المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بـشار بـن بـرد


Eng.Jordan
03-03-2013, 07:39 PM
(96- 168هـ/ 714ـ784م)



أبو معاذ بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء، شاعر فحل من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية، ولهذا وصف بأنه آخر القدماء وأول المحدثين، عاش أكثر من سبعين سنة، على اختلاف في سنة الولادة والوفاة، لقب بالمرعَّث، لرعاث كانت له في صغره في أذنه (الرِّعاث جمع رَعثة: ما عُلِّق بالأذن من قُرطٍ ونحوه)، وكان والده قِنّا للقشيرية امرأة المهلب بن أبي صُفرة، فوهبْته، بعد أن زوجته، لامرأةٍ من بني عُقيْل، فولدت له امرأته بشاراً، فأعتقته العقيلية. والمرجح أن والد بشار هذا هو أول من أسلم من أصوله الفرس وأجداده المجوس، وكان لبشار أخوان: بِشُر وبشير، وكان بارَّاً بهما، ولم تذكر الأخبار أنه خلَّف عقباً سوى ابن وابنةٍ رزئ بهما في حياته.

فقال من قصيدة يرثي بها ابنه:

وألقى عليَّ الهـم كل قريبِ

وما كان -لو مُلِّيتُه- بعجيبِ


أُصيبَ بُنَيَّ حين أورق غصنه

عجـبتُ لإسراع المنية نحـوه

وكذلك رثى ابنته بأبيات تائية، وأبياته في ابنه وابنته تظهر جزعه وألمه، وحُق لرجلٍ أعمى أن يجزع لفقد معيليه وهو بأشد الحاجة إليهما، وإلى من يقوم بشأنه ويتعهد رعايته، ويُفهَم من أخباره أنه لم يبق ممن يتعهد رعايته سوى جاريته «ربابة» وجارية أخرى سندية سوداء هي الوحيدة التي خرجتْ في جنازته عندما قُتِل وندبته حتى ووري الثرى.

تصوِّر لنا كتب التراث بشاراً بأنه كان ضخماً عظيم الوجه والخلق مجدوراً طويلاً جاحظ المقلتين، فكان أقبح الناس عمىً، لكنه كان رجلاً خُلُقه يختلف عن خَلْقه. صحيح أن فيه جرأة تصل به إلى حد التطاول على خال الخليفة المهدي والسخرية منه، وفيه سلاطة تحمل الناس على أن يستنجدوا بأبيه منه، ولكنَّ الذي يخفف من جرأته وسلاطة لسانه أنه كان يتمتع بشيء غير قليل من خفة الظل، وخاصة في مجالس الخلفاء والأمراء والندماء.

ومن المعروف في كتب الأدب أن بشاراً وُلد في البصرة، وفيها نشأ وتعلم، وفي مربدها شافَه الأعراب، وأخذ عنهم وعن بني عقيل الفصاحة والبلاغة، وعلى الرغم من أنه أمضى جُل حياته فيها إلا أنه كان يرتحل عنها بين الحين والحين، فقد نهض إلى «حرّان» حيث كان يقيم سليمان بن عبد الملك، وأنشده قصيدته البائية التي مطلعها:

وما شَعَرتْ أن النَّوى سوف تَشعبُ


نأَتْكَ على طُول التجاوُرِ زينبُ

فأعطاه جائزة استقلها بشار، فرحل عن حرّان وعاد إلى العراق، فاستقبله ابن هبيرة، وبرَّه ووصله، لأن بشاراً كان يمدح قبيلة قيس ويفتخر بها، فلما جاءت دولة أهل خراسان عظم شأنه، ولما استقر أمر الخلافة للمهدي جهد بشار في الوصول إليه، فأخذ ينتقل من أمير إلى أمير حتى أوصله روح بن حاتم إلى سُدّة الخلافة، فمدح المهدي، وأجزل له العطاء، ولكن يُلاحَظ على الخليفة أنه كان بَرِماً بغزل بشار المفرط الذي كان يسوقه بين يديْ مديحه، فنهاه عن هذا الإسراف، فعَدَل الشاعر عن خطته في الغزل وأخذ يخاطبه في قصائده بالمدح مباشرة، وتجنب الاسترسال في الغزل يقـول:

وإذا أبـى شـيئاً أبـيتُه

بِ، إذا غدوتُ، وأين بيتُه

فصبرتُ عنه وما قـَليتُه


إن الخـليفة قد أبى

ويشوقني بيتُ الحبيـ

حالَ الخليفةُ دونـه

فإذا رجع إلى مدح غير الخليفة عاد إلى ما نُهي عنه، وظل يتردد بين البصرة وعاصمة الخلافة حتى حانت منيته.

عدد الجاحظ أسماء بعض أصدقائه فكانوا جملة كبيرة، ولا همَّ لهؤلاء إلا تصيّدِ المُتَع وما تستلزمه مجالسها من اقتناص طرائف القول، ومضغ النوادر، وقد تعارف الناس على أن كل واحدٍ من أفراد هذه العصبة متَّهم في دينه، مشكوك في عقيدته، ولعل من أبرز أفراد هذه العصبة والبة بن الحُباب، ومطيع بن إياس، وابن المقفع، وغيرهم، ولا شك أن متصفح هذه الأسماء سيعلم أن بعضهم من عمالقة الفسق والزندقة.

كان بشار كثير التلون في ولائه، فعندما عزّ عليه أوْ على أنصاره من الشعوبيين، أن يلفق له نسباً عربياً يصله ببني عقيل أو ببني سدوس أو ببني تميم الذين كان ولاؤه فيهم، لاذ بملوك العجم، فالتمس نسبه فيهم، وزاد فادعى أن أخواله ملوك الروم، ووجد في شخص «غيلان الشعوبي» الرجل الذي يكفيه مؤونة تصنيف هذه السلسلة من الأجداد، وعزّز بشار هذا الانتماء للملوك بفخره في بائيته التي يقول فيها:

عـني جميع العربِ


هل من رسولٍ مخبرٍ

ومن ثوى في التُربِ


من كـان حـيّاً منهمُ

كسرى، وساسان أبي


جَـدّي الذي أسمو به

عـددتُ يوماً نسـبي


وقيصر خالـي، إذا



وكثرت في شعره هذه النغمة الشعوبية، فقد كان يرددها حتى أمام الخليفة المهدي، قــال:

لِيَعْرِفَنِي، أنـا أنْفُ الكَــرَمْ


ألا أيَّـها السائلي جاهـداً

فروعي وأصلي قريشُ العجمْ


نمَتْ في الكرام بني عامرٍ

كان بشار ينظم الشعر وكان الناس يتلقونه بالرواية، ويحفظون الطريف منه، ولكنَّ الذي كان يتخصص بحفظه راويته يحيى بن الجون العبدي، وقد حفظت كتب الأدب أكثر من اسم لرواته، وكان بعضهم يتولى كتابة شعره واستملاء ما تجود به قريحته.

ويحلل بعض العلماء نبوغ بشار وأضرابه من المكفوفين، ويعزون تفوق بصائرهم لما فقدوه من أبصارهم، فتوجهت طاقة الإبصار إلى موطن البصيرة فأغنته. وهذا ما فسره بشار عندما قـال:

فجئتُ عجيبَ الظنِّ للعلم مَوئِلا


عَميتُ جَنِيناً، والذكاءُ من العمى

لِقلبٍ إذا ما ضَيّع الناسُ حصّلا


وغَاضَ ضياءُ العينِ للعلم رافداً

وربما كانت عاهته التي داهمته وهو جنين هي التي عوّضته عن الرؤية الحقيقية رؤية خيالية في وقت مبكر من حياته أيضاً، فقال الشعر وهو ابن عشر سنين، ويروون أنه هجا جريراً في تلك السن فاستصغره ولم يُجبه، ويروون أنه قال يوماً وقد أنشد قوله:

وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكِبُه


كأنَّ مُثارَ النَّقْع فوق رؤوسِنا

«ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا ولا شيئاً منها؟ فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب، ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء فيتوفر حسه، وتزكو قريحته».

ومن هذه القصيدة أبياته المشهورة التي يقول في أولها:

صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتُبهْ


إذا كنتَ في كل الأمور معاتباً

شهد العلماء بسعة علم بشار في العربية، فضلاً عن فصاحته وبلاغته، لأنه تمكن في العلم من معرفة أحوال العرب وعاداتهم وأيامهم وأخلاقهم، وله اطلاع على السيرة النبوية وتراجم الشعراء، وكان قوي الذاكرة مطلعاً على شعر العرب.

نبغ بشار في زمن هشام بن عبد الملك، وقال في أكثر فنون الشعر، مدحه وهجائه ورثائه وفخره وحكمته، فضلاً عن فنون النثر كالخطابة والرسالة، وجوَّد الرجز، وبرع في الغزل، ومما جعل الناس يقبلون على شعره أنه لم يقصر نفسه على متابعة المتقدمين من الشعراء في معانيهم، بل أودعه المعاني الحضرية المستجدّة في عصره.

وقد سرى ابتكار بشار من ابتكار المعاني إلى ابتكار الأساليب فنظم الشعر على طريقة لم تكن معروفة كطريقة المراسلة، وشهد الكثير من نقاد العربية بأدب بشار، فقال الجاحظ في «البيان والتبيين»: «المطبوعون على الشعر من المولدين بشار العقيلي، والسيد الحميري، وأبو العتاهية، وبشار أطبعهم كلهم»، وروي عن الأصمعي أنه قال عن بشار:"غوّاصٌ نظّار، يصف الشيء لم يره وكأنه رآه، ويجمع في البيت الواحد ما فرقته الشعراء في عدة أبيات"، وقال الجاحظ أيضاً: «وكان العتابيُّ يحتذي حذو بشار في البديع. ولم يكن في المولدين أصوب بديعاً من بشار وابن هرمة «، وقد كثرت الأخبار التي مفادها إعجاب الجاحظ ببشار، نُقِل عنه في كتاب الحيوان أنه قال:«ليس في الأرض مولد قروي يُعَد شعره في المحدث إلا وبشار أشعر منه»، ثم قال: «ومع هذا فإنا لا نعرف بعد بشار أشعر منه».

أجمعت كل كتب الأدب والتاريخ على أن بشاراً مات جلداً تحت سياط أصحاب السلطة في زمن الخليفة المهدي، ولكن الذين أرّخوا لحياته، والأدباء الذين ترجموا له تضاربت آراؤهم في تفسير السبب الذي قتل من أجله، فمنهم من يعلل ذلك بانتقام الوزير يعقوب بن داود وزير المهدي منه لعداوة حصلت بينهما فأوغر صدر الخليفة عليه فكان ذلك سبباً في قتله. ومنهم من يرى أن الخليفة المهدي عندما انتهى إليه من غزل بشار قوله:

والليلَ إن وراءَه صُبحا


قاسِ الهمومَ تَنَلْ بها نُجُحا

قولٌ تغلِّظُهُ وإنْ جَرحا


لا يؤيِسنّكَ من مخدَّرة

والصَّعبُ يُمْكِنُ بعدما جَمَحَا


عُسُر النساءِ إلى مُيَاسَرةٍ

استدعاه واستنشده هذا الشعر، فأنشده إياه، وكان المهدي غيورا، فغضب، وقال: «أتحض الناس على الفجور؟ وتقذف المحصنات المخبآت؟ والله لئن قلت بعد هذا بيتاً واحداً في نسيبٍ لآتينَّ على روحك". ومنهم من ذكر أنه اتهم بالزندقة فكان ذلك سبب قتله، ويبدو أن تهمة الزندقة لم تثبت عليه لأن الخليفة أمر صاحب الزنادقة «ابن نُهيك» أن يفتش بيته فلم يعثر على شيء يدينه بهذه التهمة، ولهذا يقال إن المهدي ندم على قتله.

محمود الربداوي