المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إستبطان الخوف كعادة !


Eng.Jordan
03-09-2013, 05:52 PM
ورقة مقدمة لمؤتمر فيلادلفيا الدولي الحادي عشر حول " ثقافة الخوف "

محمد نعيم فرحات
أستاذ مساعد في علم الاجتماع
جامعتي القدس المفتوحة وبيت لحم

i: مفهوم الخوف : أبعاد وعناصر في التعريف :
سيظل الخوف في حقيقته وكيفية عيش البشر أو فهمهم له أو إحساسهم به، أوسع من أي تعريف نظري يمكن الإشارة له أو التوصل إليه، طالما كان المفهوم "إنتقائيا في جوهره، وإن مجموع المفاهيم وبالتالي الانتقاءات لن تعادل أبداً جملة الواقع "(1). إلا أن من متطلبات التطرق للموضوع، أن يجري عرض لبعض التعريفات التي تناولت الخوف (2). سنجد رابطاً ما بين مضامينها وما بين محاور وأفكار هذه الورقة التي تحاول بناءَ عناصر وأبعاد متعددة في مفهوم الخوف، على أساس تدبر الأمر متأثرة بمقاربات مختلفة دون الاعتماد على مقاربة بعينها.
... وفي هذا السياق يمكن التوقف عند الخوف كعنصر أصيل ومحوري في سيرورة الحياة الإنسانية وتكوينها وكذلك في بنياتها المختلفة، ويمكن الإشارة منذ البداية بأن تناول الخوف يجري هنا من خلال صلته بالبنية.
والخوف مرئياً من هذا المنظور هو قوة حقيقية لا تقع فوق الكائن الإنساني بل في صميمه. إنها تولد فيه ومعه، وتفصح عن نفسها وتترعرع في أرجاء حياته وتحيط به من كل جانب، كما يمكن أن تتبدد على نحو أو آخر أو تتغير معانيها ووظائفها وأشكالها، ومثلما هي قابلة للتصعيد في سياق ما فإنها قابلة للعقلنة في سياق آخر. كما أنها موضوع تتراكم فيه الخبرات.
وفي هذا النحو الذي يرى الخوف كعنصر وكحالة أصيلة في تكوين ومسار الوجود الإنساني، يمكن تخيل الخوف كبعد في ثنايا الإنبثاق العظيم لحظة خلق آدم (عليه السلام) وما تلاها. كما يمكن تخيل حجم الخوف والتردد والقلق الذي انتاب آدم ، قبل وعندما وبعد، أن مد يده إلى الشجرة بدليل إمعان الغواية وإغراء الاستكشاف (في سياق ما قدره الله سبحانه) والتي أفضت لقيامه بخطوته الحاسمة
نحو الخطيئة، التي ترتب عنها الحياة الدنيا المعيشة.
إنها لحظة مثيرة حقا، لآن آدم الذي ولد بخوفه انتهج سلوك المخالفة والمعاندة، ولم يكن بمقدور التخوف والتحسب لهول المتوقع عن القيام بالمحظور ان يمنعه من المضي بالمخالفة حتى منتهاها، وأين.. ؟ في كنف خالقه وربه!!! وفي جنة عدن؟! التي صممت خصيصاً له ورغم ذلك لم تستجب للتحذير والنذير فنال النفي والكبد جزاءً وفاقا بسبب واقعة الشجرة. إن هول الدلالة هنا(بخصوص علاقة الإنسان بالخوف وفرضيتي الامتثال له أو معاندته) يفيض عن أي قدرة للوصف!!!!!.
... كما يمكن التأمل في لحظة أخرى دالة هي مشهد قابيل وهابيل، وهنا فإن واحدة من التساؤلات التي ينبغي الوقوف أمامها: هل نستطيع إستبعاد الخوف عند القاتل والمقتول معاً، في نزوع الإمتلاك الذي انبثق منهما ونجم عنه قيام الشقيق بسفك دم شقيقه؟!! الا يمكن توقع خوف القاتل من نفسه ومما فعل و(من) و(على) شقيقه المقتول بيديه؟! ثم إلى ماذا تقودنا موعظة الدفن وإيداع الجسد في الثرى، والحيرة التي سبقت أسئلة قابيل بينما كان يقف إزاء جثة شقيقه الذي قتله؟! هنا إن المشهد لا يتيح أي استبعاد للخوف أو التساؤلات المخيفة وكذلك الأمر بخصوص الدلالات المبنية عن حادث السفك الأول.
...إن هذا التمشِ في رؤية الخوف لا ينطلق من الإعتراف به كجزء من الفطرة فقط، بل يرغب في الإشارة إليه كعنصر مهم في سياقات المسار الإنساني وأحداثه التكوينية الدالة. وهو تمشٍ يرى الخوف أيضاً كصيرورة عظمى في تاريخ الوجود والناس. صيرورة امتلكت قدرات جبارة على إعادة تجديد وتشكيل نفسها، وفي هذا المستوى المبكر يمكن المجازفة بالقول، إن الخوف هو واحدة من أعتى عادات الناس حضوراً (بالمعنى النسبي طبعاً). كما أن الخوف بنية فاضت وأنتجت نقيضها بدليل حجم حضورها في تحريك التاريخ نحو الاستسلام للخوف أو مجابهته ومقاومته والخروج على إكراهاته والتمرد عليه. وهنا يتعين الإشارة إلى أهمية مقاربة الخوف كبنية تحمل نقيضها بدليل التاريخ والأمثلة التي يقدمها في هذا الخصوص.
وبالمعنى السوسيولوجي فإن الخوف ظاهرة إنسانية وثقافية وإجتماعية وتاريخية أساسية. وهنا يمكن استنتاج الأبعاد الكبرى المُشكلة لهذه الظاهرة: النفسي والثقافي والاجتماعي وما يترتب عن تفاعلها من اشتباكات ومشاركات مع أبعاد وعناصر أخرى، أو توليد لأوضاع وبنيات، أو المساهمة في ذلك .وما تفضي اليه من آثار وتداعيات ووظائف وتوظيفات تمس وتشمل كل المستويات : من النفسي حتى الوجودي.
وإذا كان الخوف ووجوده ومعانيه وأبعاده الآنفة أمراً لا يحتاج إلى تدليل، فإن فهم وتفسير السياقات والأبنية التي تصون الخوف وتُنميه وتنتجه في حياة الناس أو تعقلنه أو تحوله إلى نقيضه، هي التي تملي جهوداً نظرية ومنهجية لفهم ما يثيره الموضوع من مسائل وإشكاليات وتساؤلات ومحاولات لتفسيره. أي، إن الأمر يتطلب هنا ربط الخوف كحالة وظاهرة بالبنية التي أنتجته وصعدته وحولته إلى فكرة وممارسات لها آليات ومؤسسات وأرغمت الناس (الذين ينطوون على انقياد بطبعهم) على التعايش مع الخوف والعيش به وإستبطانه وتحويله إلى عادة (ودائماً) بالمعنى النسبي.
ولكن قبل الدخول إلى هذا المستوى من التطرق، يتعين الإشارة بصورة مشددة إلى ثلاثة أمور، الأول: إن رؤية الخوف هنا لا تغفل أو تتجاوز بأي حال أبعاده ووظائفه الايجابية والأدوار العظيمة التي يؤديها في التاريخ جنباً إلى جنب مع أبعاده ووظائفه ومعانيه وأدواره السلبية والمروعة. وإن أي تطرق حقيقي للخوف يجب أن يأخذ البعدين معاً.
والثاني : ثمة اختلاف رهيف ودال بين الخوف من جهة ومفردات مثل التخوف والتحسب.... إن هذه الفروق مهمة سواء على صعيد المعنى أو الوظيفة، ورغم اشتراك التخوف والتحسب وغيرها مع الخوف في مساحات مهمة، إلا أن أخذ هذه الفروق بعين الاعتبار مسألة تستوجب الانتباه.
أما الأمر الثالث : فيرتبط بأهمية إستحضار العنصر الأكثر أهمية في تعريف الخوف، والمقصود هنا بالضبط "الشجاعة" باعتبارها نقيض الخوف أو يمكن الاتفاق على أنها كذلك.

Ii. الخوف كحالة والبنية كإطار أو علاقة التوليد...!!؟
1-1 بضوء ما جرى التمهيد له آنفاً، والاتفاق المبدئي على أن الخوف قوة موجودة في الوراثي والمكتسب وسيرورة الحياة البشرية وليس قوة هائمة، فإن ذلك يعني ارتباطها ببنى ما. وحيث أن التاريخ بما يتضمنه من حقائق وأوهام وخيالات وصدف وحظوظ وسوء طالع، ووقائع وخوف وجبن وشجاعة وبطولة ومقاومات ...، هو حصيلة عمل أبنية معينة بالذات فإن للخوف ما يمكن وصفه "بشجرة عائلة" داخل البنى الاجتماعية والنفسية والتاريخية للمجتمعات.
.... إن هذا التصور يضع الوجود في نطاق النظام الإلهي بكليته وشموله ومطلقاته. وداخل هذا النظام ووفق المنظور الإلهي نفسه هناك نسقان أساسيان لهما خصائص وسمات موضوعية هما: النسق الطبيعي بما ينطوي عليه من حقائق ملموسة وقوانين وقوى وما يثيره من غموض وتساؤلات وعظمه وخوف. و النسق التاريخي وهو ببساطة ما يفعله الناس ويصنعوه.
وفي نطاق هذا المنظور وتداخلاته وإشتباكاته، فإن قراءة الديانات السماوية كرؤية ترتبط بالناس والأرض وما تضمنته من رسم لدروب الخلاص والتطمين لبنى البشر ووضع المستقرات هناك في الحياة الأخرى الموعودة وسماوات العلا، ما كان يمكن لوعدها العظيم لهم (المشروط بمدى امتثال الناس لمتطلباتها في ممارساتهم الدنيوية) ألا يكون مرفوقاً بالوعيد إن هم عصوا أو لم يمتثلوا، وعيد كان يرمي لتحذير الناس وتخويفهم ونقلهم من تخوم أو حيز الضلال والمخالفة والمعاندة والكبد والخطيئة إلى حيز الوعد العظيم ومكافأته. وإن من الخصوصيات المميزة لهذا الوعيد(المتضمن للخوف والهول والتخويف والتحذير والتهديد) ، انه في علاقة تلازم وتجادل وتوالد مع الوعد.كما أن مقاصد الوعيد هنا ووظيفتة هي في خدمة الوعد .هذابالاضافة الى أنه وعيد مفتوح على أفق من التوبات والتسامح والغفران والأمن والطمأنينة الأبدية.
... وتنطوي رؤية السماء في صورتها المعيارية كما تضمنتها النصوص على إمكانية خلابة لمقاربتها من خلال أطروحة "الوعد والوعيد" التي تكشف عما تستبطنه من خير وخوف في الدنيا والأخرة، ولا يمس جوهر وأصالة هذه الرؤية. تأويلات أو ممارسات تاريخية أعطاها البشر للوعد والوعيد لم تكن متفقة مع مقاصدها ومعانيها الأصلية، خصوصاً جهة إستحضار السماء لتشريع الهيمنات الإنسانية في الأرض أو تحويلها لمصدر خوف مرعب جراء قراءات وتأويلات معينة بالذات، وفي هذا الصدد نستطيع الوقوف إزاء موروث هائل من هذة التأويلات والتوظيفات المنحرفة لمنطق السماء ورؤيتها (وتمثل "إسرائيل" وأيضا البعد الرسالي للهيمنة الأمريكية،نماذج تحليلة معاصرة في هذا الصدد ،وكذلك الديكتاتوريات التى توظف الدين بعيدا عن مقاصده العالية).
لقد جرى بقصد وعناد أو بغفلة وجهل، تحويل الخوف من السماء إلى أيديولوجية وثقافة في قراءات لها أطراف وحاملون ليسوا قليلي الشأن في التاريخ. ويشير الأمر فيما يشير لهول المعاندة والإفك الذي ينطوي عليه بشر لم يتورعوا عن إدماج السماء على نحو غاشم ومخيف لتكريس هيمناتهم في الارض واستمرارها في ترويع الناس.
1-2 وفي مستوى أقل تجريداً فإن الوجود "كبنية" في بعده (الطبيعي والماورائي) يتضمن الأمن والخوف، الطمأنينة والرعب، المنح والأخذ، والحياة فية تبدو كهبة عظيمة إلا أنها غير متواطئة مع رغبة الناس في عيشها بدليل ما فيها من كبد وتعب وقلق وخوف ورعب وموت، وجميعها حالات تقيم في صلب كل أشكال التحقق والحضور الإنساني سواءً كانت هذة الأشكال عظيمة ام منحطة، وفي سياق سعي الإنسان الدؤوب لإمتلاك نفسه وعالمه ومصيره سيجد هناك امتلاءه المنقوص دائماً بثمن الزعزعات والخوف والقلق المستدام. ويُروِعه مثول الموت كحقيقة مطلقة وحيدة في حياته. حقيقة تنمو في ثناياه منذ الولادة ويقطع نحوها كل يوم مقدار 24 ساعة. الموت بما يتضمنه من أسئلة وزعزعات وخوف وما يمثله من مصير لا راد له ...!!!!
* * *
... إلى هنا جرت الإشارة لبنيتين خارقتين بكل المعاني هما بنية "السماء" وبنية "الطبيعة/ الوجود" من منظور الخوف. غير أننا من الآن فصاعداً سنتوقف عند بنيتين تاريخيتين تستبطنان كلاً على نحوها "السماء" و "الوجود" أيضاً في منظومة قيمها ورؤياتها وتأويلاتها، هما بنية "الثقافة" وبنية "الدولة" . وإن الإشارات التي سترد بشأنهما تتمثل السياق العربي على سبيل التحديد وليس الحصر.

....إن أهمية هاتين البنيتين تنبع من كونهما وسطاً يتحرك فيه الناس ويتأثرون بهما بقوة وتنبع من كونهما أيضاً "بنى تعطي للعالم بنيته "بتأويل قول بيير بورديو بخصوص "اللغة". كما أنهما تشكلان في حياة الأفراد والجماعات قدراً لا يمكن تفاديه. وهما بنيتان مشغولتان بالهيكلة والقولبة والتأهيل والضبط، ولهما آليات منظمة وقيم ومُثل ووظائف وممارسات وخطابات. وأخيراً فإنهما بنيتان تؤثران على نحو جوهري (كي لا نقول على نحو حاسم) في التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري والنفسي للمجتمعات، أي، في أبعاد التاريخ الأكثر ملموسيةً.

... وترد الثقافة هنا بما هي "مجموعة (من العناصر) لها علاقة بطرق التفكير والشعور والسلوك، وهذه الطرق صيغت في قواعد واضحة نوعاً ما، يكتسبها جمع من الأشخاص ويتعلمونها ويشاركون فيها، وتستخدم بصورة موضوعية ورمزية في آن معاً، من أجل تكوين هؤلاء الأشخاص في جماعة خاصة ومميزة" (3) ويضيف غي روشيه بأن "الثقافة تبدو وكأنها عالم عقلي أخلاقي رمزي مشترك بين الناس. وبفعل هذا العالم يستطيع الأشخاص أن يتصلوا فيما بينهم ويقروا بالروابط التي تشدهم بعضهم إلى بعض وبالقيود والمصالح المشتركة وبالاختلاف أو التعارض. (4)

إن هذا التعريف الذي يبدو وصفياً ويشير إلى الثقافة بليونة وكأنها حقل توافقت عليه جماعة من الناس ويوحي بالعناصر التعريفية للثقافة، يضمر أو يُفترض أن يضمر الجانب الإكراهي والإرهابي للثقافة، حيث أن كل ثقافة تتضمن بعداً إرهابياً بالضرورة. وهذا ما يمكن أن نلمسه في وظائف الثقافة وممارستها وتمثلات الناس لها: وتحديداً في عملها على تكييف وتأهيل الفرد وتحويله من عضوية بيولوجية إلى كائن اجتماعي وفق منظورها، وهيكلة الناس وفق رؤياتها ومعاييرها وقيمها، بما يترتب عن ذلك من أثمان تتنافر أو تتعارض أو تتناقص مع الفهم المطلق للحرية الإنسانية.
... وهنا ندخل إلى قلب وظيفة الثقافة وبلغة غي روشيه إلى القولبة حيث تؤدي "الثقافة إلى قولبة الشخصيات الفردية... وأي ثقافة هي في الواقع نوع من القالب... وهذا القالب يعرض على (الناس) أو يقدم لهم نماذج من التفكير ومن المعارف ومن الأفكار وقنوات مفضلة للتعبير عن العواطف أو وسائل لإشباع أو لإثارة الحاجات الفسيولوجية. (5).
في هذا النحو قد نستنتج بأن الثقافة هي قوة اقتراح وهذا صحيح إلى حد ما، ولكنها في جوهرها قوة تقرير وإرغام وتحديد لهويات ومصائر وهذا أصح وأشمل. وبما هي كذلك، فليس من الممكن أن تحقق أغراضها ووظائفها بمعزل عن قيم وممارسات الامتثال والإخضاع الممعنين حتى وهي قوة اقتراح. إن الخوف يقوم في صلبها كمقتضى لا يمكن تفاديه.
وطالما أن عملية التنشئة الاجتماعية _بما هي "الصيرورة التي يكتسب الشخص عن طريقها ويستبطن طوال حياته العناصر الاجتماعية- الثقافية السائدة في محيطه ويدخلها إلى بناء شخصيته وذلك بتأثير من التجارب والعوامل الاجتماعية ذات الدلالة والمعنى")_ (6)، هي عملية مركبة ودؤوبة تتولاها مؤسسات الضبط وتتحول بفعلها الثقافة إلى تعلم وتعاليم وسلطة مستبطنة باستخدام ميكانزمات الإغراء والاعتراف أو الضغط والإكراه وتتوسل العنف الرمزي والمادي،فإن الخوف والتخويف يصبحان بحكم الضرروة .

... في سياق هذا التطرق نعثر على الأصل البنيوي والوظيفي للخوف في إحدى أهم البنى والأطر التي تنتجه وتتضمنه: أي في الثقافة وعملياتها ومضامينها ووظائفها. ولا ينطوي الأمر على مجازفة فيما لو قلنا بأن كل ثقافة تتضمن توجهاً إكراهياً ذا صبغة عنفية وإرهابية، وأن الفروق بين ثقافة وأخرى بهذا الخصوص تكمن في الدرجة والسياقات والمجالات والوظائف والأهداف. فيما تأكيد كل ثقافة على الخوف كقيمة وكمرتكز في ممارستها يجعل من الخوف منتوجاً ثقافياً يجد آليات متعددة لاستبطانه وتحوله إلى عادة (بالمعنى النسبي).

1_3 أما في مستوى الدولة كبنية وهي بكل حال ليست منفصلة أو منعزلةً عن المستوى السابق، طالما أن كل دولة تصوغ تصوراً أيديولوجياً وثقافياً انتقائياً وتأويلاً خاصاً بها بشأن التاريخ الجماعي والذاكرة والرموز والواقع والمشكلات والمسموح والممنوع والفضيلة والإثم والأسئلة والحلول..... والمصير. وبالتالي فإن الكشف عن قيمة الخوف وحجم حضورها في إيديولوجية الدولة ورؤيتها وممارستها ووظائفها قد لا يحتاج (أحياناً) سوى لجهد وصفي. إن "فكرة الدولة والدولة كفكرة" تقوم أساساً على منطق الجبر والخوف والغلبة. إن الخوف هنا يتحول إلى منظومة من الممارسات وشرط ومقتضى لقيام الدولة واستمرارها.
وطالما أن منطق الدولة هو "منطق القهر والغلبة" كما يقول ابن خلدون (7)، وهي "مشغولة بأخلاق المسؤولية وليس مسؤولية الأخلاق" كما يقول ماكس فيبر. وأنها "مجموعة من القواعد الملزمة" كما يقول جورج بوردو (8)، أو "مجموعة أدوات تنظيمية وقمعية" كما يقول عبد الله العروي (9)، أو "إله فانٍ " كما يقول توماس هوبس، فإن الخوف بالنسبة لها يصبح قدراً تسوقه للآخرين، وتصبح علاقة الدولة بالخوف مثل علاقة الشيء بمقتضاه ، ولكن السؤال يظل دائماً ما هي وظيفة الخوف بالنسبة لها، وإن الإجابة عن هذا السؤال تعتبر عنصراً جوهرياً في تحديد هوية ووظيفة الخوف الذي تستخدمه الدولة وذلك من خلال العنف الذي تمارسه وماهيتة وأغراضه والقواعد المنظمة له.

وحسب جورج بوردو فإن "السلطة تتجذر في المجتمع، بما أنها لصيقة بالبنية السياسية التي بدونها ينتفي وجوده (10). إن المنطق في أول مستوياته يفضي بنا لاستنتاج قيام الإكراه والخوف في صلب السلطة التي لا توجد جماعة بدونها كما يقرر الواقع قبل المفكرين. وعليه فإن العنف والغلبة بالرعب أو بالسيف تحت عناوين الغايات تشكل أساس كل سلطة داخل كل الجماعات من الأسرة وحتى...... الدولة.
... ويتحالف إنتاج الخوف الكامن في صلب منطق الدولة وخطاباتها وممارساتها، مع الإذعان الغريزي والمكتسب الكامن في نفوس الناس. يقول بوردو "إن ما يحمله الإنسان في ذهنه (من) حركة تدفعه للتصور والتجريد وطاقة عقلية تسمح له بأن يحب دون أن يرى وأن يؤمن دون أن يلمس، وأن يطيع نظاماً معيناً لا يلجأ إلى السوط، وإذا لم يتمكن من تحاشي الضرب فهو على الأقل يريد ألا ينظر إلى القضيب، في هذا المستوى العالي من التفكير يقع تأسيس السلطة، (11) وهذا ما يخلق حالة استسلام وثقافة انصياع من السلطة يحرسها الخوف، وتعطيها الدولة معانٍ مثل:- "حماية المجتمع من المخاطر الخارجية والداخلية"أو"الدفاع عن السيادة والمصالح العليا للبلاد" أو"الحفاظ على الأمن والنظام" أو"السلم الاجتماعي" أو "الوحدة الوطنية" أو "دولة الأمن والأمان" أو"عصمة الدولة وقراراتها ". وهذه العملية تشير إلى تحول الخوف لعادة (بالمعني النسبي) وهي عملية مفتوحة حكماً على احتمالات مناقضة لمنطق الهيمنة وواقعه الذي تمثله الدولة بما أن الدولة نفسها قابلة لأن تدول.
وفي حقيقتها فإن الدولة تتيح إمكانيتين، كلتيهما تقومان على العنف والخوف والإكراه، وإن اختلفت السياقات وطبيعة التكيفات عند الناس وطبيعة التوافقات القائمة داخل المجتمع وهما: إما الإذعان بالرضى الذي تصونه عملية الضبط والتربية ومؤسساتها حيث "الدولة هي مربية المربين"(12) . أو الانصياع بالإكراه والغلبة والقوة والناس صاغرون.

... أما التسلط فهو جوهر السلطة اشتقاقاً وممارسة " ولا يمكن تصور دولة بلا قهر وبلا استئثار جماعة معينة بالخيرات المتوفرة... ولا يمكن تصور الحرية إلا خارج الدولة: أي في نطاق الطوبى" (13) إن هذا السياق الذي يموضع فيه عبد الله العروي الدولة هو ذاته الذي يمكننا من موضعه الخوف في صلب الدولة وفي قيامها وسقوطها معاً، وفي صميم الوعي الجمعي للناس، سواء في وضعية الاستسلام للخوف "كعادة نسبية" أو في تحوله إلى نقيضه تحت شروط معينة.

وبما أن الدولة مشغولة بتأكيد شرعيتها وبقائها واستمرارها وتجديدها، فإنها تتمادى في استخدام جهازها الايديولوجي ومؤسسات السلطة وممارساتها لأجل هذه الغاية، (أي إنتاج الخوف)، والذي يتحول بدوره لطبعٍ "وعادةٍ" في الدولة نفسها وليس فيمن يقعون تحت سلطتها وولايتها، ويتدعم هذا الأمر في حالات مثل :- نقص إحساس الدولة بشرعيتها، أو عجزها عن رفع التحديات المنوطة بها. أو تصلب بنيتها بصورة تمس قدرتها على ممارسة وظائفها المتوقعة. وعندها تتحول الدولة إلى ممارسة الخوف ليس كضرروة ولكن كتعويض وكإسقاط أيضاً ؟؟.
إن الدولة وعبر ممارستها تخويف الآخرين تعبر(أيضا) عن خوفها العميق. وهنا في خضم هذه الجدلية المهلكة والمعهودة والضرورية والمفتوحة على احتمالات شتى، نعثر على إحدى مفارقات الخوف وأعظمها أيضاً. أي عندما يتحول الخوف عند الرعية الخائفة إلى "مقاومة" ضد "الخوف كعادة" وضد الدولة وكل البنى ألمنتجه له. والأمر ليس تمريناً ذهنياً في المنطق، إنه على ارتباط عميق بأمثلة ونماذج تحليله من التاريخ البعيد والراهن.
* * *
.... و خلاصة القول، إن الخوف يتأصل في بنية الخلق وفي المسار الذي أفضى إلى الحياة الدنيا وأحداثها الدالة، وفي خطابات الوعد والوعيد التي تقوم عليها علاقة البشر بالسماء، كما يقوم في صلب علاقتهم بالطبيعة وغموضها وجبروتها، وفي المستوى التاريخي حصراً: فآيا كان أمر الخوف، قوة موروثة أو مكتسبة، قيمة أو قدراً أو مصيراً إلى حين. عنصراً أصيلاً في كل البنيات التي ننتمي إليها أو حالة طارئة أو عادة نسبية تدوم إلى زمن قد تفضي إلى نقيضها. وحيثما إتجهنا سنجد الخوف ماثلاً أو متنكراً.
ولكن تصوروا حصول الفرضية غير الممكنة أو المستحيلة، أي غياب الخوف أو استئصاله من حياة الناس والتاريخ. عندها سنجد عالما غير هذا العالم وعليه فإن الخوف ليس ضروري جدا فقط بل لا غنى عنه في حياة العالم ولتعريفه أيضا. أنه جزء من ناموسه ومفارقاته، وغير المدهش هو الافتراض المستحيل (أي غياب الخوف)، "لآن البديهيات وحدها هي القادرة على الإدهاش "بالإذن من رولان بارت.
أما السؤال بشأن وظيفة الخوف وهدفه وتحولاته فسيظل مطروحا ما بقي الخوف موجودا، ولكن السؤال عن الخوف نفسه فليس هناك متسع حقيقي له، إلا، على سبيل التأمل والتَفكُرِ والوصول من جديد لمفارقة الخوف المدهشة في بداهتها!!!.


هوامش وإحالات :
(1) جوليان فروند : سوسيولوجيات ماكس فيبر، ترجمة جورج أبي صالح (بيروت، مركز الانماء العربية، (د.ت) ص 23-24.
(2) يمكن هنا إيراد معالجات عدة تناولت الخوف بما هو معطى غريزي أو مكتسب. وفي هذا السياق، يُعرف معجم علم الأخلاق الخوف، بصفته إنفعال عابر أو شعور ثابت، يتولد عند الانسان من جراء خطر فعلي أو موهوم. وينعكس الخوف كظاهرة نفسية تتسم بطابع فطري أو اجتماعي في الاضطراب والعذاب والهلع والذعر والرعب، وكذلك الأفعال (الشعورية واللاشعورية) الرامية إلى حفظ البقاء... وقد يكون الخوف سمة وطيدة، لا، لوعي فرد لوحده بل لفئة اجتماعية، وحتى المجتمع ككل. فالخوف من المجهول كان مميزاً، مثلاً، للناس البدائيين، الذين كانوا يعيشونه عملياً تحت رحمة قوانين الطبيعة ولم يكن بوسعهم ضبطها إما "جميعة" الشعور بالخوف فتتم بطرق متباينة تبعاً لإختلاف ظروف الوسط الصغير والكبير. ..وثمة فلاسفة.. كثيرون (كيركيجور، شوبنهادر، نيتشة، وغيرهم). يرون في الخوف حالة طبيعية عند الإنسان الذي يعي وحدته، وعبثيته ووجوده. والخوف عند (برديايف) يقوم في صلب حياة الشخصية، ويُسير العالم.. والخوف.. كان يلعب دوراً هاماً في ضبط سلوك الإنسان (الخوف من العقاب ومن السلطة،...) ... وأحياناً يطرح الخوف بمثابة باعث أخلاقي، فتتكلف الأخلاق الدينية الناس بالخوف من الرب، ومن يوم "الهول الأكبر". وتعتبره الضمانة الأوثق لمراعاة مطالبها.كما يمكن التعرض لما قدمه علم النفس في هذا الصدد أيضا.
(3) غي روشيه، مدخل إلى علم الاجتماع العام- الفعل الاجتماعي، ترجمة محمد مصطفى دندشلي، (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، (د.ت)) ص137.
(4) نفسه، ص144. ويذكر غي روشيه هنا ص145 توضيحاً مهماً من خلال إشارته إلى الثقافة كقالب "...وهذا القالب ليس جامداً بصورة مطلقة، فهو طيع نوعاً ما، لدرجة أنه يسمح للتكيفات الفردية أن تبرز وهذه المطواعية أو ليونة القالب الثقافي، إنما هي دائماً داخل حدد معينة".
(5) نفسه ص144.
(6) غي روشيه، ص 165.
(7) يقول ابن خلدون –المقدمة، ص 358: إن الملك غاية طبيعية ليس.... إنما هو بضرروة الوجود وترتيبه.
(8) جورج بوردو، الدولة، ترجمة سليم حداد، الطبعة الأولى، (بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1985) ص 15.
(9) عبد الله العروي، مفهوم الدولة، الطبعة الأولى (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1981) ص 85.
(10) جورج بوردو، م.س،ص 11.
(11) جورج بوردو: م.س، ص27.
(12) عبد الله العروي: مفهوم الدولة،م.س ص 19.
(13) عبد الله العروي: نفسه ، ص 115.