المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لم يصل إلى درجة الاعتذار


Eng.Jordan
02-22-2013, 11:36 PM
د. رحيّل الغرايبة (http://www.jo24.net/index.php?page=writer&id=63)

عندما زار 'كاميرون' رئيس وزراء بريطانيا الهند قبل أيام؛ من أجل رفع مستوى العلاقات التجارية بين البلدين، ورفع مستوى التبادل التجاري، اضطر لزيارة النصب التذكاري لضحايا المجزرة الدموية البشعة التي ارتكبها الجيش البريطاني أثناء الحقبة الاستعمارية في أوائل القرن المنصرم، وذلك عندما أطلق النيران على تجمّع سلمي هندي في إحدى الحدائق والميادين العامّة، وذهب ضحيّة الاعتداء الهمجي عدد كبير من المواطنين المدنيين الهنود؛ جلّهم من النساء والأطفال الذين يزيد عددهم على (1000) شخص حسب تقارير هندية.
الرئيس البريطاني أحنى رأسه عدة دقائق أمام النصب التذكاري بعد أن وضع إكليلاً من الزهور، ووصف الحادث بأنّه حدثٌ مخجل، يجب أن يبقى عالقاً في الذاكرة التاريخية، وفي الوقت نفسه أكد الرئيس أنّ هذه التصريحات لم ترق إلى مستوى الاعتذار العلني من جانب بريطانيا العظمى.
ومن الجدير بالذكر أنّ ملكة بريطانيا زارت الموقع نفسه عام 1997م، ووصفت المذبحة بأنّها (حلقة محزنة)، وهذا ما فعله توني بلير الرئيس الأسبق، وقال إنّ هذا الحادث يعد تذكيراً بأسوأ جوانب الاستعمار، ولم يزد عمّا قاله 'تشرشل' الذي كان يشغل موقع وزير الخارجية في وزارة الحرب الاستعمارية عام (1920م) عندما قال إنّ المذبحة (عملٌ بشع)؛ ولذلك نلاحظ أنّ كلّ ما فعله كاميرون زيادة على ما فعله سلفه تشرشل قبل أكثر من (90) عاماً زاد منسوب الوصف من بشعة إلى مخزية، ولم يصل إلى مستوى الاعتذار.
هذا الفعل يشبه صنيع الرئيس الفرنسي (هولاند) عندما زار الجزائر، ووصف مجازر الجيش الاستعماري الفرنسي الذي كان يحتل الجزائر بأنّها كانت غير لائقة وتمثل حلقة مظلمة من التاريخ الاستعماري في المنطقة، ولكنّه رفض الاعتذار عمّا اقترفته فرنسا بحق الشعب الجزائري من قتل وتدمير واعتقال جماعي، وتعذيب أدّى إلى سقوط ما يزيد على (مليون) شهيد من الشعب الجزائري.
لماذا يستنكف قادة هذه الدول عن الاعتذار عن الجرائم الدمويّة البشعة والمروّعة التي ارتكبوها بحق الشعوب المستضعفة على مدار قرون، ولماذا تصل جرأتهم إلى ذلك المستوى التي تؤدي إلى الاعتراف بحقيقة هذا التاريخ المخزي، ويقفون على ذكريات المكان والزمان ويشتمّون رائحة الدماء البريئة، ويحملقون في عيون أبناء الضحايا وأحفادهم والأسر المفجوعة، ثمّ تأخذهم العزّة بالإثم وتأخذهم الأنفة إلى عدم الاعتذار، بل لا يتورعون عن طلب تسهيلات تجارية، ويطلبون فتح الأسواق أمام بضائعهم ومنتوجاتهم بكلّ بلادة!!.
بل وصلت درجة الاستهتار إلى أبعد من ذلك، فقد كشفت التحقيقات الجارية في فرنسا أنّ الرئيس الفرنسي السابق 'ساركوزي' قد أخذ ملايين الدولارات من الرئيس الليبي السابق (معمّر القذّافي) من أجل تمويل حملته الانتخابية، ثمّ عمد الرئيس الفرنسي نفسه إلى الإسهام في إسقاط الرئيس الليبي ودكّ قصره بالصواريخ، عندما أشارت التقارير الاستخبارية إلى أفول نجمه.
الشعوب المستضعفة التي تعرضت لحقبة استعمارية بشعة في القرن الماضي، تخلّلها أعمال مخزية ومشينة من مذابح ومجازر دمويّة بحق المدنيّين، وقتل وتدمير للبيوت وحرق للمزروعات، وتسميم للمواشي، واغتصاب للنساء، كلّ ذلك يحتاج إلى اعتراف علني واعتذار صريح لهذه الشعوب المنكوبة، بل إنّ هذه الحقيقة الاستعمارية التي تمثل لطخة سوداء في التاريخ البشري تحتاج إلى ما هو أكثر من الاعتذار، تحتاج إلى تسوية وتعويض للضحايا من دول وشعوب وأسر عن كلّ قطرة دمّ أريقت، وعن كلّ حادثة قتل واعتقال واغتصاب وتدمير وحرق تمّت على أيدي الجيوش الغازية.
أمّا الشعوب المستضعفة فهي بحاجة إلى توثيق هذه الحقبة بطريقة منهجية علميّة، وأن تعمل على إيجاد جهة مختصة متفرغة لهذا الشأن وإنشاء متحف كبير واسع في كل دولة لرعاية هذه الجهود وتوثيقها، ومن أجل حفظ حقوق الضحايا؛ لأنّ الحقوق لا تضيع مهما طال الزمن.العرب اليوم