المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين بينين ...


مطر وقمح
01-25-2012, 12:23 PM
نبحر مع آيات قرآننا و نور حياتنا و منهجنا و معجزة الأمة الباقية و عصمتها الواقية

كنت اليوم أقرأ سورة القصص

و استوقفتني قصة مهمة و مفيدة لنا جميعا

قصة تناسب كل زمن و كل عصر

فيها من العبر و الفوائد ما لا يمكن حصره و لا إجماله بكلمات قليلة

إنها قصة كل طاغية و كل ظالم و كل مستكبر

قصة تعلمنا أن الملك لله و أن النعمة بيده و أن التوفيق من عنده و أن المال عارية مسترجعة و أن الغنى و الفقر اختبار و الآخرة هي دار القرار


إنها قصة (( قارون ))

كلنا نعرفها و كلنا سمعنا بها

فدعونا نتبحر في معانيها بما يفتحه الله علينا و بتوفيقه و مدده

تبدأ الحكاية بوصف ما كان يملكه ذلك الطاغية قارون من كنوز و أموال طائلة اكتسبها بالبغي و الظلم و الجشع بينما كان قومه يعانون من الفقر و الظلم و القهر تماما كما يحدث في عهد طواغيت اليوم

بسم الله الرحمن الرحيم :
(( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ، و آتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ، إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ))

إذاً فقارون هو رجل من قوم سيدنا موسى عليه السلام \

رجل جشع مستكبر كان همه فقط جمع المال و الكنوز بينما كان قومه يعانون من ظلم فرعون و بطشه و من تردي أحوالهم المعيشية

كان قارون يجمع ماله من عرق جبين المساكين و من رشاوى فرعون و من مصادر كثيرة غير شرعية

و لم يكن يؤدي حق ربه عليه في المال و لا يساعد الفقراء و لا يقدم العون لأحد

رجل أناني مريض نفسياً يعبد الدينار و الدرهم و الذهب غير آبه بأي أمر آخر

كانت كنوزه عظيمة لدرجة أن مفاتيح خزائنه من الصعب على الأقوياء حملها من ضخامتها

يذكرني هذا بطواغيت عصرنا اليوم الذين نهبوا خيرات الشعوب و كدسوا أموالهم في بنوك سويسرا و أوربا و شيدوا القصور الفارهة و جمعوا أهم الكنوز و المجوهرات و النفائس و تركوا الشعوب تعاني الأمرين من الجوع و الفقر و التسلط و الظلم و القهر



و ها هم أهل الخير ينصحون ذلك الطاغية قارون و يقولون له لا تفرح بمعنى لا تتكبر و لا تطغى و لا تغتر بكنوزك

نتابع الآيات :

(( و ابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة و لا تنس نصيبك من الدنيا و أحسن كما أحسن الله إليك و لا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ))

ينصحه قومه المخلصون بأن يبتغي وجه الله و يسعى لمرضاته و يتذكر يوم الحساب و يعد له العدة و ذلك بأن يؤدي واجباته تجاه ربه بشكر نعمته و تنفيذ أوامره بالزكاة و الصدقات و الإحسان للناس

و بنفس الوقت يقولون له لا تنس نصيبك من الدنيا

فنحن لا ندعو الإنسان للعيش بفقر و قلة و شظف عيش بل تمتع بأموالك و تنعم بها لكن مع تأدية حق ربك و الإحسان لقومك كما أحسن الله إليك و كما رزقك و أنعم عليك

لا تستخدم تلك الأموال بما لا يرضي الله بنشر الفساد و الضلال و الظلم في الأرض

و هذا دأب الطغاة دائما و خاصة اليوم حيث يستخدمون أموالهم في نشر الفساد و الضلال عبر المحطات الفضائية المشبوهة و الدسائس و السرقة و التهريب و الغش و كل أنواع الفساد

و بعد هذه النصائح القيمة انظروا ما كان جواب قارون

(( قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة و أكثر جمعا ، و لا يسئل هن ذنوبهم المجرمون ))

و هذا هو المطب الذي يقع فيه كل مستكبر و جحود ... أن ينسب ما به من خير لنفسه و لعمله و لذكائه و لتعبه

تقول للمستكبر اشكر الله أن أنعم عليك و جعلك غنياً و تذكره بأن كل ذلك التوفيق و النجاح من فضل ربه

فيقول بكل غباء و جحود بل هو عملي و جهدي و خبرتي و حنكتي في التجارة و علمي و ذكائي

و ليته يتذكر كم أهلك الله تعالى من قبله أقواماً أشد منه قوة و أكثر أموالا

ليته يتذكر أن هناك من هم أذكى و أقوى و أعلم منه و مع هذا لا يوفقهم الله و لا يعطيهم ما أعطاه له و يتكبر على ربه و يجحد فضله عليه و لكن المجرم لا يعترف بذتبه و لا يقر بخطئه إلا بعد فوات الأوان و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم


و تنتقل بنا الآيات بطريقة تصويرية ربانية إعجازية مواقف الناس و نظرتهم إلى ذلك الطاغية و ملكه و ثرائه الفاحش

(( فخرج على قومه في زينته ، قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ))

فالناس هنا قسمان ، قسم دنيوي يفكر فقط بما يراه في الدنيا من زخرف خداع و بهرج كاذب

و ترى تلك النظرة في كل زمان و مكان حيث أن محبي الدنيا ينظرون إلى الطغاة و المستكبرين على أنهم رائعون و محظوظون يقولون لك : ( انظر إلى هذه الأبهة و العظمة و الروعة ) ليتنا نمتلك ربع ثروته ليتنا نكون ناجحين و أغنياء مثله

لكن من يعرف الله تعالى و يفكر في أمور أسمى و أعلى و يتذكر الآخرة و يوم الحساب سيكتشف الحقيقة و سيدرك أن هذا هو متاع الحياة الدنيا الزائلة و المنتهية

(( و قال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن و عمل صالحاً و لا يلقاها إلا الصابرون ))

نعم فالعاقبة الحقيقية للصابر و المؤمن و الصالح و الشاكر و التقي النقي و ليس لذلك المستكبر الجاحد الكفور


و فجأة و بعد أن زاد طغيان قارون و استكباره تأتي العقوبة الإلهية الصارمة و العادلة و التي هي مصير كل طاغية و مجرم
(( فخسفنا به و بداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله و ما كان من المنتصرين ))

جاء الخسف و غارت الأرض لتبتلع قارون و كنوزه ليكون عبرة لمن لا يعتبر


أين ماله كي ينقذه ؟؟؟ و أين حراسه و أنصاره ؟؟؟

لن يجد أحداً ينقذه فلا مفر و لا مهرب من عقوبة الله العلي الكبير

و ها هم الطغاة اليوم يتساقطون كالذباب و لا يجدون من ينصرهم و يحميهم من عقوبة الله الرادعة و المنصفة


و دعونا ننظر كيف كان رد فعل الناس بعد ما حدث لقارون و كنوزه

(( و أصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون ))

ظهرت الحقيقة و عرف الناس الحكمة
عرفوا أن الرزق من الله و أن الملك لله و أن الفضل لله و أننا نعيش و نتنفس برحمته و كرمه و لطفه


و تأتي الخاتمة بحكمة رائعة جداً تصلح لأن تكون دستور حياة و منهج أمة

(( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتقين ))


نعم إخوتي و أخواتي
لا يدخل الجنة مستكبر
لا يدخل الجنة طاغية
العاقبة للمتقين
العاقبة للطاهرين الشرفاء


فلا تغتر بمالك و لا بسلطانك و لا بقوتك و لا بعزوتك
و اعلم أن الفضل النعمة و الملك لله وحده لا شريك له
و أحسن كما أحسن الله إليك
و لا تفسد في الأرض
و ابتغ وجه الله و الدار الآخرة
و تذكر بأن الدنيا زائلة و أن العاقبة للمتقين
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
بتوفيق الله و مدده

احمد ادريس
01-26-2012, 12:37 AM
عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( قال الله عز وجل : الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار ) ، وروي بألفاظ مختلفة منها ( عذبته ) و ( وقصمته ) ، و ( ألقيته في جهنم ) ، و ( أدخلته جهنم ) ، و ( ألقيته في النار ) .

تخريج الحديث

الحديث أصله في صحيح مسلم وأخرجه الإمام أحمد و أبوداود ، و ابن ماجة ، و ابن حبان في صحيحه وغيرهم ، وصححه الألباني .
قال سبحانه و تعالى :{إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }( غافر 60)
و قال سبحانه :{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } (الأعراف 146)


معاني المفردات

نازعني : المعنى اتصف بهذه الصفات وتخلق بها .
قذفته : أي رميته من غير مبالاة به .
قصمته : القصم الكسر ، وكل شيء كسرته فقد قصمته .

معنى الحديث

هذا الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر والاستعلاء على الخلق ، ومعناه أن العظمة والكبرياء صفتان لله سبحانه ، اختص بهما ، لا يجوز أن يشاركه فيهما أحد ، ولا ينبغي لمخلوق أن يتصف بشيء منهما ، وضُرِب الرِّداءُ وا لإزارُ مثالاً على ذلك ، فكما أن الرداء والإزار يلصقان بالإنسان ويلازمانه ، ولا يقبل أن يشاركه أحد في ردائه وإزاره ، فكذلك الخالق جل وعلا جعل هاتين الصفتين ملازمتين له ومن خصائص ربوبيته وألوهيته ، فلا يقبل أن يشاركه فيهما أحد .

وإذا كان كذلك فإن كل من تعاظم وتكبر ، ودعا الناس إلى تعظيمه وإطرائه والخضوع له ، وتعليق القلب به محبة وخوفا ورجاء ، فقد نازع الله في ربوبيته وألوهيته ، وهو جدير بأن يهينه الله غاية الهوان ، ويذله غاية الذل ، ويجعله تحت أقدام خلقه ، قال - صلى الله عليه وسلم - : ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال ، يغشاهم الذل من كل مكان ، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس ، تعلوهم نار الأنيار ، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ) رواه الترمذي حسنه الألباني .

وإذا كان المصَوِّر الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة ، لتشبهه بالخالق جل وعلا في مجرَّد الصنعة ، فما الظن بالتشبه به في خصائص الربوبية والألوهية ، وقل مثل ذلك فيمن تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده ، كمن تسمى بـ" ملك الملوك " و" حاكم الحكام " ونحو ذلك ، وقد ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ) ، فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي إلا له سبحانه فكيف بمن نازعه صفات ربوبيته وألوهيته .

الكبر ينافي حقيقة العبودية

وأول ذنب عُصي الله به هو الكبر ، وهو ذنب إبليس حين أبى واستكبر وامتنع عن امتثال أمر الله له بالسجود لآدم ، ولذا قال سفيان بن عيينه : " من كانت معصيته في شهوة فارجُ له التوبة ، فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فغُفر له ، ومن كانت معصيته من كِبْر فاخشَ عليه اللعنة ، فإن إبليس عصى مستكبراً فلُعِن " ، فالكبر إذاً ينافى حقيقة العبودية والاستسلام لرب العالمين ، وذلك لأن حقيقة دين الإسلام الذى أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه هي أن يستسلم العبد لله وينقاد لأمره ، فالمستسلم له ولغيره مشرك ، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر ، قال سبحانه :{سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } (الأعراف 146) ، وقال سبحانه :{إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }( غافر 60) ، وثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ) .

والكبر هو خلق باطن تظهر آثاره على الجوارح ، يوجب رؤية النفس والاستعلاء على الغير ، وهو بذلك يفارق العجب في أن العجب يتعلق بنفس المعجب ولا يتعلق بغيره ، وأما الكبر فمحله الآخرون ، بأن يرى الإنسان نفسه بعين الاستعظام فيدعوه ذلك إلى احتقار الآخرين وازدرائهم والتعالي عليهم ، وشر أنواعه ما منع من الاستفادة من العلم وقبول الحق والانقياد له ، فقد تتيسر معرفة الحق للمتكبر ولكنه لا تطاوعه نفسه على الانقياد له كما قال سبحانه عن فرعون وقومه : {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا }(النمل 14) ، ولهذا فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الكبر بأنه بطر الحق : أي رده وجحده ، وغمط الناس أي : احتقارهم وازدراؤهم .

من تواضع لله رفعه

والصفة التي ينبغي أن يكون عليها المسلم هي التواضع ، تواضعٌ في غير ذلة ، ولينٌ في غير ضعف ولا هوان ، وقد وصف الله عباده بأنهم يمشون على الأرض هوناً في سكينة ووقار غير أشرين ولا متكبرين ، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد ) .

أسوته في ذلك أشرف الخلق وأكرمهم على الله نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم - الذي كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ، وكانت الأَمَةُ تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت ، وكان إذا أكل لعق أصابعه الثلاث ، وكان يكون في بيته في خدمة أهله ، ولم يكن ينتقم لنفسه قط ، وكان يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويحلب الشاة لأهله ، ويعلف البعير ، ويأكل مع الخادم ، ويجالس المساكين ، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء ، وكان كريم الطبع ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، متواضعاً في غير ذلة ، خافض الجناح للمؤمنين ، لين الجانب لهم ، وكان يقول: ( ألا أخبركم بمن يحرم على النار ، أو بمن تحرم عليه النار ، على كل قريب هين سهل ) رواه الترمذي ، ويقول : ( لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت ) رواه البخاري ، وكان يعود المريض ، ويشهد الجنازة ، ويركب الحمار ، ويجيب دعوة العبد ، فهذا هو خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عز ولا رفعة في الدنيا والآخرة إلا في الاقتداء به ، واتباع هديه ، ومن أعظم علامات التواضع الخضوع للحق والانقياد له ، وقبوله ممن جاء به .

احمد ادريس
01-26-2012, 12:38 AM
بَاَرَكَ الله فيك وجَزَّاك خَيَّرَا
وإن شاءَ الله يسَتفَيد مَنّه الَجَّمِيع ولك شَكَرَي وتَقْدِيرِيّ

مطر وقمح
01-28-2012, 02:58 PM
اشكرك اخي احمد لمداخلتك الرائعة
كل التقدير لكم
محبتي
:thumbs-up: