المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقــافة الخـوف


Eng.Jordan
03-09-2013, 05:23 PM
موفق محادين

من جملة ما قرأت حول سيكولوجيا الخوف ما كتبه المخرج الياباني اكيرا كورو ساوا في مستهل سيرته, فخلال سنوات الحرب ومع ازدياد حالات الحروق. اعتقد او سمع الناس ان افضل مرهم للحروق هو عرق الضفدع وكان يتم الحصول عليه بوضع ضفدع في صندوق كل جدرانه من المرايا, فما ان يرى الضفدع صورته من كل جانب حتى يصاب بالرعب ويفرز مادة ذهنية, يجري كشطها عن المرايا واستخدامها في المرهم المنشود.
تأملت الفكرة والمشهد داخل الصندوق واهتديت الى ما يسر البال وتخيلت كيف وكم من الصناديق والضفادع والمرايا عرفها شرق المتوسط.
الاستثمار في الخوف وتحت اية ذريعة من ارخبيل سولوجنستين الى مدن الملح وما أكثرها..
شعوب كاملة توضع في الصناديق اليابانية, اقصد اكيرا ساوا, وتجبر في ظروف مرعبة على تبرير البقاء والدفاع عن جدرانها الرهيبة من اجل اطفاء الحرائق بالخوف..
كيف بدأ الاستثمار في الخوف وأصبح الخوف فعلاً أعظم الشر كما يقول رسل.. هذا ما تحاول هذه الورقة الحفر فيه وفي تاريخه.

تلخيص عام للورقة (المادة المطبوعة : موفق : ثقافة الخوف)

تهتم الورقة بالخوف كظاهرة اجتماعية مرتبطة بالمجتمعات البطركية بوصفها مجتمعات طبقية, وتلاحق هذه الظاهرة منذ الانقسام الاجتماعي الأول وحتى العصور الرأسمالية عبر ناظم منهجي موحد مشتق من الثلاثية الفرويدية المعروفة الخطيئة - العقاب – الندم.
وتستند هذه المحاولة لدراسات فرويد (الطوطم والتابو) وأريك فروم (الخوف من الحرية) وديزموند موريس (القرد العاري) وثلاثية الجابري (القبيلة - العقيدة - الغنيمة) التي تتخلل ثلاثيته حول العقل العربي والسجالات المعروفة لمدرسة فرانكفورت.
وتلحظ الدراسة ان المجتمعات البدائية (الطوطمية) لم تعرف هذه الظاهرة بدلالاتها الرائجة لانها لم تكن قد ارتبطت بالمعايير الاخلاقية للقوى السائدة, مما يعزز الارتباط بين الخوف وبين سيكولوجيا المغلوبين في الحقب التالية:-

ففي المرحلة المبكرة للتابو لم تكن هذه الظاهرة قد توطدت بسبب غياب المعايير الاخلاقية للحلال والحرام والثواب والعقاب في المراحل ما قبل الرأسمالية ثم الحقوق والواجبات في المرحلة الرأسمالية.. كما ان العلاقة بين الخوف والندم في المراحل اللاحقة اختلفت في دلالتها الاجتماعية باختلاف الوظيفة الاجتماعية لطقوس الندم: الاستدعائية في مرحلة ما قبل الاديان والاسترضائية لاحقاً وذلك على ايقاع انقلاب المعادلة بين الآباء والابناء من قتل الأب واستعادته في التحيينات الطوطمية السنوية الى قتل الأبن (المسيح) مثلاً.
وتولي الورقة اهتماماً خاصاً هنا لما يمكن تسميته بالطابع الشيطاني للتاريخ المصدر المعرفي لظاهرة الخوف في تبدياتها المختلفة, حيث اختلط الندم بالعقاب بالخوف الأبدي ما ان اصبح الانسان عارفاً - اثماً خارج الجنة (داخل الزمن على الارض).
***********

بعد استعراض لتطور ثقافة الخوف في المراحل ما قبل الرأسمالية تتوقف الورقة مطولاً عند مظاهر هذه الثقافة في الحقبة الرأسمالية سواء في طبعتها في الشمال الاشقر او في طبعتها الشرقية.
وتميز الورقة او تلاحظ ان تباين اوروبا والغرب عن الشرق فيما يخص هذه الظاهرة ليس تبايناً في الجوهر بل في شكل الاحالة او الازاحة فحيث ظل الاستلاب الانثروبولوجي مصدر الخوف في الشرق بسبب البنية الكولونيالية, فان أبرز مظاهر الاستلاب, الاخصاء السلعي في الغرب هو التصعيد او الازاحة التكنولوجية عبر الانحطاط بالعقل الى المستوى البيولوجي كما جسدته المدرسة الامريكية وجذرها المدرسة الوضعية اليهودية في فيينا...
فالرأسمالية في الحالتين, التكنولوجية المتقدمة والاستبداد الشرقي في صورته الكولونيالية, لا تستغني عن الخوف من اجل الحفاظ على مزرعة الحيوانات وترويض النمور في اليوم العاشر..

كيف نكسر الخوف

تحت هذا العنوان تستعرض الورقة الاوهام السائدة التي تكرس ظاهرة الخوف وتعيد انتاجها او إحالتها او انزياحها اكثر مما تواجهها ومن هذه الاوهام:-
1- وهم العقد الاجتماعي والديموقراطية في غياب شروطها التاريخية (دولة السوق القومي البرجوازية) وتستند الى ثلاثية الجابري المذكور والى رأي الفارابي في الامامة.. فما يحدث غالباً هو التواطؤ الرخيص بين البطاركة والرعايا باسم الدولة والمجتمع..
2- اوهام بيكون حيث تبدو الايدولوجيا كوعي زائف واقنعة في خدمة الأنا العليا السائدة.
3- وهم المخلص الذي يكرس من ثقافة الخوف العبيد ثم (المثقف التقليدي) عند غرامشي وهو الوهم الذي يؤكد على العقم الداخلي مقابل الخلاص بالنعمة الخارجية.
4- وهم او حيلة التصعيد عند المثقفين الذين يهربون من خوف الموت مثلاً الى انزياحات عابرة تنتهي بانتحار العديد منهم او توسله الموت بأي طريقة.
من جهتها تحاول الورقة تلمس مقاربات اخرى لكسر ثقافة الخوف والترويض ضمن الوقائع المعاشة.. واذا كانت التحولات الكبرى في العالم الرأسمالي تسمح باستحضارات مضادة من نمط مدرسة فرانكفورت وخاصة هابرماس وماركوزه وغيرهم ممن حاولوا كشف ثقافة الخوف في قلب الوضعية والداروينية الاجتماعية وتصحيح العقد الاجتماعي التاريخي كفلسفة تسوية للحقوق والواجبات وإعادة جون لوك الى هذا العقد كلما استحوذت عليه لوياثانات توماس هوبز (من التجربة النازية الى التجربة الامريكية) فان الوضع في الشرق مختلف تماماً بسبب الطابع الكاريكاتوري لفكرة العقد الاجتماعي وبسبب الثقافة الثاوية للثواب والعقاب في البنية العامة للدولة والمجتمع.
ان معركة الغرب ضد الخوف معركة ضد الاستلاب السلعي واوثان السوق منذ انتصارها على الباباوات .. أما معركة الشرق ضد الخوف فهي معركة ضد الاستلاب الانثروبولوجي واوثانه البطركية وشفاعاتها التي ترتجى حتى الآن.

في البدء كان ...
التابو وليس الخوف

أياً كان رأي علماء السيكولوجيا والسيسيولوجيا بالخوف والغرائز الفردية, إلا ان الخوف كثقافة اجتماعية ليس قديماً.. ولم يدخل سيكولوجيا المجتمعات الا في عصور الانقسامات البطركية الطبقية الكبرى...
في مرحلة الصيادين والشامانات والأمومية المتأخرة كان الوعي البدائي بوحدة الوجود (وحدة الانسان والطبيعة, السماء والأرض, اللغة والعالم, اللفظ والمعنى) قد قلص القلق الانساني, الخوف من الموت خصوصاً, الى حده الادنى وقلص معه المظاهر الاجتماعية للخوف العام, وقد ساعد البشر في ذلك أمران:-

- الأول ان ثنائية الخير والشر او المانوية التي تنسب لها المعايير الاخلاقية اللاحقة لم تكن قد توطدت بعد وظلت متوارية أمام سيطرة التابو والتابو يتعدى الاشخاص الى الاشياء المحظورات المتصلة بها, وهو كما يقول فريزر: كلمة بولينيزية اكتشفها لاول مرة الرحالة الشهير الكابتن جيمس كوك اثناء رحلته الثالثة حول العالم وذلك عام 1777, ونظراً لصعوبة ترجمتها ترجمة دقيقة فقد ادخلت الكلمة ذاتها في الكتابات الانثروبولوجية والاجتماعية واصبحت من المصطلحات العلمية المقبولة في جميع اللغات. والمقصود بالتابو على العموم الممنوع او الاشياء المقدسة التي لا يخطر على الناس الاقتراب منها خشية تدنيسها مما يعرض الشخص نفسه للخطر وللدناسة الشعائرية.
ويرى فرويد "الطوطم والتابو" ان اقرب ترجمة للكلمة هي "الخوف المقدس" لانها تجمع بين خاصية القداسة التي تتمتع بها الاشياء التي تعتبر "تابو" وبين التحريمات والقيود التي تفرض على النار ازاء هذه الاشياء ذاتها. وتختلف قيود التابو عن القيود الرتيبة في انها لا تصدر عن امر آلهي ولكن الناس انفسهم يفرضونها بانفسهم على انفسهم, كما تختلف عن النواهي الاخلاقية في انها لا تدخل ضمن نظام متماسك يبرر لنا هذه التحريمات ويبين اسبابها واصلها, ولذا فان قواعد التحريم في التابو تقبل على علانها كأمر لا مفر منه.
ويعتقد بعض الانثربولوجيين ان التابو هو :-
1- اقدم قانون غير مكتوب لمجلس الشورى بل انه وجد قبل ان يعرف الانسان الدين والآلهة. ان تحريمات التابو تحريمات قاطعة.
2- على اعتبار ان خرق التابو يلحق الاذى ليس بالشخص العقدي وحده وانما بالمجتمع ككل لآخر او من شخص لآخر. والتابو عند العرب تعني حرام ام محرم وعند اليهود قادش.

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:24 PM
ومن ابرز الاشياء التي يقع عليها التابو في تراث الشعوب والجماعات القديمة: الاسم, الشعر, الطعام, الحديد.
والحق فان الرجل البدائي يعتبر اسمه جزءاً حيوياً من نفسه ويقوم برعايته وفقاً لذلك, ولهذا فان بعض العشائر الاسترالية تعمد الى اخفاء اسماء افرادها عن ان تعرف بشكل عام خوفاً من استخدامها في ***** للاضرار باصحابها, ولهذا السبب نفسه كانت اسماء المصريين القدماء مزدوجة يحتفظ بواحد منها سراً, وكان العرب- حسب الحوت ـ يسمون ابناءهم بمكروه الاسماء, ككلب وضرار وحرب.

الامر الثاني: هو ان الأب ـ الإله لم يتحول الى سلطة كلية بعد وبالتالي الى مصدر لانتاج ثقافة الخوف كثقافة اجتماعية بل ان الأب كما يخبرنا فرويد كان ضحية الابناء وكان يستعاد في تحيينات دورية طوطمية تختلف عن دلالاتها الاجتماعية كما سنرى...
لاحقاً وبالرغم من اول انقسام كبير في تقسيم العمل رافق (مرحلة الزراعة, الاسطورة), الا ان انشقاقات وحدة الوجود والوعي المطلق (البدائي) لم تؤسس لثقافة خوف اجتماعية عامة, بل ان جرأة الانسان زادت مع اكتشافه النار والحديد وزيادة السيطرة على الطبيعة.
والملاحظ في هذه المرحلة, انه وبالرغم من تبلور الاسرة والملكية الخاصة والدولة, الا ان الأب - الإله ظل ضحيتها, وكان الابناء (الخلق) اكثر جرأة في تحدي هذه السلطة...
صحيح ان هذه المرحلة, حسب فرويد, هي التي أسست للخطيئة والعقاب الا انها لم تؤسسها على الخوف بل على الندم وظل الابناء وهم يستعيدون جريمة قتل الأب, الإله في القرابين والأعياد الدورية ظلوا يفعلون ذلك خارج منظومة الخوف بل من اجل التوحد معه او فيه.. وكان أبرز مؤشر على ذلك الطبيعة الاستدعائية للقربان وليس الطبيعة الاسترضائية.

*********
المرحلة التي أسست لثقافة الخوف الاجتماعي هي مرحلة الانتقال من التعدديات الأمومية المختلفة, القبائل, المعتقدات, الى مرحلة المركزة البطركية, مركزة السلطة والثروة والمعتقد, ابتدأت بالديانات, وانتهاء بالرأسماليات المعاصرة حيث اختلفت قيمة ودلالة الدورة الفرويدية السابقة اختلافاً تاماً.
أولاً: بالنسبة للخطيئة قد لا يكون صاحب الطوطم والتابو, عالم النفس الشهير, فرويد, على حق تماماً وهو يعيد التداعيات العالمية الدارجة في احتفالات الندب الجماعية الى خطيئة قتل الأب.. ولكنه على الاقل اعادها الى خطيئة ما .. وهو ما لم تكذبه الاساطير والطقوس القديمة وهي تعتلي الوعي المعاصر بتجليات مماثلة.
ومقابل قتل الأب (أوديب) في المرحلة السابقة فإن الأب في هذه المرحلة هو الذي يقوم بقتل الابن او تعذيبه كما حدث مع المسيح وأيوب.
ومقابل الحضور السابق للمرأة - الأم فانها في هذه المرحلة ليست سوى ضلع من الرجل ومسؤولة عن اغواء الرجل واسقاطه من الجنة.
كما ان انفصال السماء عن الارض, الانسان عن الطبيعة في هذه المرحلة لم يكن بداية لاستقلال الانسان ومعرفته كما في الاسطورة بل كان عقاباً له في التاريخ لانه صار عارفاً وبالتالي آثماً وبالتالي خائفاً وسنرى لاحقاً ان المعرفة الجديدة شقاء تاريخي مركب من العقوبة والندم والتوق للعودة الى جنة الأب السماوية هكذا مقابل الخطيئة القديمة أياً كان سببها, نتحدث في أمورنا وامور الناس عن الفساد والقمع والخيانات التي ولدت الهزائم في رحمها كبذور شيطانية.
الاشتراكيون يعيدون الهزيمة الى خطيئة النظام الرأسمالي, والرأسماليون الى خطيئة النظام الاشتراكي.
وهكذا دواليك .. القوميون واليساريون والاسلاميون .. اتهامات متبادلة مشفوعة بالمرجعيات الوفيرة والفتاوى الجديدة. ثمة تفاحة آثمة في كل مرة ترتب عليها كل ما ترتب.
ثانياً: العقاب: وهو هنا بخلاف العقاب الموضوعي (القدر اليوناني) فهو شكل من الاخصاء الروحي, من الجفاف السماوي في الشرق الى المرض في العصر الفيكتوري.
انه الخوف العام, على الارض, داخل الانشقاقات الكبيرة لوحدة الوجود, وداخل التاريخ بوصفه سياقاً شيطانياً وعقاباً على النكران والجحود القديم في الجنة المفقودة.
وهو خوف عام مصدر من الخارج الى الداخل وعبر الرقابة المباشرة للوكيل الأرضي وسلسلة من محظورات الهيمنة وقيم القوة السائدة المسوقة على شكل معايير اخلاقية حيث تحل اللعنة عبر القاصد الشيطاني كعقاب محتوم لاراد له. في الاساطير اتفاق مبدئي على الصورة اياها .. القناع الاسود والفأس المعقوفة في رؤيا حزقيال ودانيال.. وقبلها الوحش المائي, والنتيجة معروفة.. الخروج من الجنة في تأويل ما, لما ذكرته الكتب المقدسة.
ما يحدث عربياً اختبار ما ايضاً... فالهزيمة شكل من العقاب الخارجي.. والشيطان واضح الملامح هذه المرة بفأس جديدة أكثر تدميراً وتقنية. ومن السهل الاضافة هنا ما يتيسر عن الخروج من الجنة الى الخروج من الارض نفسها: الجولان, سيناء, الضفة الغربية العام 1967, لبنان 1982.
ومما يغري بالدلالة في هذا المقام, خروج الفلسطينيين عبر البحر مقابل الكذبة اليهودية الشائعة عن العودة الى فلسطين عبر البحر ايضاً في حكاية العصا مرتين.. مرة من مصر, ومرة عبر مخاضات اريحا.

ثالثاً: الندم اذا كان القربان الاستدعائي هو عنوان الندم في المراحل السابقة فان القربان الاسترضائي القائم على الاخصاء والاذلال والخوف هو عنوان هذه المرحلة...
وعلى الانسان ان يكون في حالة ندم سرمدية وخوف دائم من أجل الخلاص.... ومن تجليات ذلك في الحالة العربية ما تتيحه من احالات خارجية وداخلية تضيع فيها الحدود بين التراجيديا والكوميديا وخصوصاً في حالات الاستخذاء المبجل التي تختصر السيكولوجيا العربية في انفصامات قلّ نظيرها في علم النفس الاجتماعي.
وسنرى كيف اعادت المجتمعات البطركية انتاج ثقافة الخوف المذكورة حتى في حقبتها الرأسمالية التي تنسب الى نفسها الحرية.
ورغم ان هذه الحقبة تنطوي على ثقافة تمايز واضح بين الطبقة الرأسمالية الاصلية في الشمال الاشقر.. وبين الطبقة الكولونيالية جنوب العالم, الا ان ثقافة الاخصاء والاقصاء وترجمتها الاجتماعية ثقافة الخوف, ظلت اهم القواسم المشتركة بين الطبعتين بوصف الرأسمالية حقبة طبقية بطركية بامتياز.
فليس صحيحاً ان الغرب حرر نفسه مقابل استمرار الاستبداد الآسيوي, فكل ما هناك ان شكل الاستلاب والخوف قد اختلف وفق السياقات الاجتماعية (المتقدمة في الغرب) (والمتخلفة في الشرق) وبالتالي فان العمل على الاستعارة الاستشراقية للنموذج الغربي لتحرير الشرق, استعارة بدون معنى, وتتجاوز ملاحظات ادوارد سعيد التي تسجل على الغرب احتكاره للحرية لنفسه .. فالغرب أيضاً ما دام رأسمالياً, فهو أسير خوفه واستلابه الخاص.
في الطبقة الرأسمالية الأصلية, ثمة استبدال للبنى السابقة عبر الثورتين الكبيرتين, الثورة الصناعية التي ارتبطت بالتنوير والحداثة ومدارسها, والثورة المعلوماتية التي ارتبطت بالتفكيكية وما بعد الحداثة.
لقد تمكن الغرب فعلاً بفضل هاتين الثورتين من تحطيم البنية الجمعية السابقة لصالح انقلاب مزدوج, الفرد والمجتمع, لكنه لم يشطب خوفه واستلابه بل حوله من استلاب وخوف واخصاء انثروبولوجي الى اخصاء سلعي, كما حول المرأة على حد تعبير داكو الى ذكر برجوازي ولم يحررها في الواقع.
ان الرأسمالية بدل ان ترتقي بفردية البشر سحقتها وحولتها الى كائنات بيولوجية وفق المدرسة الامريكية النفعية وقبلها مدرسة فيينا اليهودية التي بجلت العقل الصوري الميكانيكي..
وكان الاخطر من كل ذلك هو تبدياتها السياسية في لوياثانات هوبز التي لم تقدم لنا عقداً اجتماعياً للحرية بل اعادت انتاج(الاستبداد الاسيوي) وثقافة الخوف بأشكال رأسمالية..

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:24 PM
أما في الشرق لم يكن ارنست رينان اقل سوءاً من برنار لويس ولا حتى من الفوهرر صاحب الذراع المستقيمة.
فقد وضعونا جميعاً في الدرك الاسفل من الجينات البشرية. ولم يحشرونا مع الانبياء والصديقين كما نحب ونشتهي, بل مع الزولو والهوتو ورعاة منغوليا مثل القطن قصير التيلة.. وهذه كما ترون نزعات استشراقية عنصرية, تحيلنا الى عالم شاتو بريان.. حمامات شهية, عطر فادح, لذائذ آسيوية وعبيد وخلاسيات ورجال متكالبون على النساء والخدور تكالب الذباب على سكر كامل الدسم.
على ان السيد رينان وربما برنار لويس لم يكونا على هذه الدرجة من الغي دائماً. فثمة فسحة قبيحة, روزنا باهتة لا تسمح الا للضوء الاسود بالتسلل الى الفاكهة الطرية.. وتعود ابتداء الى سيكولوجيا العبيد, الرعاع وابناء السبيل الذين يسقطون رغباتهم وانكساراتهم وكفاف يومهم على مخلص ما, فيصلبونه او يبكون عليه, ويمجدونه في السراء والضراء... في انتصاراته القليلة وهزائمه التي لا تعد ولا تحصى.. كما في موته الغائم اكثر ما يمجدونه في حضوره الفاحش خلف ثيرانه السوداء وهو يمد ذراعه الى الامام مثل سماء بدون بنيان.
وكيلهم المعظم هذا هو في الواقع ارخص مما يظن ويظنون.. دريئة عن بعد وشفاعة لا تكفلهم تماماً كلما جابوا الصخر في الواد .. وكلما طالهم عقاب الجبروت الكلي بجريرة واحدة منهم, لم يتعرفوا عليه مرة واحدة ولم يتبينوا من امرة شيئاً. فالاشباح يتوارون قبل صياح الديك.

ومن النادر ان تواطأت جماعة ما مع الوكيل السماوي الاعظم أياً كانت ولادته, تحت نخله او تينه او في مزبلة .. على عقد اجتماعي منحط كهذا كما فعلنا.
فلا هو عقد تجار البندقية كما اختلسه هوبز مع لوياثان ما جدير بالهيلمان.. ولا هو عقد لوك والماغنا كارتا التي كتبت على فروة رأس مجيدة من سلالة ادوارد الأول..
ولا هو عقد اسلافنا الميامين في اوروك او ثيباً او بابل.. انت نحن ونحن انت ايها المبجل.. فحينذاك لم يكن سوى قارب واحد في العالم السفلي, ولم يكن البحار الاعمى هناك يميز بين ضيوفه الاعزاء من الموتى... فقد كانوا عراة جميعاً .. وكانت الفضيحة كاملة..
وما دام الامر على هذا السوء بالنسبة للمتجبر الكبير, اقصد الصغير.. فما الذي يمنعه من ان يظل جاثماً على صدور الاحياء, وهو قرير العين في قبره الوثير.
في تصريح مقتضب لصاحب اغرب وجه في التاريخ, فلا نعرف ان كان متجهماً ام حزيناً مثل الجيوكندا.. كان تشرشل .. السير ونستون تشرشل قد قال وهو يتمعن في صورة الثلاثة الكبار على ضفاف يالطا.. أياً كانت جرائمنا يقصد الانجليز ـ فلن يقود احدنا انجليزياً واحداً من قبره .. وسأكون محظوظاً اذا ما تذكرني احد بسبب سيجاري الطويل.
وبدون ان يتحدث عن زميله الجلف في الاورال, فقد كان على حق تماماً في ايحاءاته التي لم تدحضها الأيام. وظل الرجل الحديدي صاحب القدم المتورمة يدير روسيا من قبره.. ولعله ما زال.
وكان على صاحب الرأس المستدير, تشرشل, ان يقول شيئاً عن طريق الحرير والافاعي و*****ة, وخلق الله الذين حكمهم على امتداد الطريق من بومباي الى حيفا, واعد لهم نشيدهم الوطني وياقات جنرالاتهم وهوياتهم القاتلة وسفالاتهم, التي لا تكف عن الضجيج والعراك من اجل ما تبقى لهم تحت النوافذ, ولا تريد ان تصدق ان رجلاً واحداً خلف البحار جبلهم على هذا النحو المزري على ظهر السفينة فكتوريا.
فالاحياء على ذمة الموت, او الاموات في مدونات الاحوال المدنية والسجل العقاري العثماني لا تشغلهم هذه الافتراءات ولا يريدون ان يصدقوا ان محمداً قد مات اذا كانوا يعبدون الله حقاً.
المهم ان الناس سامحهم الله من فرط كسلهم وخوفهم, لم يفوضوا امرهم الى الله, ولم يعقلوا جملاً واحداً..
وعوضاً عن ذلك ظلوا يفوضون امورهم الى وكيل ما في كل مرة.. يضمن لهم صكوك الغفران وخبز يومهم, ويعود اليهم في الاحلام اذا ما غاب عنهم لسبب وما عليهم سوى البكاء والندب واللطم من اجل استرجاعه وانتظاره بعد غيبوبة كبرى او صغرى طوعاً او كراهية..
وفي تاريخ اللطم واللطامين والزمن الاسترجاعي للاسكاتالوجيا الكونية لا بد من التمييز بين حقبتين.
الاولى, حقبة العبد القن الذي كان يستخدم لمرة واحدة مثل عود الكبريت وكاسات البلاستيك.. ثم يموت من شدة الجوع والانهاك والولاء او من شدة الانتظار تحت شجرة المتشردين الاثنين كما اقترح صموئيل بيكيت.. او من شدة الثقة بان موت الوكيل, ليس سوى امتحان للايمان والصبر قبل عودته المظفرة من العالم السفلي.. فهو لم يصلب او يهزم الا من اجل هذا الامتحان.

اما الحقبة الثانية, فهي حقبة العبد العمومي, العبد المودرن الذي يظن بنفسه احسن الظن لمجرد انه يتحدث عن دولة المؤسسات والحقوق والواجبات وحق الاختيار بين ثلاثين نوعاً من الجبنة الفرنسية.
ولا يتدارك نفسه في كل مرة أمام صناديق الاقتراع الثلاثين.. فيعود سيرته الاولى بانتظار الوكيل الفقيد الذي لا يأتيه الباطل ابداً ويعود من هزائمه المجيدة في آخر الزمان مكللاً بالمجد والمسرات.
اذا كانت فكرة الوكيل مشتقة من حكاية السيد والعبد وتفويض الإكراه الناجم عن الخوف فان الخوف نفسه ناجم عن فكرة الثواب والعقاب بتأويلها الرسمي, ولعل من الملاحظ هنا ان غياب الدولة الحديثة والمجتمع المدني هو القاسم الاعظم بينهما, فهذا الغياب هو الذي حول البشر في الحالة الاولى الى رعايا ينتظرون مكرمات السيد, كما ينتظر الفقراء حاويات القمح والفئران الامريكية(ليس للبيع او المبادلة), وكما ينتظر الصيادون وقطاع الطرق الطرائد والقوافل الضالة وكما ينتظر القرويون المطر الشحيح.
ويلخص (ديزموند, موريس) هذه الحالة في سلوك السائق امام شرطي المرور الابتسامة العريضة الصفراء, الانحناءة التي تشبه انحناءة الوزراء الجدد عند حلف اليمين, فالقرد المغلوب الكامن داخل كل سائق وداخل كل وزير في مجتمعات العبيد, يدير ظهره فوراً للقرد الغالب علامة على الرضوخ والتخلي عن الشرف. ويعبر عن غبطته واستعداده الكامل لما يريده القرد الضخم, الذي لا يعف غالباً عن هذه الهدية المشينة.
مقابل هذا السلوك,تبدو سلطة الإكراه السائدة سلطة قرود بامتياز, لا تعف عن شيء, وتتبادل مع ضحاياها عدم الاكتراث بالشرف والكرامة, ولا تتورع عن توكيد هذا السلوك برفع كل حظر عن الانتهاكات المرعبة داخل اقبية الاسبست والتعذيب فالمهم هو تحويل البشر الى كائنات خائفة مخصية مهانة دوماً لا تحتمل اكثر من ديك واحد.. هكذا, وبدلاً من ان تنظم العلاقة بين الجميع على أساس الحقوق والواجبات, ضمن دولة العقد الاجتماعي المدني, تنظم العلاقة على أساس الثواب والعقاب, الحرمان او الاعطية, هذه العلاقة بين طبيعة السلطة السائدة وطبيعة المجتمع السائد, فضيحة كاملة الدسم, اذ ليس ثمة مجتمع اذاً, بل مجاميع متباغضة, تتدافع خلف أي كبش في عنقه جرس, أي جرس!.
هكذا وبخلاف ثقافة الاستلاب السلعي في رأسمالية الغرب وما تنتجه من خوف مقنع بعقد توماس هوبز فان الرأسمالية الكولونيالية في الشرق ظلت تعيد انتاج بنيتها الاجتماعية ما قبل الرأسمالية وخوفها المقنع بالثواب والعقاب فظلت مفاهيم هذه البنية جاثمة على مفاهيم الفرد والمجتمع وصار العقل المستقيل للاخصاء - الاستلاب الانثروبولوجي موازياً للعقل التقني - الوضعي للاستلاب الرأسمالي - السلعي, وممانعاً في الوقت نفسه لكسر ثقافة الخوف داخل التاريخ بما هو آثم وشيطاني.. فظل الانسان هنا كما يقول ياسين الحافظ يعيش وطأة الانسحاق كدودة.
*********
كسر الخوف .. الاوهام والحقيقة


مقابل الخلاص, الروحي, الباطني, الذاتي عند الغنوصية والصوفية والبوذية وعدم الايمان بالقوى المفارقة .. فما هو سائد الخلاص من الخارج.
ويعتقد الشيعة ان الامام الثاني عشر الذي يعيش بين الناس دون ان يعرفوه يقود العالم من مخبأه عن طريق ما يعرف بالوكيل واحياناً السفير.
ويشاطر اهل السنة الشيعة في اعتقادهم بظهوره, ويختلفون على ذلك, اهو في مكة كما يقول الشيعة ام في بيت المقدس كما يقول السنة, ويحمل معه عصا موسى وثابوت العهد وخاتم سليمان .. وينتهي حكمه بهبوب ريح طيبة تقبض روحه الى بارئها.
كما عرفت اوروبا اكثر من حكاية مثيولوجية اسكاتولوجية في العصر الوسيط, ابرزها حكاية الملك ارثر والملك فردريك الثاني.

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:25 PM
وحسب لوكاتش في "تحطيم العقل" فان الشعوب المهزومة تحيل املها ورجاءها الى بطل وهمي يفرك عينيه سنيناً وربما قروناً قبل ان يصحو من بياته الطويل.
وقد سهلت الاتجاهات اللاارادية والتشاؤمية في الفلسفة هذا الخداع الكبير.

كيف يعود المخلص


رغم ان فكرة المخلص, فكرة خارجية بحد ذاتها, الا انها لا تتحقق من تلقاء ذاتها, فلا بد للجموع من ان تحضر اللحظة التاريخية للعودة الميمونة, وتختلف هذه الجموع في طقوسها وعقائدها باختلاف ظروفها في كل حقبة اجتماعية.
وتتراوح استداعاءاتها واسلاليبها بين الزهد الفردي والصمود امام الشيطان ومشاعر الخطيئة والندم, وبين العمل المباشر.
وحسب الزهد الفردي, فعلى الانسان ان يمرن نفسه وتدمير حواسه وانهاك جسده حتى يصبح قادراً على التماهي مع المخلص في لحظته التاريخية.
وعلى المرء, في الحالة الثانية, ان يعرف كيف يصمد امام الشيطان كما صمد بوذا والمسيح وابراهيم وايوب. ..بوذا امام مارا بالتأمل تحت التينة الذي هزم الشهوة وقهر الجسد ودخل في النرفانا..
وايوب صاحب القول الشهير "لو اغتسلت في الثلج فانك في النقع تسمعني".. وكلما ازدادت هزائم الشيطان, اقترب زمان المخلص.
وايوب ايضاً, هو الأب الروحي للفكرة التي اعطت للالم قيمة حاسمة للخلاص حتى انيونغ اعتبر صلب المسيح تكفيراً لما حدث مع ايوب.
وجميعهم, بوذا والمسيح وايوب مرجعيات مقدسة للاحالات الجديدة في المستوى الثاني كما يمثله المخلص.
الحالة الثالثة, مشتقة من قراءة فرويد للطوطم والتابو في الحالة الاوديبية. فالاشتراك الجماعي في جريمة قتل الاب شرط اساسي لاسترجاع هذا الاب بوصفه مخلصاً.. ولا يتم ذلك النكوص السلبي بل بابداء مشاعر الندم وتمثل الجريمة في طقوس جماعية مروعة كما يفعل الشيعة في عاشوراء وكما تفعل بعض الجماعات المسيحية المجددة في الولايات المتحدة التي تنفذ انتحارات جماعية في مواقيت فلكية لاستعجال عودة المسيح.
الشكل الآخر لتعجيل عودة المخلص, هو العمل, كما أسسته الزرادشتية فالخلاص وزمان الخير يحتاج لمساعدة الانسان من اجل الاسراع في هزيمة الشيطان, بل ان الرومان امعاناً منهم في هذا السبيل لم يعرفوا الكهانة.
وليس صعباً اضافة الماركسية الى قاموس الاسكاتولوجيا والفردوس المفقود, الذي ينتظر مخلصه الطبقي البروليتاريا.
فالماركسية هي الفلسفة الوحيدة التي انتجت الحتمية (كمفهوم لا تاريخي) داخل التاريخ.
والملاحظ في كل هذه الاسقاطات انها تكرس العقم الداخلي لصالح الولادة بالنعمة السماوية. وتعيد انتاج الدورة المغلقة, الخطيئة, العقاب, الندم كدورة خارج التاريخ والارادة.
ان التشاؤم ليس عقلاً محرضاً على المقاومة, كما اعتقد شوبنهاور, بل مصادرة على المطلوب واحالة للعقل على التقاعد.
والنتيجة اننا لم نؤسس خطاباً جديداً مختلفاً بل خطاباً مشبعاً بالهزيم الدافئة الكسولة الصالحة لبيات شتوي طويل.
ويستوي في ذلك الذين يعلمون والذين لا يعلمون, الذين يقبلون والذين يرفضون.
ان تسويغ الحوار مع العدو بسلام الاكراه ليس اسوأ كثيراً من تسويغ الصراع معه بخطاب الممانعة كما يقول الصديق اللبناني محمود حيدر.
فنحن ازاء تجليات متباينة لخطاب واحد, هو خطاب الندم في الحالتين السلبية والايجابية.
وفي الحقيقة فنحن امام نسخة كوميدية من اساطير الاولين الذين لم يكن الشيطان بالنسبة لهم حالة ملتبسة او مجرد ورطة ما, وهم يتلمسون الندم بطقوسهم البدائية الواضحة والحادة.. لا حوار.
اما نحن وبقدر ما تستغرقنا الحالة القديمة في صحراء الخطيئة والتوبة, بقدر ما نفزع من واجباتها واستحقاقاتها في اللحظة الاخيرة, ونتدبر امرنا بحيل بائسة في الامتحان العسير امام الشيطان... سلام الشجعان, سلام الاكراه, اللاحرب والسلم. وفي احسن الاحوال البكاء على اطلال الشهيد او ابداء الممانعة بذرائع واسباب وحيثيات, وكأن شيطاننا المائي في نتانيا ليس واضحاً بالقدر الكافي بوصفه عدواً مبيناً وبدون ادنى التباس.
الا اعرف الكثير عن حجم اليزيديين او عبدة الشيطان شمال العراق وسورية, ولكنهم ظلوا حفنة صغيرة امام النصيحة القاطعة للاباء المنزهين ايام الكنيسة السرية:"لا تشرب من كأس الله والشيطان" معاً.

وهم الكتابة


تنتمي الكتابة, فلسفتها خصوصاً الى العالم الهامشي, للأنا المقموعة, كما حدده فرويد.
الانزياحات, التصعيد المدجج بالكراهية والثارات والايديولوجيا التسامي السلبي في مختلف بضائعه التسامي الكسول, والتسامي السلبي جداً.
بهذا المعنى فالكاتب, ابتداء, فرد من جماعة يخضع لهذه الميكانيزمات, وكذلك الكتابة.
ثمة انا مقموعة في الحالتين, عند الافراد وعند الشعوب في حالات انكساراتها وفضائها الوطنية.
وكما هي سيكولوجيا الاعماق, شديدة التعقيد والتباينات حسب درجة القهر الطفولي, وحسب محاولات التحرر اللاحقة, فان فلسفة الكتابة ليست محايدة او سلطة غير منظورة فوق كل السلطات.. ولا تكشف نفسها خارج حيلتها الذائعة الصيت الا في اللحظات العصيبة, العارية تماماً مثل سقوط بغداد, وقبلها بيروت وقبلهما, فلسطين.
كان بوسع خليل حاوي قبل سقوط بيروت, وكان بوسع السبول قبل الدفراسوار في تشرين.. وقبلهم ماياكوفسكي قبل سقوط المطارق في قبضة البيرقراط البوليسي. كان بوسعهم جميعاً ان يقولوا ما يشاؤون في حقل الحيلة بامتياز, الكتابة.
ولكنهم في ضوء استحقاقات طفولية مبهمة اختاروا ثلاث رصاصات كانت معدة لصيد الحجل, الذي ينتمي الى عالم القتل.
آخرون لم يفعلوا ذلك بل ان جاك بريفير الذي جرب المقاومة وضع اصبعه على انفه لان رائحة الشهداء نتنة, وأسس كما يبدو لكل النتن الثقافي اللاحق عند العدميين الجدد جنوب المدارات.
هؤلاء لم يركبوا هذا القارب وحدهم.. فإلى جانبهم اكثر من مقعد لتلاميذ شبينغلر والوجودية الهائمة التي تعود هذه الايام مثل الامراض التي اعتقدت منظمة الصحة العالمية انها انتهت.. ولعل الاكثر احتفاء بهذا القارب, الوعاظ الجدد الذين لا يكتشفون مزايا المسيح الا عندما تهبط عليهم انات عليا غير مألوفة وامبراطورية عبيد جديدة بين الحين والحين.. وليست واشنطن اليمين المتصهين سوى روما اخرى على نحو ماسخ والمهم في حال هؤلاء جميعاً انهم لم يطلعوا جيداً على ما كتبه لامارك في رده على دارون .. فرغبة الزرافات القصيرة العنق في الوصول الى جوز الهند, غالباً ما ظلت رغبة بعيدة.


وهم العقد الاجتماعي


التعامل مع قضية الحريات الديموقراطية بصورة شديدة العمومية لا تلحظ السياق الخاص للكفاح من اجلها في الظرف الخاص ايضاً, واقصد هنا ما يتعلق بالعقد الاجتماعي من المنظور التاريخي الذي يضفي على اية سلطة شرعيتها التاريخية التي تسمح لها بالتقدم او التراجع (في ظروف معينة) عبر قوانين الطوارئ او القوانين المؤقتة .. الخ.
واهمية هذا الاستدراك في اننا خارج المنظومة الديموقراطية في خبرتها التاريخية الاوروبية, فلم تتأسس الدولة في الشرق العربي لا وفق المحاججات المنسوبة لجون لوك"دولة الغرب الاوروبي الليبرالية الحالية" ولا وفق المحاججات المنسوبة لـ توماس هوبز (دكتاتورية البرجوازية المتطورة). فنحن كما لاحظ المفكر المغربي محمد عابد الجابري استعارات وكنايات سياسية ـ اجتماعية من زجاج فيما القار والكامن في دولنا العتيدة امتدادات لثلاثية القبيلة والعقيدة والغنيمة التي سوقت نفسها زوراً وبهتاناً في اطار الثلاثيات المعاصرة للطبقة والايديولوجيا والاقتصاد الرأسمالي.
وهو ما يفسر ايضاً الملامح المشتركة لانظمة الشرق المتصارعة سياسياً حيث تحتفظ جميعها بالطابع البيروقراطي الريعي للدولة.
اذن فان فكرة العقد الاجتماعي وشروطه التاريخية غائبة تماماً عن دولة المشرق العربي عموماً والتي لم تولد وفق عقد محلي مدني حقيقي بل وفق توافقات عشائرية مناطقية ـ طائفية على ايقاع تقسيم العمل والنفوذ بين المتروبولات الاستعمارية.

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:25 PM
وكان يمكن لهذه التوافقات ان تؤسس بالتدريج دولة مدنية مفتوحة على عقد اجتماعي لاحق ـ لكن ذلك لم يحصل أبداً, بل ان دولة في حجم العراق وموارده ونخبه السياسية والثقافية أكدت قراءة الجابري وعادت الى عناصرها ما قبل الرأسمالية مع سقوط الناظم الخارجي المركزي لها وهو الدكتاتورية السياسية.. ورأينا ايضاً كيف تحول البرلمان العراقي الجديد الى كوتات عرقية - طائفية قطعت تطور الفئات العراقية نحو الاندماج المدني وعادت بالعراق تحت الاستعمار الامريكي الى سيرته الاولى في غياب الشروط التاريخية للعقد الاجتماعي المدني التاريخي.
يترتب على ذلك اختلاف النظرة بين المواطنين بوصفهم فئات مندمجة الى حد ما تحركها الحقوق المدنية وبين السكان والرعايا بوصفهم مادة للمكرمات الديموقراطية.. وسنرى في الجانب الثاني كيف ظلت هذه الارضية مادة للتواطؤ المشترك أولاً بين هؤلاء الرعايا وبين الراعي الاعظم لهم الذي اعاد انتاج حرية الرأي والتعبير داخل مثلث القبيلة السائدة سواء كانت حرباً او عائلة او طائفة او مجلساً عسكرياً, وداخل العقيدة التي قررتها هذه القبلية, سواء كانت اشتراكية ام ليبرالية ام قومية في ثياب البعث او الثورة العربية.. الخ, كما داخل الغنيمة (الاقتصاد الريعي) قبل انكفاء الاتحاد السوفياتي والمشهد الاقليمي والدولي الجديد لدولة الشرق الاوسط.
ويخبرنا فرويد ايضاً كيف تجري ازاحة او تحويل سيكولوجيا الخوف الى ايديولوجيا وطنية بالكثير من الرطانة والتسامي المعروف جيداً في علم النفس كتصريف سلبي للترويض الجمعي.
يقول الفارابي في تبريره لفكرة الامامة ان الرئيس والامام والزعيم ظهروا كشيء واحد, ويعبر نتيشه في جينالوجيا الاخلاق ان السلطة استراتيجية تقنيات, وليست سيطرة تملك طبقي فقط, فهي توجد في كل علاقات وبنى المجتمع "هكذا تظهر قوى المجتمع المدني كظلال سلطات صغيرة للسلطة وبنى المجتمع"باكونين وتبرز هذه المسألة اكثر ما تبرز في المجتمعات الابوية الكولونيالية, حيث تبدو الكاريزما داخل المجتمع المدني ايضاً مماثلة للبطرك الاعظم داخل المجتمع السياسي.
وثانياً بين الراعي الاعظم وما يسميه غرامشي بالمثقف التقليدي الذي يعبر بالوكالة عن طبقة اخرى وينحدر غالباً من اصول فلاحية في خدمة برجوازية المدن ويتولى عملاً مباشراً في جهاز هذه البرجوازية او ينخرط في الماكينة الاعلامية والايديولوجية لها.
وقد وجدت تعبيرات هذا المثقف في المجتمع السياسي, سلطة ـ محايدة, وفي قانونه, قانوناً محايداً, لا يستدعي التناقض والصراع بل التكامل الأبوي. فالدكتور فؤاد زكريا يطالب في كتابة الصحوة الاسلامية في ميزان العقل بالاخاء بين الناس بدل الصراعات المرهقة, والمنافسات القاتلة والكاتبة منى شقير ترى ان "تحقيق اهداف الامة العربية في النهوض لا يتم عبر العمل الرسمي, الحكومي فقط بل ان العمل الاهلي اذا ما تم تفعيله من خلال مؤسسات المجتمع المدني يصبح قادراً على سد الفجوات الحكومية (الدستور 26/4/92).
ويمضي كمال عبد اللطيف من المغرب الى ما هو أبعد من ذلك بالدعوة الى مصالحات أبوية بين كل الانظمة الابوية العربية ويعتبر مجالس التعاون الاقليمية التي اقامتها شكلاً جديداً وفعالاً على طريق الوحدة(الكاتب الفلسفي ع20/1992).



وهم الايديولوجيا


ان ما أسسه بيكون في أوهام المعرفة (الوعي الخاطئ) وتابعه ماركس وانجلز في الايديولوجيا الالمانية هام جداً لمراجعة جديدة كما هي مراجعة ضرورية ايضاً لقانون لينين (الحلقة الضعيفة في السلسلة الرأسمالية وما ترتب عليها من أوهام حول إمكانية انتصار الاشتراكية في بلد واحد, وإمكانية بناء دولة وطنية تحت سماء رأس المال الدولي). فالايديولوجيا وعي زائف ليس في مواجهة (العلم البروليتاري, الوهم الآخر) بل بالمعنى الذي قدمه مانهايم(الايديولوجيا واليوتوبيا) وفرويد ونتشه: التطويع والترويض والتضليل لا لأنه يحول المبادئ الى وقائع(ماركس) بل لأنه يناقض سويولوجيا المعرفة ايضاً ويخلق اقنعة وتمائم وإزاحات تعيد انتاج الصراع وفق مصلحة الأنا العليا السائدة في حقبتها الامبريالية.

وهم الديموقراطية


الديموقراطية ليست مسألة قانونية او منبراً للسجال حول حقوق الانسان, بل مسألة صراع طبقي, لا يتعرف على ميادينه وقوانينه داخل بنى ما قبل رأسمالية, ومن المسلم به تقريباً, ان التركيبة الاقتصادية ـ الاجتماعية لمعظم البلدان العربية, في منظومة قوانينها الداخلية, لا تزال من طبيعة النمط الكولونيالي والجزر القطرية المتناحرة المبرمجة, على هامش المعادلات الاقليمية وما تستدعيه من آليات تخلف موضوعية, معادية للديموقراطية بالضرورة.
واذا كانت الديموقراطية قد ارتبطت ببدايات الرأسمالية فإن الرأسمالية في حقبة العولمة قوانينها المختلفة وخاصة في بلدان المحيط العالمي, التي تصطدم اكثر مما تسير معها او من خلالها.

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:25 PM
ايضاً لا بد التمييز بين الحرية والديموقراطية, الاولى كوعي للضرورة من سماته عدم المجاملة التاريخية, والثانية كمقولة سياسية تتعلق بطريقة الاستيلاء على السلطة وإدارتها.
وسواء كانت الديموقراطية ناجمة عن انقلاب او ثورة او عقد اجتماعي, فهي حالة انتقالية وتسوية مؤقتة مقابل الطابع التسلطي والاستبدادي للدولة كحالة عامة تاريخية ... ومن النادر ان توقف الفلاسفة والمفكرون عند انطباعات مغايرة للدولة الاستبدادية او للشكل الانتقالي السلمي المؤقت للدولة.
من ارسطو وافلاطون مروراً بفيكو وابن خلدون وانتهاء بماركس وهوبز, فالاستبداد هو جوهر السلطة سواء كانت نقطة في دورة مغلقة او نقطة على خط مستقيم.

كسر الخوف .. كسر الخوف من الحرية ...

بالرغم من استمرار "ثقافة الخوف"السطوة المذلة لبطركية العصور الطبقية حتى عصرنا الرأسمالي الراهن الا ان الانسان ظل يكافح من اجل خلاصه واطلاق الروح المتمردة فيه, تارة بالقتال اليائس حتى الموت, وتارة بالهروب الى التصعيد او الحيلة او السخرية من ارستو فاسن الى رابلييه الى هايني وموليير في طرطوف (ضد الجزوين وضد الأصل نفسه) ان كسر الخوف يعني كسر الخوف من الحرية كما يقترح اريك فروم .. وقرع الجدران بدل الانسحاق حتى الموت في المطلاع ..
واذا كان الحديث عن كسر البنية الاجتماعية التي تولد ثقافة الخوف, وتعيد انتاج مناخاته الاستلاب والانثروبولوجي وثقافة العقاب والثواب والسيد والعبد والمكرمات..
اذا كان هذا الحديث مثقلاً بسجالات نظرية حول غياب الشروط الموضوعية لهذا التجاوز, فلا بديل عن اعادة الاعتبار للنخب الراديكالية وفلسفة المقاومة, ابتداء من بروتا غوراس وكيركغارد (الموجود هو الوجود ولايوجد الا ما يوجده الانسان) وانتهاء بجهود مدرسة فرانكفورت في مقارعة العقل الرأسمالي الاداتي النسقي الوضعي كما أسسها هوركهايمر وماركوزه وهابرماس وما نعنيه ونريده من فلسفة المقاومة, احالة الثانية على الاولى وليس ادلجة الاولى على مقاس الثانية, طبعاً لا يعنينا الدخول في تفاصيل الفلسفة وتاريخ مدارسها وانشقاقاتها من أجل اختيار ماركة ملائمة ضد الدولة والايديولوجيا. بل استعادة الجدل فيها وتحريرها من الارغامات الايديولوجية التي حولته الى داروينية جديدة في التجربتين: الاشتراكية عبر ما يسمى بالضرورة الحتمية والاشتراكية العلمية الصارمة ووضع جدل المجتمع في سياق واحد مع القوانين الطبيعية وفي التجربة الرأسمالية التي حولته الى رافعة شقراء بلا ضمير باسم التمدين المقدس!.
وكان التعبير الاخطر لذلك في الحالتين هو التعبير السياسي ممثلاً بالدولة الشمولية من جهة, دولة مزرعة الحيوانات كما رسمها اورويل ودولة ارخبيل الجولاج كما رسمها سولجنستين وبالدولة الليبرالية المزعومة كما فضحها كونراد في قلب الظلام ومهدي عامل في نمط الانتاج الكولونيالي.
دولة الوحش الاحمر مقابل دولة الوحش الاشقر بالقليل او الكثير من التأويلات الايديولوجية .. من هنا تصبح الفلسفة مهمة في مواجهة الايديولوجيا.. الفكرة في مواجهة الالغاء والتعين والنفي.
القصدية في مواجهة حتمية الايديولوجيا, الكلية (العلمية) التي تتعرف على نفسها ليس شوقاً لمبدع او لعلة اولى بل في امتحان مفتوح الجدل الذي يحدد خياراته وطبقاته الاجتماعية في كل مرة وفق الخيارات الموضوعية للتاريخ وليس في الصراعات السياسية العابرة, وفق الحرية وجدل الاحياء وليس الضرورة العمياء.
ومن المفهوم كذلك, ان الفلسفة لا تستطيع ذلك انطلاقاً من دلالاتها المجردة, بل من خلال مقاربات سياسية في الواقع نفسه, تتعزز كل يوم بفعل البعد الامبراطوري للرأسمالية المهيمنة (الولايات المتحدة) وبفعل تفسخ الدولة الوطنية في المحيط..
من هذه المقاربات وبالاحرى المحاولات التي تحتاج للتمعن والنقاش والمراجعة ايضاً, المدرسة الفوضوية كما دشنها برودون وباكونين خلال كومونة باريس(لا يمكن بناء الاشتراكية وتحقيق الثورة بمساعدة جهاز الدولة القمعي بالضرورة).
والمجالسية كما دشنها العمال الروس عام 1905 والنقابية الثورية كما دشنها سوريل (تأملات في العنف) والتي تبدو كمرجعية بدائية للعمل الشبكاتي المدني المناهض العولمة وللتعاونيات الاجتماعية كما افترضها لويس بلان وكذلك البؤر الغيفارية الأممية التي لا يعني تراجعها في ظل الوضع الانتقالي الديموقراطي الحالي الذي تعيشه امريكا اللاتينية, ان هذا الوضع مرشح للاستمرار بسبب عجز البرجوازية الصغيرة والكبيرة عن الاستمرار في حكاية تداول السلطة والسياسات الحمائية التي تصطدم يوماً بعد يوم مع الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي الذي يتجه نحو البربرية. ولعل أهم المحاولات السياسية في سياق استدعاء الفلسفة ضد الارغامات الايديولوجية لمفهوم الدولة المعاصرة. اقتراح غرامشي بل مشروعه الذي يقوم أصلاً على دحض اوهام دكتاتورية البروليتاريا وديموقراطية البرجوازية ويستعيض عنها بتعزيز فكرة المثقف العضوي والمقاومة المدنية عبر (حرب المواقع) والمجتمع المدني والكتلة التاريخية.