المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر الأموي الأحوص


Eng.Jordan
03-03-2013, 06:20 PM
الأحوص

(000-105هـ/ 000- 723م)



عبد الله بن محمد الأنصاري, من قبيلة الأوس, ولُقب بالأحوص لحوَص كان في عينيه (وهو ضيق في مؤخّر العين), وكنيته أبو محمّد. جدّه عاصم بن ثابت بن الأقلح صحابيّ جليل قُتل يومَ الرَّجيع وأراد المشركون أخذه ليمثّلوا به فمنعته الدَّبْر -أي النَحل- فقيل له حَمِيّ الدَّبْر.

جُهلت سنة ولادته كما جهلت سنة وفاته, ولكنّ أخباره تدلّ على أنه توفي في آخر خلافة يزيد بن عبد الملك (102- 105هـ).

عُرف الأحوص بمجونه وهجائه الفاحش, وقد جرّ عليه هذان الأمران الأذى مراراً وأسخطا عليه أولي الأمر, ومن ذلك أنه لمّا قدم على الوليد بن عبد الملك أخذ يتحرّش بوصفائه, فأرسله الوليد إِلى ابن حزم والي المدينة وأمره أن يجلده مئة ويصبّ على رأسه زيتاً ويشهّر به.

كان الأحوص قد تعرّض لابن حزم - وهو من الخزرج - لمّا وُلّي المدينة وهجاه, فلمّا أقامه على البُلُس (وهي غرائر كبار كان يجعل فيها التبن ويشهّر عليها من ينكّل به) هجاه كذلك وفخر بنفسه فقال:

مــا مـن مُصيبة نَكبـــة أُمنَى بهـــا


إِلاّ تشـــرفُني وترفعُ شــاني

وكان الأحوص يتحرّش بنساء المدينة ويتغزّل بهنّ, وأكثر غزله في امرأة من الأنصار تعرف بأمّ جعفر, ومن جيّد غزله فيها قوله:

وإِنّي ليدعـــوني هـــوى أمّ جعفـــــر


وجاراتها من ســـاعةٍ فأُجيبُ

وإِنـــي لآتي البيــــتَ مـا إِنْ أُحبُّــــه


وأُكْثر هجرَ البيت وهو حبيبُ

وأُغضي على أشياءَ منكم تسوءُني


وأُدعى إِلى ما سَــرَّكم فأُجيب


فلمّا كثر تشبيبُه بها توعّده أخوها أيمن وهدّده, فلم ينتهِ, فاستعدى عليه والي المدينة, فربطهما في حبلٍ ودفع إِليهما سَوطَين فتجالدا فغلب أخوها وفرّ الأحوص. ولمّا كثر هجاؤه أشرافَ المدينة وتشبيبُه بالنساء أمر سليمان بن عبد الملك واليه على المدينة بجلده ونَفيِه إِلى جزيرة دَهْلَك (وهي جزيرة صغيرة في بحر اليمن كان بنو أمية ينفون إِليها من يسخطون عليهم), وقد ظلّ في منفاه ذاك طَوال خلافة سليمان. فلمّا استُخلف عمر بن عبد العزيز كتب إِليه الأحوص يستأذنه في القدوم ومدحه بأبيات, ولكن عمر أبى أن يأذن له وأقسم لا يردّه ما كان له سلطان, لسوء سيرته وفُحش غزله وتعرّضه للنساء.

ولمّا وَلي يزيد بن عبد الملك بعد عمر دسّ الأحوص إِلى حَبَابة المغنّية فغنّت يزيد بأبيات يمدحه فيها, فسألها عن قائلها فقالت إِنه الأحوص, فأمر بإِقفاله من دهلك, وأمر له بكسوة ومال.

وقد دخل الأحوص على يزيد بعد ذلك فقال له يزيد: والله لو لم تَمُتَّ إِلينا بحُرمة ولا توسّلتَ بدالّة ولا جَدّدت لنا مدحاً غير أنك مقتصر على البيتين اللذين قلتَهما فينا لكنت مستوجباً لجزيل الصلة مني حيث قلت:

وإِنـــــي لأســـتحييكم أن يقودنــــي


إِلى غيركم من سائر الناس مَطمعُ

وأن أجتــــدي للنَفعِ غيرَك منهــــم


وأنـــت إِمــــــامٌ للـــرَعيّةِ مَقْنَــــــعُ

وقد أجازه يزيد بمال كثير لمدائحه في بني أمية.

وهذان البيتان من قصيدة قالها في مديح عمر بن عبد العزيز ليعفوَ عنه ويأذن له بالقدوم ولكن عمر لم يفعل.

وكان الأحوص يجترىء على الأشراف فيهجوهم, صنيعه بابن حزم والي المدينة, وسعد بن مصعب بن الزبير, ومعن بن حُميد الأنصاري وغيرهم. وممنّ تناولهم بالهجاء كذلك يزيد بن المهلَّب, فقد طلب يزيد بن عبد الملك إِلى الشعراء أن يهجوا يزيد بن المهلب بعد إخفاق ثورته وقتله, فاستعفاه الفرزدق وكُثَيّر من ذلك, فأعفاهما. أمّا الأحوص فقد أقدم على هجاء ابن المهلَّب فكاد له من جرّاء ذلك الجرّاح بن عبد الله الحَكمي, والي أذربيجان, حين قدم عليه, فأمر أتباعاً له بصبّ الخمر عليه ثم اتّهمه بشرب الخمرة وضربه الحدّ.

والأحوص من شعراء الغزل والهجاء البارزين في العصر الأموي, ولمقدرته الهجائية كان الشعراء يتحامون التعرّض له, وقد ذكروا أن رجلاً من الأنصار يقال له ابن بشير هجاه الأحوص فلجأ إِلى الفرزدق وأهدى إِليه ألطافاً واستجار به ليهجو الأحوص, فلم يقدم الفرزدق على هجائه لما يعلمه من فحش هجائه. فلجأ إِلى جرير فردّه كذلك, فلم يجد بُدّاً من استرضاء الأحوص بالهدايا والألطاف ليكفّ عن هجائه.

وقد شهد النُقاد والشعراء القدامى للأحوص بجودة الشعر فشهد له جرير والفرزدق وحمّاد الراوية بالتقدم في النسيب, وجعله ابن سَلاّم في الطبقة السادسة من فحول الإِسلام, وهي طبقة شعراء الحجاز: ابن قيس الرقيات, والأحوص, وجميل, ونُصَيب. وقد علّق أبو الفرج الأصفهاني على صنيع ابن سلاّم فقال: «والأحوص, لولا ما وضع به نفسه من دنيء الأخلاق والأفعال أشدُّ تقدّماً منهم - أي من ابن الرقيات وجميل ونصيب - عند جماعة أهل الحجاز وأكثر الرواة, وهو أسمح طبعاً وأسهلُ كلاماً وأصحُّ معنى منهم, ولشعره رونق وديباجة صافية وحلاوة وعذوبة ألفاظ ليست لأحدٍ منهم».

وقد تناول الأحوصَ بالدراسة طائفة من الباحثين المحدَثين منهم طه حسين وشوقي ضيف والمستشرق بتراتشك.

إِحسان النص