA)، منشورات مكتب الجامعة العربيّة بروما، 1978.

(19) (POESIE DI SALMA AL-HAFFAR AL-KUZBARI). Quaderni Mediterranei – Palermo, 1981

(20) (THE ARABIC CONTEMPORARY LITERATURE IN THE HASHEMITH KINGDOM OF JORDAN). Faculty of Arts. MAlTA University – 1967

(21) (THE CONTEMPORARY IN JORDAN AND THE GREAT POET MUSTAFA WAHBI TELL) Acts of the RAVELLO congress- ISTITUTO ORIENTALE UNIVERSITARIO. Napoli- Italia- 1966



(22) عيسى الناعوري: "تجربتي في العمل الرّوائيّ والقصصي"، مقالة مخطوطة بين أوراقه.

(23) عيسى الناعوري: "رحلتي إلى الاتحاد السوفييتي"؛ الفصل الرابع من كتابه المخطوط "من تايوان إلى كاليفورنيا" – سبقت الإشارة إليه-.

(24) عيسى الناعوري: "ذكريات حياتي" (مخطوط) – سبقت الإشارة إليه – ص 129.

(25) عيسى الناعوري: "مذكرات بلغارية" – سبقت الإشارة إليه – ص 6.

(26) المصدر السابق نفسه، ص70-72

(27) عيسى الناعوري: الفصل الأول "إلى الشرق الأقصى" في مخطوطة "من تايوان إلى كاليفورنيا" – سبقت الإشارة إليه -.



المصدر http://kd-hashem.maktoobblog.com/132988/%D8%B9%D9%8A%D8%B3%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87-%D8%B4%D8%B1%D9%82%D9%8B%D8%A7-%D9%88%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8B%D8%A7/