المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرية النسبية relativity


Eng.Jordan
02-17-2013, 08:15 PM
النسبية



يطلق اسم النسبية relativity على مجموعة نظريات صاغها أينشتاين[ر] ما بين عامي 1905-1916. وهذه النظريات تقوم - فيما يتعلق بنظرية النسبية الخاصة (واختصاراً: النسبية الخاصة) - على تكافؤ جميع الجمل أو الأطر المرجعية (واختصاراً: المراجع) العطالية (أي التي تتحرك الواحدة منها بالنسبة إلى الأخرى حركة انسحابية منتظمة)، وذلك في وصفها قوانين الفيزياء. أما فيما يتعلق بنظرية النسبية العامة (واختصاراً: النسبية العامة) فتقوم تلك النظرية على تكافؤ جميع المراجع مهما تكن حالتها الحركية، وذلك في وصفها لقوانين الفيزياء.

تسعى هذه النظريات إلى تحديد إطار عام تأخذ فيه جميع قوانين الفيزياء مكانها. فالنسبية الخاصة تنص على قوانين الميكانيك بصيغة أعمّ من تلك التي تنص عليها قوانين نيوتن، وهي تتفق مع قوانين ماكسويل الكهرطيسية، كما أنها أتاحت توقع مفعولات مختلفة جرى التحقق من صحتها تجريبياً بإحكام، وتم قبولها بالإجماع من قبل الفيزيائيين. ومن أهم هذه المفعولات تكافؤ الكتلة والطاقة. أما النسبية العامة فقد أتاحت أيضاً توقع مفعولات عدة جرى التحقق من صحتها تجريبياً؛ ولهذه المفعولات أهمية كبرى في علم الفلك إذ إنها تتيح توقع ظواهر وأجرام سماوية جديدة (موجات تثاقلية، ثقوب سوداء، …) يسعى علماء الفلك جاهدين إلى رصدها ومشاهدتها، وهي تمثل الإطار الأساسي لعلم الكون (كوسمولوجيا)[ر: الكون (علم )] الحديث. ومع ذلك ثمة نظريات أخرى للتثاقل gravitation مشتقة من النسبية العامة لم ترفضها المشاهدة ولا الأرصاد.

النسبية الخاصة The Special Theory of Relativity

المفاهيم الأساسية

مع أن النسبية الخاصة قد طُوّرت في مطلع القرن العشرين إلا أن جذورها ترجع إلى ماض بعيد، ويمكن عدّها استمراراً لأفكار هي - منذ غاليليه[ر] ونيوتن[ر] - أساس الفيزياء. فثمة مفهوم أساسي قديم جداً، ألا وهو وجوب وجود جملة مرجعية لوصف حركة جسم ما. وهكذا، فإن قانون العطالة (القصور الذاتي) لنيوتن - الذي ينص على أن كل جسم غير خاضع لأيّ قوة يتحرك على خط مستقيم بسرعة ثابتة - ليس صحيحاً إلا في جملة مرجعية محددة تماماً يتعين فيها موضع الجسم وسرعته. لقد تصوّر نيوتن أن هناك جملة مرجعية «مطلقة» تصح فيها قوانين الميكانيك التي نصّ عليها (وقانون العطالة هو أحد هذه القوانين). وفي الحقيقة ثمة عدد لا متناه من الجمل المرجعية التي تصح فيها هذه القوانين، إنها «الجمل العطالية» أو «الجمل الغاليليّه» (نسبة إلى غاليليه)، وهي تتحرك حركة انسحابية منتظمة (أي حركة مستقيمة وبسرعة ثابتة) الواحدة بالنسبة إلى الأخرى. والجملة «المطلقة» لنيوتن ليست سوى إحدى هذه الجمل، وكل واحدة منها مكافئة للأخريات وذلك في وصفها قوانين الميكانيك النيوتوني: إنه مبدأ النسبية الغاليلية وهو ضمنياً موجود من قبل في الميكانيك التقليدي (الكلاسيكي)، كما أنه يظهر جلياً في العديد من كتب الفيزياء القديمة.

لتكن z, y, x الإحداثيات القائمة لنقطة في جملة مرجعية S تُعرَّف فيها ثلاثة محاور متعامدة مثنى مثنى Oz, Oy, Ox؛ ولتكن z', y', x' إحداثيات النقطة نفسها في جملة مرجعية S' محاورها O'z', O'y', O'x' موازية لمحاور الجملة S.

فبفرض أن الوسيطين parameters t وt' اللذين يعينان الزمن في المرجعين متساويان (t=t')، وأن نقطتي الأصل (مبدأي الإحداثيات) في المرجعين O وO' منطبقتان عندما t = t´= 0، وبفرض أن كلاً من المرجعين يتحرك بالنسبة إلى الآخر بسرعة منتظمة v باتجاه المحور Ox(أو O´x'). فإذا كان أحد المرجعين عطالياً (أي تصح فيه قوانين الميكانيك)، وليكن S، فلكي يكون الآخر عطالياً أيضاً يجب أن يكون:

t' = t وz' = z وy' = y وx' = x - vt

إن هذه المعادلات الأربع تؤلّف ما يسمى تحويلات غاليليه. وقوانين نيوتن تصح في جميع المراجع العطالية المرتبط الواحد منها بالآخر بهذه التحويلات.

إضافة إلى ذلك، يفترض أينشتاين أن مبدأ النسبية - الذي ذُكِرَ آنفاً - لا يُطبَّق على قوانين الميكانيك وحدها، وإنما أيضاً على قوانين الفيزياء جميعها عدا قوانين التثاقل gravitation التي تجد مكانها الطبيعي في نظرية النسبية العامة؛ وهكذا فإن المشاهدات والأرصاد انطلاقاً من أي من المراجع العطالية يجب أن تؤدي إلى القوانين الفيزيائية نفسها. لذا يفقد مفهومُ الفضاء المطلق لنيوتن معناه. ومقابل هذا التبسيط الهائل الذي أدخله مبدأ النسبية، يفقد المكان والزمان - كما سيرى لاحقاً - معنييهما الشائعين.

ثبات سرعة الضوء

تجربة مايكلسون - مورلي: إن ثبات (لا تغير) سرعة الضوء c في مختلف الجمل المرجعية - الذي كثيراً ما يعدّ إحدى مُسلمات (مصادرات) نظرية النسبية الخاصة - هو في الحقيقة إحدى نتائج هذه النظرية. ففي الواقع، إن معادلات ماكسويل الكهرطيسية - التي يتم الحصول عليها تجريبياً والتي تحوي جميع قوانين الكهرطيسية - تتضمن كمية c هي سرعة الموجات الكهرطيسية في الخلاء، في الجملة العطالية للمجرِّب؛ ولكن من الممكن تعيين هذه السرعة على نحو مستقل انطلاقاً من قياسات كهرطيسية بحتة. وتبعاً لمبدأ النسبية فإن هذه القياسات يجب أن تؤدي إلى نتيجة واحدة مهما تكن الجملة المرجعية، وهي أن سرعة الضوء ثابتة. وهذه النتيجة تتناقض مع بعض المفاهيم في علم الحركة التقليدي. وقد أكَّدت تجربة مايكلسون - مورلي الشهيرة - التي أجريت آخر مرّة عام 1887 قبل أن تُطرح نظرية النسبية الخاصة بما لا يدع أي شك - ثبات سرعة الضوء، كما أكدت ذلك تجارب أخرى عديدة.

علم الحركة النسبوي

إن ثبات سرعة الضوء التي فرضها مبدأ النسبية يتعارض - كما ذكر آنفًا - مع علم الحركة التقليدي (على الأقل فيما يتعلق بالسرعات الكبيرة)، ويوجب إدخال علم حركة جديد. ويتطلب ذلك - على نحو خاص - إدخال خواص جديدة للمكان والزمان، تصفها تحويلات لورنتز، التي يجب أن تحل محلّ تحويلات غاليليه، والتي تأخذ الشكل الآتي في الجملتين العطاليتين S وS' اللتين ذُكرتا آنفاً:

ويلاحظ هنا أنه عندما تكون v صغيرة جداً مقارنة بسرعة الضوء (أي v << c)، فإن تحويلات لورنتز تُختزل إلى تحويلات غاليليه.

ونتيجة لذلك لا تُركّب السرعات كما في علم الحركة النيوتوني. فإذا افترض أن مركّبات سرعة نقطة في الجملة S هي ux, uy, uz فمركّباتها بالنسبة إلى الجملة S' (التي تتحرك - كما ذكر سابقاً - بسرعة ثابتة v باتجاه المحور Ox) تكون:

وهذه العبارات تُختزل إلى مقابلاتها النيوتونية عندما تكون v << c، أي إلى:

u'x= u'- v, u'y= uy , u'z= uz

ويمكن أن يُستنتج من تحويلات لورنتز نتائج مهمة، منها تقلص الأجسام باتجاه حركتها، وتباطؤ ميقاتية مثبتة في S' بالنسبة إلى مراقب مثبت في S.

بفرض x'1 وx'2 هما إحداثيا طرفي قضيب مثبت في الجملة S' على المحور O'x'، فطول هذا القضيب في هذه الجملة هو:

l' = |x'2 - x'1|

وطوله في الجملة S هو: l = |x2 - x1|. وباستعمال تحويلات لورنتز ينتج بسهولة أن:

وعليه يبدو القضيب لمراقب في S أقصر مما هو عليه بالنسبة إلى مراقب مثبت في الجملة S' (المتحركة بالنسبة إلى الجملة S بسرعة ثابتة v باتجاه المحور Ox). وينتج من ذلك أن الأجسام تتقلص باتجاه حركتها، وهذا التقلص هو ما يسمى التقلص اللورنتزي (نسبة إلى الفيزيائي لورنتز Lorentz)، أو تقلص الأطوال النسبوي.

ومن تحويلات لورنتز ينتج أيضاً:

ومن هذه المعادلة يستنتج أن ميقاتية مُثبتة في الجملة S' تبدو لمراقب في S أبطأ من ميقاتية مطابقة لها مثبتة في S (مهما يكن اتجاه السرعة v).

تمثل هذه المعادلة إحدى النتائج الأساسية في النسبية الخاصة، وهي ما يطلق عليها «التمدد الزمني» time dilation. وتبعاً لهذه النتيجة تبدو السيرورات الطبيعية - حين يتم رصدها من مرجع متحرك بالنسبة إليها - أبطأ منها حين يتم رصدها من مرجع مثبت فيها.

وعليه فإن الزمن ليس مطلقاً، كما تعدّه النسبية الغاليلية، بل هو نسبي؛ أو بعبارة أخرى، إنه يختلف باختلاف الجملة المرجعية التي يتم منها قياسه.

الديناميك النسبوي

إن قوانين الميكانيك النيوتوني ليست صامدة وفق تحويلات لورنتز إلاّ في التقريب الأول، ولا تصح إلاّ إذا كانت السرعات صغيرة جداً مقارنة بسرعة الضوء. أما النسبية الخاصة فتسمح بصياغة قوانين الميكانيك بدقة أكبر كما أنها تؤدي إلى نتائج مهمة لا يمكن للنسبية الغاليلية أن تتنبأ بها.

وعلى نحو خاص يمكن بيان أن كتلة جسيم تعتمد على سرعته:

تُعرَّف كمية الحركة (أو الاندفاع) لجسيم في جملة مرجعية S كحاصل ضرب كتلته m في سرعته المتجهة في هذه الجملة:

وتنصّ مبرهنة أساسية في الميكانيك على أنه في منظومة ميكانيكية معزولة (أي غير خاضعة لأيّ قوة خارجية) يكون مجموع كميات الحركة لمختلف الجسيمات المكوّنة لهذه المنظومة ثابتاً. وإذا فرض - بموجب مبدأ النسبية الخاصة - صحة هذه المُبرهنة في جميع الجمل العطالية، أمكن البرهان على أن كمية الحركة لجسيم سرعته المتجهة بالنسبة إلى الجملة S تُعطى في هذه الجملة بالعلاقة الآتية:

حيث mo هي كتلة جسيم مطابق للجسيم المفروض ومُثبت في الجملة S، وتسمى mo الكتلة الذاتية للجسيم proper mass.

ومن تعريف كمية الحركة يمكن كتابة كتلة الجسيم المتحرك على الشكل الآتي:

ويتبين من هذه المعادلة أن كتلة جسيم تزداد باطراد كلما ازدادت سرعته بالنسبة إلى المراقب، وتصير لانهائية عندما تصل سرعة الجسيم إلى سرعة الضوء في الخلاء: c. وهكذا، فوفق نظرية النسبية الخاصة، لا يمكن لسرعة أي جسيم أن تبلغ سرعة الضوء إلاّ إذا كانت كتلته الذاتية mo معدومة، كما هي الحال في الفوتونات (دقائق الضوء والإشعاعات الكهرطيسية).

إن بقية الديناميك النسبوي بسيطة من حيث الأساس الذي تقوم عليه. فقانون نيوتن الثاني - الذي يربط بين القوة المطبقة على جسيم والتغير في كمية حركة هذا الجسيم يظل صحيحاً:

كما أن تعريف العمل dw الذي يتم في أثناء انتقال يبقى على حاله:

وفي حال كون هذا العمل مخصّصاً كلياً لتحريك جسيم، فإنه يساوي التغير في الطاقة الحركية لهذا الجسيم. وبكتابته جبرياً تستنتج عبارة الطاقة الحركية للجسيم:

وهذه العبارة تُختزل إلى العبارة النيوتونية: T = 1/2 mou2 في حــال السرعات الصغيرة بالنسبة إلى سرعة الضوء.

لقد أُخضع الديناميك النسبوي إلى تجارب عديدة، وكانت نتائجها مرضية تماماً. وعلى نحو خاص تركزت هذه التجارب على دراسة سلوك الجسيمات التي تتحرك بسرعات كبيرة في حجرات الفقاعات bubble chambers (وهي عبارة عن وسائط لرصد مسارات الجسيمات الأولية[ر] وتصويرها).

إن الخاصة الفيزيائية الأكثر أهمية والتي تنبأت بها النسبية الخاصة هي: تكافؤ الكتلة والطاقة. وكما تبين في المناقشة الآنفة: إذا زوّد جسيم بالطاقة فإن سرعته تزداد، ومن ثم تزداد كتلته.

فإذا أخذت بالحسبان الآن مجموعة من الجسيمات (غاز مثلاً) يتحرك كل جسيم منها بالنسبة إلى الجسيمات الأخرى، فإن الكتلة الكلية لهذه المجموعة تكون أكبر من مجموع كتل هذه الجسيمات فيما لو كانت ساكنة، حتى إن كانت هذه المجموعة محجوزة في مكان ساكن بالنسبة إلى المراقب. وهكذا فإن الطاقة الحركية T الداخلية للمجموعة تقابل زيادة في الكتلة:

وكما بيَّن أينشتاين، يمكن تعميم ذلك ليشمل أشكالاً أخرى من الطاقة إضافة إلى الطاقة الحر كية. وهكذا فإن كل جسـم يختزن طاقة قدرها DE، تكون كتلته ازدادت بمقدار DM بحيث يكون:

∆E = ∆M. c2

إن هذه المعادلة بالغة الأهمية من الناحية العملية خصوصاً. فهي تسمح بالتنبؤ مثلاً بظاهرة الفناء annihilation التي هي من الظواهر المألوفة في مختبرات الفيزياء النووية. فعندما يصطدم جسيم أولي بالجسيم الأولي المضاد المقابل له، فإنهما يختفيان حيث تتحول كتلتاهما إلى طاقة كهرطيسية تظهر على شكل فوتونين γ؛ وبالعكس، يمكن للطاقة الكهرطيسية أن تتحقق على شكل زوج مكوَّن من جسيم وجسيم مضاد.

فضلاً عن ذلك، يمكن لجسيمات معينة أن تحوِّل جزئياً كتلتها إلى طاقة كهرطيسية: فمثلاً، يمكن لنواتي ديتريوم (كل واحدة منهما مشكّلة من نترون وبروتون) أن تندمجا مشكلتين معاً نواة هليوم واحدة كتلتها أصغر من مجموع كتلتي النواتين المشكلتين لها، حيث يتحول الفرق بين الكتلتين إلى طاقة كهرطيسية (فوتون γ)، وهذا النمط من التحول هو كما يتحقق فى القنابل الحرارية النووية. وتُجرى حالياً محاولات - لم يكتب لها النجاح حتى اليوم - لتحقيق هذا الاندماج بشكل أقل عنفاً، وهو ما قد يحل نهائياً مشكلة الطاقة على الكرة الأرضية.

وبالعكس يمكن عن طريق تصادم النوى اصطناعُ نوى جديدة أثقل من الأولى، كتلتها أكبر من مجموع كتل النوى المشكّلة لها، حيث تُردّ الكتلة الإضافية إلى الطاقة الحركية التي تلقتها النوى الأصلية. وقد تنبأ بهذه النتيجة العالم الفرنسي لانجفان[ر] عام 1913، وهي تحمل في طياتها الإثبات الأوضح على صحة نظرية النسبية الخاصة.

النسبية العامة The General Theory of Relativity

المبادئ الأساسية

مبدأ التكافؤ:

سبقت الإشارة إلى أن نظرية النسبية الخاصة غير كافية؛ فهي من ناحية مقصورة على الجمل المرجعية العطالية، حيث تتنبأ بصمود invariance قوانين الفيزياء في الجمل المرجعية العطالية فقط، وليس في أي جملة مرجعية؛ وهي - من ناحية ثانية - ليست نظرية للتثاقل gravitational theory، إذ لا تُدخِل التثاقل في حسبانها.

وقد تمكن أينشتاين في عام 1916 من تعميم نظرية النسبية الخاصة، وكانت نقطة انطلاقه في ذلك تبصّراً حول التثاقل:

إذا افترض - على سبيل المثال - أنه في جملة عطالية يخضع جسم لحقل ثقالي منتظم؛ فسيُرى هذا الجسم يتحرك حركة متسارعة بانتظام. ومن جهة أخرى، إذا رُصد - في جملة غير عطالية تتحرك حركة متسارعة منتظمة - جسم غير خاضع لأيّ قوة (كالثقالة مثلاً)؛ فبالمثل سيُرى هذا الجسم يتحرك حركة متسارعة بانتظام، تماماً كما لو أنه يخضع لحقل تثاقلي.

ولا سبيل للتمييز بين الحالتين بأيّ تجربة محلية، فهنا توجد ظاهرة واحدة يمكن أن تفسر بطريقتين حسب المرجع الذي ترصد منه؛ وهذه الثنوية في التفسير هي ما ينص عليه مبدأ التكافؤ the principle of *****alence؛ وهو ما يعبّر عنه اختصاراً بالقول: ليس ثمة ما يسمح بتمييز حقل بلا تسارع من تسارع بلا حقل.

وعلى نحو خاص ينبئ هذا المبدأ بوجـود تكافؤ تام بين الكتلة الثقالية m لجسم وكتلته العطاليةm' . وقد تم التحقق بالتجربة من هذا التكافؤ بين الكتلتين من قبل إيتفوس L. Eötvös عام 1890، كما جرى لاحقاً التحقق من هذا التكافؤ بتقريب قدره 10-12.

التثاقل والهندسة اللاإقليدية

إن التكافؤ المحلي بين قوى التثاقل gravitational forces وقوى العطالة inertial forces يُظهر أن ثمة علاقة بين التثاقل وهندسة الزمكان space-time.

ويفسر أينشتاين التثاقل الناجم عن وجود كتل مادية بأنه تشويه للزمكان («تقوس» curvature الزمكان) بالنسبة إلى الفضاء الإقليدي: في الفضاء المشوه هكذا لن تتحرك الأجسام الحرة (حركة منتظمة) على خطوط مستقيمة، ولكن على خطـوط منحنية تسـمى جيوديزيات geodesics، وهي مسارات أصغرية في الزمكان. ولن تكون لهذا الفضاء هندسة إقليدية[ر]، كما أن الجمل الإحداثية التي تُستخدم فيه تختلف عن الجمل الإحداثية المعهودة؛ فالإحداثيات التي تحدد المكان والزمان فيه تؤدي أدواراً متشابكة إلى حد أنه يستحيل التمييز بينها.

وبفضل هذه الهندسة يصير ممكناً تعرف حركة الأجسام كلياً والتعبير عن قوانين الميكانيك والفيزياء لكل راصد متسارع أو بوجود حقل تثاقلي. ويعبَّر عن هذه القوانين بالطريقة نفسها في جميع نقاط الفضاء. وعليه فإن هذه القوانين عامة شاملة. فمثلاً يُعبّر عن المبدأ الأساسي للميكانيك المعمَّم بهذه الطريقة بالقول: إن مسار جسم خاضع لقوى تثاقلية فقط هو جيوديزي من جيوديزيات الزمكان. رياضياًً، يُعبَّر عن الزمكان في النسبية العامة بوساطة المقاس metric المعمم في الإحداثيات الديكارتية:

حيث x0، x1، x2، x3 هي الإحداثيات الأربعة:

x0 = ct هو إحداثي الزمن، وx1, x2, x3 هي إحداثيات الفضاء (المكان). والمعاملات gik، التي تُشكل موتّراً[ر: الموتّر] متناظراً symmetric tensor (gik = gki) يُسمى موتّراً مقاسياً metric tensor؛ تُعبِّر عن تقوس الزمكان the curvature of space-time الناجم عن الحقول التثاقلية، «الحقيقية» أو «الخيالية»، المرتبطة بالتسارعات والتي تعتمد وضوحاً على جملة الإحداثيات المختارة.

وإذا لم يكن هناك حقل تثاقلي أو تسارع (كما هي الحال في جملة عطالية) أمكن كتابة المقاس على الشكل الإقليدي (أو الغاليلي):

اللامتغير عند تطبيق تحويلات لورنتز.

وفي حال وجود حقل تثاقلي «حقيقي»، يكون الشـكل التربيعي لا إقليدياً. في هذه الحالة لا يمكن بأي تغيير للإحداثيات وضع عبارة ds2 بالشـكل الإقليدي أعلاه، فلابد من أن تظهر فيه معاملات قطرية (gik,i = k) لا تساوي ±1 أو معاملات لاقطرية (gik,i ≠ k) لا تساوي الصفر.

وهذا دليل على أن الزمكان في هذه الحالة محدب، وليس منبسطاً؛ فلا يخضع لقواعد الهندسة الإقليدية.

وقد طرح أينشتاين مجموعة من المعادلات تحدد كيف يُحني مصدرُ التثاقل الزمكان؛ فهي تبين كيف يمكن لتوزع معيّن من المقادير الميكانيكية - (التوتر والطاقة والاندفاع) التي تولّد التثاقل - أن يشوه نسيج الزمكان. وفي بحثه عن هذه المعادلات كان أينشتاين يهتدي بعدة مبادىء أساسية. من هذه المبادىء أن تقترب نظريته من نظرية نيوتن في التثاقل حالة حدية، وذلك عندما تنتهي حقول التثاقل والسرعات إلى قيم صغيرة. وهذا مطلب أساسي إذ إن نظرية نيوتن كانت - (ولاتزال) - تستخدم بنجاح ضمن هذا الشرط. كما أن على نظرية النسبية العامة أن تؤول إلى نظرية النسبية الخاصة عندما تكون الحقول التثاقلية ضعيفة والسرعات عالية.

ولكن بسبب الصعوبات الكبيرة لحلها لم يُعرف لهذه المعادلات سوى عدد قليل من الحلول المضبوطة؛ إذ إنها معادلات تفاضلية لاخطية nonlinear، وهذا يعني أن مجموع المفعولات التثاقلية لا يساوي مفعول مجموعها؛ أي لا يمكن - من مجموعة حلول معروفة لجمل من المعادلات البسيطة - الحصول على حل للجملة الوحيدة المركّبة بضم تلك الجمل البسيطة معاً.

وأبسط الحلول المضبوطة المعروفة وأهمها هو حل الفلكي الألماني شفارتزشيلد (1873-1916) الذي يتعلق بحالة الزمكان الخالي في جوار جسم كروي. والمنظومة الشمسية نموذج جيد لهذه الحالة: الشمس كرة في المركز؛ والفضاء الخالي هو المنطقة التي تتحرك فيها الكواكب، وبإهمال ثقالة هذه الكواكب أمام ثقالة الشمس، ثم بحساب المسارات الجيوديزية في زمكان شفارتزشيلد يمكن إثبات أن المدارات الكوكبية إهليلجات (قطوع ناقصة) تحتل الشمس أحد محرقيها. وهذه النتيجة المهمة - التي ثبت اتفاقها مع نتائج الأرصاد - كان قد توصل إليها كبلر[ر] ثم نيوتن في نظريته. والنسبية العامة تعطي بهذا الصدد نتيجة قريبة جداً مما تعطيه نظرية نيوتن؛ ولكن بفرق - على الرغم من ضآلته - حاسم في الحكم لمصلحة النسبية العامة. فهذه النظرية تتنبأ بدوران محوري الإهليلج في مستوييهما (أو ما يسمى مبادرة precession)؛ وأن مبادرة فلك عطارد (أخف الكواكب وأقربها إلى الشمس) هي أقرب إلى النتائج الرصدية من أي من نتائج النظريات المعروفة الأخرى. ويُعدّ تفسير هذا الفرق بلغة انحناء الزمكان أحد الشواهد الرصدية على صحة النسبية العامة. ومع ذلك هناك من أشار إلى أن تسطحاً طفيفاً للشمس قد يؤدي إلى مفعول من النوع ذاته، واعتقد أنه رصد هذا التسطح المشكوك بوجوده حالياً.

طرائق أخرى للتحقق من صحة النسبية العامة

تعتمد هذه الطرائق على الكشف عن تحدب الزمكان المرتبط بوجود كتل مادية. ولكن ضمن الشروط المحلية (المنظومة الشمسية) تكون مفعولات هذا التحدب جدّ صغيرة، ويصعب قياسها، ومع ذلك يمكن أن تكون ذات شأن في حالات معيّنة.

- انحناء الأشعة الضوئية بفعل التثاقل

بوجود كتلة مادية - الشمس مثلاً - يتشوه الزمكان محلياً، ولن يكون مسارُ شعاع ضوئي مستقيماً. فأي شعاع مار من نقطة تبعد مسافة ro عن الشمس، ينحرف بزاوية قدرها

حيث G ثابت التثاقل وM كتلة الشمس. وعلى مقربة من محيط الشمس تساوي هذه الزاوية 1.75 ثانية قوسية. وقد جرت محاولات عدة لقياس هذا الانحناء التثاقلي، وذلك برصد مواقع النجوم المجاورة لمحيط الشمس عند حدوث كسوف كلي لها. وحديثاً تم ذلك برصد الانتقال الظاهري لمصدر راديوي قريب جداً من الشمس. والطريقة الثانية هذه أدق، وتؤدي إلى نتيجة تتفق بصورة جيدة مع النظرية. كما جرى قياس تأخر موجة راديوية مارة عبر الحقل التثاقلي للشمس، وذلك بوساطة الصدى الراداري على الكواكب أو على الأقمار الصنعية. وهذه النتيجة الدقيقة بتقريب صحيح إلى نحو 5 في المئة تتفق أيضاً مع النسبية العامة.

- الانزياح التثاقلي نحو الأحمر للطيف الضوئي

تتنبأ النسبية العامة بازدياد أطوال الأمواج الضوئية التي تبثها ذرة في حقل تثاقلي على ما ستكون عليه هذه الأطوال في غياب التثاقل. ففي رحلة فوتون[ر] إلى الأرض عبر حقل تثاقلي ينخفض تواتره frequency. عندما يكون هذا الفوتون في المنطقة المرئية من الطيف، فإنه ينزاح إلى الطرف الأحمر منه (ومن هنا جاءت تسمية هذه الظاهرة). وقد جرى التحقق من ذلك خصوصاً في رصد أطياف «أقزام بيضاء» white dwarfs (وهذه نجوم كثيفة جداً، وثقالتها بالغة الكبر)، وكذلك في اختبارات أجريت في العامين 1960 و1965 حين تم قياس الانزياح بالنسبة إلى شعاع غاما نووي في نقطتين على ارتفاعين مختلفين من الأرض. ونتائج الاختبارات الأخيرة هذه تتفق مع النسبية العامة بتقريب صحيح إلى نحو واحد في المئة.

تلك هي أهم الشواهد التجريبية الحالية على نظرية النسبية العامة، وهي قليلة جداً مقارنة بما هي الحال في نظرية النسبية الخاصة. فمسألة وضع نتائج النسبية العامة على محك التجربة عملية بالغة الصعوبة والتعقيد، بيد أن الأرصاد والتجارب التي أجريت حتى اليوم تبدو مؤيدة للنتائج المستخلصة من هذه النظرية؛ لكنها - في الوقت نفسه - لا تسمح بعدّها براهين لا يمكن دحضها. ومع ذلك، فقد سمحت تلك الأرصاد والتجارب بحذف معظم النظريات المنافسة حالياً لنظرية آينشتاين في النسبية العامة، ولم يبق من هذه المنافسات سوى بعض النظريات «المقاسية» metric؛ أي التي تربط بين هندسة الفضاء والحقل التثاقلي فيه، كما هي الحال في نظرية أينشتاين. وهذه النظريات المنافسة هي في واقع الأمر مشتقة من النسبية العامة، وتؤول إليها في حالات خاصة.

قد تؤيد هذه النظرياتِ أو تنفيها اختباراتٌ مستقبلية، لكن نظرية أينشتاين ظلت شامخة منذ البداية بما تتميز به من جمال وبساطة أساسية في صلب تعقيداتها، وفي الحتمية التي اتسمت بها والاقتصاد في بنائها، مما جعلها المفضَّلة لدى معظم العلميين.

بعض نتائج النسبية العامة

إن بعض الظواهر المهمة التي يعتقد الفلكيون أنه جرى رصدها أو توقعها، لا يمكن التنبؤ بها بوساطة النظرية النيوتونية للتثاقل، ويمكن عدّها مؤشرات على صحة النسبية العامة أو النظريات المشتقة منها.

- الأمواج التثاقلية

تتنبأ النسبية العامة بأن الكتل المتحركة والكتل المتآثرة - مثل النجوم والمجرات[ر: المجرة] - تبث أمواجاً تثاقلية في نسيج الزمكان. على الرغم من الضعف المتوقع لهذه الأمواج لدى وصولها إلى الأرض فإنها تحمل في طياتها معلومات قيِّمة قد لا يوفرها الضوء.

وحالياً ثمة جهات عالمية عدة أقامت مكاشيف detectors على الأرض لرصد الأمواج التثاقلية أو في صدد إقامتها؛ وذلك إضافة إلى المرصد الفضائي Lisa المزمع تدشينه عام 2011.

بيد أن الأرصاد الحديثة لا تؤكد وجود أمواج تثاقلية. ولو ثبت وجود هذه الظاهرة فلابد أن تكون ناتجة من تحرير طاقة تثاقلية مذهلة.

- الثقوب السوداء

إذا وقعت كتلة الجسم الكروي في حل شفارتزشيلد المتناظر كرويًا ضمن كرة نصف قطرها ؛ فإن انحناء الزمكان في جوار هذا الجسم سيكون كبيراً جداً، وتشوهه عظيماً جداً. ومن ثمّ لن تستطيع الأشعة المنبعثة منه الإفلات من جاذبيته المريعة، فيظهر مظلماً جداً للراصد البعيد، ولن يدل على وجوده سوى حقله التثاقلي.

يسمى نصف القطر الحرج rs: نصف قطر شفارتزشيلد والكرة: كرة شفارتزشيلد، إن قيمة rs من أجل الأرض تساوي نحو سنتمتر واحد ومن أجل الشمس نحو كيلومتر واحد، ومن ثم فتشوه الزمكان في جوار هذين الجرمين ضئيل جداً.

والجرم الذي يتقلص نصف قطره إلى نحو rs المتعلق بهذا الجرم يصبح غير مرئي، وكل شيء يقع عليه يهوي نحو مركزه دون رجعة. يسمى هذا النمط من الأجرام: ثقباً أسود black hole.

ومن المعتقد حالياً أن «الثقب الأسود» هو المصير المحتوم لنجم يتعرض لانهيار تثاقلي gravitational collapse إثر استهلاكه وقودَه النووي.

ويُعتقد أيضاً أن المصادر السماوية لأشعة X هي نجوم ثنائية binary stars إحدى مركّبتي كل منها ثقب أسود.

ويمكن أن يرافق الانهيارَ التثاقلي لكتلة كبيرة جداً - وهي في طريقها؛ لتصبح ثقباً أسود - تحريرُ طاقة هائلة. وهذا أحد التفسيرات المطروحة لتوضيح بواعث الطاقة العظيمة التي تصـدرهـا الكوازارات[ر: الكازار] quasars.

- بنية الكون

إن مفعولات النسبية العامة قليلة الأهمية في الحياة العادية، لكنها من الأهمية بمكان على نطاق الكون كله؛ ولا سيّما أن هندسة الكون وتطوره يتعينان تماماً بكثافة الكتلة التي يحتويها. كما أن النماذج الكوسمولوجية (الكونية) cosmological models المنبثقة من النسبية العامة تمكن من الإحاطة بالأرصاد والمشاهدات، مثل: الانزياح التثاقلي نحو الأحمر للطيف الضوئي، والعديد من الأجرام السماوية (مجرات، مصادر راديوية)، وجود إشعاع متناح isotropic على أمواج ملّيِمترية. لكن لابد من التأكد ثانية أنه لا يمكن عدّ هذه الأرصاد والمشاهدات وحدها براهين ثابتة على نظرية النسبية العامة.

عدنان الحموي