المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في رواية "ذاكرة الماء"


Eng.Jordan
02-28-2013, 03:01 PM
تاريخ تسلم البحث: 13/9/2004م تاريخ قبوله للنشر: 28/2/2005م


حمل المرجع كاملاً من المرفقات

زهير محمود عبيدات*



م وقفت الدراسة عند الأزمة التي تعتمل في المجتمع الجزائريّ، منذ حرب التحرير حتى هذه الأيام، وتجليّاتها السياسيّة والثقافيّة، كما انعكست في رواية الكاتب الجزائري واسيني الأعرج "ذاكرة الماء". وسلّطت الضوء على الخطاب السياسيّ الذي تهتدي به كلّ من السلطة والمعارضة في ممارساتها، وعلى بعض التقنيّات والظواهر الفنيّة التي استخدمها الكاتب في التعبير عمّا يدور في الواقع الجزائري، لعلّ من أبرزها التذكّر والمفارقة والبوح بالصوت العالي. وكشفت عن فضاء الرواية الذي يحتلّه الموت، وعن أزمة المجتمع التي نجمت عن غياب الوعي والثقافة بسبب تغييب المثقفين الجادّين، وعن الجنون الذي أصاب العقل الجزائري، وعن القوى التي تستّرت بالإسلام فأساءت إليه وكفرت بدم الشهداء والماضي المشرق، من خلال صرخات الكاتب واستغاثاته وتساؤلاته من موقد النار، ملقياً بمسؤولية وقف التدمير وبناء الحياة على العقل الجزائريّ.
Abstract

This is a study of the Algerian writers’ " Waseeni AL-A’araj " novel “Thakerat AL-Ma’a" which spotlights some of the artistic techniques which were manipulated by the writer to express what is really going on in Algeria , since the liberation war until nowadays , most importantly is the remembrance and the revealing in a loud voice. It reveals the space of the novel in which death occupies a good place, and the community crisis which has crystallized in the shape of a crisis of culture and intellectuals, more over, it talks about the madness that swept the Algerian minds and those powers that took Islam as a disguise but tarnished its **** and disgraced the blood of martyrs.

The hope of the writer was embodied in the study through his calls and exclamations. He puts the responsibility on the Algerian mind to stop destruction and start construction a new life.




*

أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية العلوم والآداب، الجامعة الهاشمية.

مقدّمة:

وقفت الدراسة عند الأزمة السياسية في الجزائر، كما عكستها رواية "ذاكرة الماء"، وعند أزمة الثقافة والمثقفين وعلاقتهم بالسلطة. كما وقفت عند طوائف المثقفين والأذى الذي لحق برموز الثقافة ومعالمها المادية، وتمعّنت في الخطاب السياسي والثقافي لكلّ من السلطة والمعارضة، ومواقف الشخصيات منهما. وكشفت الدراسة عن الحملة التي يتعرّض لها الإسلام، وأهداف القوى التي تستّرت به. وبيّنت تجربة الإسلام السياسي، وحذّرت من الصمت على ما يجري. وسلّطت الضوء على الظلام الساطع وشمس الجاهلية المعاصرة إلى أن استحالت الرواية معرضاً لأشكال الموت.

كما توقّفت الدراسة عند الظواهر الفنية اللافتة والتقنيّات التي استخدمها الكاتب، مثل الذاكرة والمفارقة والصورة و"القصاصات" الصحفيّة. ولابدّ من الإشارة إلى ندرة الدراسات التي وقفت عند الرواية، إذ وقع بين يديّ مقالات صحفية محدودة لا تصلح أساساً لدراسة علميّة.

ينتمي كثير من شخصيّات هذه الرواية الواقعيّة إلى جمهور المثقفين، الذين عبّروا عن مواقفهم بـ "الدهشة" و"التساؤلات" و"الصرخات".

يذكّرني تساؤل الأعرج: "وهل للماء ذاكرة؟" بأقوال نردّدها، مثل "احرثْ البحر" و"اشربْ البحر" و"بلّطْ البحر" و"هذا العمل كالحرث في البحر"، وكلّها تدلّ على الفعل العقيم. هل من علاقة بين عنوان الرواية الرئيس "ذاكرة الماء" وعنوانها الفرعي "محنة الجنون العاريّ"؟ أليست صفحة الماء كصفحة الصحراء في أنّهما لا تحتفظان بالآثار والعلامات، نظراً لما تحدثه الأمواج والرياح؟ هل من محنة أكبر من الجنون نفسه؟ أليس ما يمرّ به المجتمع الجزائري أقرب إلى الجنون؟ أليس غياب ثقافة التعدّد والديمقراطية والعدالة الاجتماعية محنة؟ هل نستطيع القول: إنّ غياب الوعي والثقافة هو الذي أجّج قضية الجزائر التي تجسّدت في شكل سياسيّ؟ هل ما يحدث في الجزائر هو ثمن الديمقراطيّة؟
-1-

تشغل حكاياتُ الموت فضاءَ الرواية، إذ بدأ النصّ بكلمة (الظُلمة) بدلالاتها وأبعادها، وانتهى بمشهدٍ تبحث فيه "نوّارة" عن مكانٍ لها داخل مستشفى المجانين. وأكّد الراوي، وهو يستعرض أشكال الموت وظواهره، أنّ "الخيال" يحاذي الواقع، لهذا لم يشعر بالدهشة حين تحقّقت نبوءة "العرّافة" بما حلّ به وبالإنسان الجزائريّ من عذاب ومصائب. هذا هو فضاءُ الرواية، فضاءٌ يطارد فيه الموتُ الحياةَ، ليترك آثاره في البناء الفنيّ وفي الرؤية والمعجم اللفظيّ، فشاعت رموز الموت واختفت في المقابل رموز الحياة.

أضاء الكاتب نصّه في مقدّمته التي صدّر بها روايته هذه "وهل للماء ذاكرة؟ هو ذاكرتي أو بعضاً" ؟ "منها. ذاكرة جيلي الذي ينقرض الآن داخل البشاعة والسرعة المذهلة والصمت المطبق، ذنبه الوحيد أنه تعلّم، وتيقّن أنّه لا بديل عن النور سوى النور في زمن قاتم نزلت ظلمته على الصدور لتستأصل الذاكرة قبل أن تطمس العيون. هو مجرّد صرخة من أعماق الظلام ضد الظلام، ومن داخل البشاعة ضد البشاعة. ونشيد مكسور للنور وهو ينسحب بخطى حثيثة لندخل زمناً لا شيء فيه ينتمي إلى الزمن الذي نعيشه"([i]).

1- أساليب سردية:

أ- التذكّر: يقوم النصّ على "التذكّر"، فقد روى الراوي / الأستاذ الجامعيّ "موح" صراعه مع الموت اليومي وسيرة الوجع الجزائريّ وأحداثاً مؤلمةً وقعت في الجزائر، خلال عدد من جلسات الاستذكار، بأسلوب يتداخل فيه صوت الراوي مع صوت الكاتب.

ومثلما استندَ النصّ إلى "الذاكرة الشفاهية" استند إلى "الذاكرة المكتوبة"، التي تمثّلت في ما احتفظ به الراوي من "قصاصات صحفية" و"مدوّنات" كانت ذاكرة الجرح الجزائريّ. وعلى هذا الركام الذي يحمل أخبار الموت والعقم والخوف ومحنة الثقافة والمثقّف وصور البؤس وخراب الوطن وتمزّقه ومعاناة أبنائه - نهضَ النصّ. وهكذا كانت القصاصات" مشاعل للذاكرة، وكانت الرواية صفحات من الذاكرة المؤلمة.

ب- الرسائل: كما يقوم النصّ على "الرسائل"، من بينها تلك التي تبادلها الراوي مع زوجته "مريم" التي تدرّس في جامعة فرنسيّة، بيّن فيها رؤيته لرسالة المثقف، واختلافه مع الذين يديرون ظهورهم للوطن في مأزقه، وأساه على أساتذة الجامعات والمثقفين عامةً. كَتَبَ لها من الخراب والتخلّف والمعاناة، بمفردات الموت المعهودة في الرواية مثل "جنود منكسرين، العري، الخوف، المدينة القفر، الموت، الخراب، الاحتراق، التصحّر، الحزن، التنكّر، الجهل، الاندثار، الفقدان، الجنون، الذبح، الثلاثاء يوم ذبح المثقفين، ريما تندفن …".

2- المفارقة: نهض النصّ على "ثنائيات ضدّية": الموت: الحياة، الذاكرة: النسيان، الاستمرارية: الفناء، السلطة: رموز الثقافة، الجوهر: الشكل.

([i]) الأعرج، واسيني، رواية "ذاكرة الماء/ محنة الجنون العاري"، ط1، منشورات الجمل، كولونيا، ألمانيا، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1997، ص7.