المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هاجس الخوف في الرواية الخليجية


Eng.Jordan
03-09-2013, 05:18 PM
حمل المرجع من المرفقات

جامعة فيلادلفيا
(عمان ـ الأردن)

مؤتمر «ثقافة الخوف»
(24-26 نيسان 2006)
«هاجس الخوف في الرواية الخليجية»


مداخلة الدكتور الرشيد بوشعير
(جامعة الإمارات العربية المتحدة)
هاجس الخوف في الرواية الخليجية

بحث للدكتور الرشيد بوشعير
(جامعة الإمارات)

لعله من نافل القول أن نشير بدايةً إلى أن هاجس الخوف يُعد هاجساً إنسانياً عاماً ظل يلازم الكائن البشري منذ أن وجد أول إنسان على هذه الأرض، وبذلك يغدو سمة متجذرة في طبيعة الإنسان وآلية من آليات الغريزة التي تستهدف الحفاظ على البقاء وتجنب أسباب الألم والهلاك.
ويُعرف الخوف بأنه «قلق عصبي أو عصابٌ نفسي لا يخضع للعقل، ويساور المرء بصورة جامحة من حيث كونه رهينة في النفس شاذة عن المألوف، تصعب السيطرة عليها أو التحكم فيها»( ).
وينبغي التفريق بين الخوف بوصفه انفعالاً طبعياً غرائزياً والخوف بوصفه عصاباً مرضياً؛ فالخوف الطبعي استجابة تلقائية لمنبه خارجي عنيف كالرعد أو الزلزال أو الوحوش المفترسة أو الحشرات والزواحف السامة، أما الخوف العصابي فهو رعب يستحوذ على الإنسان خشية الإصابة بمرضٍ معد أو خشية رؤية الأموات، أو خشية رؤية الدم أو الماء أو الظلام أو الخلاء أو المرتفعات أو النار وما إلى ذلك( ).
وعادة ما يبحث علماء النفس عن جذور الخوف العصابي في خبرات الطفولة التي تنطوي على مواقف ومثيرات مزعجة «ترتبط في ذاكرة الطفل الشعورية أو اللاشعورية»( )، وتمارس تأثيرها في سلوكه النفسي لاحقاً.
وإذا كان الإنسان في العصور البدائية يتعرض لانفعال الخوف من مصادر طبيعية خارجية فيضفي عليها مسحة غيبية ويجسدها في آلهة وثنية مرهوبة، يتقي أخطارها بالقرابين، كالإله «دمناروس» إله الريح، والإله «مقارت» إله النار عند الكنعانيين( )، وإله المياه «عاي» البابلي( )، وإله البحر «بوسيدون»( )، وإله مملكة الظلام والمخاطر الرهيبة «هاديس»( ) عند الإغريق.. نقول: إذا كان الإنسان يتعرض لانفعال الخوف من مصادر خارجية، فإنه في العصور اللاحقة ـ عصور التطور الحضاري ـ أصبح يخاف من أخيه الإنسان أكثر من خوفه من الوحوش أو غضب الطبيعة، وإذا كان الخوف في العصور البدائية طبعياً في الغالب، فإنه أصبح في العصور اللاحقة عصابياً أو حضارياً ينتجه الإنسان من خلال خطاباته الأيديولوجية التي تستهدف تدمير أخيه الإنسان أو الهيمنة عليه فكرياً واقتصادياً وسياسياً، ولذلك بات الخوف ثقافة تتراءى في أنماط الإبداع التكنولوجي والفني والأدبي على حد سواء.
وأيا ما يكون الأمر، فإننا لن نستطيع في هذه العجالة أن نرصد مظاهر ثقافة الخوف في سائر أنماط الإبداع، وإنما نقف عند نمط معين من أنماط هذا الإبداع، وهو نمط الإبداع الروائي، والإبداع الروائي في منطقة الخليج العربي تحديداً لانشغالنا به في السنوات الأخيرة.
إن هاجس الخوف في الرواية الخليجية يتراءى في المضامين وفي الأشكال على حد سواء.
ففي المضامين يتراءى هذا الهاجس في الخوف الاجتماعي، والخوف السياسي، والخوف الطبقي، والخوف الميتافيزيقي، والخوف الإثنوغرافي، فضلاً عن الخوف من الحرب.
وفي الأشكال يتراءى هذا الهاجس في طبيعة الخطاب الروائي الذي يتسم بالتغامض أحياناً، ويتراءى في «العتبات» المراوغة حيناً آخر.
أولاً: تجليات الخوف في المضامين.
‌أ- الخوف الاجتماعي:
وهو الخوف ذو المصدر الاجتماعي الناتج عن الضغوط الاجتماعية المعنوية أو المادية على الأفراد، ويتراءى لنا هذا النمط من الخوف في كثير من الأعمال الروائية الخليجية.
ويكفي أن نتمثل هنا بثنائية «أظاليل طلح المنتهى» لعبدالحفيظ الشمري، و «نافذة الجنون» لعلي أبي الريش، و «القارورة» ليوسف المحيميد.
ففي الجزء الثاني من «أظاليل طلح المنتهى» للشمري نقابل ثلة من الشباب يخشون وطأة الضغوط الاجتماعية فينزوون في شقة وينغمسون في اللهو بقوة تضاهي قوة المنع.
وهؤلاء الشباب ينتمون إلى شرائح اجتماعية ومهنية مختلفة؛ فـ «العربي فرقنا» طبيب مخلوع وفنان تشكيلي، وهو مؤسس مشروع الشقة التي سموها «عرين السباع»، و «دحام المداوي» شاعر حالم، و «صقر المعنى» مطرب شعبي، و «ضاحي الأبرق» كاتب، و «خليل المهبد» و «خويلد الأملس» معلمان، و «مبارك راعي الربابة» عازف شعبي، و «حمد المزين» ضابط، أي أن هؤلاء الشباب لم يكونوا من حثالة المجتمع، وإنما كانوا يمثلون أهم الشرائح الاجتماعية، وهو ما يعني أن انزواءهم كان عن وعي وإصرار وهروب وتحد، وليس عن صعلكة وجنوح أو نزوة عارضة؛ فالذات الاجتماعية التي يمثلها «جند لحيان الأجرب»( ) و «حرس الفضيلة»( ) و «فرق مكافحة الحريات العامة»( )، وما إلى ذلك من الهيئات الاجتماعية التي تبالغ في قمع الذات الفردية ومطاردتها ومحاصرتها، هي التي أرعبت هؤلاء الشباب وأدت بهم إلى التنفيس عن كبتهم بهذا الأسلوب الذي ينخر القيم الاجتماعية.
وهذه الذات الاجتماعية لا تمارس ضغوطها المخيفة في المدينة التي أضحت في نظر هؤلاء الشباب «متاهة معاندة»( ) محاصرة بالممنوعات(*)، وإنما تمارس تلك الضغوط في البيوت كذلك؛ فبعض هؤلاء الشباب كانوا «يهربون من جحيم الصمت في بيوتهم المثقلة دوما بالممنوعات والمحرمات والمؤجلات والمستحيلات»( )، على حد تعبير الراوي في «جرف الخفايا».
وفي جلسة من جلسات الطرب بـ «عرين السباع» يتشاجر «صقر المعنى» عازف العود وزميله «مبارك» عازف الرباب، ويستفحل الخصام بينهما فيضطر «المداوي» أن يباعد بينهما فيأخذ «المعنى» إلى غرفة فوق سطح منزل والده المتزمت ويستضيفه أياماً ريثما يصلح بينه وبين غريمه ومنافسه، ولكن «المعنى» يختفي فجأة، فينبري رواد «العرين» جميعهم للبحث عنه حتى نهاية الرواية دون جدوى.
وتحوم الشكوك حول كثير من الجهات المتصلة بالذات الاجتماعية على إثر إبلاغ الأمن بـ «جرف الخفايا» عن اختفاء «صقر المعنى»؛ وخاصة بعد توسل والدة الغائب إلى الأمير كي يساعدها في العثور على ابنها؛ فقد شكل الأمير لجنة لمتابعة هذه القضية التي شغلت الناس، ولكن همة هذه اللجنة ما لبثت أن اعتراها الفتور والملل، وخاصة بعد تلقيها بلاغات كثيرة عن اختفاء عدد كبير من الناس بـ «جرف الخفايا»، وهو ما يضاعف خوف هؤلاء الشباب ويزيد من انزوائهم في قوقعتهم التي يسمونها «عرين السباع».
وفي «نافذة الجنون» لعلي أبي الريش نقابل بطل الرواية السلبي الذي يحس بثقل القيم الاجتماعية عليه فيحاول أن يتمرد عليها، ولكنه يرمى بالجنون ويصبح همه الوحيد في الحياة هو أن يثبت رجاحة عقله للذات الاجتماعية، تلك الذات التي تقمع نزعاته الفطرية وتشل إرادته فيتجذر الخوف في صدره:
«يا إلهي! كلما حاولت أن أنسى يداهمني الخوف»، يقتحم حياتي، لا أحد يستطيع أن يقطع الخوف من صدري، بل كلما حاولت أن أفعل شعرت أن خوفي يقتعلني من جذوري»( ).
وفي «القارورة»( ) ليوسف المحيميد نقابل «منيرة الساهي» بطلة الرواية التي تعبر عن هواجس الخوف التي تكابدها المرأة في مجتمع لا يعترف بمواهبها وحقها في التفكير والإبداع فتضطر أن تعيش داخل شرنقة الصمت والرعب محتملة مسؤولية كونها مخدوعة.