المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يعقوب العودات مؤرخًا ورحالة


Eng.Jordan
02-07-2013, 02:22 PM
رحلاته وبواكير مخطوطاته في تاريخ الأردن
نقلاً عن مدونة كايد هاشم



للتأريخ والرحلات خطوط ومعالم بارزة في سيرة الأديب الراحل يعقوب العودات "البدوي الملثم" (1909-1971م)، تتصل بالمراحل الأساسيّة في سيرته الشخصيّة من ناحية، وتشكّل أجزاء مهمّة من خريطة إنتاجه الفكريّ وتطور تجربته الثقافية في الكتابة والبحث والتأليف. ولعل الناظر إلى ثبت آثاره المنشورة بتسلسل ظهورها وطبيعة مضامينها، يستطيع أن يستخرج صورة موجزة لكن قريبة في دلالاتها - إلى حدٍ ما - من تتابع تلك المراحل وسماتها في هذه التجربة.
ولا شك أنّ ما نصفه هنا بالخطوط والمعالم البارزة في حقل الكتابة التاريخية والرحلات عند العودات يتجلّى عبر عَمَليه الموسوعيين الأشهر: "الناطقون بالضاد في أميركا الجنوبية" (مجلّدان، عن دار ريحاني في بيروت 1956)، و"من أعلام الفكر والأدب في فلسطين" (طبعتان في عمّان: جمعية عمال المطابع التعاونية 1976، ووكالة التوزيع الأردنية 1987). فالأول أرّخ فيه للهجرة العربية إلى القسم الجنوبيّ من القارة الأمريكية، وضمنه دراسات عن ظروف هذه الهجرة وأحوالها، ومعلومات جمّة عن المهاجرين ومختلف أوجه نشاط الجاليات العربية في ميادين الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، وتراجم لنوابغ العرب في تلك المُغْتَرَبات. وقد كَتَبَ ما كتب معتمدًا على حصيلة ضخمة مما جمعه خلال رحلته العلمية، أو بتعبير أدق مغامرته الطّموحة والفريدة التي قام بها على نفقته الشخصية مدّة عامين ونيف في جمهوريات أميركا اللاتينية (من أواخر 1950 حتى أوائل 1953)، ودافعه الإخلاص لفكرة عملٍ يسهم في التمكين لإدامة الوشائج بين العرب في أوطانهم وإخوانهم الذين نأت بهم الهجرات والنكبات إلى تلك الديار البعيدة. ويلمس قارىء هذا الكتاب الأثر البالغ للنكبة الفلسطينية في نفسيّة العودات ودافعيّته لإنجازه وأداء الرسالة المتوخاة منه، لا سيما أنّه هو نفسه كان من بين الذين أخرجتهم النكبة من فلسطين وعبثت باستقرارهم.
أمّا العمل الموسوعي الثاني "من أعلام الفكر والأدب في فلسطين"، الذي خطط العودات – في الأصل - لإنجازه في عدّة مجلَّدات، والذي توَّج به أعماله في حقل اختصاصه: التراجم والسّير، وكان العقد الأخير من حياته - حتى أوائل السبعينيات - يكاد يكون وقفًا على العمل به جمعًا وتصنيفًا وتحريرًا وتأليفًا؛ فقد أرَّخ فيه للثقافة العربية الحديثة في فلسطين، وجعل منه حافظة غنيّة مدوّنة للأجيال تبرز مظاهر هذه الثقافة على اختلاف ألوانها واتجاهاتها وإسهاماتها، وذلك من خلال تراجم الأعلام ونضالاتهم في وطنهم وخارجه. وهو عمل اقتضاه - إلى جانب الاتصال بأصحاب التراجم أنفسهم ومراسلتهم أو الاتصال بمعارفهم وأصدقائهم واستنطاق ما توفَّر بين يديه من مصادر ومراجع مكتوبة - أن يشدّ الرّحال إلى بقاع مختلفة من العالم العربيّ، وأحيانًا بعض البلدان الأوروبية، حيث تناثر الشتات الفلسطيني، فيروح يستعلم عن أصحاب الأقلام والشخصيات الذين توزعتهم منافي التشرّد، ويستقطر المعلومات عمن اختفت آثاره منهم. وكل ذلك بجهد فرديّ وبإمكانات محدودة، لكنه جهد الدؤوب الذي يعرف ما يريد، وبتصميم على أداء رسالة من رسالات مقاومة الظلم الذي وقع على شعب فلسطين وأرضها وتراثها وهويتها.
لكن الأضواء التي سُلِّطَت على هاتين الموسوعتين وأبانت أثرهما ووزنهما وأبعادهما، وأيضًا بعض الأضواء التي أنارت مزايا من مؤلّفات أخرى للعودات - مثل "القافلة المنسيّة" (القدس 1941) و"عرار شاعر الأردن" (عمّان 1958) - تُغري باستكشاف مناطق ما زالت منسيّة وشبه مجهولة في تجربتة، لا سيما أن مخطوطاته وأوراقه التي تسنّى لي البحث فيها منذ عدّة سنوات مضت تضيف المزيد من الجلاء في دراسة شخصيّته الثّقافيه والدور الذي أعدَّ له نفسه ومارسه في سياق مسارات إنتاجه، ما يفيد في دراسة أثر التلاحم بين هذا الكاتب الأردنيّ المثقَّف وبيئته الوطنية على وجه الخصوص، وعمق أثر هذه البيئة في تكوينه القوميّ وتلاحمه مع البيئة العربية الأوسع وقضاياها وهمومها الكبرى التي عاشها بفكره ووجدانه.
ومع أنّ هذا المنظور، وأي منظور آخر، يجب ألاّ يعزل تمامًا الجانب المتعلّق بشخصيّته كمؤرّخ أدبيّ في السّير والتراجم ومبدعًا في بعض الفنون الأخرى من الأدب، وهو كذلك جانب يتقاطع ويتناغم ويتكامل بطبيعة الحال مع الجوانب الأخرى لديه، إلاّ أنني أودّ هنا التركيز أكثر على شخصيّة العودات باحثًا مؤرّخًا، ومن الأوائل القلائل عُنوا بالبحث والكتابة في تاريخ بلده الأردن، ذلك في حقبة زمنيّة ينصرف الذهن عند ذكرها إلى ما كتبه الغربيون من رحّالة ومستشرقين عن بلادنا وتاريخها وآثارها، وأحيانًا بعض العرب من غير الأردنيين، وأعني بها المرحلة الأولى من حياة العودات في دنيا القلم، التي شهدت بداياته في الكتابة والنشر منذ عام 1926 حتى بعيد ظهور بواكير كتبه أو خلال الأربعينيات من القرن الماضي.
وتنبئنا مخطوطات العودات وأوراقه في هذه المرحلة عن انصراف في معظمه إلى البحث في التاريخ القومي؛ ومعالجة مسائل تاريخية منزوية من القديم والحديث على السواء - كما في باكورته "إسلام نابليون" (القدس، 1937) - وعن نموذج من محاولات لأنّ يكون للكاتب والمثقّف الأردنيّ مشاركته أيضًا بالكتابة في تمثيل ذلك الوعي التاريخيّ بالهوية والشخصية القومية، الذي تصاعد في منطقة بلاد الشام منذ مطالع القرن العشرين مرورًا بتداعيات الحرب العالمية الأولى؛ وبروز الحركة العربية؛ وتنامي الآمال والدعوات في التّحرر والاستقلال والوحدة؛ ثم ما تكشّف من خطط القوى الاستعمارية لوأد الآمال باتفاق سايكس- بيكو؛ ووعد بلفور؛ وإسقاط أول حكومة عربية في دمشق بزعامة الملك فيصل بن الحسين؛ وفرض الانتداب الأجنبيّ؛ والهجرة اليهوديّة إلى فلسطين؛والنكث في كلّ ذلك بالوعود المقطوعة لقائد الثورة العربية الحسين بن علي.
والعودات كغيره من أبناء جيله في الأردن عايش عن كثب كلّ هذه التطوّرات وتأثّر بها وانفعل فتىً وشابًا، ومثله مثل مجايليه من الروّاد المثقّفين الأوائل الذين تنكّبوا درب الكتابة والتأليف – حينذاك - أخذ يبحث عما يمكن من خلاله التعبير عن معايشته لقضايا وطنه وأمّته، فوجد في التاريخ مجالاً رحبًا للدراسة وتحصيل المعارف وشحذ الفكر، وساعد على توجّهه إلى هذا الميدان أن شرقي الأردن في ذلك الوقت كان دولة حديثة ناشئة وما يزال حقل الدراسات التاريخيّة الخاصة بها بكرًا، فقاده اهتمامه إلى العناية بالتاريخ المحليّ والإسهام في التعريف بهذا البلد في تاريخه الحضاريّ كجزء من تاريخ المنطقة العربية من جهة، ومن جهة أخرى التعريف بما يشهده من نهوض يُعطي شعاعًا من أمل في الحياة العربية الجديدة، خاصة بعدما أصاب العرب ما أصابهم في سورية وفلسطين. وهكذا آلى على نفسه أن يكون هدفه "أولاً وآخر، التعريف بالأردن والكشف عن أمجاد الأمّة العربية تالدًا وطارفًا" – كما هي عبارته في المقابلة التي أجراها معه سليمان موسى لمجلّة "رسالة الأردن"، عدد شباط 1961.
وتطلعنا نتائج البحث في مخطوطاته وأوراقه على أعمال متعدّدة من المرحلة التي نتحدَّث عنها، إلاّ أن بعض هذه الأعمال إما بقي في حاله المخطوط بعد الانتهاء منه ولم يُنشَر، وإما أن تأليفه لم يكتمل، وإما أنه نُشر فصولاً ومقالات في الصحف والمجلات ولم يُجمع في كتب. والأثر الوحيد المتعلّق بالتاريخ الأردني الذي قُدِّر له أن يُبعث منشورًا في كتاب من تصانيفه حينئذٍ هو "القافلة المنسية"، وفيه أراد العودات أن يحيي ذكر الأردن ويكشف عن مساهماته في تاريخ العرب والإسلام، خاصّة يوم رأى كتبًا تصدر في العالم العربي قبل الحرب العالمية الثانية يتحدّث فيها كاتبوها عن شخصيات نابهة في تواريخ أقطارهم، فيما شخصيات الأردن الذي هو "مفتاح البلاد المقدّسة وقاعدة الفتح العربيّ الأول" يرين عليها النسيان. وكان سبيله إلى سدّ هذه الثلمة هو الارتحال مرارًا إلى ثلاث من كبريات خزائن الكتب في سورية ولبنان، هي مكتبة الملك الظاهر ومكتبة المجمع العلميّ العربيّ في دمشق، ومكتبة صديقه المؤرخ عيسى اسكندر المعلوف (المكتبة المعلوفية) في زحلة، فأمضى نحو ستة أشهر باحثًا منقّبًا في صحائف المخطوط والمطبوع، كانت حصيلته منها طائفة من تراجم أعلام أردنيين منسيين منذ أوائل العصور الإسلامية حتى العصر الحديث، وفيهم أطباء وشعراء وأُدباء ورجال إدارة جندية ووطنية، وبعضهم يتفرّد العودات بذكره في هذا الكتاب مثل آشيل نمري (عقيل أبو الشعر) الذي ساهم في الحركة العربية في باريس، ويعدّ أول كاتب روائي أردني، وقد أصبح بعد هجرته إلى أميركا اللاتينية وزيرًا للخارجية في جمهورية الدومينيكان.
أطلال جـرش
وكان يمكن أن يوالي العودات – آنذاك - عالم النشر بكتابٍ آخر من دراساته في تاريخ الأردن وضعه إبان عمله معلّمًا في مدرسة جرش بين 1935 و 1937، وأعلن على الغلاف الخلفي لكتاب "إسلام نابليون" عن قرب صدوره بعنوان "جرش في مختلف الفتوح"، مع مقدمة من قلم المربّي والأديب خليل السكاكيني، ثم ذكره في الإشارة إلى مؤلَّفاته المخطوطة باسم "أطلال جرش"، مما يبدو أنه استقرّ عليه عنوانًا للكتاب، لكن الأعوام مرّت ولم يظهر هذا الكتاب.
وكنت عثرت على هذه المخطوطة عام 1998 بين أوراقه مبعثّرةً، وقد فُقِدَت أجزاء يسيرة منها، فأعدت تبويبها ولمّ شعثها من جديد، وشرُفت بمشاركة المحقّق المعروف الأستاذ الدكتور صلاح جرار في العمل على تحقيقها تحقيقًا علميًّا حسب الأصول مع الحفاظ على جعلها أقرب إلى الصورة التي تركها عليه صاحبها، وتولت نشر المخطوطة محقّقةً جامعة جرش الأهليّة هذا العام (2006)، وتحقّق في إحياء هذه المخطوطة إعادة أثر كادت تفقده ذاكرتنا الثقافية بالضياع والبلى.
كان هدف العودات من بحثه هذا - كما يتبدّى من المقدّمة التي صدَّر بها الكتاب - أن يعالج ما وصفه بالنّقص الملحوظ في مصنّفات الآثار التي تتحدّث عن كنوز بلادنا؛ وحثّ مواطنيه بما فيهم الطلاب على الاعتناء بتاريخ بلادهم وكنوزها الماثلة، ومعرفة قيمة التراث الذي آل إليهم معرفة علميّة دقيقة؛ فهو يتحدث عن اعتناء الغربيين "بدارسة البيئة وما يلابسها ويصدر عنها"، ويستشهد بما لديهم من اهتمام في تشجيع الناشئة على دراسة آثار بلادهم وعادات سكانها في مختلف نُظم الحياة من خلال الرحلات العلمية، ويذكر ما لدى علماء أوروبا من دقّة في الملاحظات ووفرة في المعلومات وتنبهٍ إلى أمور قد لا تخطر في البال. "وسرّ ذلك – في رأيه – أنهم تثقّفوا ثقافة واسعة في بيئتهم الخاصة فاستطاعوا أن يلحظوا ما جدّ عليهم في البيئة الجديدة بالنّسبة إلى ما ألفوه، فأفاضوا في وصف هذا التراث الأثري الخالد ونشروا روائعه في تآليف غالية".
واللافت في هذا الكتاب، الذي يؤرّخ لجرش والأردن منذ عهود ما قبل الميلاد حتى العصور المتأخرة، هو منهجه العلمي المتوائم مع طبيعة أبحاثه، فالعودات لا يكتفي فيه بالمصادر والمراجع المكتوبة، وأغلبها كان مصادر أجنبية، بل يعتمد البحث الميداني والرحلة بين آثار جرش وسواها من آثار الأردن في سبيل المقارنة والتحليل، وهو أيضًا يأخذ بمصادر من النقوش والنقود والوثائق التاريخية، بل ويجعل من نصوص الشعر والأدب وثائق في التقاط بارقة تاريخية هنا أو هناك، ويستعين بأصدقاء له من المؤرخين والآثاريين في درس الآثار واستنطاقها تاريخ المنطقة مثل البروفسور كلارنس فيشر، مدير معهد الأبحاث الشرقية الأميركي، والمؤرخ المطران بولس سلمان، الذي أدرج العودات له في الكتاب بحثًا ميدانيًا قيمًا عن قلعة عمّان وتاريخها، وكذلك من وصفه العودات بـ "حلاّل المشكلات والمُرتجى في التاريخ للمستعصيات" ويعني به المؤرّخ عيسى اسكندر المعلوف.
ويدلّ زخم المعلومات وتنظيمها في سياق فصول هذا الكتاب المخطوط على جلدٍ وأناة وصبر على مشاق البحث، ومقدرة اطلاعيّة واسعة ممتدة لدى العودات سواء في المصادر العربية أم الأجنبية.
ولإعطاء القاريء أو السامع فكرة عامّة وجيزة عن محتوى "أطلال جرش"، لا سيما على الصورة التي انتهى إليها بعد تحقيقه، أقتبس من مقدمّة التّحقيق هذا التعريف بفصوله:
"الفصل الأول: المدن العشر – يتناول التعريف بحلف المدن اليونانية العشر المعروفة تاريخيًا باسم "الديكابوليس"، ومعظمها على الجانب الشرقي من نهر الأردن، ويتحدث فيه المؤلِّف عن تاريخ كلّ مدينة وأهميتها وأشهر آثارها الباقية، منوّهاً بما ذكره العرب في شأنها من خلال الرحلات والأشعار وكتب التاريخ. ويلاحظ أنه أوّلى عمّان – وهي إحدى هذه المدن العشر – عناية خاصة فأجمل تاريخها حتى العصر الحديث حينما أصبحت عاصمة لإمارة شرقي الأردن، ويستعين بمقالة في آثارها نشرها المطران بولس سلمان في مجلة "المشرق"؛ فيورد أهمّ ما جاء فيها".
"الفصل الثاني: جرش: تركيبه واشتقاقه، أصل اسمها، تاريخها – وهو بحث فيليولوجي تاريخي يورد آراء بعض المؤرخين العرب والأجانب في أصل تسمية "جرش"، وما جاء عن تاريخ المدينة في الكتاب المقدس وعند قدامى المؤرخين من يونان ورومان، وما وُصِفَت به في رحلات بعض الغربيين المحدثين إلى هذه المنطقة، فضلاً عما كشفت عنه البعثات الآثارية من تاريخها وتراثها لا سيما خلال الربع الأول من القرن العشرين، مع تعريف وافٍ بمعالمها الأثرية".
"الفصل الثالث: أشهر آلهة اليونان والرومان ورموزها من فسيفساء مدينة جرش – يبتدىء هذه الفصل بالإشارة إلى كنز أثري فقدته جرش خلال الثلث الأول من القرن الفائت، عندما نقل بعض الأشخاص إلى خارج البلاد لوحات فسيفسائية يعود تاريخها إلى القرن السابع للميلاد، وباعوها متفرقة، ومما باعوه ثلاث قطع من هذه اللوحات اشتراها صاحب فندق في دمشق ليزين بها واجهة الفندق، وقد زاره البدوي الملثم وشاهد القطع، وبالاعتماد على صورها الفسيفسائية عقد هذا الفصل شارحاً فيه رموز التصاوير التي عثر عليها، فعدَّد عشرين من أشهر آلهة اليونان والرومان، مبيناً أهمية جرش في تراث الفنون والحضارة القديمة. وقد أضفنا إلى هذا الفصل مقالة قصيرة للبدوي الملثم نشرها سنة 1947وعنوانها "منارة الإسكندرية بين أطلال جرش"، وفيها يتحدّث عن لوحة فسيفسائية عثرت عليها في كنيسة القديسين بطرس وبولس في جرش سنة 1931 بعثة أثرية مشتركة بين جامعة "يال" الأميركية ومدرسة العاديات البريطانية في القدس، وتصوِّر هذه اللوحة مدينة الإسكندرية في مصر، وعلى اللوحة كُتب بالحروف اليونانية القديمة كلمة (المنارة) أي "منارة الإسكندرية" وهي أول منارة في العالم وإحدى عجائب الدنيا السبع في العصور القديمة، ويُعتقد أنَّ من رسموها جاؤوا من مصر حينما كانت جرش تحت النّفوذ المصري. وقد أضفنا هذه المقالةإلى الفصل الثالث لأهمية ما تتضمنه في استجلاء تاريخ جرش وفنونها الأثرية وصلاتها الحضارية".
"الفصل الرابع: [ جرش والمدن العشر في الأدب العربي قديماً وحديثاً ]– يتضمن هذا الفصل مقالة بعنوان"أبو الطيب المتنبي بين أطلال جرش"يكشف فيها المؤلف عن لجوء المتنبي شاعر العرب الكبير في سنة 333هـ إلى حاكم جرش وعجلون (علي بن أحمد المري الخراساني) فراراً من حاكم طبرية بدر الدين بن عمار الأسدي ودسائس شاعر شعوبي أعور يدعى (ابن كروس) كان ينافسه واستطاع أن يوغر صدر ابن عمار عليه. وقد لبث المتنبي في حمى (الخراساني) ردحاً من الزمن، ونظم الكثير من قصائده في ربوع الأردن الشمالية، لكن مكائد ابن كروس أدركته حيث استطاب المقام، فعجل بالرحيل ونظم قصيدة طويلة يودع بها حاكم جرش وعجلون، أورد البدوي الملثم قسماً كبيراً منها. كما يتضمَّن هذا الفصل مقالة مهمّة أُخرى عنوانها"ابن أبي ربيعة في ربوع فلسطين والأردن"، وهي عما جاء في أشعار عمر بن أبي ربيعة من ذِكر لمواقع في الأردن وفلسطين عرفها أو مرَّ بها في أثناء رحلاته في بلاد الشام، مثل: معان، وعمّان، واللدّ، والقدس، وبيسان، وجدارا "أم قيس".
أما باقي مشتملات هذا الفصل فنصوص ثلاث قصائد متفاوتة الطول عن أطلال جرش للشعراء: محمد الشريقي، والمطران غريغوريوس حجّار، وسعيد العيسى، إضافة إلى خاطرتين تأمليتين الأولى للفيلسوف التركي رضا توفيق بك، والثانية للبدوي الملثم نفسه.
الغساسنة في البلقـاء
وتبرز لنا أوراق العودات اهتمامه بدراسة تاريخ الأصول العربية في الأردن، فيُعدّ لكتابٍ عن "الغساسنة في البلقاء" ويكتب بعض الفصول عن مشاهير العرب الغساسنة، لكنّ الواضح أن مشروعه هذا لم يتحقّق.
ثورة الكـرك
ويُعِدّ أيضًا لكتابٍ عن "تاريخ الكرك" - مسقط رأسه - وينشر فصولاً من هذا التأريخ، ويبقى مصير الكتاب كسابقه دون أن يبلغ نهاية الشوط. ولعل من أهم أبحاثه التي عثرنا عليها تأريخه لثورة الكرك المعروفة باسم "هية الكرك" سنة 1910، الذي نشرته جريدة "الجزيرة" في عمّان منجّمًا في حلقتين أو ثلاث سنة 1940، ووصفته بأنه من "البحوث القوميّة التي يستروح فيها القارىء العربي عزّة وشممًا". وفي البحث تتّبع بالأسماء والوقائع لتسلسل أحداث هذه الثورة والملابسات التي أحاطت بها، وشرح لمواقف أطرافها من خلال إيراد روايات وشهادات يستدلّ منها أن العودات استقى مادّته من أشخاص شهدوا الثورة أو شاركوا فيها، فهو يوثّق أسماء شهداء الثورة من زعماء القبائل الذين أعدمت الحكومة العثمانية بعضهم على أعواد المشانق في دمشق وألقت بالآخرين رميًا من على قمة قلعة الكرك إلى الوادي السحيق أسفلها، ويصف بتفصيل هذه الطريقة الهمجية التي أعدموا بها عقابًا على حبهم لبلدهم وإيمانهم القومي، كما يرصد دويّ هذه الإعدامات في الوجدان الشعبي الأردني من خلال الشعر البدوي الذي قيل في مأساة الإعدامات الظالمة.
بواكير في تأريخ الأردن الثّقافيّ
ويندرج في بواكير الكتابات التاريخية للعودات أيضًا مجموعة من الفصول أرَّخ فيها للصحافة في شرقي الأردن منذ بداياتها في أوائل عهد الإمارة حتى سنة 1947، ولحركة التأليف وأوائل المؤلّفين الأردنيين في الفترة نفسها، إضافة إلى كتاب بدأ به عن الملك المؤسِّس عبدالله الأول بن الحسين ودوره في الثورة العربية ورؤاه في تأسيس الدولة الأردنية الحديثة، وكذلك شخصيته أديبًا وشاعرًا ومجالسه العلمية وعلاقته بأهل العلم والفكر والأدب، ولكنه لم يكمله. وقد عرضت لما وجدته من أجزاء هذا الكتاب في الحلقات التي نشرها لي "الرأي الثقافي" في العام الماضي تحت عنوان "من أوراق يعقوب العودات: ذكريات في ظلال رغدان".
وقبل أن أُنهي حديثي، لا بدّ من كلمة أخيرة في أنّ الميراث المتعلّق بالبواكير في الحركة الثقافية في الأردن يحتاج إلى أن توليه المؤسسات مزيدًا ومزيدًا من تشجيع البحث عنه وجمعه وتوثيق أصوله، وتنظيم الاستفادة منه، وتيسير الاطلاع عليه بتحقيق ما يمكن تحقيقه، ونشره وإيصاله إلى طلبة العلم والدارسين، لا سيما في الجامعات، وتعريف الشباب بجهود الروّاد وإنجازاتهم؛ إذ أنّ هؤلاء الشباب هم الذين سيحملون أمانة نقله إلى الأجيال المقبلة ويكملون الخُطى في الحفاظ على هذا الميراث كجزءٍ ثمين من تاريخ الوطن وذاكرة إنجازاته.



(*) قُدِّمت هذه الورقة في "الندوة العلمية عن يعقوب العودات بمناسبة مرور 35 عامًا على رحيله"، التي عقدتها رابطة الكتّاب الأردنيين يوم السبت 3/6/2006 في مسرح مركز الحسين الثقافي – رأس العين؛ عمّان.


http://i3.makcdn.com/userFiles/k/d/kd-hashem/images/929image.jpeg