المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بِنْيَةُ الاسْتِجابَةِ في شُروحِ حَسَن كامِلِ الصَّيْرَفِيِّ


Eng.Jordan
03-01-2013, 06:31 PM
بِنْيَةُ الاسْتِجابَةِ في شُروحِ حَسَن كامِلِ الصَّيْرَفِيِّ
على الشِّعْرِ الْجاهِلِيِّ
تاريخ تسلم البحث: 17/9/2004م تاريخ قبوله للنشر: 2/4/2009م
محمد موسى العبسي*


حمل الدراسة من المرفقات

Eng.Jordan
03-01-2013, 06:32 PM
تقديم: مُقَدّمات الشروح ومتونها: من ميثاق القراءة إلى بنية الاستجابة:
غاية هذا البحث النظر في شروح حَسَن كامل الصَّيْرَفِيّ على ثلاثة من دواوين الشِّعْر الْجاهلي: ديـوان عمرو بن قَمِيئـة، وديوان الْمُتَلَمِّس الضُّبَعيّ، وديوان الْمُثَقِّب العَبْديّ( )، في ضوء نظريات التلقي والتأويل.
وإذا كان دَرْس مُقَدّمات شروح الصَّيْرَفِيّ يجلو ما اشتملت عليه من مناحي التلقي ومسائله، وما يتعلق بِها من أفق التوقع الذي صدر عنه الشارح، وأفق التوقع الذي يَسَعُ مُقَدّمات الشروح أن تَبْنِيَهُ في ذهن متلقيها، وما يفضي إليه ذلك من: برمجة تلقي القارئ للشروح والأشعار في صورة مُتَعَيِّنَة؛ وعقد ميثاق قرائي -بين المُقَدّمات والمتلقي- ينشأ من طريق تقديم الشارحِ النصَّ إلى قارئه على نَحوٍ يتيح آفاقَ انتظارٍ وتلقٍ وتأويلٍ متعددةً؛ لما للتقديم من وظيفة تنبيهية، إذ إنه يقدِّم سلسلة من العلامات والْمُوجِّهات التي تسمح بإقامة عملية الإبلاغ وتوجيه التلقي( ).
وإذا كـان دَرْس المُقَدّمات ينتهـي إلى
اكْتِناهِ جملة من مظاهر التلقي، من نحو: سلطة الشارح الإكراهية في توجيه قارئ الشروح، والمنحى السِّيرِيّ وما ينبثق عنه من سلطة المُؤلِّف (أي اعتداد الشارحِ الشِّعْر محاكاة لحياة الشاعر وسيرته) وسلطة المدلول (أي انغلاق التأويل على معنى ظاهر قطعي)، وسَنَنِ (شفرة)( ) تَلقِّي الجنس الشِّعْري( ).
إذا كان شأن النظر في مُقَدّمات الصَّيْرَفِيّ على ما وصفتُ، فإن العناية، في هذا البحث، ستنصرف إلى جلاء مناحي استجابة الشارح (القارئ) وملامحها في متون الشروح الناجزة على الدواوين المذكورة. أي الكشف عن المظاهر الصريحة والضِّمنِيّة لاستجابة القارئ الصريح (وهو الشارح)، واستجابة القارئ الضِّمنِيّ (وهو متَلقِّي النصوص مع شروحها).
مهاد نظري:
في فعل القراءة ومَنطِق الاستجابة
استحالت عنايةُ نَقَدَةِ الأدب، في نظريات التلقي والتأويل الحديثة، من النص، من حيث هو شيء قائـم بذاته، إلى الاستجابـة التي يثيرها والتجربة التي يولدها، وإلى مَبْلَغ تعالقهما وتداخلهما وتفاعلهما( )؛ ذلك أن النص الأدبي بنية مفتوحة غير قابلة للحسم، وهو "قصد يتحقق داخل القصد الفَعّال للقارئ، بل يَدخل ضمنه. تحدث حالة تشبه الغيبوبة للقارئ الذي ينغمس في العمل الأدبي"( ). ويَتَرَتَّب على هذا أن النص الأدبي هو مُلْتَقى وعي الكاتب ووعي القارئ( )، أعني الكاتب والقارئ الصريحين، فضلاً عن كونه مُلْتَقى القارئ والكاتب الضِّمنِيّين.
وإذا كان النص بنية مفتوحة غير قابلة للحسم، فإن نصيته تَتَقَسَّمُها مناح متعددة وروافد متنوعة؛ إذ إنه يَتَرَجَّح بين: المرئي/ وغير المرئي، والداخل/ والخارج، والحاضر/ والغائب، والنص/ والسياق( ). وهذه المناحي والروافد هي عوامل فاعلة في الاتصال بين النص والقارئ، وفي وقوع استجابة معينة، ذات ملامح مائزة، أي أنها تجعل الاستجابة، على ما ذهب إليه (بليتش David Bleich)، إعادةَ ترميزٍ، وفعلاً إدراكيًا ينقل التجربة الحسية إلى الوعي فتصبح جزءاً من الشعور بالذات( ). وباعتبار ذلك فإن هذه الاستجابة ستكـون ذات منطق مخصـوص وبنية مخصوصة؛ لِلَّذي ينطوي عليه القارئ من سُنَن وأنظمة رمزية وثقافية ومعارف متنوعة تَمِيزُهُ من غيره وتُوَجِّهُ سيرورة قراءته. وستكون مهمـة الدارس الكشف عن بنيـة
استجابة القارئ وملامحها المائزة( ).
ورفضُ نقادِ استجابةِ القارئِ النظرَ إلى المعنى على أنه كامن في النص حسب، ورفضهم اعتدادَ النص موضوعًا قارًّا، كل ذلك أفضى إلى تعزيز فاعلية القارئ في خلق المعنى. وكذا أفضى رفضُهم التمييزَ بين النص وما يفعله إلى نتيجة مُحَصَّلُها أن النص هو ما يفعله( ). وعلى هذا فإن تجربة القراءة تشمل ما يفعله القارئ في النص وما يفعله النص في القارئ( ).
عندما نعالج النص الأدبي من حيث هو موضوع أو فعل مكتسِب شكلاً ومعنى( )، أو من حيـث هو شيء يَتَّخِذ شكـلَه في الأذهان( )، وعندمـا ننظر إليه على أنـه موضوع للتأويل، فإن ذلك يقتضي أن تُفْهَم الاستجابةُ بأنها ليست فعلاً ومسلكًا للوصول إلى المعنى حَسب، بل هي المعنى نفسه؛ ذلك أنها ليست عملاً أجوف، لكنها مَأْلَفُ جملةٍ من أفعال النشاط التفسيري الدؤوب، من صوغ الافتراضات وتنقيحها، وإصدار الأحكام والرجـوع عنها، وبَسْط الأسئلـة ومحاولة الإجابة عنها. ووصف هذا النشاط التفسيري سيكون وصفاً لحقل متحرك من الشواغل، حقل قائم برأسه لا يفضي ضرورةً إلى المعنى، ولكنه يعمل على تكوين المعنى، وهو على الدوام مشغول بتكوين نفسه( ).
فالقراءة، إذن، تجربة مشتركة يَتَساهَمُها
النصّ والقارئ، والمعنى هو حَدَث يقع بين الكلمات وعقل القارئ( ) ويخضع لسلطان من السَّنـَن اللساني والسَّنَـن الثقافي وسَنَن الجنس الأدبي، وما إلى ذلك من الأعراف والسياقات والأحوال المُعْتَبَرَة التي تُحْوِج إليها قراءة النص.
والمعنى، أيضًا، ذو طبيعة مزدوجة؛ لأنه مُحَصَّلُ التفاعل بين إلماحات النـص وتأثيراته، من وجـه، وفعل القارئ وفهمه، من وجه آخر( )، وهو عمل تجميعي ينهض القارئ بِتَقَرِّيهِ وبنائه، مِن طريق تَقَصِّيه لوجهة النظرِ الشاردةَ المتحركة التي تصاحب فعل القراءة في أجزاء النص المتعاقبة( )، محاولاً في خلال ذلك ملء الفراغات الدلالية التي تتضمنها البنية التخطيطية والتنظيمية للنص. وملءُ الفراغات يكون بفك سَنَن (code) النص ورموزه والتوفيق بين رؤاه المتعارضة. إنها حال مستمرة من البناء وإعادة البناء يعمل فيها الحافز النصي على مراوغة خيال القارئ وتنشيط عقله الواعي( )، وهذا يدل على أن المعاني التي ينتهي إليها القارئ ليست معاني يقينية، وإنما هي معان تجريبية، أي أنها رهن بتجربة القراءة( ).
وإذا كان إنتاج المعنى على الصفة التي أتيت عليها فيما تقدم، فإن الباحث، في خلال وصفه بنية استجابة القارئ، يَسَعُهُ أن يتعقب الانبثاق التدريجي للمعنى من طريق التفاعل بين النص - من حيث كونه سلسلة متوالية من الكلمات - واستجابةِ القارئ المتصاعدة المتتابعة وعلاقتِه بالكلمات وهي تتعاقب واحدة في إثر أخرى، وما يفعله في سبيل ضبط تدفقها الزمني بما أوتيه من قدرات لغوية ودلالية( ). وينبغي للباحث حينئذ أن يعنى بوصف الأفعال التي تتضمنها الاستجابة( )، وأن يحتـال للكشف عن الاستراتيجيـات الإدراكية التي يَمْتَثِلُها القارئ في تجربة القراءة، من أجل الفهم وإنتاج المعنى( ).
لقد صرف المقترب الظاهراتي عنايته إلى موضع اللقاء بين النص والقارئ، وما ينطوي عليه ذلك من الأعمال الذهنية التي يستمدها القارئ من النص أو يفرضها عليه. ففعل القراءة إنما هو فاعلية لتكوين المعنى تتألف من جملة من التدابير( )، ووصفُها يرمي، على حد وصف (كلر Jonathan Culler)، إلى "دراسة شرائط المعنى" وتفسير الاعتبارات والأحوال التي تمخضت عنها أحكام القارئ وحدوسه وتأويلاته للنص، والبحث في كيفية تحقيق الأعمال الأدبية معناها. والمقصودُ بشروط المعنى: المواضعاتُ المُحْتَذاة في تجربة القراءة، بما هي تجربة فردية تَنْماز مما سواها( ). ولا بد للدارس أن يَعْتَبِر ما جرى في عقل القارئ من مناحي النشاط الذهني التي استثارها توالي الكلمات، وما اعتوره من عواملَ متراكمةٍ ضاغطةٍ سابقةٍ لتجربةِ القراءةِ الفعليةِ متعلِّقةٍ بمسائلِ التاريخ والجنس الأدبي( ).
ويشترط بعض نقاد استجابة القارئ، على من يتصدى لفعل القراءة، توافر جملة من شـروط الأهلية، منها ما ذكره (فـش Stanley Fish) من صفات ما سماه "القارئ الخبير"، وهي أن يكون متمكنًا من اللغة التي بني بها النص، وذا معرفة دلالية بالمفردات المعجمية وباحتمالات المصاحبة اللفظية وبالعبارات الاصطلاحية، وذا مقدرة أدبية تمكنه من استبطان خصائص الخطابات الأدبية، بما ينطوي عليه ذلك من معرفة بالأجناس الأدبية وبالوجوه البلاغية، كالتشبيهات والاستعارات( ). ولعل هذه الصفات أن تجعل القارئ الذي يحوزها قادرًا على تَمَلُّك التجربة التي يرغب المُؤلِّف -وهو هنا الشاعر- في تقديمها( ).
ومن ذلك ما ألمح إليه (أمبرتو إيكو Umberto Eco) في كلامه على القارئ النموذجي الذي تَخَيَّلَ المُؤلِّف (الشاعر) صورته في النص. والقارئ النموذجي إنْ هو إلا جِماع شروط النجاح التي وُضِعت نصيًّا والتي ينبغي أن تُستوفَى في سبيل أن يصير النص إلى تَحْيِينِ (تفعيل) مضمونِه الكامن( ). ويقتضي ذلك أن ينماز المتلقي الصريح بصفات معينة يَتَهيَّأُ له معها أن يحاول التوافق مع صورة القارئ النموذجي.
متون الشروح ومتون النصوص:
حوار التلقي
بعد فراغ الصَّيْرَفِيّ من عقد الميثاق القرائي، بين مُقَدّمات شروحه ومتلقيها، أخذ في شَرْح نصوص الدواوين شروحاً مستقصية، من وجوه مختلفة. ومتون الشروح شأنها شأن المُقَدّمات، من حيث إن كلاً منهما يعد من "النصوص الْموازية" أو "مُرْفَقات النص" التي تتيح آفاقَ انتظارٍ وتلقٍ وتأويلٍ متعددةً( )، وتضطلع بوظيفة تنبيهية؛ إذ يُقدِّم سلسلة من العلامات والْمُوجِّهات التي تسمح بإقامة فعل الإبلاغ وتوجيه التلقي( ). ويَتَرَتَّب على ذلك أن النص الشِّعْري يدخل في علاقة مع نص شارح؛ فيفقد استقلاله ويتحول إلى متن، ويبدأ فعل القراءة في صـورة حوار بين متون النصـوص ومتون الشروح( )، فالطرفـان كلاهما يؤسسان نصيـة النص، أي كيفيـة قراءته( )، من طريق الربط بين ما هو داخله وما هو خارجه.
متون الشروح:
منهــــــــج الشـــــــرح
يقتضي اكتناه مناحي منطق الاستجابة، في شروح الصَّيْرَفِيّ، أن نقف على الملامح العامة التي تَمِيزُ منهج الشرح. وقد انكشف النظر في الشروح، على الجملة، عن الملامح الآتية( ):
1. أنه يعرض، في الأكثر، لسبب نظم القصيدة
وغرضها ومناسبتها، من مظانها الرئيسة، ويذكر الروايات المختلفة فيها إذا وسعه ذلك.
2. أنه يشرح الأبيات بيتًا بيتًا:
- فيذكر الروايات المختلفة للبيت الواحد، ويثبت، في الأكثر، الرواية الراجحة في المتن، وقد يثبت الرواية المرجوحة.
- ويذكر المعنى اللغوي لغريب الألفاظ في البيت الواحد، وقد يجتهد في استخراج المعنى من المعاجم، وقد ينقل شروح الألفاظ من مؤلفات القدماء.
- قد يذكر المعنى السطحي المباشر للبيت، على الجملة، وقد ينقل شروح البيت من مؤلفات القدماء.
- قد يعرض للمناحي البلاغية والثقافية والسيميائية، وقد يذكر من الشواهد ما يعضد ذلك.
- قد يعرض لبعض المسائل النحوية والعروضية.
- قد يستشهد، من الشواهد الشِّعْرية وغير الشِّعْرية، بما يدخل في علاقة تناصية مع البيت مناط الشرح.
- قد يستشهد بشواهد شعرية وغير شعرية ورد فيها اللفظ مناط الشرح. وقد يعرض للروايات المختلفة للشاهد.
- قد يعرض لبعض الأحكام النقدية المتعلقة بالقصيدة أو ببعض أبياتها.
ويشي منهج الشرح هذا بجملة من مناحي بنية الاستجابة للنصوص الشِّعْرية:
متون الشروح:
مناحي بنية الاستجابة
إذا كانـت قراءة النص، عامـة، عملاً منقوصًا وفعلا جزئيا لا يبلغ غايته القصوى( )، فإن الشروح، خاصة، أولى بأن توصف بهذا النقص؛ ذلك أن الشارح لم يقصد إلى تأويل النص تأويلا شاملا يَعْتبر فيه تَشكُّل النص وانبناءه المستمرين، وما يَعرِض في خلال ذلك من البناء والهدم وإعادة البناء، وإن وقع بعض ذلك ضمنيًّا من غير تصريح، ثم إن أية قراءة أنى كان وجهها لا يسعها أن تستنفد كل إمكانات النص الدلالية. وما يرمي إليه البحث هو محاولة الكشف عن الملامح الرئيسة الصريحة والضِّمنِيّة التي تَمِيزُ فعلَ الشرح، من حيث هو تجربة خاصة في القراءة تتوجه إلى قارئ ضمني قادر على تحيينها (تفعيلها) والإفادة منها في التأويل الشامل وإنتاج المعنى.
على أن وصف هذه التجربة لا يعدو كونه وصفًا جزئيًا لا يستوفي طبيعة تجربة القراءة المعقدة( ). وقد انتهى درس متون شروح الصَّيْرَفِيّ إلى جملة من ملامح بنية الاستجابة، أهمها: المعنى والتسييق، المعنى والرواية، المعنى وحوار النصوص، استجابة الصَّيْرَفِيّ بين المُشاكَلَة والنَّصِّيَّة.
1) المعنى: التَّسْييق وأفق التلقي:
إذا كان المعنى غير معزول عن شروط إنتاجه( )، فإن القارئ سيعمد إلى استحضار سياقات إنتاج النص المتنوعة التي يحدس أنها تهيئ له أن يتماهى مع استراتيجية النص، وسُنَنِ (شفرات) تأليفه، وأنساق استقباله الضِّمنِيّة. وهي كلها تعزى إلى ما يسمى المُؤلِّف الضِّمنِيّ، أي أن القارئ، في خلال قراءته وسعيه إلى الإيفاء بشروط القارئ النموذجي- كما يسميه إيكو( )- التي يتضمنها العمل، يحاول أن يضم وعيه إلى وعي الآخر، الذي هو الذات المُسْتَكِنَّة في هذا العمل( ).
وإذا كانت بنية النص اللغوية وأنساقها الأسلوبية الضابطة لاستقباله، ثابتة لا تتغير، فإن سُنَن استقباله- وكذا مضماره اللغوي- ستختلف باختلاف متلقيه، واختلاف زمان تلقيه( )؛ ذلك أن البون الزماني يفضي إلى بون (أو تَناءٍ) ثقافي يباعد بين أعراف التأليف وأعراف التلقي، فيتحول التنائي نفسه إلى إنتاجية( ).
ويَتَرَتَّب على هذه الإنتاجية أن السياقات التي يستحضرها قارئ معين ستختلف عن السياقات التي يستحضرها سواه من القراء؛ وذلك لاختلاف أفاقهم. وأفق القارئ إنما هو جماع ثقافته وتصوره لشعرية الشِّعْر، ومنهجه في القراءة والتأويل، وما إلى ذلك مما يتعلق بهذا الأفق. فالنص الشِّعْري -كما يرى (لوتمان Youri Lotman)- ذو طاقة إعلامية كثيفة، تقتضي الوعي بمنابع الدلالة الثقافية للشعر( )، وهي تختلف باختلاف القراء وتباين قدراتهم على الفهم.
وينكشف النظر فيما أتينا عليه، قبل، من ملامح منهج الشروح، عن منحيين رئيسين في تسييق النص:
- أما الأول فالغرض والمناسبة وما يتعلق بهما من وجوه التلقي وآفاقه.
- وأما الثاني فالعلامة والمعنى والسَّنَن.
• التسييق: الغرض والمناسبة:
في خلال الفعل القرائي ينحو الفهم نحو الوحدة القصدية للخطاب، ومحاولة الإمساك بالمعنى الكلي للنص( )؛ أو نحو ما وصفه (دايك Teun A. van Dijk) بـ "البنية الدلالية الكبرى" و"البنية الدلالية العليا"( ) أو ما سماه إيكو "مدار النص Topic"( ). أما النقاد العرب القدماء فشاع في تآليفهم اصطلاح "الغرض" للتعبير عن وحدة القصد. ومن أجل ذلك يعمد الصَّيْرَفِيّ إلى استحضار ما وسعه من الروايات المختلفة؛ للوقوف على غرض القصيدة ومناسبتها وأسباب نظمها، من مظانها الرئيسة، في سبيل الوصول إلى قدر أكبر من الثقة في تحقيق معنى النص. من ذلك ما عرض له فيما يتعلق بقصة نظم دالية عمرو بن قَمِيئة، ومطلعها( ):
خَلِيـلَيَّ لا تَسْتَعْجِلا أَنْ تَزَوَّدا
وَأَنْ تَجْمَعا شَمْلِي وَتَنْتََظِرا غَدا

فقد أشار إلى مصادر القصة: الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ومصارع العشاق للسـراج، وتجريد الأغاني لابـن واصل، ومختار الأغاني لابن منظور. ثم ذكر لها روايتين من كتاب الأغاني: حاصل الأولى أن امرأة مرثد بن سعد بن مالك -عم عمرو بن قَمِيئة- كانت راودت عمرًا عن نفسه، في غياب زوجها، فلما امتنع من إجابتها إلى ما أرادت، شكت أمره إلى زوجها متهمة إياه بأنه اسْتامَها نفسَها، فَهَمَّ عمه بقتله، لكنه هرب إلى الحيرة. ثم إنه اعتذر إلى عمه ومدحه. وأما الرواية الثانية فحاصلها أن مرثدًا لما سمع بذلك هجر عمرًا وأعرض عنه ولم يعاتبه لموضعه من قلبه فاعتذر إليه عمرو بهذه الأبيات( ).
والصَّيْرَفِيّ هنا حريص كل الحرص على إعادة بناء الأفق التاريخي للنص؛ لعله أن يظفر بالماضي الحقيقي الذي كان سبب نظم القصيدة. ولذلك نراه يحاول تصحيح ما وقع فيه بعض القدماء من أوهام أو أخطاء تاريخية تتعلق بسياق النص، من ذلك ما ذكره في كلامه على غرض قصيدة الْمُثَقِّب الرائية ومطلعها( ):
هَل لِهَذا القَلبِ سَمْعٌ أَو بَصَرْ
أَو تَنـاهٍ عَنْ حَبيـبٍ يُدَّكَـرْ

فقد نقل ما ذكره ابن منظور في "لسان العرب" من أن الْمُثَقِّب يمدح في هذه القصيدة عمرو بن هند الذي نصر قومَ الْمُثَقِّب على كتيبة النعمان بن النذر المسماة "دَوْسَر". ثم أخذ في بيان ما اعتور هذا القول من الأوهام، فنفى أن يكون عمرو نَصَر قومًا آخرين على كتيبة قومه، ونفى أن تكون الكتيبة "دوسر" هي للنعمان بن المنذر، كما توهم كثير من القدماء كالأزهري والجوهري وابن دريد، فهذا " قول مجانب للحقيقة بعيد عن التاريخ ... والحقيقة أن صاحبَ دوسر الأولَ النعمانُ بن امرئ القيس البدء ... اللخميّ ويقال للنعمان هذا فارس حليمة، كما يقال له النعمان الأول والنعمان الأكبر ويقال له أيضًا الأعور السائح"( ).
وقد يستشهد على ما يذهب إليه، في تسييق النص مناط الشرح، بأبيات من "النصوص المجاورة" للشاعر نفسه؛ لما تتضمنه، في رأيه، من إشارات تعضد ما يذهب إليه، من ذلك مناقشته لرأي الأصمعي الذي نفى أن يكون الْمُثَقِّب مدح عمرو بن هند( ) في نونيته( ):
أَفاطِـمُ قَبـلَ بَينِكِ مَتِّعيني
وَمَنعُكِ ما سَأَلتُكِ أَن تَبيني
التي يقول فيها( ):
إِلى عَمـرٍو وَمِنْ عَمرٍو أَتَتْنِي
أَخى النَجَداتِ وَالحِلمِ الرَّصِينِ
فقد ذهب الصَّيْرَفِيّ إلى أن قوله: "إلى عمرو" دليل على أنه كان معتزمًا الذهاب إليه، ومثله قوله في قصيدة أخرى( ):
وَإِلى عَمْـرٍو وَإِن لَـمْ آتِـهِ
تُجلَبُ المِدْحَةُ أَو يَمْضي السَّفَرْ
وربما عمد، في سبيل ذلك، إلى ربط نصوص الديوان بعضها ببعض، فيما تتفق فيه من المناسبة والغرض والأحداث التاريخية التي تتعلق بها، من ذلك ربطه سبب نظم القصيدة السابعة، من ديوان الْمُتَلَمِّس الضبعي التي يقول فيها( ):
تَفَرَّقَ أَهْلِي مِنْ مُقِيمٍ وَظاعِـنٍ
فَلِلَّـهِ دَرّي أَيَّ أَهلِـيَ أَتْبَـعُ
بالقصيدة الأولى التي يقول فيها( ):
يُعيِّرُني أُمِّي رِجالٌ، لا أَرى( )