المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كؤوس نبيذ الرشوة


Eng.Jordan
02-13-2013, 10:06 AM
د. محمد سليمان العبودي

التاريخ: 03 فبراير 2013

http://cdn1.albayan.ae/polopoly_fs/1.181.1291907593%21/image/1263153512.png (http://www.albayan.ae/1.115)
ماذا يحدث في السر؟ وهل نحن (البشر العاديين) آخر من يعلم؟
في الواقع، أنه في خضم أحداث العالم، الكل يرى الأحداث تجري وكأنها في عالم طبيعي نقي وخال من القذارة مئة بالمئة. لا أحد ينكر أن كلاً منا يرى الحدث بعين طبعه. غير أنه يبدو أن هناك طبقات من الحقائق التي تخفي بعضها بعضاً. وهذا الأمر ينطبق بكل (خسة) على عالم السياسة حتى أخمص قدميها.
هناك الظاهر والباطن وما تحت الباطن. وقد نكتشف الحقيقة بعد خمسين عاما، أو لن نكتشفها مطلقاً. فالألوف من القضايا الخفية يتم التخلص من الوثائق المتعلقة بها بالحرق التام وهناك قضايا مخلة بالشرف والأمانة لا تفوح رائحتها إلا بعد مرور الوقت. وعندما يأتي القضاء ليقول كلمته، نجد أنه لم يبق من السمكة غير ذيلها!
بالأمس عادت الصحف الفرنسية لإثارة فضيحة شارل باسكوا، الذي شغل منصب وزير الداخلية في عهد الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران بين عامي 1986 و1988 ثم شغل نفس المنصب بين عامي 1993 و1995 عندما كان جاك شيراك رئيساً لفرنسا. الفضيحة تتلخص كما يقول الفرنسيون في (كأس نبيذ)! وتعني بالبلدي: الرشوة. ويبدو أن الفرنسيين قد اعتادوا في قديم الزمان على تقديم الرشاوى على شكل كأس نبيذ!
وبينما لا يكلف هذا الكأس كثيرا في الزمن السابق، إلا أنه عندما نتحدث عن زمن الذهب الأسود، فإن هذا الكأس يعادل ملايين البراميل من النفط! وهذا ما قد يكون حصل بالفعل مع ممثل الشعب ووزير الداخلية شارل باسكوا.
ومازال القضاء الفرنسي يحقق في التهمة الموجهة إليه المتعلقة بتسلمه (من تحت الطاولة) ملايين البراميل من النفط العراقي هدية شكر من الرئيس العراقي السابق صدام حسين لتشجيع هذا الوزير فك الحظر الذي فرض على العراق من قبل الأمم المتحدة في برنامج ما يسمى بالغذاء مقابل النفط في الأعوام ما بين 1996 و2003. غير أن قلوب الرحمة التي كانت تسهر لإزالة آلام العراقيين الذين كانوا يموتون جوعا وعطشا ورعبا وقتلا، كانت في حقيقة الأمر تشرب نخب دم العراقيين.
هذه الفضيحة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. وهو عالم يشبه عالم عصابات المافيا ولكن على مستوى محترم جداً. وحيث توجد الفوضى تتكاثر الجرذان، فعالمنا العربي قضى أكثر عمره في الفوضى (غير الخلاقة). لذا تكاثرت فيها القوارض الضالة. وفي أثناء هذا الفوضى امتلأت جيوب من كنا نعتقد بنزاهتهم. وعندما نتحدث عن وزير داخلية بحجم شارل باسكوا، الذي كان المهاجرون المغاربة والأفارقة ترتعد فرائصهم بمجرد ذكر الحرف الأول من اسمه خوفاً من بطشه، فإننا نفقد الثقة بكل المقاييس.
المسألة ليست هنا، إنما في الكم الهائل من الأسرار الدولية التي لم تكتشف بعد. وعندما كنا في أعوام الغزو الأميركي للعراق نتعاطف مع كل من يقف مع معاناة الشعب العراقي، لم نكن نعرف أن هناك شخصيات كبرى كانت تعمل سرا لشفط دمائه. وجهات أخرى كانت قد ورطته في غزو الكويت. وجهات غير معروفة خططت لهذا الغزو منذ أن شمت رائحة مخزون النفط تحت أرض الرافدين. وأخرى أيضاً انتهزت الفوضى الخلاقة لسرقة آثارها التي تساوي أكثر من قيمة النفط بكثير. ثم هناك أيضا جهات مجهولة عملت على شراء أعضاء أطفال العراق وبيعها لجهات مجهولة. وتصفيات حسابات وخيانات وحسابات وغسيل أموال... وكله مجهول في مجهول.
نحن لم نخرج بعد من دائرة العراق. ولم نذهب إلى أسرار ثورة ليبيا والتدخل الأجنبي وما بها من خبايا وأسرار نفطية واستعمارية غامضة مع أنه بدأ في الآونة الأخيرة الحديث عن ملامح من أصدر تعليمات قتل العقيد القذافي، ولم نرجع إلى حرب أفغانستان التي تدور رحاها منذ عقود .
ومن المستفيد ومن الممول ومن يقف خلف المنظمات الإرهابية (الإسلامية) في العالم، ولا نعرف بعد ما يحدث بين كواليس الدول الكبرى في استمرار ثورة سوريا وفي غزو جمهورية مالي، ولا ما هو المخطط لها؟ ولا عدد تجار السلاح المستفيدين؟ ولا عدد (كؤؤس النبيذ) التي تستلم مقابل كل عملية نفطية وحربية وإرهابية تتم على أراضي المستضعفين؟