المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخوف من الحرية


Eng.Jordan
03-09-2013, 05:27 PM
فروم والتحليل النفسى للشخصية التسلطية
الدكتور أحمد عبد الحليم عطية ( آداب القاهرة )
شغل الفلاسفة بالخوف فى جميع الحضارات الإنسانية وتنوعت عندهم دوافع وأسباب الخوف؛ الخوف من ظواهر الطبيعة الشريرة ومن هنا كانت الإضاحى والقرابين، الخوف من الموت ومن هنا كثرت الرسائل التى تدور حول دفع الغم والحيلة فى دفع الأحزان لدى جالينوس والكندى وابن سينا وغيرهم، وكان الخوف هو الدافع لنشأة الدين كما أظهر فويرباخ وفرويد وتعددت التحليلات الميتافيزيقية والنفسية والاجتماعية لمصدر الخوف.
ونتوقف فى هذه الدراسة عند تحليل الفيلسوف وعالم النفس والاجتماع الألمانى أريك فروم Erick Fromm لظاهرة حديثة ترتبط بحياة الإنسان المعاصر فى حياته الاجتماعية والسياسية؛ وهى ما أسماها وجعل منها عنواناً لأحد أهم كتاباته "الخوف من الحرية" الصادر 1942(1) والذى يوضح لنا فيه الجذور النفسية والاجتماعية للشخصية الخاضعة والشخصية التسلطية، انطلاقاً مما عرف فى التحليل النفسى بالسادية والمازوكية. حيث انتقل فى تحليلاته من التحليل النفسى الفرويدى إلى التحليل الاجتماعى الماركسى ليوضح لنا لماذا يخشى ويهرب البعض من الحرية التى يحارب ويموت من أجلها الآخرين.
"أن هدف كتاب أريك فروم هو تحليل تلك العوامل الدينامية فى طابع نسيج الإنسان الحديث التى جعلته يرغب فى الكف عن الحرية فى الدول الفاشية والذى يسود على نحو متسع عند ملايين من شعبنا". (p.15)(2) ويطرح علينا تلك الأسئلة البارزة التى تنشأ عندما نتطلع إلى الجانب الإنسانى للحرية والشوق للخضوع وشهوة القوة. ما هى العوامل الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمع التى تتسبب فى الشوق إلى الحرية؟ هل يمكن أن تصبح الحرية عبئاً لدرجة لا يستطيع أن يتحمله الفرد ويحاول أن يتخلص منه؟ ولماذا إذن تكون الحرية للعديدين هدفاً منشوداً وللآخرين تهديداً؟ (p.15).
تستوقفنا عبارته الدالة: "أن هناك فى ألمانيا توجد ملايين شغوفة بأن تسلم حريتها بالقدر نفسه الذى كان آباء هذه الملايين يقاتلون من أجلها، وأنهم بدل إن يريدوا الحرية بحثوا عن الطريق للهرب منها، وأن هناك ملايين أخرى غير مكترثة ولا تؤمن بأن الدفاع عن الحرية جدير بالقتال من أجله" (p.14) وقد يرى البعض منا أن هذه العبارة التى تصف ألمانيا فى الثلاثينيات أصدق ما تكون علينا نحن منذ عقود أربعة مضت أو يزيد، وقد يرى غيرهم غير ذلك لكنهم معنا سوف يتوقفون أمام عبارته التالية التى ينقلها عن كتاب جون ديوى "الحرية والثقافة" ويقول فيها: أن التهديد الخطير الذى يواجه ديمقراطيتنا ليس هو وجود دول تسلطية شمولية خارجية، بل أنه الوجود داخل مواقفنا الشخصية وداخل مؤسساتنا هو الذى يعطى انتصاراً للسلطة الخارجية والنظام والهيمنة والاعتماد على الزعيم. ومن ثم فإن ساحة المعركة هى هنا – داخل أنفسنا ومؤسساتنا (p.15) وهى عبارة كما تصدق على الولايات المتحدة وعلى ألمانيا على غيرها من بلدان وتصدق على بلداننا أيضاً وعلى ما يسمى تجاوزاً مؤسساتنا.
من الواضح أن تقهقراً حدث فى الحضارة البشرية. وهذا ما يرصده فروم فى بداية كتابه، حيث إن مبادئ الليبرالية الاقتصادية والديمقراطية السياسية والاعتناق الدينى الذاتى والنزعة الفردية فى الحياة الشخصية التى تعبر عن الشوق للحرية، ويبدو فى الوقت نفسه إنها تقرب البشرية أكثر من تحقق الحرية، سرعان ما ظهرت أنظمة جديدة تتنكر لكل شئ يؤمن البشر بأنهم كسبوه خلال قرون الصراع، وذلك لأن جوهر هذه الأنظمة الجديدة التى تتولى قيادة الحياة الاجتماعية والشخصية الكلية للإنسان هو خضوع الكل فيما عدا حفنة من الناس تتمتع بسلطة لا يتحكمون فيها". (p.14)
ومن هذا التشخيص يتضح لنا هدف ومنهج فروم فى كتابه، الذى يأتى كما يظهر لنا فى إطار طموح علمى إلى دراسة أكبر تعالج الطابع المميز لنسيج الإنسان الحديث والمشكلات الخاصة بالتفاعل بين العوامل النفسية والاجتماعية. إلا أن العمل الذى نحن بصدده يتوقف عند أحد جوانب الأزمة الحضارية للإنسان فى عصرنا، إلا وهو معنى الحرية بالنسبة للإنسان فى حضارتنا حيث أن معنى الحرية لا يمكن أن يفهم فهماً كاملاً إلا على أساس تحليل الطابع الكلى لمكون الإنسان الحديث".
ويختلف التحليل الذى يمارسه فروم عن ثلاثة معالجات لهذه القضايا، ثلاث طرق وأساليب ومناهج ورؤى ينهل منها ويتجاوزها هى:
1 - المعالجة السيكولوجية عند فرويد حيث تكون الظواهر الحضارية كامنة فى العوامل السيكولوجية الناجمة عن الدوافع الغرزية التى تتأثر بدورها بالمجتمع من خلال معيار الكبت.
وتحتاج علاقة فروم بفرويد إلى إشارة خاصة فهو يذكره دواماً ويشير إليه باستمرار موضحاً الاختلافات بينهما، ويرى أن لديه ازدواجاً، فقد فتح الطريق أمام فهم الوعى الزائف وقدم فهماً نقدياً للمجتمع الرأسمالى المعاصر له وما فيه من كبت، ولكنه كان متجذراً بعمق فى رؤية فترته التاريخية مما جعل نقده للمجتمع مقصوراً على القمع الجنسى، وهى مسألة يعطى لها فروم دوراً ثانوياً، وسوف نعود إليها لاحقاً، أى إلى العلاقة بينهما فرويد – فروم.
2 – التفسير الاقتصادى كما هو ماثل فى التطبيق الخاطئ لتفسير ماركس للتاريخ، الذى يعد المصالح الاقتصادية الذاتية علة الظواهر الحضارية مثل الدين والأفكار السياسية حيث تظهر البروتستانتية على أنها استجابة لبعض الاحتياجات المعنية للبورجوازية، ويطلق فروم على وجهة النظر هذه الماركسية الزائفة، وهى تلك النظرة التى ترى أن التاريخ يتحدد بالدوافع الاقتصادية فى إطار البحث عن الكسب المادى وليس كما قصد ماركس فيما يرى فروم فى إطار الظروف الموضوعية التى يمكن أن تنتج عنها أوضاع اقتصادية مختلفة(3).
3 - التناول المثالى الذى يرى المثل الدينية الجديدة مسئولة عن تطور نمط جديد للسلوك الاقتصادى لا يتحدد كلية بالمعتقدات الدينية، كما لدى ماكس فيبر فى "الأخلاق البروتستانية وروح المسيحية".
ويقوم تحليل فروم على أن الأيديولوجيات والحضارة بصفة عامة كامنة فى الشخصية الاجتماعية، وأن الشخصية الاجتماعية كما يؤكد هى نفسها ممتزجة بنمط وجود مجتمع معين، وأن المعالم السائدة للشخصية تصبح بدورها قوى إنتاج تشكل العملية الاجتماعية (p.236).
يحدد لنا فروم الاختلافات بين تفسيره النفسى الاجتماعى وبين الأسس التى يقوم عليها التحليل النفسى عند فرويد فى الآتى:
أ - المسألة البشرية باعتبارها مشروطة تاريخياً دون أن يقلل من دلالة العوامل البيولوجية التى تمثل الأساس عند فرويد.
ب - على حين أن المبدأ الجوهرى عند فرويد هو أن الإنسان كذاتية نظام معلق، زودته الطبيعة بدوافع فسيولوجية وبالتالى يفسر تطور شخصيته كرد فعل على الإشباعات والإحباطات الخاصة بهذه الدوافع يقوم فهم فروم للشخصية الإنسانية على أساس علاقة الإنسان بالعالم وبالآخريين والطبيعة، وأن الإنسان كائن اجتماعى. وعلى هذا فإن علم النفس الفردى هو أساساً علم نفس اجتماعى.
ج - ميل فرويد انطلاقاً من اتجاهه الغرزى وقوله بشريرية الطبيعة البشرية إلى تفسير جميع الدوافع المثالية فى الإنسان بإنها نتيجة شئ وضعت بينما يعتقد فروم أن المثل: كالحق والعدل والحرية، يمكن أن تكون نوازع أصيلة، وأن أى تحليل لا يتناول هذه النوازع كعوامل دينامية هو تحليل مضلل. فالمثل عند فروم ليس لها أى طابع ميتافيزيقى لكنها كامنة فى ظروف الحياة الإنسانية.

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:27 PM
د - التمييز بين الظواهر السيكولوجية الخاصة بالحاجة وتلك المتعلقة بالوفرة وما يترتب عليها من القول أن الأفعال الحرة هى دائماً ظواهر وفرة بينما علم النفس عند فرويد هو علم نفس الحاجة.
ويوضح لنا إبراهيم فتحى فى تقديمه الترجمة العربية لكتاب بول أ. روبنسون "اليسار الفرويدى" العلاقة بين فرويد الذى يميل تجاهه اليمين فى نظرته للجماهير وفروم الذى يمثل اليسار الفرويدى رغم عدم ذكر روبنسون له فى كتابه المشار إليه: فقد تمثل انحصار فرويد داخل مقولات التجربة البورجوازية فى موقفه من الجماهير. وأن فرويد فى كتابه "سيكولوجية الجمهور وتحليل الأنا" يثنى على الصور السيكولوجية الرائعة لذهن الجمهور، غرائز القطيع واحتياج الجماهير إلى ذكاء موجه أو مجموعة من العقول الذكية لإنقاذها من لا عقلانيتها وتحيزاتها. فالجماهير عنده ترتبط بالرغبات اللاشعورية الشريرة مما يبرر القمع السياسى لهم. وأصحاب الحق فى القمع عند فرويد هم أفراد النخبة الذين قاموا بقمع وسوسات اللاشعور الجماهيرى داخل نفوسهم(5).
وعند فتحى أن معظم الموالين لفرويد قد احتضنوا الجانب المحافظ من فلسفته التأملية وعزفوا عن أن يطوروا نظريته الخاصة فى اللاشعور والحياة الجنسية إلى نظرية عامة تأخذ موضوعاً لها المدى الكامل للتجارب النفسية المكبوتة، وتطوير التحرير الجنسى إلى شكل عام للتحرير الإنسانى من خلال توسيع نطاق الوعى والشعور.
ومقابل هؤلاء كانت هناك مجموعة قليلة العدد تحاول تنمية ما اعتبرته الجانب الراديكالى فى فكر فرويد بالاستعانة بآراء ماركس، من هذه المجموعة فيلهام رايش، الذى قدم تحليلاً نفسياً للإنسان والمجتمع والحضارة انطلاقاً من مفاهيم اجتماعية واقتصادية ماركسية، وأيضاً منظروا مدرسة فرانكفورت: هوركايهمر وماركيوز وادرنو وأريك فروم الذين أعادوا تفسير فرويد لكى يطوروا طرقاً جديدة لفهم ظاهرة الاغتراب وفهم آليات الأيديولوجيات السائدة فى السيطرة على الجماهيرية كما فى الفاشية والنازية وقد اعتبروا أن كبت الغرائز – كما تصفه نظرية فرويد – يقوم بتقريب البشر عن حالتهم الطبيعية وقد يصير الكبت مبالغاً فيه ويجعل من الناس مرضى"(6).
لقد استخدموا مفاهيم التحليل النفسى لفهم الأيديولوجيات فى المجتمع الرأسمالى الحديث، لتفسير لماذا تلتزم قطاعات كبيرة من المواطنين بمعتقدات سياسية معادية لمصالحهم الاقتصادية، مثل الوعى الزائف المتجسد فى التأييد الكبير للنازية فى ألمانيا، لقد شغل أريك فروم وفرانز نيومان بتقديم دراسات حول النازية: "الخوف من الحرية" "البهيموث" Behemoth وكرس ماركيوز اهتماماً كبير بالجذور الأيديولوجية للفاشية لقد كان المشروع الجماعى لمعهد فرانكفورت كما يقول بول روبنسون يدور حول دراسة الوظيفة السياسية للأسرة الأوربية ونشر تحت عنوان "دراسة حول السلطة والأسرة" Studien Uber Autoritat und Familie وكان ذلك تمهيداً لدراسة أكثر شهرة عنوانها "الشخصية السلطوية" نشرها ادرنو 1950 وكانت الدراسة فى مادتها تتعلق بالأسس السيكولوجية للسلطة. وكانت تستهدف تفسير انتصار السياسة السلطوية فى أوربا آبان الثلاثينيات(7). وفى هذا الإطار يأتى عمل فروم.
يثير كتاب "الخوف من الحرية" قضايا جوهرية بالنسبة للإنسان المعاصر من منهج تحليلى نفسى اجتماعى. ويرى فروم: إن تحليل الجانب الإنسانى للحرية ولقوى النزعة التسلطية الشمولية يقتضى النظر فى مشكلة الدور الذى تلعبه القوى السيكولوجية كقوى نشطة فى السيرورة الاجتماعية، مما يفضى إلى مشكلة تفاعل العوامل السيكولوجية والاقتصادية والأيديولوجية فى السيرورة الاجتماعية. وهو يبرر ذلك بإن أى محاولة لفهم ما تمارسه الفاشية على الأمم الكبرى يجبرنا على تبين دور العوامل السيكولوجية وذلك لأننا نتناول نظاماً سياسياً لا يستجيب فى الجوهر للقوى العقلانية للمصلحة الذاتية، بل ينبعث ويحرك القوى الشيطانية فى الإنسان التى اعتقدنا أنها غير موجودة أو على الأقل انتهت منذ وقت طويل (p.16).
هذا ما يكتبه فروم فى الفصل الأول من الفصول السبعة التى يتكون منها كتابه والذى عنوانه "الحرية هل هى مشكلة سيكولوجية؟ والذى يتابع فيه ويتجاوز فرويد ومنهجه حيث يرى – خلافاً لفرويد – إن الظروف الفسيولوجية ليست هى الجانب الوحيد فى طبيعة الإنسان فهناك جانب أخر ضاغط بالمثل وهو جانب ليس قائماً فى العمليات الجسمانية بل قائم فى صميم الحالة الإنسانية وممارسة الحياة إلا وهو الحاجة إلى التعلق بالعالم خارج النفس، الحاجة إلى تجنب الوحدة. ومن هنا فإن الارتباط بالعالم مفضل أكثر للغاية من العزلة. يقول: "إن الدين والقومية، وكذلك أى عادة وأى معتقد مهما يكن هى ملاجئ مما يخشاه الإنسان أى خشية، إلا وهو العزلة. (p.25) ومن هنا يؤكد فروم على أن الطبيعة الإنسانية ليست محصلة كلية ثابتة ونظرية بيولوجية للدوافع، أنها كما يرى نتاج التطور الإنسانى لديها ميكانيزمات معنية وقوانين معنية كامنة: ضرورة إشباع الدوافع المشروطة فسيولوجيا وضرورة تجنب العزلة والجدة الخلفية. (p. 26)
وعلى هذا يتناول فى الفصل الثانى من كتابه "بزوغ الفرد وضبابية الحرية"؛ الروابط الأولية التى تربط الإنسان بالعالم وعوامل الخوف من الحرية وميكانيزمات الهرب منها؟ فالمسألة الأساسية هنا ماذا تعنى الحرية للإنسان الحديث ولماذا وكيف يحاول الهرب منها، فالحرية تميز الوجود الإنسانى كوجود إنسانى، ومعناها يتغير حسب درجة وعى الإنسان وتصوره لنفسه ككائن مستقل. عندما يصبح الإنسان فرداً، فإنه يقف لوحده ويواجه العالم فى كل جوانبه الحافلة بالخطر والمفرطة القوة. يقول موضحاً:
إذا كانت كل خطوة يخطوها الإنسان فى اتجاه الاستقلال والفردية يقابلها نمو للنفس، فإن تطور الطفل يكون تطوراً متناغماً. وعلى أى حال لا يحدث هذا. فبينما تحدث عملية الاصطباغ بالصبغة الفردية على نحو آلى، فإن نمو النفس يتعرقل لأسباب عديدة فردية واجتماعية. وتنتهى هذه الهوة بين هذين التيارين إلى شعور لا يطاق بالعزلة والعجز. وهذا يفضى بدوره إلى آليات نفسية توصف فيما بعد بأنها آليات أو ميكانيزمات الهروب. (p.36) ويمكن توضيح ذلك على النحو التالى: إذا لم تقدم الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى تعتمد عليها عملية الاصطباغ بالفردية بينما الناس فى نفس الوقت قد فقدوا الروابط التى تمنحهم الأمان، فإن هذه الهوة تجعل الحرية عبئاً لا يطاق. أنها تصبح حينئذ متماثلة مع الشك، مع نوع من الحياة ينقصها المعنى والاتجاه، وتنشأ الاتجاهات القوية للهرب من هذا النوع من الحرية إلى الخضوع أو إلى نوع من العلاقة بين الإنسان والعالم تعد بتجفيف الزعزعة حتى لو حرمت الفرد من حريته. (p. 40)
وعلى هذا الأساس يبدأ فى الفصل الثالث بتناول "الحرية فى عصر الإصلاح الدينى"، ذلك لأنه فيما يرى أكثر تشابهاً مع الوضع المعاصر، أن حركة الإصلاح هى جذر لفكرة الحرية الإنسانية والذاتية الإنسانية كما هى ماثلتان فى الديمقراطية الحديثة، فالتأكيد على نذالة الطبيعة الإنسانية وعجز الفرد وضرورة أن يخضع لقوة خارج نفسه، هذا الجانب وعن عدم جدارة الفرد وعجزه فى الاعتماد على نفسه وحاجته للخضوع هى أيضاً فيما يرى فروم الأطروحة الرئيسية لأيديولوجيا هتلر، التى تنقصها بطبيعة الحال التأكيد على الحرية والمبادئ الخلقية القائمة فى البروتستانية .
يبين فروم فى تحديده للخلفية التاريخية للعصور الوسطى وعصر النهضة أن ما يميز المجتمع فى العصور الوسطى عن المجتمع الحديث هو نقصه من الحرية الفردية. فبالرغم من أن الشخص لم يكن حراً بالمعنى الحديث، إلا أنه لم يكن وحيداً ومعزلاً. فقد جرى تصور النظام الاجتماعى كنظام طبيعى، ولما كان الإنسان جزءاً محدوداً منه فقد منحه هذا شعور بالأمان والانتماء، يقول: "أن مجتمع العصور الوسطى لم يحرم الفرد من حريته، لأن "الفرد" لم يكن قد وجد بعد، فقد كان الإنسان لا يزال مرتبطاً بالعالم عن طريق الروابط الأولية. أنه لم يتصور نفسه بعد مفرداً إلا من خلال وسيط دوره الاجتماعى" (p. 45).
ومن الواضح أن بدأ فروم بمناقشة عصر النهضة يرجع إلى أن هذه الفترة هى بداية النزعة الفردية الحديثة، وهى تلقى الضوء على العوامل ذات الدلالة المرتبطة بمسألة بزوغ الإنسان من الوجود السابق على الفردية إلى وجود يكون فيه مدركاً كذاتية مستقلة، ومع هذا فإن الجذور الجوهرية للرأسمالية الحديثة وبنائها الاقتصادى وروحها ما كان يمكن أن توجد فى الحضارة الإيطالية للعصور الوسطى المتأخرة وفى الموقف الاقتصادى والاجتماعى لوسط وغرب أوربا وفى عقيدتى لوثر وكالفن. وهو يبين أن البروتستانية والكالفنية على حين أنهما تعبران عن شعور جديد بالحرية فإنهما فى الوقت نفسه يشكلان هرباً وخوفاً من حمل الحرية. ويبدأ بمناقشة الوضع الاقتصادى والاجتماعى فى أوربا فى بداية القرن السادس عشر، ثم يحلل التأثيرات التى كانت لها على شخصية البشر فى هذه الفترة وعلاقة تعاليم لوثر وكالفن بهذه العوامل السيكولوجية وما هى علاقة هذه المعتقدات الدينية الجديدة بروح الرأسمالية. (p.52)
يخبرنا فروم أن علينا ونحن نحلل الدلالة الاجتماعية والسيكولوجية للعقائد الدينية، أن نميز بين مسألتين الأول: دراسة تكوين طابع الفرد الذى يخلق معتقداً جديداً وأى المعالم فى شخصيته هى المسئولية عن هذا الاتجاه لتفكيره والثانية دراسة الدوافع السيكولوجية للاحتياجات النفسية فى شخصية أولئك الذين يتوجه إليهم المعتقد. وأنه كلما كانت الفكرة تستجيب لحاجات سيكولوجية قوية لجماعات اجتماعية معنية فإنها تصبح قوة فعالة فى التاريخ.
وعلى هذا فهو فى تحليله للدلالة السيكولوجية لمعتقدى البروتستانية والكالفنية لا يتجه لمناقشة شخصيتى لوثر وكالفن، بل الوضع السيكولوجى للطبقات الاجتماعية التى تتوجه إليها أفكارها. ويشير سريعاً إلى أن لوثر كشخص كان ممثلاً نمطياً للشخصية التسلطية" يقول: "لقد كان ممتلئاً بشعور متطرف بالوحدة والعجز والتدنى وأيضاً ممتلئاً بشعور متطرف للسيطرة، لقد عذبته الشكوك وكان يبحث عن شئ يعطيه أماناً باطنياً. لقد كان يكره الآخرين، يكره نفسه، ويكره الحياة ومن كل هذه الكراهية جاء شوق انفعالى ويأئس حتى يحب. وكان وجوده كله محاصراً بالخوف والشك والعزلة الباطنية، وعلى هذا الأساس الشخصى كان عليه أن يصبح بطل الجماعات الاجتماعية التى كانت فى وضع مماثل للغاية سيكولوجيا". (p.61)

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:28 PM
ويؤكد فروم أن هذا الحب للسلطة المصاحب للكراهية ضد أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة من المعالم النمطية "للشخصية التسلطية". يقول أنه "بينما حرر لوثر النفس من سلطة الكنيسة فقد جعل الناس يخضعون لسلطة أكبر هى سلطة آله يصر على خضوع الإنسان الكامل وفناء النفس الفردية كشرط ضرورى لخلاصه، لقد كان "إيمان" لوثر الاعتقاد بأنه يمكن أن يحب بشرط الاستسلام، هو حل مشابه فى الكثير مع مبدأ خضوع الفرد التام للدولة "والزعيم". (p.70-72) أن تأكيده على عدمية الفرد مهد الطريق لتطور لا يكون فيه الإنسان خاضعاً فحسب للسلطات الدنيوية بل عليه أيضاً أن يجعل حياته تابعة لأغراض الإنجازات الاقتصادية، وهذا التيار قد وصل إلى الذروة فى التأكيد الفاشستى القائل بإن هدف الحياة هو التضحية من أجل القوى "الأعلى" من أجل الزعيم أو الجماعة العنصرية". (p.73) وتحتوى نظرية كالفن فى سبق التقدير تضميناً وجد إحياءه القومى للغاية فى الأيديولوجية النازية، هو مبدأ عدم المساواة الرئيسى بين الناس.
يخلص فروم إلى المعتقدات الدينية الجديدة كانت تلبية لاحتياجات نفسية ظهرت بسبب انهيار النظام الاجتماعى فى العصور الوسطى وبدايات الرأسمالية، فالتطور اللاحق للمجتمع الرأسمالى قد أثر فى الشخصية فى الاتجاه الذى بدأ فى فترة عهد الإصلاح، لقد أصبح الإنسان بمعتقدات البروتستانية مهيأ سيكولوجياً للدور الذى كان عليه أن يلعبه فى ظل النظام الصناعى الحديث.
لقد مهد لوثر وكالفن سيكولوجيا للإنسان لكى يقوم بالدور الذى عليه أن يقوم به فى المجتمع لحديث، الشعور بأن ذاته بلا معنى وباستعداده لجعل حياته تابعة تماماً للأغراض التى ليست أغراضه. وبمجرد أن يصبح الإنسان مستعداً لأن يصبح فحسب وسيلة لعظمة إله لا يمثل العدالة ولا المحبة، يكون مستعداً بما فيه الكفاية لتقبل دور خادم للآلة الاقتصادية. وأخيراً يكون مستعداً لأن يكون فوهرر ديكتاتور. (p. 98)
أن عدم التواصل والوحدة والخوف فيما يرى فروم يجعل الناس لا يستطيعون أن يواصلوا تحمل عبء "التحرر" وهذا يجعلهم يحاولوا أن يهربوا من الحرية كلها. والدروب الاجتماعية الرئيسية للهرب فى زماننا هى الخضوع لزعيم كما حدث فى الفاشية. يقول: "أننا فى جهدنا للهرب من الوحدة والعجز مستعدون لنتخلص من نفسنا الفردية بالخضوع لأشكال جديدة من السلطة. (p.115)
والذى يهمنا فى السياق الحالى تناول فروم أساليب الهروب من الحرية فى الفصل الخامس. ويحددها لنا فى ثلاث هى: النزعة التسلطية، التدميرية، امتثال الإنسان الآلى.
النزعة التسلطية:
الميكانيزم الأول هو الميل إلى التخلى عن استقلال النفس الفردية ودمج النفس فى شخص آخر للحصول على القوة التى تنقص النفس الفردية. وأشد الأشكال المميز لهذا الميكانيزم نجدها فى الرغبة فى الخضوع والهيمنة، أى فى الرغبات المازوكية والسادية الموجودة بدرجات متفاوتة فى الأسوياء والعصابين وكلا هذين الميلين هرب من وحدة لا تطاق. إن أشد الأشكال تكراراً التى يذكرها فروم التى تظهر الرغبات المازوكية هى مشاعر الدونية والعجز واللاجدوى الفردية. هؤلاء الأشخاص يظهرون ميلاً إلى التقليل من أنفسهم وإلى الخضوع لأوامر القوى الخارجية وفى الغالب هم عاجزون تماماً عن معايشة شعور "أنا أريد" أو التحكم فيه والسيطرة عليه.
وبجانب الميول المازوكية نجد الميول التى هى عكسها تماماً إلا وهى الميول السادية وتوجد عادة فى النوع نفسه من الأشخاص. ويميز فروم بين ثلاثة أنواع من الميول السادية مترابطة بشدة الأول هو الذى يجعل الآخرين يعتمدون على المرء وتكون لهم قوة مطلقة غير مقيدة عليهم. والنوع الثانى لديه دافع ليس للسيطرة على الآخرين بل لاستغلالهم والسرقة منهم واستنزافهم والثالث هو الرغبة فى جعل الآخرين يعانون أو أن يروهم يعانون معاناة فى الغالب تكون معاناة ذهنية، هدفها أن تؤذى الآخرين تماماً وأن تذلهم، والسادى يحتاج إلى الشخص الذى يتحكم فيه، إنه يحتاج إليه لدرجة مميتة حيث أن شعوره بالقوة يتمثل فى كونه أنه سيد إنسان ما.
ويتساءل فروم السؤال الرئيسى ما هو جذر كل من الانحراف المازوكى ومعالم الشخصية المازوكية، ما هو الجذر المشترك لكلا الرغبات المازوكية والسادية؟ فكلا الرغبات المازوكية تميل إلى مساعدة الفرد على الهرب من شعوره الذى لا يطاق بالوحدة والعجز. "والرغبات المازوكية لها هدف واحد: هو التخلص من النفس الفردية، فقد النفس الفردية، بعبارة أخرى التخلص من عبء الحرية. وهذا الهدف واضح فى تلك النزعات المازوكية التى يبحث فيها الفرد عن الخضوع لشخص أو لقوة يشعر بأنه أو أنها ذات قوة هائلة مهيمنة". (p. 128)
أن كل الأشكال المختلفة للسادية ترتد إلى دافع أساس واحد، ألا وهو الحصول على سيادة كاملة على الشخص الآخر، وجعله موضوعاً عاجزاً لإرادتها، وكى تصبح الحاكم المطلق عليه وأن نتصرف معه كما تهوى. أن إذلاله واستعباده هما وسيلتان لهذه الغاية والهدف الأقصى هو جعله يعانى. حيث أنه لا توجد قوة على شخص آخر أقوى من بث الألم فيه لإرغامه على المعاناة دون أن يكون قادراً على الدفاع عن نفسه.
يخبرنا فروم كحقيقة واقعة أنه بالنسبة للجانب الأكبر من الطبقة الوسطى الدنيا فى ألمانيا والدول الأوربية الأخرى تكون الشخصية المازوكية السادية هى الشخصية النمطية، وأن هذا النوع من مكون الشخصية، هو الذى تتوجه إليه الأيديولوجيا الألمانية بأمر نداء. ويشير إلى أنه لما كان مصطلح "المازوكى السادى" مقروناً بأفكار الانحراف والعصاب فإنه حين يتحدث عن الشخصية المازوكية السادية عندما لا تكون عصابية بل سوية يتحدث عنها على أنها الشخصية التسلطية الاستبدادية.
وإطلاق اسم الشخصية التسلطية الاستبدادية على الشخصية المازوكية السادية مسألة مبررة، ذلك لأن الشخص المازوكى السادى يتميز دائماً بموقفه نحو السلطة، أنه يعجب بالسلطة ويميل إلى الخضوع لها، وفى نفس الوقت يكون هو سلطة ويكون عنده أخرون يخضعون له. ويضيف لنا فروم سبباً آخر لاختيار هذه التسمية هو أن النظام الفاشى يسمى نفسه نظاماً تسلطياً بسبب الدور السائد للسلطة فى بنائه الاجتماعى السياسى ومن هنا فهو يقصد بمصطلح "الشخصية التسلطية" أنها تمثل نسيج الشخصية الذى هو الأساس الإنسانى للفاشية. (p. 136)
ويلاحظ فروم أن السلطة بدل من أن تختفى قد جعلت نفسها خفية، فبدلاً من السلطة الواضحة تسود السلطة المجهولة. ويبدو أنها لا تستخدم أى ضغط بل الإغراء المعتدل.
أن الصفة المشتركة فى كل التفكير التسلطى هو القناعة بأن الحياة محددة بقوى خارج نفس الإنسان وخارج مصلحته ورغباته، وتكمن السعادة الوحيدة الممكنة فى الخضوع لتلك القوى وعجز الإنسان هو اللحن الأساسى فى الفلسفة المازوكية (p.141-142)
التدميرية:
والميكانيزم الثانى للهروب من الحرية هو التدميرية. أن هدف التدميرية هو استئصال موضوعها، أنها كامنة فى عدم القدرة على تحمل العجز والعزلة الفردية. فأنا أستطيع أن أهرب من الشعور بعجزى إزاء العالم، الذى هو خارجى بتدميره. والدوافع التدميرية هى هوى فى داخل الشخص، وهى تنجح دائماً أن تجد موضوعاً فإذا لم يستطع الأشخاص الآخرون أن يصبحوا موضوع تدميرية الفرد لأى سبب كان فإن نفسه تصبح بسهولة الموضوع. التدميرية هى نتاج الحياة غير المعايشة. أن تلك الظروف الفردية والاجتماعية التى تسهم فى كبح الحياة تنتج انفعالاً للتدمير يشكل خزاناً تتغذى منه الميول العدوانية الخاصة إما ضد الآخرين أو ضد النفس. وتعد التدميرية لدى الطبقة الوسطى الدنيا عند ايريك فروم عاملاها ما فى نشأة النازية التى استجابت لهذه النزعات التدميرية واستخدمتها فى المعركة ضد أعدائها. (p.151)
امتثال الإنسان الآلى:
يتغلب الفرد فى الميكانيزمات السابقة على الشعور باللامعنى بالمقارنة مع القوة المهيمنة للعالم الخارجى إما عن طريق التنازل عن تكامله الفردى أو عن طريق تدمير الآخرين، وذلك حتى يكف العالم عن توجيه التهديد أو الانسحاب من العالم بدرجة كاملة حتى أن العالم يفقد تهديده وتتضخم النفس سيكولوجيا لدرجة تجعل العالم الخارجى يصبح صغيراً. وبالرغم من أن هذه الميكانيزمات للهرب مهمة بالنسبة لعلم النفس الفردى إلا أن أهميتها العامة الاجتماعية والسياسية أهمية ثانوية لذا يتوقف فروم أمام ميكانيزم أخر أكثر أهمية من الناحية الاجتماعية هو ما يطلق عليه امتثال الإنسان الآلى.
يكف الفرد فى هذا الميكانيزم عن أن يصبح نفسه، حيث يعتنق نوع من الشخصية المقدم له من جانب النماذج الحضارية، حيث يصبح مثل الآخرين، وكما يتوقعون منه إن يكون. هنا الهوة بين "الأنا" والعالم تختفى ويختفى معها الخوف الشعورى بالوحدة والعجز. والشخص الذى يتنازل عن نفسه الفردية ويصبح آلة متطابقاً مع ملايين الآخرين من الآلات المحيطة به لا يحتاج إلى أن يشعر بأنه وحده وقلق، بعد هذا أن الثمن الذى يدفعه عال، أنه فقدان نفسه.
أن اصطباغ الفرد بصبغة آلية فى المجتمع الحديث قد زاد من عجز وزعزعة الفرد المتوسط وصار مستعداً للخضوع لسلطات جديدة تقدم له الأمان والتخفف من الشك. ويتابع فروم فى الفصل الأخير من كتابه بحث هذه الآلية فى الديمقراطية المعاصرة، بينما يتناول فى الفصل السادس الميكانيزم التسلطى فى النازية.
* * *
يناقش فروم سيكولوجية النازية عبر مشكلتين: تكوين شخصية هؤلاء الذين توجهت إليهم النازية بالنداء، والخصائص السيكولوجية للأيديولوجية التى جعلت من النازية أداة فعالة بالنسبة لهؤلاء الناس. ويرى أن الاستعداد للخضوع للنازية يرجع أساساً إلى حالة من السلم والاستسلام الباطنين الذين هما ما يميز الفرد فى الفترة الراهنة. (p.170) ويشير إلى محرك هام لولاء غالبية السكان للحكم النازى الذى أصبح ذا فاعلية بعد وصول هتلر إلى الحكم. يقول: "بالنسبة لملايين السكان أصبح هناك تطابق بين حكم هتلر و"ألمانيا". وبمجرد أن أمسك هتلر بزمام الحكم حتى اعتبر أن القتال ضده يعنى انعزال المرء عن مجتمع الألمان. وعندما ألغيت الأحزاب السياسية الأخرى و "أصبح" الحزب النازى هو ألمانيا أصبحت المعارضة له تعنى المعارضة لألمانيا" (p.171). وبالطبع ليس أشق على الإنسان العادى من أن يتحمل الشعور بأنه ليس متوحداً مع جماعة أكبر. ومن هنا فإن الخوف من العزلة والضعف النسبى للمبادئ الخلقية يساعدان الحزب على كسب ولاء قطاع كبير من السكان إذا ما استولى هذا الحزب على سلطة الدولة.

Eng.Jordan
03-09-2013, 05:28 PM
وينبه فروم على أن شعور الطبقة الوسطى بالعجز والقلق والعزلة من الكل الاجتماعى والتدميرية الناجمة عن هذا الموقف ليست المصدر الوحيد للنازية. ولم تكن تلك الظروف هى "علة" النازية، لقد شكلت أساسها الإنسانى الذى بدونه ما كان لها أن تقدر على التطور، لكن أى تحليل لظاهرة نشأة النازية وانتصار يقتضى تناول الظروف الاقتصادية والسياسية وكذلك السيكولوجية. ويشير فروم إلى أن شخصية هتلر وتعاليمه والنظام النازى معه إنما تعبر عن شكل متطرف من تكوين الشخصية التسلطية، وأنه بهذا استطاع أن يوجه نداء حار لذلك الجانب من السكان الذى هو نفسه مكون الشخصية بشكل أو بأخر، يقول "إن حب القوى وكراهية الضعيف اللذين يشكلان خاصة الشخصية المازوكية – السادية يفسران قدر كبير من أعمال هتلر وأتباعه. (p.186)
وبعد تتبع تحليل فروم لظاهرة الخوف من الحرية التى أشار فيها إلى وجود عوامل معنية فى النظام الصناعى الحديث بصفة عامة وفى مرحلته الاحتكارية بصفة خاصة، قد أسهمت فى تطور شخصية تشعر بالعجز والوحدة والقلق والزعزعة حيث بحث الظروف الخاصة فى ألمانيا التى جعلت جانباً من سكانها أرضاً خصبة للأيديولوجية وتطبيقاً سياسياً يتجهان إلى الشخصية التسلطية فإنه وهذا هو المهم يتبين نفس الخطر فى الديمقراطية يقول: "بالرغم من أن تهديدات الفاشية الخارجية والداخلية يجب النظر إليها بجد فأنه لا يوجد خطأ أكبر ولا أشد من إلا نتبين أننا نواجه فى مجتمعنا الظاهرة نفسها التى هى التربة الخصبة للفاشية فى أى مكان لا جدوى الفرد وعجزه" (p.195)
لقد أوضح فروم أن هذا العجز يفضى إلى نوع من الهروب نجده فى الشخصية التسلطية أو يفضى إلى تطابق اضطرارى فى العملية التى يصبح فيها الفرد المنعزل آلة ويفقد نفسه وفى الوقت نفسه يتصور نفسه شعورياً أنه حر ولا يخضع إلا لنفسه وعلى هذا يطرح السؤال عن معنى حرية الإنسان الحديث. وفى نقاط محددة نستطيع أن نفهم وضعية الإنسان الحديث هى:
- عجز وزعزعة الفرد المنعزل الذى أصبح متحرراً من جميع الروابط التى كانت تعطى معنى للحياة وآمناً.
- الفرد لا يستطيع أن يتحمل هذه العزلة، فهو كائن منعزل عاجز تماماً بالمقارنة مع العالم خارجه ومن ثم فهو خائف منه حتى الأعماق.
- وبسبب عزلته فإن وحدة العالم قد تخطت بالنسبة له وفقد كل نقطة توجيه، لهذا قهرته الشكوك حول نفسه ومعنى الحياة وأى مبدأ يستطيع به أن يوجه أفعاله.
- أن اليأس والشك أشلا الحياة. والإنسان لكى يحيا حاول أن يهرب من الحرية. ولقد أنساق إلى قيد جديد، مختلف عن الروابط الأولية.
- والهروب لم يستعد له أمانه المفقود وكل ما ساعده به هو نسيان نفسه كذاتية مستقلة. لقد أختار أن يفقد نفسه لأنه لا يستطيع أن يتحمل أن يعيش وحيداً. وهكذا فإن الحرية باعتبارها تحرراً من أفضت به إلى قيد جديد.
إن مستقبل الديمقراطية إنما يتوقف على تحقق النزعة الفردية التى ظلت الهدف الأيديولوجى للفكر الحديث منذ عصر النهضة. إن الأزمة الحضارية والسياسية فى أيامنا هذه لا ترجع إلى أن هناك إفراطاً فى النزعة الفردية بل ترجع كما يقول إلى ما نعتقد أنه نزعة فردية قد أصبح قوقعة فارغة. إن انتصار الحرية ليس ممكناً إلا إذا تطورت الديمقراطية إلى مجتمع فيه يكون نمو وسعادة الفرد هما هدف وغرض الحضارة، وفيه لا تحتاج الحياة إلى تبرير للنجاح أو أى شئ آخر، وفيه لا يكون الفرد تابعاً ومستغلاً من جانب أى قوة خارجية سواء كانت الدولة أو الجهاز الاقتصادى.
إن التقدم فى الديمقراطية يكمن فى تعزيز الحرية الفعلية والمبادرة وتلقائية الفرد، لا فى المسائل الخاصة والروحية فحسب، بل فوق كل شئ فى النشاط الأساسى عند كل شئ فى النشاط الأساسى عند كل إنسان إلا وهو عمله.
وإن التغلب على جميع أنواع الأنظمة التسلطية لن يكون ممكناً إلا إذا لم تتقهقر الديمقراطية بل تنطلق إلى تحقيق ما كان هدفها فى عقول أولئك الذين حاربوا من أجل الحرية طوال القرون الماضية. إنها سوف تنتصر على قوى العدمية إذا استطاعت فحسب أن تثبت فى الناس إيماناً هو أقوى ما يقدر عليه العقل الإنسانى، الإيمان بالحياة والحق والحرية باعتبارها التحقق الفعال والتلقائى للنفس الفردية.
ومن هنا نجد ذلك الهجوم الذى تعرض له فروم فى دراسة ف. دوبرينكوف "الفرويديون الجدد"(8). لقد أهمل روبنسون تحليلات فروم ومساهمة دوبرنيكوف لتحليلاته النفسية الاجتماعية للشخصية التسلطية، إلا يعد هذا نفسه هو الخوف من الحرية؟
الهوامش والملاحظات
1 - أنظر عن أريك فروم فى العربية ترجماته المختلفة.
2 – الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1972 دار الكلمة، القاهرة 2003.
- فى الحب، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، الأنجلو المصرية ط2 القاهرة 1980.
- الدين والتحليل النفسى ترجمة فؤاد كامل دار قباء ط2 القاهرة.
- الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، عالم المعرفة، الكويت العدد 140 أغسطس 1989.
وعنه راجع دراسة د. حسن حماد: الإنسان المغترب عند أريك فروم، مكتبة دار الكلمة، القاهرة 2005.
3 - أريك فروم، الخوف من الحرية سنشير فى المتن إلى أرقام الصفحة المستشهد بها من الطبعة الثانية للكتاب.
3 - انظر دراسة فروم Urber Methode und Aufgabe einer analgtischen sozial paychologie
وأيضاً كتابه: الإنسان فى نظر ماركس.
4 - راجع الخوف من الحرية، الملحق صفحات 232 – 235.
5 - إبراهيم فتحى تقديم الترجمة العربية لكتاب بول أ. ربنسون: اليسار الفرويدى، ترجمة عبده الريس، المجلس الأعلى للثقافة القاهرة 2005 ص15.
6 - المرجع السابق ص12.
7 - بول أ. ربنسون: اليسار الفرويدى ص 136-137.
8 - ف. دوبرنيكوف: الفرويديون الجدد، ترجمة محمد يونس، دار الفارابى، بيروت 1988.