المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : انتقال التكنولوجيا الحديثة، بين خوفين


Eng.Jordan
03-09-2013, 06:04 PM
انتقال التكنولوجيا الحديثة، بين خوفين:
يقظة الآخر وسطوة القوة

الأستاذ الدكتور محمد عبد الله الجعيدي



حمل المرجع من المرفقات




تسارعت الفتوح وانتشر الإسلام في العالم في وقت قياسي، ودخلت فيه شعوب الأرض أفواجا، فتذمرت كيداً النخبة المتخمة المهيمنة في الغرب، وبخاصة أباطرة الكنيسة وعتاة النبلاء والإقطاعيين الذين ارتعدت فرائصهم، وانغلقوا على ما بأيديهم من مكاسب وامتيازات مشروعة وغير مشروعة، كما انغلقوا على عداء أعمى للفاتح الجديد القادم من الشرق العربي، فسممت الكنيسة الغربية المتهودة مجتمعاتها طوال قرون بعُقد زعاف من الأنانية والحقد والتعالي على الآخر، وبخاصة على العرب والمسلمين، ووجدت عقد الخوف الغربية لها موئلاً في أيديولوجيا عمياء وأنانية تدفع بصاحبها استقواءً واستكباراً إلى التشبث بتميز ظالم على الآخر واستغلاله وإبادته، وحقد لا يرى أحقية الغير في العيش والأمن والتنافس الشريف، وتعالٍ قصُرت مدارك أصحابه عن استيعاب ناموس المساواة بين البشر.
بتلك العُقد النفسية، التي لا تزال الكنيسة الغربية تمكن لها من نفوس مرتاديها ومجتمعها، وبغيرها من النفاثات في العقد التي تبثها بالتبشير المسمم في العالم النامي، يعبّر الغرب المتطور مادياً، وهو وذيوله[i] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn1) في الإجمال، من القوى العاتية ذات التاريخ الاستعماري الدموي، عن خوف، بل فزع يساوره، من مجرد التفكير في فقدان التميز والامتياز، أو مجرد التفكير في إمكانية مساءَلتة عن جرائمه المتناسخة، ومطالبته بإيقافها، إن لم يكن بتعويض الضحية، بل الضحايا، إذا أصبحت هذه الأخيرة في وضع الندية، وربما التفوق القادر على المحاسبة. ففي كيمياء خوف الغرب من الآخر، عربياً كان أم مسلماً، مشاهدة للذات في المرآة مشاهدة تمتزج فيها أيديولوجيا التطرف الذرائعي في إنكار الغير وجنون الاستحواذ على مقدراته ومستقبله، بوعي الذات الخائفة نفسها بقدرة هذا الآخر على الانبعاث والنهوض من كبوته، إذا سيطر على ثرواته وتوفر لديه الحد الأدنى من الحرية والأمن والأمان والقدرة في الدفاع عن النفس وخيار تقرير المصير، وكلها من حقوقه الأولية غير القابلة للمساومة أو للنيل منها.
أما العالم النامي، ومنه العرب والمسلمون، فالخوف أو التوجس الذي يرقى عندهم إلى درجة الحدس أو حتى اليقين، فيتأتى من خشيتهم من الشروط التي يفرضها أو قد يفرضها عليهم، بسطوة القوة وسياسة فرّق تسُد، ذلك الغرب المستأثر لنفسه بمقومات التكنولوجيا الحديثة وبعصب الاقتصاد العالمي ووسائل الإعلام، وكلها شروط، بل قيود، لا تصل باستفادتهم من التكنولوجيا المجلوبة إلى مستوى المستهلك المنتج العارف بما بين يديه، وإنما تبقيهم مستهلكين غافلين عبيداً لما بين أيديهم. وهو خوف مشروع يتأطر في إطار الدفاع عن النفس والحفاظ على الذات، وقد أكدت عليه تجربتهم مع الدول المتطورة عدواناً وتكنولوجيا، من حيث استهدافها كيانهم وكينونتهم واستنزافها ثرواتهم الوطنية ومقدرات حياتهم، إذ ترتبط حالات الحصول على استخدام التكنولوجيا بشكل عام، بفرض شروط الظلم والتخلف والتصارع واستنزاف مقدرات الأوطان وتجاهل حقوق الإنسان، وتكييف الوضع كله على ما لا يخرج عن مركزية الغرب المهيمن وأطماعه المتعارضة في جلها مع مصالح البلاد والعباد في العالم النامي الذي يعيش بأكمله تحت وطأة الابتزاز والتهديد المستمر، من موقع الاستكبار والاستقواء، باستخدام فصل "التخويف" السابع من ميثاق الأمم المتحدة، استخداماً انتقائياً جائراً، لحصار بلدانه المتمردة على الإرادة الاستعمارية الغربية، وغزوها واحتلالها واستنزافها وتفكيكها وتدميرها.
وبهذا يمكننا القول إنَّ ازدواجية الخوف التي تحكم العلاقة التكنولوجية وغيرها من علاقات الدول المتطورة بالبلدان النامية، تراوح بين قطبين أو خوفين متباينين، أحدهما وهمي مختلق مصدره اختلال نفسي، يترتب عليه سلوك غير سوي لنخبة مهيمنة في المجتمع قد تنتقل عدواه، إلى ما سواها، إذا توفرت لها الشروط الملائمة واستطاعت اختراق جدار المناعة الأخلاقية والعقلية، في محيطها أو في محيط القطب الآخر[ii] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn2)، وثانيهما تجربة حقيقية معيشة مصدرها واقع قاس وتجربة مرة، يتحسسها الإنسان في لحمه الحي ويعاني المجتمع بأكمله من سلبياتها المادية والمعنوية الملموسة. وبهذا فليس الغرب في هذه الدراسة وطناً أو شعباً، ولا حتى تاريخاً أو جغرافيا، أو عرقاً أو ديناً، بقدر ما هو ظاهرة أيديولوجية وسلوكيات بشرية، كصاحبها عابرة، حتى وإن تواترت فصولها وتشابهت أدواتها ودوافعها المعلنة. أما البلدان النامية فهي حقيقة واقعة أرضاً وإنساناً يقع عليهما أذى نخب الغرب المهيمنة الذي قد تتورط فيه نخب أخرى معزولة من البلدان النامية ذاتها. وتسلمنا معطيات مفهوم الخوف التحليلية، بهذا المعنى، إلى فرضية هيمنة المتخيّل المرَضي على الواقع الحقيقي، في سياق تفرضه موازين القوة والضعف في ظل اختلال ميزان العدل، حتى تتراءى الذرائع، أمام البعض الواهم، براهين بينات، أو في الأقل، مسائل متشابهات، تحيل الحق جانباً وتحل محله.
والشيء بالشيء يذكر، فبدون تلكؤ أو تردد، قبِل الغرب تركيا النامية المسلمة في حلف الناتو العسكري الأطلسي أداة بطش وهيمنة، لكنه تردد وخاتل وماطل وارتعدت فرائصه، لأكثر من أربعة عقود من مجرد التفكير في إمكانية الشروع في مفاوضات معها، للتوافق على شروط، قد تؤدي إلى انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ولما لم يجد مفراً من ذلك طالبها، بلهجة متعالية لا تخلو من أحقاد عنصرية ودوافع مذهبية، وربما ترسبات تاريخية موروثة، على لسان الرئيس الفرنسي[iii] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn3) بالتثقف، فتأكدت من جديد طروحات ادوارد سعيد في استشراقه بهذا الشأن.
إن كان الخوف الطبيعي المبني على معطيات حقيقية للواقع حقاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وظاهرةً صحية مشروعة، تزن الأمور بالقسطاس وتدفع الذات، عند الحاجة، إلى الأخذ بزمام المبادرة أو إلى التريث في الحكم على المتشابهات واتخاذ القرار خشية التورط فيما لا تحمد عقباه، فالخوف المرضي وباء فتاك يحيل حاضنه ذئباً شرساً أو ثوراً هائجاً لا تحكمه غريزة ولا يردعه رادع.
وبتمكن أحد الخوفين من النفوس[iv] (http://www.shatharat.net/vb/#_edn4): سيان كان خوف الغرب من يقظة الآخر، وهو خوف مرضي مصدره هاجس فقدان الهيمنة أوقعه في تهيؤات محادثة الله لرؤسائه المنتخبين وحضِّه إيَّاهم على انتحال مشروعية الهيمنة والعدوان والاغتصاب والقتل باسمه، أم خوف البلدان النامية من سطوة القوة الخارجية الغاشمة وهو خوف طبيعي مصدره غريزة الدفاع عن النفس، يتعثر نقل التكنولوجيا الحديثة من مناشئها، كما تتعثر إعادة توطينها خارج تلك المناشئ.
طوال ثنائية دامية من الاستهداف ورد الاستهداف أو المقاومة، سعى غرب حكومات النخبة الفرنجية المدمن على صناعة الاحتلال والاغتصاب والإبادة والتدمير، منذ أن أطفأ أنوار الأندلس، إلى حصار العالم الإسلامي والهيمنة عليه من أقصى شرقه في جنوب شرقي أسيا، فقادت الصدف، في حينها، مغامراتِه الجغرافية، المدفوعة بأسباب أيديولوجية استكبارية ونهم في
[i] (http://www.shatharat.net/vb/#_ednref1) من ذيول الغرب حكومات اليابان ذات الإرث الاستعماري الكريه في شرق آسيا، وقد عرض سفيرها في طهران على موظفين كبار في وزارة الخارجية الإيرانية استثماراً يابانياً كبيراً في حقل مجنون النفطي الإيراني مقابل أيِّ معلومات عن الطيار الإسرائيلي جون أراد المفقود في إحدى جرائم كيانه ضد لبنان، وكان الجواب الإيراني رفضاً قاطعاً للصفقة. وإئر صدور قرار مجلس الأمن 1559 القاضي بسحب القوات السورية تدريجياً من لبنان، عرض الغرب على سورية البقاء في لبنان إذا أرادت مقابل الالتزام بتجريد حزب الله من سلاحه، فرفضت سورية الصفقة وواصلت انسحابها، الأمر الذي دفع الغرب في محاولة فاشلة في 9/11/2005، لابتزاز لؤي السقا المعتقل السوري في تركيا المتهم بالتخطيط لمهاجمة مدمرة إسرائيلية. بشهادة ملفقة، كما شهادة المجند السوري محمد زهير الصديق المسجون في فرنسا وشهادة الشاهد السوري المقنَّع حسام حسام، عن تورط سورية في اغتيال الحريري.

[ii] (http://www.shatharat.net/vb/#_ednref2) كما خدث للمرجعيات الدينية التي دخلت العراق على ظهور دبابات الاحتلال الأجنبي لتحقق، تحت مظلته، مصالح شخصية وطائفية بائسة.

[iii] (http://www.shatharat.net/vb/#_ednref3) جاك شيراك وهو ابن مهاجر هنغاري حارب عسكرياً في صفوف الجيش الفرنسي أثناء احتلاله الجزائر.

[iv] (http://www.shatharat.net/vb/#_ednref4) كما بدا ذلك جلياً في منتدى المعلوماتية في تونس الذي حضره يوم 16/11/2005 خمسون رئيساَ والأمين العام للأمم المتحدة الذي اقتصر دوره في المؤتمر على شكر المشاركين وقراءَة السلام عليهم باللغة العربية. وفي هذا المنتدى تشبثت الولايات المتحدة الأمريكية بهيمنتها واستئثارها بقطاعي الحاسوب والشبكة العنكبوتية العالمية. أما إسرائيل فصالت في المؤتمر وجالت، بوفد قوامه مئة وخمسون غاصباً يترأسهم التونسي القابسي اليهودي ووزير الخارجية سلبان شالوم المهاجر إلى فلسطين غاصباً قبل أربعين عاماً، تتكرم على بعض العرب والمسلمين برضاها لانطوائهم تحت جنحها، وتهدد بعضهم الآخر وتتوعده لرفضه الانصياع لأطماعها.