المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نتائج ثقافة الخوف


Eng.Jordan
03-09-2013, 05:49 PM
د.سوسن مبارك
جامعة القدس المفتوحة
مقدمة:
إن طرح موضوع ثقافة الخوف في هذه الفترة يمكن أن يشكل مسالة استراتيجية وحيوية بالنسبة للبلدان العربية ودول العالم النامي باعتبار ان هذه المنطقة قد تعرضت حتى الأن لسلسلة طويلة من الحروب والكوارث الطبيعية، والعمليات الارهابية، والتعذيب واعمال العنف وحوادث المرور والطيران...
فما هي الانعكاسات النفسية للحروب والكوارث على الأفراد الذين يتعرضون لها ويعانون منها؟ والى متى يستمر الاضطراب عن هذه الأعمال؟ وما دور العلاج الطبي والنفسي...؟
كثير من المآسي والألام النفسية نجمت عن هذه الحروب والكوارث ولا يزال الألاف من الناجين يعانون منها حتى الأن ولكن دون أن يشعر بهم أحد وذلك لافتقار الدراسات الاكلينيكية والميدانية. ان معظم هؤلاء لا يلقون اي اهتمام بهم ولا يجدون العناية اللازمة باعتبار ان هذا الموضوع لم يطرح بعد في مجتمعاتنا بشكل علمي ولم يدرك المسؤولون في البلدان العربية جسامة الأخطار النفسية على العسكريين والمدنيين والاطفال، لذا هناك حاجة ماسة لانشاء مراكز متخصصة تقوم بالابحاث النفسية المطلوبة وتوفر خدمات التأهيل والعلاج النفسي والطبي للناجين لاستعادة تكيفهم من جديد حتى يستطيعوا أن يساهموا في بناء أسرة سليمة ومجتمع سليم.
وسوف أقدم بالتفصيل هذه الأثار والانعكاسات تحت تسمية أثار الخوف على العلاقات البشرية وتأثير ثقافة الخوف على السلوك الفردي.
وأخيراً وأنا أضع بين أيديكم هذا العمل ، فلا بد من كلمة شكر وتقدير لكل القائمين والمشاركين في المؤتمر والذين عملوا طوال فترة تحضير المؤتمر دون كلل حيث مثل ايمانهم بهذا المؤتر واهميته المنارة التي قادت هذا المؤتمر حتى نهايته. واخص بالشكر اللجنة المنظمة للمؤتمر وعلى رأسها عميد كلية الأداب والفنون الأستاذ الدكتور صالح أبو أصبع.
الهدف من الدراسة:
اذا سالنا انفسنا عن سبب عام يمكن أن نرجع اليه أغلب المشكلات النفسية الأساسية، قلنا انه الخوف، والخوف على درجات، فهناك الذعر، والرعب، وهناك الشعور الخفيف بالخوف وهناك من يخاف الرسوب في الامتحان والموت والجوع والانفراد في مكان مغلق والضرب والعقاب وانعدام الامن وانواع الخوف لا حصر لها، وهذه الانواع هي اسباب الاضطراب النفسي والقلق عند الافراد والجماعات الاطفال والرجال والشباب والشيوخ والنساء.
الخوف ليس قاصراً على الصغار بل هو في حياة الكبار أشد عمقاً ورسوخاً. ونحن ننقل الخوف الى اطفالنا بالعدوى وننقله اليهم أحياناً رغم ارادتنا ونشعرهم به حفظاً للنظام ومحافظة عليهم في الحال والمستقبل. ولذا نحن نغرس الخوف في اطفالنا بصورة ما، نغرسه قاصدين او غير قاصدين. وتبقى اثار الخوف الى ان يكبر الشخص فتصبح عوامل هدم في انتاجية الفرد بل وعوامل تاخير في نمو الشخصية. ولذا كان الفرق بين صحيح النفس ومعتل النفس فرقا بين درجة الاطمئنان او درجة اخرى في الخوف، فالاطمئنان استقرار وهدوء واتزان وتقدم مطرد أما الخوف فهو قلق واضطراب واحجام وتردد.
لهذا كله كنا في اشد الحاجة الى دراسة الخوف والى دراسة اثار الخوف على العلاقات البشرية، وعن اثر ثقافة الخوف على السلوك الفردي، وانا واثق ان في دراستها دراسة للامن والطمانينة ووقوفا على مفاتيح الصحة النفسية للافراد.
وعليه تهدف هذه الدراسة الى ارساء بداية عملية تتضمن دراسة وبحث المخاوف التي تواجه الافراد في اوقات الصراع والحياة العادية. املين ان ينجح ذلك في بلورة الخبرة للمشاركين في محاولة لتغيير الميل التاريخي لتجاهل اصوات الخائفين في حياتهم العادية وفي أوقات الحرب والصراع السياسي.

تعريف المصطلحات:
ما هو الخوف:
الشعور بالخوف ضرورة من ضرورات الحياة فهو يعيننا على تجنب المخاطر ويحمينا من الاضرار والموت. والخوف يزيد من سرعة النبض ويعمل على ارسال الدم الى الذراعين والساقين واطلاق القوة المختزنة وسرعة استجابة العضلات والاعصاب، وكل هذه الحركات تهيؤ لان نناضل ونبتعد عن الاخطار ولهذا كان الخوف مفيدا اذا كان مرتبطا بالمواقف الحقيقية التي قد تسبب ضررا او موتا، فاذا قابل رجل أعزل حيوانا مفترساً، او اذا شاهدنا سيارة مسرعة تعدو نحونا او اذا كان هناك حريق بالمنزل، فنحن في كل هذه الحالات نخاف، وخوفنا يعدنا لعمل ما يمكن ان ننقذ به حياتنا.
اقترح عدد من الكتاب استخدامات نوعية للالفاظ المتداولة ولا يوجد هناك حل يرضي الجميع، ولن يتواجد تعريف يرضي الجميع الا لو اشترك هؤلاء في نظرية واحدة، لأن المصطلحات المستعملة ما هي الا انعكاس لنظريات مختلفة.
الخوف- الخواف: استخدم عالم النفس فرويد مصطلح Angstوستراتشي وريكروفت استخدما Anxiety وعليه اشار هؤلاء الباحثون الثلاثة الى وضع استخدام كلمتي Angst-Anxiety في الأعمال التقنية للدلالة على الخوف ذي المصادر المجهولة، حيث ان فرويد يعتبر انAngst لها صفة (عدم التحديد) اي غياب موضوع الخوف. ومن أجل الدقة تستخدم كلمة Fear بدلا من قلق
(Angst-Anxiety) عندما يكون الموضوع معروفاً (موجوداً).(1)
ان هناك كثيرا من الصعوبات حول هذا الاستخدام لمصطلح الخوف، وليس من الواضح اذن لمن بالضبط يكون الموقف المثير للخوف غير محدد؟ او لمن يكون؟ غير معروف. هل هو الشخص القلق نفسه كما يقترح فرويد وريكررفت؟ من ناحية يكون المريض احياناً واعياً مما يخاف لكنه لسبب ما لا يبوح بما يعرفه، او ربما يفعل ذلك لكن المعالج لا يصدقه. ومن ناحية اخرى قد لا يكون المريض واعياً بما يكدره لكن المعالج قد يعتقد خطأ او صواباً بأنه يمكن التعرف عليه.
فكلمة خوف Fear بالفرنسية Peur وبالالمانية Furchtلهما علاقة باللغة الالمانية القديمة بمعنى يفيد كمينا، كارثة وهكذا يبدو الخوف قريبا جداً الى الانذار او الاستنفار.(2)
هل الخوف غريزي:
الخوف انفعال أساسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمحافظة على البقاء، حتى ان كثيراً من الناس يتساءلون ايتعلمه الاطفال ام هو فطري فيهم؟
ويمكن اجابة السؤال على هذا النحو: يجب على الفرد ان يحمي نفسه من الضرر ليحيا وينمو، والطفل الصغير اذا ما صادف ضيقاً جسمياً لا يقول لنفسه"اشعر بشيء غير عادي ولذا فانا خائف" وانما يسلك سلوكاً عاماً ناتجاً عن عدم ارتياحه، وكلما نما تعلم أن يخاف المواقف التي تسبب له الضيق والتي تهدد سلامته، بمعنى أخر فان الرضيع يتصرف بطريقة تشبه كثيراً حالة الكبير في خوفه ولكنه يتعلم المخاوف من تجاربه التي تزوده بها بيئته...
القلق:
القلق هو توقع الخوف، ويبدا القلق بتجربة واقعية لحالة لم يستطع الفرد تفاديها، ونحن نستطيع ان نتحمل الألم والضيق اذا كنا نعلم أنها حالة وقتية ستزول.
نادراً من لم يعاني منا نحن الكبار في حياته حالات ذعر في مواقف ياس مطلق، ولكن الكبير يستطيع ان يستفيد من تجاربه السابقة في التحكم في مخاوفه الحالية، والتخلص من المواقف الخطرة، وأما الطفل الذي ليس له هذه الخبرة والذي خلت حياته القصيرة من خبرات وجد فيها العطف والحماية من شخص يحبه ويهتم به وغالبا هي الام فهو لا يستطيع ان يتفادى حالات القلق، واذا كان يصادف دائما خبرات غير سعيدة فقد يذهب ضحية للقلق في كل موقف صعب يشعر بانه لا يستطيع له حلاً.
والشعور بالقلق يضعف الشخصية ويعوق نموها وسعادتها ويعطل مقدرتها، ويصعب ان نعرف القلق، وعلاجه أاعسر من حالات الخوف العادية، وذلك لانه ينبع من مشاعر داخل الفرد وليس عن مؤثرات خارجية او مواقف واقعية كالخوف، فالبيت الذي يحترق خطر حقيقي يخافه كل شخص ويحاول تفاديه، ولكن القلق من ان يحترق المنزل ليس خوفاً حقيقياً بل هو مسبب عن افكار الشخص ومشاعره، وهذه المشاعر يتخذ بعضها من بعض فتسبب شعور الفرد بأنه مهدد دائماً بالخطر، فالخطر هنا ليس النار ولكنه الشعور بأن شيئاً ما سيحدث.
ولكن بعض الأفراد تنشأ عندهم مخاوف لا أساس لها كان يتوهموا أن اللصوص والأشرار في انتظارهم، فيذهبون الى اعمالهم او مكان نومهم كل ليلة يملؤهم القلق ويفزعون من النوم في الظلام، او على أسرهم في البيت وهم في مكان عملهم،... فهؤلاء يتطور خوفهم الطبيعي الى قلق.
قد يبدأ القلق كخوف له أساس:
كثيرا ما يبدو على الأفراد مظاهر قلق نحو حدث معين، وقد تكون أساس هذه المظاهر تجربة قاسية مع حدث معين مثلا، ففي مثل هذه الاحوال يكون القلق مسبباً عن خوف له ظروف معينة، وعلى العكس من ذلك فقد ينشأ القلق دون أي سبب ظاهر.
ويذهب البعض الى ان القلق خيالي لان الخطر الذي يتسبب عنه لا وجود له الا في مخيلة الفرد، ولكن هذا الزعم عار عن الصحة، اذا كنا نقصد "بخيالي".
وينتج القلق من تجارب الفرد في سنواته الاولى حين وجد نفسه في مواقف لم يفهم لها تفسيرا او لم يستطيع التحكم فيها، لأنه كان في ذلك الحين ضعيفاً صغيراً معتمداً على غيره، والمواقف التي تسبب القلق للفرد لا حصر لها، وهذه تجعله يخشى بعد ذلك أية مناسبة تبدو له أصعب من يستطيع لها حلاً.
وبمعنى اخر فان تعرض الطفل او الفرد البالغ لمواقف عديدة تسبب له الضيق او تهدد سلامته قد ينجم عنه أثر يستمر مدة بعد انتهاء هذه المواقف اذ قد يتطور الامر الى قلق مرض مزمن. والقلق يتوقف لدرجة ما على مقدار نضج الفرد فالموقف الذي يسبب خوفاً قليلاً في فرد بالغ او طفل كبير قد يتسبب عنه خوف وقلق دائمان لطفل صغير.(3)
القلق والخوف:
علينا أن نميز بين الخوف الموضوعي والخوف الذاتي:
الخوف الموضوعي: هو خوف طبيعي من اشياء واحداث خطرة حقاً. فمثلاً الخوف في اثناء غارة جوية هو خوف موضوعي وطبيعي بل وصحي ايضا وله دور هام في بقاء الانسان. بل ان عدم الخوف من هذه الحالات هو الذي يمكن ان يكون غير طبيعي. كذلك هو الامر بالنسبة للخوف من الحيوانات المفترسة او الكوارث الطبيعية وغيرها.
الخوف الذاتي: فلا توجد له مبررات في الواقع الموضوعي. انه الخوف من اشياء خيالية او من افكار مخيفة وغير صحيحة عن شيء او وضع معين رغم كونه موضوعيا غير خطر. فهكذا نرى افرادا يخافون ركوب الطائرة او البقاء وحدهم في البيت. ونرى اطفالا يخافون الحيوانات الوديعة كالارانب او الكلاب البيتية. رغم ان الاخطار المترتبة عن هذه الاوضاع تكاد لا تذكر.
ومن ناحية اخرى علينا ان نميز بين حالات الخوف وحالات القلق:
الخوف: يكون خوفاً من اشياء او اوضاع محددة مثل الخوف من الظلام او من الابتعاد عن الاهل.
القلق: فهو خوف عام وغير محدد في شيء او وضع ما يرافق الفرد اينما وجد فيبدو حساساً ينقصه الشعور بالطمأنينة والأمان العام، يتراجع ويقلق لأي شيء.
ومن هنا يمكننا القول ان هنالك اشخاصاً يكون القلق لديهم صفة من صفاتهم الشخصية تظهر في معظم الاوضاع، وهنالك اشخاص لديهم خوف محدود في اوضاع معينة. وكما جاء بالنسبة للخوف فان من الممكن ان يكون القلق موضوعيا، كقلق الناس في اثناء الحرب، او غير موضوعي، اما حالات الخوف الذاتي والذي ليس له دعم موضوعي فيطلق عليه اسم" فوبيا" كالفوبيا من المدرسة، الاماكن العالية...
تشير الابحاث الى ان " الاهل القلقين وذوي المخاوف ينقلون هذه المخاوف لاولادهم. فالاولاد يتعلمون ان عليهم ان يقلقوا وان يخافوا كما يفعل اهلهم. فالام التي تخاف البقاء وحدها ليلاً في البيت تعلم الاطفال ان عليه ان يحذر من البقاء في البيت وحده".(4)
وكذلك الامر الفرق بين الخوف والقلق هو في حالات القلق يتم التاثر الذهني اولاً، بينما الخوف فهو نتاج ثانوي له. القلق هو المادة الاولية التي تصنع منها الامراض العصبية. الخوف هو قلق مرتبط بشيء او فكرة. وتوارد الافكار هو الذي يحدد اختيار هذا الشيء، وهذا خاص بكل فرد بمفردة.
وفي الحياة فيما بعد يمكن للقلق ان يرتبط باعراض هستيرية كفقدان الصوت او تصلب الفخذ.. واذا شفيت هذه الاعراض فجأة فان القلق سوف ينفجر.ويحدث الشيء نفسه في الحياة المقبلة بحيث تنفصل عن شيء وترتبط بغيره. وهكذا تفقد خوفا وتنمي خوفا آخر. ويعتبر الخوف كاسلوب دفاعي لمجابهة القلق.(5)
الرهاب (الخوف) الاجتماعي Social Phobia
الرهاب (الخوف) الاجتماعي حالة طبية مرضية مزعجة جداً تحدث في ما يقارب واحد من كل عشرة أشخاص، وتؤدي الى خوف شديد قد يشل الفرد احيانا ويتركز الخوف في الشعور بمراقبة الناس.
ان هذا الخوف اكبر بكثير من الشعور العادي بالخجل او التوتر الذي يحدث عادة في التجمعات بل ان الذين يعانون من الرهاب (الخوف) الاجتماعي قد يضطرون لتكييف جميع حياتهم ليتجنبوا اي مناسبة اجتماعية تضعهم تحت المجهر. ان علاقاتهم الشخصية ومسيرتهم التعليمية وحياتهم العملية معرضة جميعها للتاثر والتدهور الشديد. وكثير من المصابين يلجأون الى الادمان على الكحول او المخدرات لمواجهة مخاوفهم.
تبدأ عادة حالة الرهاب (الخوف الاجتماعي) اثناء فترة المراهقة واذا لم تعالج فقد تستمر طوال الحياة وقد تجر الى حالات اخرى كالاكتئاب والخوف من الاماكن العامة والواسعة.
ما هي الاعراض؟
تسبب حالة الرهاب (الخوف) الاجتماعي اعراضاً مثل احمرار الوجه، رعشة في اليدين، الغثيان، التعرق الشديد، والحاجة المفاجأة للذهاب للحمام. اذا كان الفرد يعاني من الرهاب (الخوف الاجتماعي) فمن المحتمل انه يعاني من واحد او أكثر من هذه الاعراض عندما يتعرض للمناسبة الاجتماعية التي تسبب الخوف. وفي بعض الحالات مجرد التفكير في تلك المناسبات يحدث القلق والخوف. ان المحاولة الجاهدة لمنع حدوث الاعراض قد تدفع المريض الى تجنب هذه المناسبات بصورة نهائية مما يكون مدمراً للحياة الاجتماعية ايضاً.
هل يمكن علاج الرهاب (الخوف الاجتماعي)؟
بالتاكيد يمكن المساعدة بالعلاج الدوائي او بالعلاج السلوكي او بهما معاً. ان الافاً ممن يعانون من الرهاب (الخوف) الاجتماعي قد تحسنوا على هذا العلاج.
الفرضيات الرئيسية لنظريات القلق والخوف
علاقة القلق بالخوف:
في كل مناقشات القلق التحليلية والمرضية، سلم جدلاً بان الحالات الوجدانية التي يمكن اعتبارها "قلقاً" و"خوفاً" مترابطة بشكل وثيق. وقد جرت العادة خلال المجال الواسع لعلم المرضيات النفسية على استخدام كلمة (قلق) على انها" حالة وجدانية تحمل سمات خبرة خوف ذاتية، أو عاطفية ترتبط بهذا الخوف ارتباطا وثيقاً".(6) هكذا الكلمتين تستخدمان غالبا بنفس المعنى. ونتيجة للترابط القوي بين الحالات الوجدانية لمعنى الكلمتين، فان فهم الظروف التي تؤدي الى حالة يجب أن تؤثر على فهم الظروف التي تؤدي الى الحالة الاخرى.
بالرغم ان منشأ وطبيعة القلق غامضة فان طبيعة واصل الخوف بسيطة ويمكن فهمها بسهولة.
الان ستشير النظريات المطروحة في هذا البحث الى ان الحالات التي تعزى الى كلمتي (القلق) و (الخوف) ترتبط ببعضهما بشكل قوي.علاوة على ان ادراك ما يسبب حالات من احد النوعين يرتبط ارتباطاً وثيقاً ايضاً بادراك ما يسبب حالات من النوع الاخر.
يتشعب التفكير حول طبيعة الظروف القابلة لان تسبب الخوف في حلقات التحليل النفسي والامراض النفسية، مما أثرت سلبياً على قدرتنا على فهم القلق والمخاوف التي يعاني منها مرضاناً.
ان الموقف الوحيد الذي يسبب الخوف بشكل جوهري، هو وجود شيء ما قابل لأن يؤذينا او يدمرنا، قد يكون الاكثر اساسية وانتشارا في هذه الفرضيات التقليدية، والنتيجة الطبيعية لهذا هي ان الخوف الناشئ من اي موقف اخر، يجب ان يكون غير طبيعي بطريقة ما، او يتطلب على الاقل تفسيراً خاصاً. وبينما تبدو هذه الفرضية معقولة للوهلة الاولى، فان هناك طريقتين محددتين لثبات اخطائها.
الخطأ الاول: يختص بطبيعة التنبيهات والموضوعات التي تخيفنا وتؤدي بنا الى الانسحاب، حيث وجد من الشائع بانها تحمل فقط علاقة غير مباشرة لما قد يكون في حقيقته امراً خطيراً.
الخطأ الثاني: هو اساسي تماماً، فنحن نخاف ليس فقط من وجود او بتوقع وجود مواقف من اشكال معينة، ولكن ايضا بغياب ويتوقع غياب مواقف من أشكال أخرى.(7)
نماذج الدوافع وتاثيراتها على النظرية:
تاثرت حلقات التحليل النفسي عن الخوف والقلق بعمق، بنموذج الدوافع الذي تبناه فرويد. وهذا النموذج يفترض بان المنبهات من كل نوع يستقبلها الكائن الحي ببساطة كاشياء يجب التخلص منها، وذلك عن طريق الهروب عندما يكون هذا ممكنا، او اي نوع اخر من الفعل عندما لا يكون ذلك ممكنا. في دراسات فرويد المنشورة حول الغرائز وتقلباتها يطرح فرضية اساسية لم يناقشها ابداً هذه الفرضية تقول بان "الجهاز العصبي هو جهاز يمتلك وظيفة التخلص من التنبهات التي تصله، او يقللها الى ادنى حد ممكن، وبفرض انها مرت اليه بسهولة ، فانه يحفظها في حالة من الخمول الكامل، فالتنبيهات الخارجية يتم التعامل معها بسهولة عن طريق الانسحاب، بينما المنبهات الغريزية في حالة وجود تيار دائم لا يمكن تجنبه من المثيرات تفرض مشكلة صعبة وحيث انها من اصل داخلي، يكون الانسحاب منها مستحيل، ولذا يتعامل الجهاز العصبي مع تدفقها المستمر، فيقوم بنشاطات معقدة متشابكة لتحويل العالم الخارجي بحيث يتم الحصول على الاشباع، هذا الاشباع الذي يمكن الحصول عليه فقط بازالة حالة التنبيه من منبع الغريزة".(8) وبمجرد تطبيق نموذج الدوافع على مشاكل القلق والخوف، فان حلولاً جديدة ستصبح ممكنة.
الخواف المحير او الخوف الطبيعي:
عندما طرح فرويد افكاره عن القلق والخوف، مفترضاً ان الموقف الاساسي الوحيد الذي يسبب الخوف في الانسان هو وجود شيء ما قابل لان يؤذيه او يدمره، ونتائج هذه الفرضية الرئيسية هي:
اولاً: حيرة فرويد الكبيرة في فهم ظهور الخوف، ولماذا يثور كثيرا وبقوة في مواقف من انواع اخرى؟ ثانياً: الابتعاد عن النظريات البسيطة التي لجا اليها هو وتلاميذه لكي يشرحوا مثل هذا الخوف.