المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأديب بطرس بن بولس بن عبد الله البستاني


Eng.Jordan
03-03-2013, 07:37 PM
البستاني (بطرس ـ)

(1819 – 1883م)



بطرس بن بولس بن عبد الله البستاني أديب ولغوي لبناني، ولد في قرية «دبيّة» في مديرية الشحيم من محافظة الشوف بين صيدا وبيروت وتوفي في بيروت. تلقى علومه الأولى في مدرسة «عين وَرْقة» التي تعلّم فيها آداب اللغة العربية واللغات السريانية والإيطالية واللاتينية، ودرس فيها الفلسفة وسائر العلوم ولازمها مدة عشر سنين متعلّماً ثم معلّماً. وفي عام 1840م غادرها إلى بيروت حيث اتصل فيها بالبعثة أو بالإرسالية الأمريكية، وتعرّف رئيسها إيلي سميث E.Smith وَمُتنت علاقته به فتعلّم منه الإنكليزية وعلّمه العربية، واتصل بقساوسة الإرسالية الذين قرأ عليهم اللغات اليونانية والآرامية والعبرية وبعض العلوم العصرية، وتبع مذهبهم المشيخي «البروسبيتيري البروتستنتي» وعُيّن ترجماناً لديهم. وفي عام 1846 عُيّن أستاذاً في مدرسة «عبيّة» التي أسسها المُرْسَلون الأمريكيون في بيروت أولاً، ثم نقلت إلى «عبية»، والتي تخرّج فيها على يدي البستاني الكثيرون من شباب سورية ولبنان.

وفيها ألّف البستاني الكثير من الكتب المدرسية في العربية والحساب. واتخذه المرسَلون الأمريكيون معاوناً لهم في إدارة شؤون مطبعتهم، فساعدهم في تآليف كثيرة ولاسيما عندما أعان إيلي سميث على ترجمة التوراة من العبرية إلى العربية مستنداً إلى معرفة واسعة باللغات القديمة والحديثة الآنف ذكرها إضافة إلى الفرنسية التي تعلّمها في إحدى مراحل عمره. وفي العام نفسه 1846 أسس البستاني في بيروت جمعية أدبية هي «مجمع التهذيب» الذي ضمّ نخبة من أبناء الوطن المسيحيين في طليعتهم الشيخ ناصيف اليازجي وليس فيها إلا اثنان من الأمريكيين، وكان هذا المجمع هيئة سورية تهدف إلى اكتساب العلوم والفنون, وقد كانت هذه الجمعية أصلاً لجمعية أكثر شهرة أسهم البستاني في تأسيسها وكان أميناً لسرها عام 1847 عرفت باسم «الجمعية العلمية السورية» التي ضمّت نخبة من الوطنيين المشهورين والأعلام الأجانب، من أمثال الشيخ ناصيف اليازجي وميخائيل مشاقة، وهذه الجمعية أنشأت عام 1852م مجلة باسمها، تناولت مباحثها مختلف جوانب المعرفة العلمية والفنية والأدبية والتاريخية والشرائع والاكتشافات، ذاعت شهرة هذه الجمعية منذ 1857م وانتسب إليها رجالات عرب من مختلف العقائد ومن ضمنهم إبراهيم بن ناصيف اليازجي وأحد أبناء البستاني، وقد تجددت هذه الجمعية واعترفت الدولة بها عام 1868، وقُيِّض لها أن تصير بحق أول مظهر للوعي الوطني الجماعي، ومهداً لحركة سياسية جديدة، وبداية ظهور واضح للحركة القومية العربية. عكف البستاني، بعد انتهاء عمله في ترجمة التوراة، على تأليف أثريه العظيمين: الأول معجم متكامل حديث للغة العربية بعنوان «محيط المحيط» وقد صدر عام 1870، وأعقبه مباشرة مختصره بعنوان «قطر المحيط». والثاني: أول دائرة معارف عربية تقتدي بالموسوعات الأجنبية لكنها تعتمد اعتماداً واسعاً على المصادر العربية، وقد شرع في كتابتها عام 1875م، بمعونة مالية من خديوي مصر إسماعيل باشا، وظهر منها حتى وفاته 1883م ستة أجزاء، وكانت عملاً موسوعياً ضخماً جديراً بالثناء والإعجاب، وتولّى أبناؤه وبعض أبناء أسرته بعد وفاته متابعة إتمامها، فظهر منها أحد عشر جزءاً ولكنها لم تكتمل. وبعد الفتنة الطائفية في سورية ولبنان 1860 التي آلمت المعلم بطرس، عمد هذا المعلم في عام 1863م إلى إنشاء «المدرسة الوطنية» التي كانت أول مدرسة وطنية أهلية لا طائفية ولا مذهبية بعيدة عن النفوذ الأجنبي والإرساليات الأجنبية وغايتها أن يتلقّى التلاميذ فيها على اختلاف عقائدهم تعليماً أساسه التسامح الديني والمذهبي والمثل الوطنية، يعاونه في ذلك أستاذ العربية الشيخ ناصيف اليازجي. فذاعت شهرة المدرسة وجذبت إليها التلاميذ من جميع أنحاء بلاد الشام، وكان من بينهم من قدّم أعمالاً جليلة لبلاده.

وتابع البستاني، بعد صدور المعجم الكبير، مسعاه النبيل في محاربة التعصّب والدعوة إلى التفاهم والاتحاد لخير الوطن، فأنشأ في 1870 «نفير سورية» و«مجلة الجنان» نصف الشهرية، وجعل شعارها «حب الوطن من الإيمان»، ثم أردفهما مستعيناً بابنه الأكبر سليم بمجلة «الجنة» الأسبوعية في حزيران 1870، وبأول جريدة يومية عربية هي «الجنينة» في شباط 1871. وجميعها تسير على المسار الوطني والتنويري للمعلّم بطرس.

عرف البستاني بقدرته الخطابية العالية وجرأته ووطنيته الصادقة وكتاباته التي تتشعّب في اتجاهات أولها وأهمها: دعوته إلى إعلاء شأن اللغة العربية وإحيائها وغرس محبتها في النفوس مؤكداً «أن الله أنطق العرب بأفصح الكلمات، وجعل العربية شامة في وجنة اللغات، وعلى العرب أن يتقدموا في الآداب والفنون تحت راية هذه اللغة الشريفة».

وثانيها: دعوته إلى رقي المجتمع والحياة الاجتماعية بالاطلاع على فكر أوربة الحديثة واكتشافاتها على قاعدة من تمييز الصالح من الطالح وليس بالتقليد الأعمى «فالقبول بالعادات الأجنبية لمجرد كونها أجنبية حماقة لا تقل حماقة عن رفضها لمجرد كونها أجنبية»، وسبيل النهوض يتمثل بالوحدة الوطنية وتعاون أبناء البلد على قدم المساواة والحرية الدينية القائمة على الاحترام المتبادل بين أبناء الأديان المختلفة.

ولابدَّ، عند البستاني بهذا الصدد، من تغيير أوضاع النساء واحترام إنسانيتهن وتحريرهن ولاسيما عن طريق التعليم. ولئن كانت جهود البستاني موجهة كلها إلى تحقيق نهضة وطنية ثقافية علمية فنية واجتماعية عامة، فإن ثمة نتيجة مهمة جداً نشأت من كل ذلك هي أن جيل الشباب الذين نشأوا على دراسة التراث الثقافي الذي بُعثت فيه الحياة، قد بدأوا ينشطون سياسياً ويسعون من أجل تحرير وطنهم من الحكم العثماني يتصَدّرهم أعضاء جمعية بيروت السرية بين 1875-1881، الذين كان أكثرهم من تلامذة البستاني واليازجي وجميعهم من مريديهما، تلك الجمعية التي أصدرت أول بيان يتضمن برنامجاً محدداً بأهداف وطنية مركّزة ترمي إلى التحرر السياسي لبلاد الشام، وإحلال اللغة العربية محل اللغة التركية لغة رسمية للبلاد.

لقد كان المعلّم بطرس البستاني رائداً حقيقياً أساسياً من رواد النهضة العربية الحديثة يجمع الوطنية الراسخة والثقافة العريضة الشاملة والإنتاج الفكري الغزير إلى الدأب والمثابرة والتفاني حتى آخر ساعة من حياته.



يوسف الأمير علي